موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيات (78-80)

ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ

غريب الكلمات:


الْحَرْثِ: أي: الزَّرعِ، أو البُستانِ، وأصْلُ (حرث): يدُلُّ على إلقاءِ البَذرِ في الأرضِ، وتَهيئتِها للزَّرعِ [765] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 80)، ((تفسير ابن جرير)) (16/320)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 156)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/49)، ((المفردات)) للراغب (ص: 226)، ((تفسير القرطبي)) (11/307)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 120، 162). .
نَفَشَتْ: أي: رعَتْ لَيلًا، والنَّفشُ: الرَّعيُ باللَّيلِ، وأصلُ (نفش): يدُلُّ على انتشارٍ [766] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 287)، ((تفسير ابن جرير)) (16/321)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/461)، ((الغريبين)) للهروي (6/1872)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 239)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 296). .
لَبُوسٍ: أي: الدُّروعِ، سُمِّيت لَبُوسًا؛ لأنَّها تُلبَسُ، واللَّبوسُ عندَ العَرَبِ: السِّلاحُ كُلُّه، وأصلُ (لبس): يدُلُّ على مُخالَطةٍ ومُداخَلةٍ [767] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 287)، ((تفسير ابن جرير)) (16/329)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 403)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/230)، ((الغريبين)) للهروي (5/1671). ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 240)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 296)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 801). .
لِتُحْصِنَكُمْ: أي: لِتَمنَعَكم وتَحمِيَكم، وأصلُ (حصن): يدلُّ على حِفظٍ وحِياطةٍ [768] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/330)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)،  ((تفسير القرطبي)) (5/120) (11/320). .
بَأْسِكُمْ: أي: حَرْبِكم، وأصلُ (بأس): يدُلُّ على الشِّدَّةِ وما ضاهاها [769] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 287)، ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((البسيط)) للواحدي ((15/143))، ((المفردات)) للراغب (ص: 153)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 249). .

مشكل الإعراب:


قَوْلُه تعالى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ
قولُه: وَالطَّيْرَ مَنصوبٌ عطفًا على الْجِبَالَ، أو مَفعولٌ معه [770] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/400)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/480)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1599)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/185). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- نبيَّ اللهِ داودَ وابنَه سُلَيمانَ، إذ يَحكُمانِ في شأنِ زَرعٍ عَدَت عليه غَنَمُ قومٍ آخرينَ، وانتَشَرَت فيه ليلًا فأتلَفَتْه، وكنَّا لحُكمِهم شاهِدينَ لا يخفَى علينا شيءٌ، فَفَهَّمْنا سُليمانَ تلك القضيَّةَ، وكُلًّا مِن داودَ وسليمانَ أعطَينا نُبُوَّةً وعِلمًا، وذلَّلْنا مع داودَ الجِبالَ والطَّيرَ يُسَبِّحنَ معه إذا سبَّحَ، وكُنَّا فاعلينَ ذلك. وعلَّمنا داودَ صِناعةَ الدُّروعِ؛ لتحميَ المحارِبينَ مِن وَقْعِ السِّلاحِ فيهم، فهل أنتم شاكِرونَ نِعمةَ الله عليكم حيثُ أجراها على يَدِ عَبدِه داودَ؟

تفسير الآيات:


وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان المقصودُ ذِكرَ نِعَمِ الله تعالى على داودَ وسُلَيمانَ عليهما السَّلامُ؛ ذكَرَ أوَّلًا النِّعمةَ المُشتَركةَ بيْنهما، ثمَّ ذكَرَ ما يختَصُّ به كُلُّ واحدٍ منهما مِنَ النِّعَمِ [771] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/163). .
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ.
أي: واذكُرْ -يا محمَّدُ [772] ممَّن ذهب إلى هذا التقديرِ: ابنُ جريرٍ، والقرطبيُّ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/320)، ((تفسير القرطبي)) (11/307)، ((تفسير السعدي)) (ص: 528). قال ابن عطية: (ويحتَمِلُ عندي ويَقوَى أن يكونَ المعنى: وآتينا داودَ، عطفًا على قولِه تعالى: وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: 74]، والمعنى على هذا التأويلِ مُتَّسِقٌ). ((تفسير ابن عطية)) (4/90). واختاره ابن عاشور في ((تفسيره)) (17/115). - خبَرَ داودَ وسُلَيمانَ حينَ يَحكُمانِ [773] قال القرطبي: (لم يُرِدْ بقَولِه: إِذْ يَحْكُمَانِ الاجتِماعَ في الحُكمِ وإن جمَعَهما في القول؛ فإنَّ حُكمَينِ على حُكمٍ واحدٍ، لا يجوزُ، وإنَّما حكَمَ كُلُّ واحدٍ منهما على انفرادِه، وكان سليمانُ الفاهِمَ لها بتفهيمِ الله تعالى إيَّاه). ((تفسير القرطبي)) (11/307). في شأنِ الزَّرعِ أو الغَرسِ [774] قال ابن جرير: (الحرثُ: إنما هو حَرثُ الأرضِ. وجائزٌ أن يكون ذلك كان زرعًا، وجائز أن يكون غرْسًا، وغيرُ ضائرٍ الَجهلُ بأي ذلك كان). ((تفسير ابن جرير)) (16/321). وقال ابن القيم: (الحَرثُ: هو البستان، وقد رويَ أنه كان بستانَ عِنَبِ، وهو المسمَّى بالكَرْمِ). ((إعلام الموقعين)) (1/245). ونسَب الواحدي القولَ بأنَّ الحرثَ كان كَرْمًا قد نبَتتْ عناقيدُه إلى أكثرِ المفسرينَ، وقال: (وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، ومسروقٍ ومَعْمَرٍ، وشُرَيحٍ، وابنِ عباسٍ في روايةِ عطاءٍ). ((البسيط)) (15/132). ونسَب الرازي إلى أكثرِ المفسِّرينَ أَنَّ الحرثَ هو الزَّرعُ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/164). وقال البقاعي: (يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ الذي أنبَت الزرعَ، وهو مِن إطلاقِ اسمِ السببِ على المسبِّبِ، كالسماءِ على المطرِ والنبتِ). ((نظم الدرر)) (12/453). الذي انتَشَرَت فيه غَنَمُ قَومٍ آخرينَ في اللَّيلِ، فَرَعَت في البُستانِ وأكَلَت ما في أشجارِه [775] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/320، 321)، ((تفسير القرطبي)) (11/307)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/245)، ((تفسير الشوكاني)) (3/493)، ((تفسير السعدي)) (ص: 528). .
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ.
أي: وكنا لحُكمِ داودَ وسُلَيمانَ والمُتحاكِمين إليهما عالِمينَ لا يخفَى علينا شيءٌ [776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/321)، ((تفسير الزمخشري)) (3/128)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/454)، ((تفسير القاسمي)) (7/207)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). قال ابن الجوزي: (وفي المشارِ إِليه قولان: أحدُهما: داودُ وسليمانُ، فذكرهما بلَفظِ الجَمعِ؛ لأنَّ الاثنينِ جمعٌ، هذا قول الفرَّاء. والثاني: أنهم داود وسليمانُ والخصومُ، قاله أبو سليمان الدمشقي). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/202). وممَّن قال بالقولِ الأوَّلِ: الفرَّاءُ، ويحيى بنُ سلام، والقرطبي، وجلال الدين المحلي، والعُليمي، والشوكاني. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/208)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/328)، ((تفسير القرطبي)) (11/307)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 428)، ((تفسير العليمي)) (4/376)، ((تفسير الشوكاني)) (3/493). وممَّن قال بالقول الثاني: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جرير، ومكي، والزمخشري، وابنُ عطية، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو حيان، والبقاعي، والقاسمي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/87)، ((تفسير ابن جرير)) (16/321)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (7/4786)، ((تفسير الزمخشري)) (3/128)، ((تفسير ابن عطية)) (4/93)، ((تفسير البيضاوي)) (4/57)، ((تفسير النسفي)) (2/414)، ((تفسير ابن جزي)) (2/26)،  ((تفسير أبي حيان)) (7/455)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/454)، ((تفسير القاسمي)) (7/207)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). قال ابنُ عطية: (وقوله تعالى: لِحُكْمِهِمْ يريدُ: داودَ وسليمانَ والخصمينِ؛ لأنَّ الحكمَ يُضافُ إلى جميعِهم، وإن اختَلفت جهاتُ الإضافةِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/93). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/164). وقال أبو حيان: (والضَّميرُ في لِحُكْمِهِمْ عائدٌ على الحاكمينِ والمحكومِ لهما وعليهما، وليس المصدرُ هنا مُضافًا إلى فاعلٍ ولا مفعولٍ، ولا هو عاملٌ في التَّقديرِ... وكأنَّ المعنَى: وكنَّا للحكمِ الَّذي صَدَر في هذه القضيَّةِ شاهِدينَ). ((تفسير أبي حيان)) (7/455). .
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79).
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ.
أي: ففهَّمْنا تلك القضيَّةَ سُلَيمانَ [777] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/321)، ((الوسيط)) للواحدي (3/246)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). قال السعدي: (قضى فيه داودُ عليه السلامُ بأنَّ الغَنَمَ تكون لصاحِبِ الحرث؛ نظرًا إلى تفريطِ أصحابها، فعاقَبَهم بهذه العقوبةِ، وحكم فيها سُلَيمانُ بحُكمٍ مُوافِقٍ للصواب؛ بأنَّ أصحابَ الغَنَمِ يَدفَعونَ غَنَمَهم إلى صاحِبِ الحَرثِ فينتَفِعُ بدَرِّها وصوفِها، ويقومونَ على بستانِ صاحِبِ الحَرثِ حتى يعودَ إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حالِه ترادَّا ورجع كلٌّ منهما بما له، وكان هذا من كمالِ فَهمِه وفِطنتِه عليه السَّلامُ؛ ولهذا قال تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ أي: فهَّمْناه هذه القضيَّةَ، ولا يدُلُّ ذلك أنَّ داود لم يُفَهِّمْه اللهُ في غيرِها). ((تفسير السعدي)) (ص: 528). ويُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/245، 246). .
وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا.
أي: وكلًّا مِن داودَ وسُلَيمانَ آتَينا نُبُوَّةً، وعِلمًا بدينِ اللهِ وأحكامِه [778] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/321)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/455)، ((تفسير السعدي)) (ص: 528)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/231). .
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ.
مناسبتُها لما قبلَها:
أنَّها شُروعٌ في بَيانِ ما يَختَصُّ بكلٍّ منهما مِن كَرامتِه تعالى، إثْرَ بَيانِ كَرامتِه العامَّةِ لهما [779] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/79). .
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ.
أي: وذلَّلْنا مع داودَ الجِبالَ والطَّيرَ يُسَبِّحْنَ [780] قال الشنقيطي: (التحقيقُ: أنَّ تَسبيحَ الجبالِ والطَّيرِ -مع داودَ- المذكورَ تسبيحٌ حَقيقيٌّ؛ لأنَّ الله جلَّ وعلا يجعَلُ لها إدراكاتٍ تُسَبِّحُ بها، يعلَمُها هو جلَّ وعلا، ونحن لا نعلمُها، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44]، وقال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: 74]). ((أضواء البيان)) (4/231، 232). بمِثلِ تَسبييحِه إذا سَبَّحَ؛ مُعجِزةً له [781] قال ابنُ كثير: (قولُه: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ؛ وذلك لطِيبِ صَوتِه بتلاوةِ كتابِه الزَّبورِ، وكان إذا ترَنَّمَ به تقِفُ الطيرُ في الهواءِ، فتُجاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجِبالُ تأويبًا). ((تفسير ابن كثير)) (5/358). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 528). ، وكنَّا فاعلينَ ذلك [782] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/328)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 721)، ((تفسير البغوي)) (3/300)، ((تفسير ابن كثير)) (5/358)، ((تفسير السعدي)) (ص: 528)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/119)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/231). قال ابن جرير: (قوله: وَكُنَّا فَاعِلِينَ يقولُ: وكنَّا قد قَضَينا أنَّا فاعِلو ذلك، ومُسَخِّرو الجبالِ والطيرِ في أمِّ الكتابِ مع داودَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ). ((تفسير ابن جرير)) (16/328). وقال البقاعي: (أي: مِن شأنِنا الفِعلُ لأمثالِ هذه الأفاعيلِ، ولكُلِّ شَيءٍ نريدُه بما لنا مِنَ العَظَمةِ المحيطةِ؛ فلا تَستَكثِروا علينا أمرًا وإن كان عندكم عَجَبًا). ((نظم الدرر)) (12/456). وقال الشنقيطيُّ: (والظَّاهِرُ أنَّ قَولَه: وَكُنَّا فَاعِلِينَ مُؤكِّدٌ لِقَولِه: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، والموجِبُ لهذا التأكيدِ أنَّ تسخيرَ الجبالِ وتَسبيحَها أمرٌ عَجَبٌ خارِقٌ للعادة، مَظِنَّةٌ لأن يُكَذِّبَ به الكَفَرةُ الجَهَلةُ!). ((أضواء البيان)) (4/232). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: 10].
وقال سُبحانَه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [ص: 17 - 19].
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80).
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ قراءاتٌ:
1- قراءةُ لِتُحْصِنَكُمْ بتاءٍ مَضمومةٍ، على التأنيثِ، أي: لِتُحصِنَكم هذه الصَّنعةُ [783] قرأ بها ابنُ عامر، وحفصٌ عن عاصمٍ، وأبو جعفرٍ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/324). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (16/329)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 250)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/168). .
2- قراءةُ لِنُحْصِنَكُم بنونٍ مضمومةٍ، على أنَّ الله تعالى يخبِرُ عن نَفسِه، أي: لِنُحصِنَكم نحنُ من بأسِكم بواسطةِ هذه الدُّروعِ [784] قرأ بها شعبةُ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/324). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (16/329)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 250)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/168)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 469). .
3- قراءة لِيُحْصِنَكُم بياءٍ مَضمومةٍ، على التذكيرِ، أي: لِيُحصِنَكم الله تعالى، أو: ليحصِنَكم هذا اللَّبوسُ [785] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/324). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 250)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/168)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 469). قال ابنُ جزي: (قُرِئ بالياءِ والتاءِ والنونِ، فالنونُ لله تعالى، والتاءُ للصنعةِ، والياءُ لداودَ أو للبوس). ((التسهيل)) (2/27). .
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ.
أي: وعلَّمْنا داودَ كيفيَّةَ صِناعةِ الدُّروعِ لكم؛ لِتَقيَكم في القتالِ مِن سلاحِ أعدائِكم [786] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/329، 330)، ((تفسير ابن كثير)) (5/358)، ((تفسير السعدي)) (ص: 528)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/120). قال السعدي: (علَّم الله داودَ عليه السَّلامُ صنعةَ الدُّروعِ، فهو أوَّلُ مَن صنَعَها وعُلِّمَها، وسَرَت صناعتُه إلى مَن بَعدَه، فألانَ اللهُ له الحديدَ، وعَلَّمَه كيف يَسرُدُها). ((تفسير السعدي)) (ص: 528). .
كما قال تعالى: وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: 81].
فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ.
أي: فهل أنتم -أيُّها النَّاسُ- شاكِرو اللهِ على تيسيرِه لكم نِعمةَ الدُّروعِ [787] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/330)، ((تفسير القرطبي)) (11/321)، ((تفسير ابن كثير)) (5/358). ؟

الفوائد التربوية :


1- قال الله تعالى: وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا في هذا تنبيهٌ على أنَّ العِلمَ أفضَلُ الكَمالاتِ وأعظَمُها؛ وذلك لأنَّ الله تعالى قَدَّمَ ذِكرَه هاهنا على سائِرِ النِّعَمِ الجليلةِ، مِثلُ: تَسخيرِ الجِبالِ والطيرِ، والريحِ والجِنِّ، وإذا كان العِلمُ مُقَدَّمًا على أمثالِ هذه الأشياءِ، فما ظَنُّك بغَيرِها [788] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/163). ؟!
2- في قَولِه تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ... دَلالةٌ على أنَّ العَمَلَ والمهنةَ ليستا نَقصًا؛ لأنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ كانوا يُمارِسونَها [789] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/398). ، والآيةُ أصلٌ في اتِّخاذِ الصَّنائِعِ والأسبابِ، وهو قَولُ أهل العُقولِ والألبابِ، لا قَولُ الجَهَلةِ الأغبياءِ القائلينَ بأنَّ ذلك إنما شُرِعَ للضُّعَفاءِ؛ فالسَّبَبُ سُنَّةُ الله في خَلقِه، فمَن طعَنَ في ذلك فقد طَعَن في الكِتابِ والسُّنَّة، ونَسَب مَن ذَكَرْنا إلى الضَّعفِ وعَدَمِ المنَّةِ، فالصَّنعةُ يَكُفُّ بها الإنسانُ نَفسَه عن النَّاسِ، ويَدفَعُ بها عن نَفسِه الضَّررَ والباسَ [790] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/321). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ استُدِلَّ به على جَوازِ الاجتِهادِ في الأحكامِ، ووُقوعِه للأنبياءِ [791] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 180). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا أصلٌ في اختلافِ الاجتِهادِ، وفي العَمَلِ بالرَّاجِحِ، وفي مراتِبِ التَّرجيحِ [792] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). .
3- في قَولِ اللهِ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا إنْ قيل: فكيف نَقَض داودُ حُكمَه باجتهادِ سُلَيمانَ؟
فالجوابُ عنه مِن وَجهَينِ؛ أحدُهما: يجوزُ أن يكونَ داودُ ذَكَر حُكمَه على الإطلاقِ، وكان ذلك منه على طَريقِ الفُتيا، فذَكَرَه لهم لِيُلزِمَهم إيَّاه، فلمَّا ظهر له ما هو أقوى في الاجتِهادِ منه عاد إليه.
الثَّاني: أنَّه يجوزُ أن يكونَ اللهُ أوحى بهذا الحُكمِ إلى سُلَيمانَ، فلَزِمَه ذلك، ولأجْلِ النَّصِّ الواردِ بالوَحيِ رأى أن يَنقُضَ اجتِهادَه؛ لأنَّ على الحاكِمِ أن ينقُضَ حُكمَه بالاجتهادِ إذا خالف نصًّا [793] يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/458). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ استدَلَّ به مَن قال برُجوعِ الحاكِمِ بعد قضائِه عن اجتِهادِه إلى أرجحَ منه [794] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 180). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا هذا دليلٌ على أنَّ الحاكِمَ قد يُصيبُ الحَقَّ والصَّوابَ، وقد يُخطِئُ ذلك، وليس بمَلومٍ إذا أخطأ مع بَذْلِ اجتِهادِه [795] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 528). .
6- قال اللهُ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا فهذه القضيَّةُ التي تضَمَّنَتْها الآيةُ مَظهَرٌ مِن مظاهِرِ العَدلِ، ومَبالِغِ تَدقيقِ فِقهِ القَضاءِ، والجَمعِ بين المصالِحِ، والتفاضُلِ بينَ مراتِبِ الاجتهادِ، واختِلافِ طُرُقِ القَضاءِ بالحَقِّ مع كونِ الحَقِّ حاصِلًا للمُحِقِّ، فمَضمونُها أنَّها الفِقهُ في الدِّينِ الذي جاء به المُرسَلونَ مِن قَبلُ [796] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/115، 116). .
7- في قَولِه تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ دَلالةٌ على أنَّ النَّاسَ متفاوِتونَ في الأفهامِ، ولو كان الفَهمُ متماثلًا لَمَا خُصَّ به سُلَيمانُ [797] يُنظر: ((جامع المسائل لابن تيمية)) (2/272). .
8- في قَولِه تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا دَلالةٌ على أهميَّةِ الفَهمِ، وأنَّ العلمَ ليس كلَّ شَيءٍ [798] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (26/97). .
9- قال اللهُ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا فقد خَصَّ أحَدَ النبِيَّينِ الكريمَينِ بالتَّفهيمِ مع ثنائِه على كُلٍّ منهما بأنَّه أُوتيَ عِلمًا وحُكمًا، فهكذا إذا خَصَّ اللهُ أحَدَ العالِمَينِ بعِلمِ أمرٍ وفَهِمَه لم يوجِبْ ذلك ذَمَّ مَن لم يحصُلْ له ذلك من العُلَماءِ، بل كلُّ مَنِ اتَّقى الله ما استطاعَ فهو مِن أولياءِ الله المتَّقينَ، وإن كان قد خَفِيَ عليه مِن الدِّينِ ما فَهِمَه غيرُه [799] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (33/29). . فالعلماءُ المجتهدون؛ للمصيبِ منهم أجرانِ، وللآخَرِ أجرٌ واحدٌ، وكلٌّ منهم مطيعٌ لله بحسَبِ استطاعتِه؛ ولا يُكَلِّفُه اللهُ ما عجزَ عن عِلْمِه [800] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (33/41). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا أصلٌ في عُذرِ المُجتَهِدِ إذا أخطأ الاجتِهادَ، أو لم يهتَدِ إلى المُعارِضِ؛ لِقَولِه تعالى: وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا في مَعرِضِ الثَّناءِ على داودَ وسُلَيمانَ عليهما السَّلامُ [801] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). .
11- استُدلَّ بقَولِ الله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ على تَضمينِ أربابِ المَواشي ما أفسَدَت باللَّيلِ دُونَ النَّهارِ؛ لأنَّ النَّفْشَ لا يَكونُ إلَّا باللَّيلِ [802] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 180). .
12- قَولُه تعالى: كُنَّا فَاعِلِينَ في موضِعَينِ مِن كتابِه؛ أحَدُهما: قَولُه تعالى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، والثَّاني: قَولُه تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104]، فتأمَّلْ قولَه: كُنَّا فَاعِلِينَ في هذَينِ المَوضِعَينِ، المتضَمِّنَ للصُّنعِ العَجيبِ الخارِجِ عن العادةِ: كيف تَجِدُه كالدَّليلِ على ما أخبَرَ به، وأنَّه لا يَستَعصي على الفاعِلِ حَقيقةً، أي: شَأنُنا الفِعلُ، كما لا يَخفى الجَهرُ والإسرارُ بالقَولِ على مَن شَأنُه العِلمُ والخِبرةُ، ولا تَصعُبُ المَغفِرةُ على مَن شَأنُه أن يَغفِرَ الذُّنوبَ، ولا الرِّزقُ على مَن شَأنُه أن يَرزُقَ العِبادَ -سُبحانَه وبِحَمدِه [803] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 133، 134). !
13- في قَولِه تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ دَلالةٌ على أنَّ داودَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان حَدَّادًا [804] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/398). .
14- في قَولِه تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ دليلٌ على أنَّ الاحتِرازاتِ ليست تَنقُصُ في التوكُّلِ؛ إِذْ كان اللهُ جلَّ وتعالى قد جَعَلَ الدِّرعَ صيانةً في الحُروبِ، وجعَلَها في النِّعَمِ التي طالب بشُكرِها، وإذا كان ذلك كذلك، فالمكاسِبُ كلُّها، وإعدادُ الأقواتِ غيرُ مؤثِّرةٍ في الثِّقةِ بالخالِقِ؛ ولا مَعدودةٍ في عِدَادِ خوفِ فَواتِ الرِّزقِ [805] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/311). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
- قولُه: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ فيه الإتيانُ بصِيغةِ المُضارِعِ يَحْكُمَانِ حِكايةً للحالِ الماضيةِ؛ لاستحضارِ صُورتِها [806] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/78). .
- وجُملةُ: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ اعتراضٌ مُقرِّرٌ للحُكْمِ، ومُفيدٌ لِمَزيدِ الاعتناءِ بشأْنِه [807] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/78). .
- وفيه مِن فُنونِ البَلاغةِ: ما يُعرَفُ بجَمْعِ المُختلِفِ والمُؤتلِفِ، وهو عبارةٌ عن إرادةِ المُتكلِّمِ التَّسويةَ بين مَمدوحينِ، فيأْتي بمَعانٍ مُؤتَلِفةٍ في مَدْحِهما، ثمَّ يَرومُ بعْدَ ذلك تَرجيحَ أحَدِهما على الآخرِ بزِيادةِ فَضْلٍ لا يَنقُصُ مَدْحَ الآخَرِ، فيأْتي لأجْلِ ذلك التَّرجيحِ بمَعانٍ تُخالِفُ معانِيَ التَّسويةِ؛ فهنا ساوَى أوَّلَ الآيةِ بين داودَ وسُليمانَ عليهما السَّلامُ في أهْلِيَّةِ الحُكْمِ، ثمَّ رجَّحَ آخِرَها سُليمانَ بقولِه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ، فسوَّى في الحُكمِ والعِلمِ، وزاد في فَضْلِ سُليمانَ بالفَهمِ، وحصَلَ الالْتِفاتُ، فأَتى بما يقومُ مَقامَ تلك الزِّيادةِ الَّتي يُرجَّحُ بها سُليمانُ؛ لِتُرشِدَ إلى المُساواةِ في الفضْلِ، لِتكونَ فَضيلةُ السِّنِّ وما يَستتبِعُها مِن وَفْرةِ التَّجارِبِ وحُنْكةِ الحياةِ قائمةً مَقامَ الزِّيادةِ الَّتي رُجِّحَ بها سُليمانُ في الحُكْمِ؛ فساوتِ الآيةُ الكريمةُ بيْن داودَ وسُليمانَ في التَّأهُّلِ للحُكْمِ، وشرَّكَت بيْنهما فيه، حيث قالت: إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ، وأخبَرَتْ أنَّ اللهَ سُبحانَه فهَّمَ سُليمانَ إصابةَ الحُكْمِ، ففضَلَ أباهُ بذلك بعْدَ المُساواةِ، ثمَّ الْتَفَتْ سُبحانَه إلى مُراعاةِ حَقِّ الوالدِ، فقال: وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، فرَجَعا بذلك إلى المُساواةِ بعْدَ تَرجيحِ سُليمانَ؛ لِيُعلِّمَ الولَدَ بذلك بِرَّ الوالِدِ ويُعرِّفَه ما له عليه من الحقِّ، حتَّى إذا فكَّرَ النَّاظِرُ في هذا الكلامِ، وقال: مِن أين جاءتِ المُساواةُ في الحُكْمِ والعلمِ بعْدَ الإخبارِ بأنَّ سُليمانَ فَهِمَ مِن الحُكْمِ ما لم يَفْهَمْه أبوه؟ عَلِم أنَّ حَقَّ الأُبوَّةِ قام مَقامَ تلك الفضيلةِ، فحصَلَتِ المُساواةُ. وحصَلَ في هذا الكلامِ ضَرْبٌ آخَرُ من المحاسِنِ يُقالُ له: الالْتِفاتُ؛ وذلك في قولِه تعالى فيها: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، وأدْمَجَ في هذا الالْتِفاتِ ضَرْبًا آخَرَ مِن المَحاسِنِ يُقالُ له: التَّنكيتُ؛ فإنَّ النُّكتةَ الَّتي مِن أجْلِها جُمِعَ الضَّميرُ الَّذي كان مِن حَقِّه أنْ يكونَ مُثَنًّى هي الإشارةُ إلى أنَّ هذا الحُكْمَ مُتَّبَعٌ يَجِبُ الاقتداءُ به؛ لأنَّه عَينُ الحقِّ ونَفْسُ العدْلِ، وكيف لا يكونُ كذلك وقد أخبَرَ سُبحانه أنَّه شاهِدٌ له؟! أي: هو مُراعًى بعَينِه عَزَّ وجَلَّ. ويجوزُ أنْ يكونَ جُمِعَ الضَّميرُ الَّذي أُضِيفَ إليه الحُكْمُ مِن أجْلِ أنَّ الحُكْمَ يَستلزِمُ حاكِمًا، ومَحكومًا له، ومَحكومًا عليه؛ فجُمِعَ الضَّميرُ لأجْلِ ذلك [808] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/128)، ((تفسير أبي حيان)) (7/455)، ((تفسير أبي السعود)) (6/78)، ((معترك الأقران في إعجاز القرآن)) للسيوطي (1/307)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/118)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/344- 346). .
2- قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
- صِيغَةُ التَّفهيمِ في قولِه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ تُفِيدُ شِدَّةَ حُصولِ الفِعْلِ أكثَرَ مِن صِيغةِ الإفهامِ؛ فدَلَّ على أنَّ فَهْمَ سُليمانَ في القضيَّةِ كان أعمَقَ [809] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/118). .
- قولُه: وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا تَذييلٌ؛ للاحتراسِ لدَفْعِ تَوهُّمِ أنَّ حُكْمَ داودَ كان خطَأً أو جَورًا، وإنَّما كان حُكْمُ سُليمانَ أصوبَ [810] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/79)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/119). .
- و(مع) ظَرْفٌ مُتعلِّقٌ بفِعْلِ يُسَبِّحْنَ، وقُدِّمَ على مُتعلَّقِه؛ للاهتمامِ به لإظهارِ كَرامةِ دَاودَ [811] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/119). .
- وقُدِّمَتِ الجِبالُ على الطَّيرِ؛ لأنَّ تَسخيرَها وتَسبيحَها أعجَبُ وأدَلُّ على القُدرةِ، وأدخَلُ في الإعجازِ؛ لأنَّها جَمادٌ والطَّيرَ حيوانٌ، إلَّا أنَّه غيرُ ناطقٍ [812] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/129)، ((تفسير أبي حيان)) (7/456). .
- قولُه: يُسَبِّحْنَ استئنافٌ مُبيِّنٌ لجُملةِ (سَخَّرْنَا)، أو حالٌ مُبيِّنةٌ، وذِكْرُها هنا استطرادٌ وإدماجٌ [813] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/57)، ((تفسير أبي حيان)) (7/455)، ((تفسير أبي السعود)) (6/80)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/119). والإدماجُ، لُغةً: الإدخالُ؛ يُقال: أدْمَجَ الشيءَ في ثَوبٍ، إذا لَفَّه فيه. واصطلاحًا: أنْ  يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في  الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ؛ فهو مِن أفانينِ البَلاغةِ ويكونُ مرادُ البليغِ غَرَضينِ فيُقرن الغرضَ المسوقَ له الكلامُ بالغرضِ الثاني، وفيه تَظهرُ مَقدرةُ البليغِ؛ إذ يأتي بذلك الاقترانِ بدون خروجٍ عن غَرَضِه المسوقِ له الكلامُ ولا تَكلُّفٍ، بمعنى: أن يَجعل المتكلِّمُ  الكلامَ الذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه  تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي  (3/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة  العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). .
- وجُملةُ: وَكُنَّا فَاعِلِينَ تَذييليَّةٌ مُعترِضةٌ بين الإخبارِ عمَّا أُوتِيَهُ داودُ [814] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/385)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/120). .
3- قوله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ
- قولُه: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ فيه فضْلُ هذه الصَّنعةِ؛ إذ أسنَدَ تَعليمَها إيَّاهُ إليه تعالى [815] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/456). .
- قولُه: فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ أمْرٌ وارِدٌ على صُورةِ الاستفهامِ؛ للمُبالَغةِ أو التَّقريعِ [816] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/57)، ((تفسير أبي حيان)) (7/457)، ((تفسير أبي السعود)) (6/80). ؛ فالاستفهامُ في قولِه: فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ مُستعمَلٌ في استبطاءِ عدَمِ الشُّكرِ، ومُكَنًّى به عن الأمْرِ بالشُّكرِ، وكان العُدولُ عن إيلاءِ (هل) الاستفهاميَّةِ بجُملةٍ فِعْليَّةٍ إلى الجُملةِ الاسميَّةِ، مع أنَّ لـ(هل) مَزِيدَ اختصاصٍ بالفِعْلِ، فلم يقُلْ: (فهلْ تَشكُرون)، وعدَلَ إلى: فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ؛ لِيَدُلَّ العُدولُ عنِ الفِعْليَّةِ إلى الاسميَّةِ على ما تَقْتضيهِ الاسميَّةُ من مَعنى الثَّباتِ والاستمرارِ، أي: فهلْ تَقرَّرَ شُكْرُكم وثبَتَ؛ لأنَّ تَقرُّرَ الشُّكرِ هو الشَّأنُ في مُقابَلةِ هذه النِّعمةِ [817] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/122). .