موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيات (71-75)

ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ

غريب الكلمات:


نَافِلَةً: أي: زيادةً وفَضلًا، وأصلُ (نفل): يدُلُّ على عَطاءٍ [704] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/40)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/455)، ((المفردات)) للراغب (ص: 820)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 239)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 914). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى: ونجَّينا إبراهيمَ ولوطًا وأخرَجْناهما إلى الأرضِ التي بارَكْنا فيها للعالَمينَ، ووهَبْنا لإبراهيمَ ابنَه إسحاقَ وحفيدَه يَعقوبَ زِيادةً على ذلك، وكلٌّ مِن إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ جعَلَه اللهُ صالحًا مُطيعًا له، وجعَلْنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ قُدوةً للنَّاسِ يَدْعونَهم بأمْرِنا إلى عِبادة اللهِ وطاعتِه، وأوحَينا إليهم فِعْلَ الخيراتِ مِن العَمَلِ، وإقامَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزَّكاةِ، فامتَثَلوا لذلك، وكانوا مُنقادينَ مُطيعينَ لله وَحْدَه دون مَن سِواه.
وآتَينا لُوطًا النبُوَّةَ وفَصْلَ القَضاءِ بين الخُصومِ، وعِلمًا عَظيمًا بأمرِ اللهِ ودينِه، ونجَّيناه مِن أهلِ القَريةِ الذين كانوا يعملونَ الخبائثَ؛ إنَّهم كانوا أهلَ سَوءٍ وقُبحٍ، خارجينَ عن طاعةِ الله. وأدخَلْناه في رحمتِنا بإنجائِه ممَّا حلَّ بقَومِه، وبإدخالِه الجنَّةَ في الآخِرةِ؛ لأنَّه كان من الطَّائعين الذين يَعمَلونَ بطاعةِ اللهِ.

تفسير الآيات:


وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71).
أي: ونجَّينا إبراهيمَ ولوطًا مِن أعدائِهما الكافِرينَ، فأخرَجْناهما إلى الأرضِ التي بارَكْنا فيها للعالَمينَ [705] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/310)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير ابن كثير)) (5/353)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/447، 448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/108). قال ابن جرير: (لا خِلافَ بين جميع أهل العِلمِ أنَّ هِجرةَ إبراهيمَ مِن العراقِ كانت إلى الشام، وبها كان مُقامُه أيام حياتِه). ((تفسير ابن جرير)) (16/315). ونسب الشنقيطي القول بأنها أرض الشام إلى الجمهور. يُنظر: ((أضواء البيان)) (4/165). وقيل: المراد بقوله: الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ: بيت المقدس. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/305). قال ابن عاشور: (والأرض: هي أرضُ فلسطين). ((تفسير ابن عاشور)) (17/108). وذكر ابنُ كثيرٍ أنَّ المرادَ: الأرضُ المقدسةُ مِن بلادِ الشامِ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/353). وقال القرطبي: (وقيل لها: مُباركةٌ؛ لكثرةِ خِصبِها وثمارِها وأنهارِها، ولأنَّها معادِنُ الأنبياءِ). ((تفسير القرطبي)) (11/305). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/165). وقال ابن عاشور: (وصَفَها الله بأنَّه باركها للعالَمينَ، أي: للنَّاسِ، يعني الساكنينَ بها؛ لأنَّ الله خلقها أرضَ خِصبٍ ورخاءِ عَيشٍ، وأرضَ أمنٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/108). .
كما قال تعالى: فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت: 26].
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الله تعالى بعد ذِكرِه لإنعامِه على إبراهيمَ وعلى لوطٍ عليهما السَّلامُ بأن نجَّاهما إلى الأرضِ المباركةِ؛ أتبَعَه بذِكرِ غَيرِه مِن النِّعَمِ [706] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/160). .
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً.
أي: وأعْطَينا إبراهيمَ ابنَه إسحاقَ، وأعْطَيناه حَفيدَه يَعقوبَ بنَ إسحاقَ زيادةً، وفَضلًا منَّا [707] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/315، 317)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/312)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/165، 166). وممن قال بأنَّ المرادَ بالنافلةِ: يعقوبُ عليه السلامُ: مقاتل بن سليمان، والزجاج، والسمرقندي، والواحدي، والسمعاني، والقرطبي، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ القيم، واختاره النيسابوري، والشوكانيُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/86)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/398)، ((تفسير السمرقندي)) (2/432)، ((الوسيط)) للواحدي (3/245)، ((تفسير السمعاني)) (3/392)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/312)، ((تفسير النيسابوري)) (5/34)، ((تفسير الشوكاني)) (3/491). قال القرطبي: (قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً أي: زيادةً؛ لأنَّه دعا في إسحاقَ، وزِيدَ يَعقوبَ مِن غَيرِ دعاءٍ، فكان ذلك نافِلةً، أي: زيادةً على ما سأل؛ إذ قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 100]. ويُقالُ لوَلَدِ الوَلَدِ نافِلةٌ؛ لأنَّه زيادةٌ على الوَلَدِ). ((تفسير القرطبي)) (11/305). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس، وقتادةُ، وابنُ زيد، والحكمُ بنُ عُتَيْبةَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/315)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/201)، ((تفسير ابن كثير)) (5/353). وممَّن قال بأنَّ كُلًّا من إسحاقَ ويَعقوبَ كان نافلةً لإبراهيمَ: ابن عطية -وهو الظاهرُ مِن اختيارِه-، والرازي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/90)، ((تفسير الرازي)) (22/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/108، 109). قال الرازي: (لأنَّه تعالَى جَمَع بينَهما، ثُمَّ ذَكَر قولَه: نَافِلَةً، فإذا صَلُحَ أنْ يكونَ وصفًا لهما فهو أولَى). ((تفسير الرازي)) (22/160). وقال ابن عاشور: (النافلةُ: الزيادةُ غيرُ الموعودةِ؛ فإنَّ إبراهيمَ سأل ربَّه، فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 100]، أراد الوَلَدَ، فوُلِدَ له إسماعيلُ، ثمَّ وُلِدَ له إسحاقُ عن غيرِ مسألةٍ،كما في سورةِ «هودٍ»، فكان نافلةً، ووُلِدَ لإسحاقَ يعقوبُ، فكان أيضًا نافِلةً). ((تفسير ابن عاشور)) (17/108، 109). وممن قال بهذا القولِ من السلفِ: عطاءٌ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/316)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/201). قال ابن جرير: (النافلةُ: الفَضلُ مِن الشَّيءِ يَصيرُ إلى الرجُلِ مِن أيِّ شَيءٍ كان ذلك، وكِلَا ولَدَيه إسحاقَ ويعقوبَ كان فضلًا من اللهِ، تفَضَّلَ به على إبراهيمَ، وهِبَةً منه له. وجائزٌ أن يكون عنى به أنَّه آتاهما إيَّاه جميعًا نافلةً منه له، وأن يكونَ عنى أنَّه آتاه نافلةً يَعقوبَ، ولا بُرهانَ يدُلُّ على أيِّ ذلك المرادُ مِن الكلامِ، فلا شيءَ أَولى أن يقالُ في ذلك مِمَّا قال الله: ووَهَبَ اللهُ لإبراهيمَ إسحاقَ ويَعقوبَ نافِلةً). ((تفسير ابن جرير)) (16/317). وقال الشنقيطي: (قَولُه: نَافِلَةً فيه وجهانِ مِن الإعرابِ، فعلى قَولِ مَن قال: النَّافِلةُ: العَطِيَّةُ، فهو ما ناب عن المُطلَقِ مِن «وَهَبْنَا» أي: وهَبْنا له إسحاقَ ويَعقوبَ هِبةً. وعليه النَّافِلةُ: مَصدَرٌ جاء بصيغةِ اسمِ الفاعِلِ، كالعاقِبةِ والعافيةِ. وعلى أنَّ النافلةَ بمعنى الزِّيادةِ، فهو حالٌ مِن «يَعْقُوبَ» أي: وهبنا له يَعقوبَ في حالِ كَونِه زيادةً على إسحاقَ). ((أضواء البيان)) (4/166). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم: 49].
وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ.
أي: وكُلًّا من إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ جعَلْنا طائِعينَ لله، مُجتَنِبينَ محارِمَ اللهِ [708] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/317)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/109). .
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ الله تعالى أنَّه أعطاهم رُتبةَ الصَّلاحِ في أنفُسِهم؛ ذكَرَ أنَّه أعطاهم رُتبةَ الإصلاحِ لِغَيرِهم، فقال مُعَظِّمًا لإمامتِهم [709] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/449). :
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا.
أي: وجعَلْنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ أئمَّةً يَقتَدي بهم النَّاسُ في طاعةِ اللهِ، ويَدْعونَ النَّاسَ بأمْرِنا [710] قوله: بِأَمْرِنَا قيل: معناه: بأمرِ الله إيَّاهم بذلك. وممن اختاره: ابنُ جرير، والرسعني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/317)، ((تفسير الرسعني)) (4/641). وقيل: بِأَمْرِنَا أي: بإذنِنا. وممن اختار هذا المعنى: ابنُ جُزي، وابنُ كثير، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/25)، ((تفسير ابن كثير)) (5/354)، ((تفسير القاسمي)) (7/205). وقيل: معنى بِأَمْرِنَا أي: بما أنزَلْنا عليهم مِن الوحيِ. وممن قال بذلك: القرطبي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير الشوكاني)) (3/491). قال القرطبي: (ومعنى بِأَمْرِنَا: أي: بما أنْزَلْنا عليهم مِن الوحيِ والأمرِ والنَّهيِ، فكأنَّه قال: يَهْدونَ بكتابِنا). ((تفسير القرطبي)) (11/305). إلى عبادةِ اللهِ، واتِّباعِ أمْرِه، واجتنابِ نَهْيِه [711] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/317)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير ابن كثير)) (5/354)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527). .
وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ.
أي: وأوحَينا إلى إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ أن يفعَلوا هم وقَومُهم الطَّاعاتِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ [712] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/318)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/110، 111). .
وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ.
أي: وكانوا لنا طائِعينَ بإخلاصٍ وذُلٍّ وخُضوعٍ وخُشوعٍ، يَفعَلونَ ما يأمُرونَ النَّاسَ به، ويجتَنِبونَ ما يَنهونَهم عنه [713] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/318)، ((تفسير القرطبي)) (11/305)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/167). .
وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الله سُبحانَه بعد بيانِ ما أنعَمَ به على إبراهيمَ عليه السَّلامُ، أتبَعَه بذِكرِ نِعَمِه على لوطٍ عليه السَّلامُ لَمَّا جمَعَ بينَهما مِن قَبلُ [714] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/161). .
وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا.
أي: وآتَينا لوطًا النبُوَّةَ، وآتيناه عِلمًا عَظيمًا في شريعتِه، وفَهمًا ومعرفةً بأمرِ دينِه، وما يقَعُ به الحُكمُ بين الخُصومِ [715] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/306)، ((تفسير السعدي)) (ص: 527)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/112)، ((أضواء البيان)) (4/168). ممن اختار أنَّ المرادَ بالحكمِ النبوةُ: السمرقندي، وابنُ أبي زمنين، والرسعني، والقرطبي، والشوكاني، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/433)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/153)، ((تفسير الرسعني)) (4/641)، ((تفسير القرطبي)) (11/306)، ((تفسير الشوكاني)) (3/491)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/168). وممن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: حُكْمًا أي: فصلَ القضاءِ بينَ الخصومِ: ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وابن عطية، والخازن، وجلال الدين المحلي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/318)، ((تفسير الثعلبي)) (6/284)، ((تفسير البغوي)) (3/297)، ((تفسير ابن عطية)) (4/90)، ((تفسير الخازن)) (3/232)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 427). قال القرطبي: (العلمُ: المعرفةُ بأمرِ الدِّينِ، وما يقعُ به الحكمُ بينَ الخصومِ). ((تفسير القرطبي)) (11/306). .
وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ.
أي: ونجَّينا لوطًا مِن أهلِ القَريةِ [716] قال الرازي: (قوله: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ المرادُ: أهلُ القريةِ؛ لأنَّهم هم الذين يعمَلونَ الخبائِثَ دونَ نَفْسِ القريةِ، ولأنَّ الهلاكَ بهم نزَل، فنجَّاه الله تعالى مِن ذلك). ((تفسير الرازي)) (22/162). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/112). الذين كانوا يفعَلونَ الأفعالَ الشَّنيعةَ القبيحةَ؛ كالكُفرِ، وإتيانِ الذُّكورِ، وغيرِ ذلك، فأخرَجْناه منها، ولم يُصِبْه ما أصابَهم مِن العذابِ والهلاكِ [717] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/318)، ((تفسير القرطبي)) (11/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/112)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/168). قال الشنقيطي: (والخبائثُ التي كانت تعملُها جاءت موضَّحةً في آياتٍ مِن كتاب الله: منها: اللِّواطُ، وأنَّهم هم أوَّلُ مَن فعلَه مِن الناسِ، كما قال تعالى: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 80]، وقال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء: 165، 166]. ومن الخبائث المذكورةِ: إتيانُهم المنكَرَ في ناديهم، وقَطْعُهم الطريقَ، كما قال تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: 29]. ومن أعظم خبائِثِهم: تكذيبُ نبيِّ الله لوطٍ، وتهديدُهم له بالإخراجِ مِن الوطَنِ، كما قال تعالى عنهم: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء: 167]، وقال تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل: 56] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ). ((أضواء البيان)) (4/168). .
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ.
أي: وذلك لأنَّهم كانوا أصحابَ عملٍ سَيِّئٍ، خارجينَ عن طاعةِ الله [718] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/318)، ((تفسير القرطبي)) (11/306)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/451)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/169). .
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75).
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا.
أي: وأدخَلْنا لوطًا في رَحمَتِنا بإنجائِنا له مِن عذابِ قَومِه في الدُّنيا، وبإدخالِه الجنَّةَ في الآخِرةِ [719] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/326)، ((تفسير ابن جرير)) (16/319)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/169). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((احتَجَّت النَّارُ والجَنَّةُ، فقالت هذه: يَدخُلُني الجبَّارونَ والمتكَبِّرون، وقالت هذه: يدخُلُني الضُّعَفاءُ والمساكينُ. فقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ لهذه: أنتِ عذابي أعَذِّبُ بكِ مَن أشاءُ -وربما قال: أصيبُ بكِ مَن أشاءُ، وقال لهذه: أنتِ رحمتي أرحَمُ بكِ من أشاءُ، ولكُلِّ واحدةٍ منكما مِلؤُها )) [720] رواه البخاري (4850)، ومسلم (2846) واللفظ له. .
إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
أي: أدخَلْناه في رَحمتِنا؛ لأنَّه من الأنبياءِ الطَّائعينَ لله، العامِلينَ بوَحيِ اللهِ، المُستَقيمينَ على أمرِ اللهِ ونَهْيِه [721] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/319)، ((البسيط)) للواحدي (15/130)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/451)، ((تفسير القاسمي)) (7/206). .

الفوائد التربوية :


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا هذا مِن أكبَرِ نِعَمِ اللهِ على عَبدِه؛ أن يكونَ إمامًا يَهتدي به المُهتَدونَ، ويمشي خَلفَه السَّالِكونَ، وذلك لَمَّا صَبَروا وكانوا بآياتِ الله يُوقِنونَ [722] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 526). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا فيه أنَّ مَن صلَحَ لِيَكونَ قُدوةً في دينِ اللهِ، فالهدايةُ مَحتومةٌ عليه، مأمورٌ هو بها مِن جهةِ الله، ليس له أن يُخِلَّ بها، ويتثاقَلَ عنها، وأوَّلُ ذلك أن يهتديَ بنَفْسِه؛ لأنَّ الانتِفاعَ بهُداهُ أعَمُّ، والنُّفوسَ إلى الاقتداءِ بالمَهْدِيِّ أمْيَلُ [723] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/127). ، وهذا الهَدْيُ هو تزكيةُ نُفوسِ النَّاسِ، وإصلاحُها، وبثُّ الإيمانِ، ويشمَلُ هذا شؤونَ الإيمانِ وشُعَبَه وآدابَه [724] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/110). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا جمَع بينَ إبراهيمَ ولوطٍ عليهما السَّلامُ؛ لأنَّ في كونِ لوطٍ معه -مع ما كان بيْنَهما مِن القَرابةِ والشَّرِكةِ في النبُوَّةِ- مَزيدَ إنعامٍ [725] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/160). .
2- قال الله تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ دَليلٌ على أنَّ الفِرارَ بالدِّينِ مِن دارِ الكُفرِ إلى بلَدٍ يتمَكَّنُ فيه الفارُّ بدينِه مِن إقامةِ دينِه- واجِبٌ، وهذا النَّوعُ من الهِجرةِ وُجوبُه باقٍ بلا خلافٍ بين العُلَماءِ في ذلك [726] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/165). .
3- دلَّ القرآنُ العَظيمُ على بَرَكةِ الشَّامِ في خمسِ آياتٍ: قَولُه: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وقَولُه: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف: 137]، والله تعالى إنَّما أورثَ بني إسرائيلَ أرضَ الشَّامِ. وقولُه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء: 1]، وقَولُه: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 81]، وقَولُه تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ: 18] الآيةَ، فهذه خَمسُ آياتٍ نُصوصٌ [727] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/44). .
4- في قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا دلالةٌ على أنَّ أفعالَ العبادِ حادثةٌ بمشيئةِ الله وقُدْرَتِه وخَلْقِه [728] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (3/257). .
5- قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ هذه القِصَّةُ التي قَصَّ اللهُ مِن نَبَأِ إبراهيمَ وقَومِه: تَذكيرٌ منه بها قَومَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن قُرَيشٍ أنَّهم قد سَلَكوا في عبادتِهم الأوثانَ، وأذاهم مُحمَّدًا على نَهْيِه عن عبادتِها، ودُعائِهم إلى عبادةِ اللهِ مُخلِصينَ له الدِّينَ- مَسْلَكَ أعداءِ أبيهم إبراهيمَ ومخالفَتِهم دينَه؛ وأنَّ مُحَمَّدًا في براءتِه مِن عبادتِها، وإخلاصِه العبادةَ لله، وفي دُعائِهم إلى البَراءةِ مِن الأصنامِ، وفي الصَّبرِ على ما يَلقَى منهم في ذلك- سالِكٌ مِنهاجَ أبيه إبراهيمَ، وأنَّه مُخرِجُه مِن بينِ أظهُرِهم كما أخرجَ إبراهيمَ مِن بينَ أظهُرِ قَومِه -حين تمادَوا في غَيِّهم- إلى مُهاجَرِه مِن أرضِ الشَّامِ؛ ومُسَلٍّ بذلك نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عمَّا يَلقَى مِن قَومِه مِن المكروهِ والأذى، ومُعْلِمُه أنَّه مُنَجِّيه منهم، كما نجَّى أباه إبراهيمَ مِن كَفَرةِ قَومِه [729] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/310، 311). .
6- قال الله تعالى: وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ في تسميةِ العملِ بالخبائثِ دليلٌ على أنَّ الأنجاسَ قد تكونُ فعلًا، وتكونُ ذاتيَّةً [730] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/310). .
7- قال الله تعالى: وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الصَّلاحُ هو السَّبَبُ لدُخولِ العَبدِ برَحمةِ الله، كما أنَّ الفَسادَ سَبَبٌ لحرمانِه الرَّحمةَ والخَيرَ، وأعظَمُ النَّاسِ صَلاحًا الأنبياءُ عليهم السَّلامُ؛ ولهذا يَصِفُهم بالصَّلاحِ، وقال سليمانُ عليه السَّلامُ: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [731] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 527). [النمل: 19].

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ
- قولُه: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ضُمِّن الفعلُ (نجَّيْناه) معنى (أخْرَجْناه) بنجاتِنا إلى الأرضِ؛ ولذلك تعدَّى (نجَّيناه) بـ (إلى). ويَحتمِلُ أن يكونَ (إلى) متعلقًا بمحذوفٍ، أي: منتهيًا إلى الأرضِ؛ فيكونَ في موضِعِ الحالِ، ولا تضمينَ في وَنَجَّيْنَاهُ على هذا [732] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/452). .
2- قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ
- إعادةُ فِعْلِ (جعَلَ) في قولِه تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا دونَ أنْ يُقالَ: (وأئمَّةً يَهْدون)، بعطْفِ أَئِمَّةً على صَالِحِينَ؛ اهتمامًا بهذا الجَعْلِ الشَّريفِ، وهو جَعْلُهم هادينَ للنَّاسِ بعْدَ أنْ جعَلَهم صالحينَ في أنفُسِهم؛ فأُعِيدَ الفِعلُ ليكونَ له مَزيدُ استقرارٍ، ولأنَّ في إعادةِ الفِعْلِ إعادةَ ذِكْرِ المفعولِ الأوَّلِ، وفي تلك الإعادةِ مِن الاعتناءِ ما في الإظهارِ في مَقامِ الإضمارِ كما يَظهَرُ بالتأمُّلِ [733] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/109). .
- قولُه: وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ مِن عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ؛ دَلالةٌ على فَضْلِهما وإنافَتِهما، وتَنويهٌ بشأْنِهما؛ لأنَّ بالصَّلاةِ صَلاحَ النَّفْسِ؛ إذ الصَّلاةُ تَنْهَى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ، وبالزَّكاةِ صَلاحَ المُجتمَعِ لكِفايةِ عَوَزِ المُعْوِزينَ [734] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/56)، ((تفسير أبي السعود)) (6/77)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/111). ؛ ولأنَّ مَن كَمَّلَهما كما أُمِرَ، كان قائِمًا بدِينِه، ومَن ضَيَّعَهما كان لِمَا سِواهما أضْيَعَ، ولأنَّ الصَّلاةَ أفضَلُ الأعمالِ التي فيها حَقُّه، والزَّكاةَ أفضَلُ الأعمالِ التي فيها الإحسانُ لخَلقِه [735] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 527). .
- وحسُنَ هنا قولُه: وَإِقَامَ بغيرِ تاءٍ، دونَ قولِه: (وإقامة): أنَّه قابَلَ وَإِيتَاءَ وهو بغَيرِ تاءٍ؛ فتقَعُ المُوازَنةُ بين قولِه: وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ [736] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/453). .
- قولُه: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ خصَّهم بذِكْرِ ما كانوا مُتميِّزينَ به على بَقيَّةِ النَّاسِ مِن مُلازَمةِ العِبادةِ للهِ تعالى، كما دَلَّ عليه فِعْلُ الكونِ (كَانُوا) المُفيدُ تَمكُّنَ الوصْفِ، ودلَّتْ عليه الإشارةُ بتَقديمِ المجرورِ لَنَا إلى أنَّهم أفْرَدوا اللهَ بالعِبادةِ؛ فلم يَعْبُدوا غيرَه قطُّ [737] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/56). .
3- قولُه تعالى: وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ عَطْفٌ على جُملةِ وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ [الأنبياء: 51]؛ ولأجْلِ البُعْدِ أُعِيدَ فِعْلُ الإيتاءِ؛ ليَظهَرَ عَطْفُه على آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ [الأنبياء: 51]، ولم يُعَدْ في قِصَّةِ نُوحٍ عَقِبَ هذه. وأُعْقِبَت قِصَّةُ إبراهيمَ بقِصَّةِ لُوطٍ للمُناسَبةِ، وخُصَّ لُوطٌ بالذِّكْرِ مِن بين الرُّسلِ؛ لأنَّ أحوالَهُ تابعةٌ لأحوالِ إبراهيمَ في مُقاوَمةِ أهْلِ الشِّرْكِ والفسادِ [738] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/111، 112). .
- وفي قولِه: وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا قَدَّمَ مفعولَ (آتَيْنا) وهو (لُوطًا) اهْتمامًا به؛ لِيُنبِّهَ على أنَّه مَحَلُّ العِنايةِ؛ إذ كان قد تأخَّرَ ذِكْرُ قِصَّتِه بعْدَ أنْ جَرَى ذِكْرُه تبَعًا لذِكْرِ إبراهيمَ؛ تَنبيهًا على أنَّه بُعِثَ بشَريعةٍ خاصَّةٍ، وإلى قومٍ غيرِ القومِ الَّذين بُعِث إليهم إبراهيمُ، وإلى أنَّه كان في مواطنَ غيرِ المواطِنِ الَّتي حَلَّ فيها إبراهيمُ [739] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/111). .
- قولُه: وَعِلْمًا التَّنوينُ فيه للتَّعظيمِ؛ لأنَّه في سِياقِ الامتنانِ [740] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/475)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/112). .
- في قولِه: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ عبَّرَ عنها بالواحدةِ، بالرَّغمِ مِن أنَّ قُراهم كانت سَبْعًا؛ لاتِّفاقِ أهْلِها على الفاحشةِ [741] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/453). . وقيل: أفرَدها؛ تنبيهًا على عمومِها بالقلعِ والقلبِ، وأنَّه كان في غايةِ السهولةِ والسرعةِ [742] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/450). .
- وإنَّما لم يَذكُرْ ما عليه قومُ لُوطٍ مِن الشِّركِ؛ استغناءً بذِكْرِ الفواحشِ الفظيعةِ الَّتي كانت لهم سُنَّةً؛ فإنَّها أثَرٌ مِن الشِّرْكِ [743] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/112). .
- قولُه: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ تَعليلٌ لِمَا قبْلَه [744] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/56)، ((تفسير أبي السعود)) (6/78). .