موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (1-3)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ

غريب الكلمات:


بَارَكْنَا حَوْلَهُ: أي: جَعَلْنا حولَه البركةَ، والبركةُ هي: ثبوتُ الخيرِ الإلهيِّ في الشيءِ، وأصلُ (برك): الزِّيادةُ والنماءُ، والكثرةُ والاتساعُ [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/448)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 151)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 119)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 117).   .
وَكِيلًا: أي: مانعًا وحافظًا وكفيلًا، ووكيلُ الرجلِ في مالِه هو الذي كفَله له، وقام به، وأصلُ (وكل): يدلُّ على اعتمادِ غيرِك في أمرِك [13] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 18، 313)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/136)، ((المفردات)) للراغب (ص: 882)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 206).   .
ذُرِّيَّةَ: الذُّرِّيَّةُ: الأولادُ، وأولادُ الأولادِ، فهي اسمٌ يَجمعُ نَسلَ الإنسانِ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى. قيل: أصلُها مِن ذرَأ، أي: خلَق؛ لأنَّها خلقُ الله، وحُذِفت الهمزةُ منها. وقيل: أصلُها مِن الذَّرِّ، بمعنَى التَّفريقِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى ذَرَّهم في الأرضِ [14] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 327)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/157، 394)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 92).   .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ
قولُه: أَلَّا تَتَّخِذُوا: (أنْ) مصدريَّةٌ ناصِبةٌ، و(لا) نافيةٌ. والمصدرُ المؤوَّلُ مَنصوبٌ على نزعِ الخافِضِ، أي: لئلَّا تتَّخذوا، أو بألَّا تتَّخذوا. وقيل: (أنْ) مفسِّرةٌ لِما تضمَّنَه الكتابُ في قوله: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن الأمرِ والنَّهيِ، و(لا) ناهيةٌ جازمةٌ، وانصَرف الكلامُ من الغَيبةِ إلى الخِطابِ، وجملةُ (لا تتَّخِذوا) تفسيريةٌ لا محلَّ لها.
قَولُه: ذُرِّيَّةَ: منصوبةٌ على النِّداءِ، أي: يا ذريَّةَ مَن حمَلْنا. أو منصوبةٌ على الاختصاصِ. وقيل: منصوبةٌ على المفعولِ الأوَّلِ المؤخَّرِ لـ (تتَّخذوا)، والثاني هو (وَكِيلًا) فقُدِّمَ، والمعنى: لا تتَّخذوا ذريَّةَ مَن حمَلْنا مع نوحٍ مِن دوني وكيلًا. وقيل غيرُ ذلك [15] يُنظر: ((التبيان)) للعكبري (2/811)، ((البسيط)) للواحدي (13/251)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/309)، ((تفسير الألوسي)) (8/15).   .

المعنى الإجمالي:


افتتح اللهُ تعالى السورة بتنزيهِ نَفسِه عن كُلِّ ما لا يليقُ به سُبحانَه؛ فقال: سبحانَ الذي سيَّر عَبدَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جزءًا من اللَّيلِ، مِن المَسجِدِ الحرامِ بـ «مكَّةَ» إلى المسجدِ الأقصى بـ «بيتِ المَقدِس» الذي بارك اللهُ حَولَه بالزُّروعِ والثِّمارِ والأنهارِ وغَيرِ ذلك، وجعَلَه موضعًا لكثيرٍ مِن الأنبياءِ؛ ثمَّ بيَّن الحكمةَ مِن الإسراءِ به، وهي أنَّه أسرَى به لِيُشاهِدَ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن عَجائِبِ قُدرةِ اللهِ، إنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى هو السَّميعُ البَصيرُ.
وبعدَ أن بيَّن الله سبحانَه جانبًا مِن مظاهرِ تكريمِه لنبيِّه محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أتبَع ذلك بالحديثِ عما أكرَم به نبيَّه موسَى عليه السلام، فأخبر أنه أعطى موسى عليه السَّلامُ التَّوراةَ، وجعَلَها هاديًا لبني إسرائيلَ؛ لئلا يتَّخِذوا غَيرَ اللهِ تعالى وليًّا أو مَعبودًا يفَوِّضونَ إليه أمورَهم، ثم قال تعالى: يا سُلالةَ الذين أنجيناهم وحَمَلْناهم مع نوحٍ في السَّفينةِ، لا تُشرِكوا باللهِ في عبادتِه، وكونوا كأبيكم نوحٍ، واشكُروني على نِعَمي.

تفسير الآيات:


سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)  .
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
أي: تَنزيهًا لله [16] قال الشوكاني في قوله تعالى: سُبْحَانَ: (هو مصدر سبَّح، يقال: سبَّح يسبِّح تسبيحًا وسُبحانًا... ومعناه: التنزيهُ والبراءةُ لله مِن كلِّ نقصٍ). ((تفسير الشوكاني)) (3/245).   عن كُلِّ ما لا يَليقُ به، الذي سيَّرَ عَبدَه مُحَمَّدًا [17] قال ابنُ الجوزي: (لا خِلافَ أنَّ المرادَ بعَبدِه هاهنا: محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/8). وقال الخازن: (أجمَعَ المفَسِّرونَ والعُلَماءُ والمتكَلِّمونَ: أنَّ المرادَ به محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لم يختلِفْ أحَدٌ من الأمَّةِ في ذلك). ((تفسير الخازن)) (3/109).   في جُزءٍ مِنَ اللَّيلِ [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/411)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 627)، ((تفسير الخازن)) (3/109)، ((تفسير ابن كثير)) (5/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/7). قال ابنُ تيميةَ: (التسبيحُ يقتضي التنزيهَ والتَّعظيم، والتعظيمُ يستلزمُ إثباتَ المحامدِ التي يُحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهَه وتحميدَه وتكبيرَه وتوحيدَه). ((مجموع الفتاوى)) (16/125). وقال أيضًا: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا. والمرادُ بعبدِه عابدُه، المطيعُ لأمرِه؛ وإلَّا فجميعُ المخلوقين عبادٌ بمعنى أنَّهم معبَّدون مخلوقونَ مدبَّرون). ((مجموع الفتاوى)) (10/503). .
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُتيتُ بالبُراقِ -وهو دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ، فَوقَ الحِمارِ ودونَ البَغلِ، يَضَعُ حافِرَه عند مُنتهى طَرْفِه [19] عندَ مُنتهَى طَرْفِه: أي: أنَّه يضعُ حافرَه عندَ منتهَى ما يراه بطرفِه. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (7/356).   - قال: فرَكِبْتُه حتى أتيتُ بيتَ المَقدِس، قال: فرَبَطْتُه بالحَلْقةِ التي يَربِطُ به الأنبياءُ، قال: ثمَّ دخلتُ المَسجِدَ، فصَلَّيتُ فيه ركعتَينِ، ثمَّ خَرَجتُ فجاءني جبريلُ عليه السَّلامُ بإناءٍ مِن خَمرٍ، وإناءٍ مِن لَبَنٍ، فاختَرْتُ اللَّبَنَ، فقال جبريلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اختَرْتَ الفِطرةَ. ثمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ، فاستفتَحَ جبريلُ، فقيل: من أنت؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا، فإذا أنا بآدَمَ، فرَحَّبَ بي، ودعا لي بخيرٍ، ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ عليه السَّلامُ، فقيل: من أنت؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا، فإذا أنا بابنَيِ الخالةِ: عيسى ابنِ مَريمَ، ويحيى بنِ زكريَّاءَ، صَلَواتُ اللهِ عليهما، فرحَّبا، ودَعَوَا لي بخير، ثمَّ عَرَجَ بي إلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فاستفتحَ جبريلُ، فقيل: مَن أنت؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا، فإذا أنا بيوسُفَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذا هو قد أُعطِيَ شَطْرَ الحُسنِ، فرَحَّبَ ودعا لي بخيرٍ، ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ الرَّابعةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ عليه السَّلامُ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا فإذا أنا بإدريسَ، فرَحَّبَ ودعا لي بخيرٍ، قال الله عزَّ وجَلَّ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم: 57]، ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ الخامسةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ، قيل: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا فإذا أنا بهارونَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَحَّب ودعا لي بخيرٍ، ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ السَّادسةِ، فاستفتحَ جِبريلُ عليه السَّلامُ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا، فإذا أنا بموسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرحَّبَ ودعا لي بخيرٍ، ثمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ السَّابعةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِحَ لنا فإذا أنا بإبراهيمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسنِدًا ظَهْرَه إلى البيتِ المَعمورِ، وإذا هو يَدخُلُه كُلَّ يَومٍ سَبعونَ ألفَ مَلَكٍ لا يَعودونَ إليه، ثمَّ ذهَبَ بي إلى السِّدرةِ المُنتهى، وإذا ورَقُها كآذانِ الفِيَلةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، قال: فلمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللهِ ما غشِيَ تغَيَّرَت، فما أحدٌ مِن خَلقِ الله يستطيعُ أن يَنعَتَها مِن حُسنِها! فأوحى اللهُ إليَّ ما أوحى، ففَرَض عليَّ خمسينَ صلاةً في كُلِّ يومٍ وليلةٍ، فنزَلْتُ إلى موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ما فَرَضَ ربُّك على أمَّتِك؟ قلتُ: خَمسينَ صَلاةً، قال: ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيفَ؛ فإنَّ أُمَّتَك لا يُطيقونَ ذلك، فإنِّي قد بلَوتُ بني إسرائيلَ وخَبَرْتُهم، قال: فرَجَعْتُ إلى ربِّي، فقلتُ: يا رَبِّ، خَفِّفْ على أمَّتي، فحَطَّ عني خَمسًا، فرجَعْتُ إلى موسى، فقُلتُ: حَطَّ عني خمسًا، قال: إنَّ أمَّتَك لا يُطيقونَ ذلك، فارجِعْ إلى رَبِّك فاسأَلْه التَّخفيفَ. قال: فلَمْ أزَلْ أرجِعُ بين ربِّي تبارك وتعالى، وبينَ موسى عليه السَّلامُ، حتى قال: يا مُحَمَّدُ، إنهنَّ خَمسُ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ وليلةٍ، لكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فذلك خمسونَ صَلاةً، ومَن همَّ بحَسَنةٍ فلم يعمَلْها كُتِبَت له حَسَنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَت له عَشرًا، ومَن همَّ بسَيِّئةٍ فلم يَعمَلْها لم تُكتَبْ شَيئًا، فإنْ عَمِلَها كُتِبَت سَيِّئةً واحِدةً.قال: فنَزَلْتُ حتى انتهَيتُ إلى موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرْتُه، فقال: ارجِعْ إلى رَبِّك فاسألْه التَّخفيفَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فقُلتُ: قد رَجعْتُ إلى ربِّي حتى استَحْيَيتُ منه )) [20] رواه مسلم (162).   .
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ.
أي: مِن مَسجِدِ مكَّةَ -وهو البَيتُ العَتيقُ- [21] ممَّن اختار أنَّ الإسراءَ برَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان من المسجِدِ نفسِه: ابنُ كثير، والبقاعي، والقاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/5)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/289)، ((تفسير القاسمي)) (6/428)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/12)، ((تفسير ابن جرير)) (14/420). قال الشوكاني: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قال الحسنُ وقتادةُ: يعني: المسجدَ نفسَه. وهو ظاهِرُ القُرآنِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/246). وقال ابنُ كثير: (إنَّ الثَّابتَ في «الصَّحيحينِ» مِنْ روايةِ شريكِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نَمِرٍ عن أنسٍ أنَّ الإسراءَ كانَ مِنَ المسجدِ مِنْ عندِ الحِجْرِ). ((البداية والنهاية)) (4/275). وقيل: المرادُ بالمسجدِ الحرامِ: الحرمُ كلُّه، والحرمُ كلُّه مسجدٌ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُسرِي به من بيتِ أمِّ هانئٍ، وذلك على قولِ أكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/8). قال الشنقيطي: (الصحيحُ أن الإسراءَ وَقَع به مِن بيتِ أُمِّ هانِئٍ بنتِ أبي طالبٍ في مكةَ في الحرمِ لا في نفسِ المسجدِ). ((العذب النمير)) (5/405). ويُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/381). وقال ابنُ عثيمين في الجمعِ بينَ حديثِ الإسراءِ مِن الحِجْرِ ومِن بيتِ أُمِّ هانئٍ، قال: (وعلى هذا فيكونُ الحديثُ الذي فيه أنَّه أُسرِي به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بيتِ أُمِّ هانئٍ -إن صحَّت الروايةُ- يُرادُ ابتداءُ الإسراءِ، ونهايتُه مِن الحِجرِ، كأنَّه نُبِّه وهو في بيتِ أمِّ هانئٍ، ثمَّ قام فنام في الحِجرِ فأُسرِي به مِن الحجرِ). ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) (12/395). وقال ابنُ حجر في الجمع بين هذين القولينِ وغيرِهما مما ورد في الرِّوايات الأخرى: (والجمعُ بين هذه الأقوالِ: أنَّه نام في بيتِ أمِّ هانئٍ وبيتُها عند شِعبِ أبي طالب ففُرِجَ سَقفُ بيته ... فنزل منه الملَكُ فأخرجه من البيتِ إلى المسجدِ، فكان به مضطجعًا وبه أثَرُ النُّعاسِ، ثم أخرجه الملَكُ إلى بابِ المسجِدِ فأركبه البُراقَ). ((فتح الباري)) (7/204). إلى المسجِدِ الأقصى -وهو بيتُ المَقدِسِ- [22] قال الرازي: (قَولُه: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى اتَّفَقوا على أنَّ المرادَ منه بيتُ المَقدِس). ((تفسير الرازي)) (20/292). وقال الواحدي: (وقيل له: الْأَقْصَى؛ لبُعدِ المسافةِ بينَه وبينَ المسجدِ الحرامِ). ((البسيط)) (13/248). ويُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/226)، ((تفسير السمعاني)) (3/214). وقال ابن جزي: (وسمِّي الْأَقْصَى؛ لأنَّه لم يكنْ وراءَه حينئذٍ مسجدٌ). ((تفسير ابن جزي)) (1/440). الذي بارَكْنا حَولَه بالأنهارِ والأشجارِ والثِّمارِ، وجعَلْناه مَوضِعًا لكثيرٍ مِن الأنبياءِ والأصْفياءِ [23] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/448)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 627)، ((تفسير ابن كثير)) (5/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/10). قال ابنُ الجوزي: (معنى بَارَكْنَا حَوْلَهُ أنَّ الله أجرى حولَه الأنهارَ، وأنبَتَ الثِّمارَ. وقيل: لأنَّه مَقَرُّ الأنبياءِ، ومَهبِطُ الملائكةِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/8). وقال السعدي: (قوله: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ أي: بكثرةِ الأشجارِ والأنهارِ، والخِصبِ الدَّائمِ، ومِن بركَتِه تفضيلُه على غيرِه من المساجِدِ سوى المسجِدِ الحرامِ ومسجِدِ المدينة، وأنَّه يُطلَبُ شَدُّ الرِّحالِ إليه للعبادة والصَّلاةِ فيه، وأنَّ الله اختَصَّه محَلًّا لكثيرٍ مِن أنبيائِه وأصفيائِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 453). وقال الشنقيطي: (المرادُ بأنَّه بارَك فيها: أنَّه أكثَر فيها البركةَ والخيرَ بالخصبِ والأشجارِ والثمارِ والمياهِ، كما عليه جمهورُ العلماءِ. وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ بأنَّه بارَك فيها أنَّه بعَث الأنبياءَ منها). ((أضواء البيان)) (3/10).   .
كما قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف: 137].
وقال سُبحانَه: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 71].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 81].
وقال جلَّ جلالُه: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ: 18].
وعن جابِرِ بنِ عبد اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَمَّا كَذَّبَني قُرَيشٌ قُمتُ في الحِجرِ، فجلَّى اللهُ لي بيتَ المقدِسِ، فطَفِقْتُ أُخبِرُهم عن آياتِه، وأنا أنظُرُ إليه )) [24] رواه البخاري (4710)، ومسلم (170).   .
لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا.
أي: أَسْرَينا بعَبْدِنا مُحَمَّدٍ مِن المَسجِدِ الحرامِ إلى المَسجِدِ الأقصى؛ كي نُرِيَه [25] قال ابن جرير: (الصَّوابُ مِن القَولِ في ذلك عندنا أن يقالَ: إنَّ اللهَ أسرى بعَبدِه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من المسجِدِ الحرامِ إلى المسجِدِ الأقصى، كما أخبَرَ الله عبادَه، وكما تظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّ الله حمَلَه على البُراقِ حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمن صلَّى مِن الأنبياءِ والرُّسُل، فأراه ما أراه من الآياتِ. ولا معنى لِقولِ مَن قال: أَسرى برُوحِه دونَ جَسَدِه؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لم يكُنْ في ذلك ما يُوجِبُ أن يكون ذلك دليلًا على نبُوَّتِه، ولا حُجَّةَ له على رسالتِه، ولا كان الذين أنكَروا حقيقةَ ذلك من أهلِ الشِّركِ، وكانوا يَدفَعونَ به عن صِدقِه فيه؛ إذ لم يكنْ مُنكَرًا عندهم ولا عند أحدٍ مِن ذوي الفِطرةِ الصَّحيحةِ مِن بني آدمَ أن يرى الرَّائي منهم في المنامِ ما على مسيرةِ سَنةٍ، فكيف ما هو على مَسيرةِ شَهرٍ أو أقَلَّ؟! وبعدُ؛ فإنَّ اللهَ إنَّما أخبَرَ في كتابِه أنَّه أسرى بعَبدِه، ولم يُخبِرْنا أنَّه أسرى برُوحِ عَبدِه، وليس جائزًا لأحدٍ أن يتعَدَّى ما قال اللهُ إلى غيرِه). ((تفسير ابن جرير)) (14/446-447). وقال الشِّنقيطيُّ: (فاعلَمْ أنَّ هذا الإسراءَ به -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- المذكورَ في هذه الآيةِ الكريمةِ، زَعَم بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّه برُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دونَ جَسَدِه، زاعمًا أنَّه في المنامِ لا اليَقَظةِ؛ لأنَّ رؤيا الأنبياءِ وَحيٌ، وزعم بعضُهم: أنَّ الإسراءَ بالجسَدِ، والمعراجَ بالرُّوحِ دون الجسَدِ، ولكِنَّ ظاهِرَ القرآنِ يدُلُّ على أنَّه بروحِه وجَسَدِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقظةً لا مَنامًا؛ لأنَّه قال بِعَبْدِهِ والعبدُ: عبارةٌ عن مجموعِ الرُّوحِ والجسَدِ، ولأنَّه قال: سُبْحَانَ والتَّسبيحُ إنما يكونُ عند الأمورِ العِظامِ، فلو كان منامًا لم يكُنْ له كبيرُ شأنٍ حتى يُتعَجَّبَ منه، ويؤيِّدُه قولُه تعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم: 17]؛ لأنَّ البَصَرَ مِن آلاتِ الذَّاتِ لا الرُّوحِ، وقَولُه هنا: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). ((أضواء البيان)) (3/3). وقال القاضي عياض: (الحقُّ، والذى عليه أكثرُ الناسِ ومُعظَمُ السلفِ وعامةُ المتأخرينَ من الفُقَهاء والمحَدِّثين والمتكلِّمين: أنه أسرَى بالجَسَدِ، والآثار تدُلُّ عليه لِمن طالعَها وبحَثَ عنها، ولا يُعدَلُ عن ظاهِرِها إلَّا بدليل، ولا استحالةَ فى حَملِها عليه فيُحتاجَ إلى تأويلٍ). ((إكمال المعلم)) (1/497). وقال ابن كثير: (الأكثرونَ مِنَ العلماءِ على أنَّه أُسْري ببدنِه ورُوحِه يَقَظَةً لا منامًا). ((تفسير ابن كثير)) (5/43). بعضًا مِن عجائِبِ قُدرتِنا الكُبرى، وأدِلَّتِنا العُظمَى [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/448)، ((تفسير ابن كثير)) (5/5)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/11). وقال الشِّنقيطي: (وذلك ما رآه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَينِه ليلةَ الإسراءِ، مِن الغرائِبِ والعجائِبِ). ((أضواء البيان)) (3/11).   .
كما قال تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: 11 - 18].
إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
أي: إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لجَميعِ المَسموعاتِ، البَصيرُ بكُلِّ المَرئيَّاتِ، ومِن ذلك سَمْعُه لأقوالِ عبادِه؛ مُؤمِنِهم وكافِرِهم، مُصَدِّقِهم ومُكَذِّبِهم، وهو البَصيرُ بهم، فيُجازي كُلًّا بما يستَحِقُّه في الدُّنيا والآخرةِ [27] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/448)، ((تفسير البغوي)) (3/105)، ((تفسير ابن كثير)) (5/5)، ((تفسير الشوكاني)) (3/246). قال الرازي: (قال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أي: إنَّ الذي أسرى بعَبدِه هو السَّميعُ لأقوالِ محمَّدٍ، البَصيرُ بأفعاله... وقيل: المرادُ: سَميعٌ لِما يقولونَ للرَّسولِ في هذا الأمرِ، بصيرٌ بما يَعملونَ في هذه الواقعةِ). ((تفسير الرازي)) (20/292).   .
وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا (2).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى تشريفَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالإسراءِ وإراءتِه الآياتِ؛ ذكَرَ تشريفَ موسَى بإيتائِه التَّوراةَ [28] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/11).   .
وأيضًا لَمَّا ثبت بهذه الخارقةِ ما أخبَرَ الله به عن نفسِه المقَدَّسة من عظيمِ القُدرةِ على كُلِّ ما يريدُ، وما حباه صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم به من الآياتِ البيِّناتِ في هذا الوقتِ اليسير؛ أتبَعَه ما مَنَحَ في المسيرِ مِن مصرَ إلى الأرضِ المقدَّسةِ مِن الآياتِ في مُددٍ طِوالٍ جدًّا موسى عليه السَّلامُ الذي كان أعظَمَ الأنبياءِ بركةً على هذه الأمَّةِ ليلةَ الإسراءِ [29] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/298).   .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى أنَّه أسرى بعَبدِه مُحَمَّدٍ صلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه، عطَفَ بذِكرِ موسى عَبدِه وكَليمِه عليه السَّلامُ؛ فإنَّه تعالى كثيرًا ما يَقرِنُ بين ذِكرِ موسى ومُحَمَّدٍ عليهما السَّلامُ، وبين ذِكرِ التَّوراةِ والقُرآنِ [30] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/45- 46).   .
وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ.
أي: وآتَينا موسى التَّوراةَ [31] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/449)، ((تفسير ابن كثير)) (5/45، 46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: 43].
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.
أي: وجَعَلْنا كِتابَ موسى هاديًا لبني إسرائيلَ إلى الحَقِّ [32] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/449)، ((تفسير ابن كثير)) (5/46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [السجدة: 23].
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا.
أي: ألَّا [33] قيل: «أن» في أَلَّا بمعنى: «أي»، والمعنى: جعلْناه هدًى لبني إسرائيلَ، أي: لا يتَّخِذوا. وقيل: هو على إضمارِ القولِ، أي: قُلنا لهم: لا تتَّخذوا... فعلى هذا «أن» زائدةٌ. ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: جعلناه هدًى بأن لا تتَّخِذوا. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/436)، ((تفسير الرسعني)) (4/123)، ((تفسير الرازي)) (20/298). وذكر الشنقيطي قراءةَ جمهورِ القرَّاءِ تَتَّخِذُوا على وجهِ الخطابِ، وقراءةَ يَتَّخِذُوا بالياءِ على الغيبةِ. وتوجيهَ أَلَّا على كلا القراءتينِ، ثمَّ قال: (فمرجعُ القراءتينِ إلى شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ التوكُّلَ إنما يكونُ على الله وحدَه لا على غيرِه). ((أضواء البيان)) (3/11). تتَّخِذوا -يا بني إسرائيلَ- مِن دوني مَعبودًا تعتَمِدونَ عليه، وتَكِلونَ أمورَكم إليه [34] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/46)، ((نظم الدرر)) (11/301)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   .
كما قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: 81].
وقال سُبحانه: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 9].
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3).
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ.
أي: يا سُلالةَ مَن حملْنا مع نوحٍ في السَّفينةِ، فنجَّيناهم مِن الغَرَقِ [35] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/13).   .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: 77].
إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا.
أي: إنَّ نوحًا كان عبدًا للهِ شكورًا لنِعَمِه؛ فتشبَّهوا بأبيكم، واشكُروني على نِعَمي عليكم، ولا تُشرِكوا بي شيئًا [36] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/452)، ((تفسير القرطبي)) (10/213)، ((تفسير ابن كثير)) (5/46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 453)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/13). قال القرطبي: (مقصودُ الآية: إنَّكم من ذريَّةِ نُوحٍ، وقد كان عبدًا شَكورًا؛ فأنتم أحَقُّ بالاقتداءِ به دون آبائِكم الجُهَّالِ). ((تفسير القرطبي)) (10/213).   .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذكَرَ اللهُ تعالى تشريفَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالإسراءِ، ثمَّ ذكَرَ عَقيبَه تَشريفَ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بإنزالِ التَّوراةِ عليه، ثمَّ وصَفَ التوراةَ بكَونِها هُدًى، ثمَّ بَيَّنَ أنَّ التوراةَ إنَّما كان هُدًى لاشتمالِه على النَّهيِ عن اتِّخاذِ غَيرِ الله وكيلًا -على أحدِ أوجهِ التأويلِ في أَلَّا- وذلك هو التَّوحيدُ، فرجَعَ حاصِلُ الكلامِ بعد رعايةِ هذه المَراتِبِ إلى أنَّه لا مِعراجَ أعلى، ولا درَجَةَ أشْرَفُ، ولا مَنقَبةَ أعظَمُ مِن التَّوحيدِ، وألَّا يُعَوِّلَ المرءُ في أمرٍ مِن الأمورِ إلَّا على اللهِ، فإنْ نطَقَ نطَقَ بذِكرِ الله، وإن تفكَّرَ تفَكَّرَ في دلائِلِ تَنزيهِ اللهِ تعالى، وإن طلَبَ طلَبَ مِن اللهِ، فيكونُ كُلُّه لله وباللهِ [37] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/298).   .
2- قَولُ الله تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا فيه التَّنويهُ بالثَّناءِ على نوحٍ عليه السَّلامُ، بقيامِه بشُكرِ اللهِ، واتِّصافِه بذلك، والحَثُّ لذُرِّيَّتِه أن يَقتَدوا به في شُكرِه، ويُتابِعوه عليه، وأن يتذَكَّروا نِعمةَ اللهِ عليهم؛ إذ أبقاهم واستخلفَهم في الأرضِ، وأغرَقَ غَيرَهم [38] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   ، ففي تَخصيصِ نوحٍ وخِطابِ العبادِ بأنَّهم ذُرِّيَّتُه إشارةٌ إلى الاقتداءِ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فإنَّه أبوهم الثَّاني، فإنَّ اللهَ تعالى لم يجعَلْ للخَلْقِ بعد الغَرَقِ نَسلًا إلَّا مِن ذُرِّيَّتِه، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [39] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 118).   [الصافات: 77].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- تَنزيهُ اللهِ تعالى بقَولِه: (سُبْحَانَ الله)، يتضَمَّنُ مع نفيِ صِفاتِ النَّقصِ عنه إثباتَ ما يلزَمُ ذلك مِن عَظَمتِه، فكان التَّسبيحُ تعظيمًا له مع تَبرئَتِه تعالى مِن السُّوءِ؛ ولهذا جاء التَّسبيحُ عند العجائِبِ الدَّالَّةِ على عظَمَتِه؛ كقولِه تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1]، وأمثال ذلك [40] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (6/177).   .
2- قَولُ الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ التَّعبيرُ بلَفظِ العَبدِ في هذا المقامِ العَظيمِ يدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ مَقامَ العُبوديَّةِ هو أشرَفُ صِفاتِ المخلوقينَ وأعظَمُها وأجَلُّها؛ إذ لو كان هناك وَصفٌ أعظَمُ منه لعبَّرَ به في هذا المقامِ العظيمِ الذي اختَرَق العبدُ فيه السَّبعَ الطِّباقَ، ورأى مِن آياتِ رَبِّه الكُبرى [41] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/8).   ، لكنه قال: بِعَبْدِهِ ولم يقُلْ: برَسولِه، ولا نبيِّه؛ إشارةً إلى أنَّه قام هذا المقامَ الأعظَمَ بكَمالِ عُبوديَّتِه لرَبِّه، ولذا ذَكَر الله سُبحانَه نبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باسمِ عُبوديَّتِه في أشرَفِ مَقاماتِه؛ في مقامِ الإسراءِ كما هنا، وفي مَقامِ الدَّعوةِ، ومَقامِ التَّحدِّي، فقال في مقامِ الدَّعوةِ: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: 19]، وقال في مقامِ التَّحدِّي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [42] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/5).   [البقرة: 23].
3- قَولُ اللهِ تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا صَريحٌ في أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُسرِيَ بجَسَدِه يَقَظةً [43] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 166).   .
4- قَولُ الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ظاهِرُه أنَّ الإسراءَ كان في أوَّلِ اللَّيلِ، وأنَّه مِن نَفسِ المَسجِدِ الحرامِ، لكِنْ على روايةِ أنَّه أُسرِيَ به مِن بَيتِ أمِّ هانئٍ تكونُ الفَضيلةُ في المسجِدِ الحرامِ لِسائِرِ الحَرَمِ؛ فكُلُّه تُضاعَفُ فيه العبادةُ، كتَضاعُفِها في نَفسِ المَسجِدِ [44] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   .
5- قال تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وأصلُ الحرامِ: الأمرُ الممنوعُ، فوصْفُ الشَّيءِ بالحرامِ يكونُ بمَعنى أنَّه ممنوعٌ استعمالُه استعمالًا يُناسِبُه، نحوُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3]، أي: أكْلُ الميتةِ، ويكونُ بمعنى الممنوعِ مِن أنْ يُعْمَلَ فيه عمَلٌ ما، ويُبيَّنُ بذكْرِ المُتعلِّقِ الَّذي يتعلَّقُ به، وقد لا يُذْكَرُ مُتعلِّقُه إذا دَلَّ عليه العُرْفُ، ومنه قولُهم: الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة: 217]، أي: الحرامِ فيه القتالُ في عُرْفِهم. وقد يُحْذَفُ المُتعلَّقُ لقصْدِ التَّكثيرِ، فهو من الحذْفِ للتَّعميمِ، فيرجِعُ إلى العُمومِ العُرفيِّ، ففي نحوِ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة: 2] يُرادُ الممنوعُ مِنْ عدوانِ المعتدينَ، وغزوِ الملوكِ والفاتحينَ، وعملِ الظُّلمِ والسُّوءِ فِيهِ [45] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/12- 13).   .
6- دلَّ القُرآنُ العَظيمُ على بَرَكةِ الشَّامِ في خَمسِ آياتٍ: قَولُه تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف: 137] واللهُ تعالى إنَّما أورَثَ بني إسرائيلَ أرضَ الشَّامِ، وقولُه تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، وقولُه تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 71]، وقولُه تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 81]، وقولُه تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ: 18] الآية. فهذه خمسُ آياتٍ نُصوصٌ، والبَرَكةُ تتناوَلُ البَرَكةَ في الدِّينِ، والبَرَكةَ في الدُّنيا، وكِلاهما معلومٌ لا ريبَ فيه [46] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/44).   .
7- إنَّما أُسرِيَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المَسجِدِ الحرامِ إلى المَسجِدِ الأقصى؛ ليُرِيَه اللهُ مِن آياتِه بالمِعراجِ؛ لهذا كان قَولُه تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا دَليلًا في المِعراجِ الذي كان بعدَ المَسْرَى إلى المسجِدِ الأقصى، فلم يكُنِ المقصودُ مُجَرَّدَ رؤيةِ الأقصى؛ فإنَّه قد رآه المُسلِمُ والكافِرُ، والبَرُّ والفاجِرُ، ولكِنَّه سُبحانَه أخبَرَ بذلك؛ ليكونَ هذا آيةً للرَّسولِ، فإنَّهم قد رأوا المسجِدَ الأقصى، فإذا أخبَرَهم أنَّه رآه ووصَفَه لهم -كما جاء في الحديثِ الصَّحيحِ [47] تقدَّم تخريجُه: (ص: 19).   - كان ذلك حُجَّةً له على أنَّه رآه، ولم يُمكِنْهم تكذيبُه في ذلك، بخلافِ ما لو أخبَرَ بالعُروجِ إلى السَّماءِ ابتداءً، فإنَّهم كانوا إذا كَذَّبوا بذلك لم يكُنْ هناك ما رأَوه حتى يَصِفَه لهم. وهو سُبحانَه قد أخبَرَ بعُروجِه إلى السَّماءِ في قَولِه تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: 13- 18] وهو سُبحانَه ذكَر هذا بعدَ أن ذكَرَ رُؤيةَ جبريلَ النَّزلةَ الأخرى في الأرضِ؛ فإنَّه رآه على صُورتِه مَرَّتينِ، كما جاءت بذلك الأحاديثُ الصَّحيحةُ [48] يُنظر ما أخرجه البخاري (4855)، ومسلم (177) من حديث عائشة رضي الله عنها.   ، وقال في سورة (التكويرِ): إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، فهذا جبريلُ، ثمَّ قال: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [49] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (1/213).   .
8- في قَولِه تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا دَلالةٌ على أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرَ ربَّه ليلةَ أُسرِيَ به؛ إذ لو كان -سُبحانَه- قد أراه نفسَه بعَيْنِه، لكان ذِكْرُ ذلك أَولى [50] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/510). قال ابن القيم: (هي مسألةُ خِلافٍ بين السَّلَفِ والخَلَفِ، وإن كان جمهورُ الصَّحابةِ بل كلُّهم مع عائشةَ [يعني: في عَدَمِ الرؤيةِ] كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعًا للصحابة). ((زاد المعاد)) (1/79).   .
9- قَولُ الله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ وَجهُ الاقتصارِ على وَصفِ المَسجدِ الأقصى في هذه الآيةِ بذِكرِ هذا التَّبريكِ: أنَّ شُهرةَ المَسجِدِ الحَرامِ بالبَرَكةِ، وبِكَونِه مَقامَ إبراهيمَ، مَعلومةٌ للعَرَبِ، وأمَّا المَسجِدُ الأقصى فقد تناسى النَّاسُ ذلك كُلَّه؛ فالعَرَبُ لا عِلمَ لهم به، والنَّصارى عَفَوا أثَرَه مِن كراهِيَتِهم لليَهودِ، واليهودُ قد ابتَعَدوا عنه وأَيِسوا مِن عَودِه إليهم، فاحْتِيجَ إلى الإعلامِ ببَرَكتِه [51] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/19).   .
10- قَولُ الله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ في هذا الوصْفِ الْأَقْصَى بصِيغَةِ التَّفضيلِ -باعتبارِ أصْلِ وضْعِها- مُعجزةٌ خفيَّةٌ من مُعجزاتِ القُرآنِ؛ إيماءً إلى أنَّه سيكونُ بين المَسجدَينِ: مَسجدٌ عظيمٌ، هو مسجِدُ طَيْبةَ، الَّذي هو قَصِيٌّ عن المسجِدِ الحرامِ، فيكونُ مسجِدُ بيتِ المقدسِ أقْصَى منه حينئذٍ؛ فتكونُ الآيةُ مُشيرةً إلى جميعِ المساجِدِ الثَّلاثةِ المُفضَّلةِ في الإسلامِ على جميعِ المساجِدِ الإسلاميَّةِ، والَّتي بيَّنَها قولُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لَا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجِدِ الحرامِ، ومسجدِ الرَّسُولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومسجِدِ الأقصَى )) [52] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/15). والحديث أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.   .
11- فائدةُ ذِكْرِ مبدأِ الإسراءِ ونِهايتِه بقولِه: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أمرانِ؛ أحدُهما: التَّنصيصُ على قطْعِ المسافةِ العظيمةِ في جُزءِ ليلةٍ؛ لأنَّ كلًّا من الظَّرفِ -وهو لَيْلًا- ومن المَجْرورَينِ -مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى- قد تعلَّقَ بفعْلِ أَسْرَى، فهو تعلُّقٌ يَقْتضي المُقارنةَ؛ ليُعْلَمَ أنَّه من قَبِيلِ المُعجزاتِ. وثانيهما: الإيماءُ إلى أنَّ اللهَ تَعالى يجعَلُ هذا الإسراءَ رمْزًا إلى أنَّ الإسلامَ جمَعَ ما جاءت به شرائعُ التَّوحيدِ والحنيفيَّةِ من عهْدِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، الصَّادر من المسجِدِ الحرامِ إلى ما تفرَّعَ عنه من الشَّرائعِ الَّتي كان مَقرُّها بيتَ المقدسِ، ثمَّ إلى خاتمتِها الَّتي ظهَرَتْ من مكَّةَ أيضًا، فقد صدَرَتِ الحنيفيَّةُ من المسجِدِ الحرامِ، وتفرَّعَتْ في المسجِدِ الأقصى، ثمَّ عادت إلى المسجِدِ الحرامِ كما عاد الإسراءُ إلى مكَّةَ؛ لأنَّ كلَّ سُرًى يعقُبُه تَأويبٌ؛ وبذلك حصَلَ رَدُّ العجُزِ على الصَّدرِ. ومن هنا يظهَرُ مُناسبةُ نُزولِ التَّشريعِ الاجتماعيِّ في هذه السُّورةِ في الآياتِ المُفتتَحَةِ بقولِه تَعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23]، ففيها: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء: 33]، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 34]، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الإسراء: 35]؛ إيماءً إلى أنَّ هذا الدِّينَ سيكونُ دِينًا يحكُمُ في النَّاسِ وتُنَفَّذُ أحكامُه [53] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/15- 16).   .
12- قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ذكَرَ السَّميعَ هاهنا؛ لينَبِّهَ على أنَّه المجيبُ لدُعائِه، وذَكَر البصيرَ؛ لينَبِّهَ على أنَّه كان الحافِظَ له في ظُلمةِ اللَّيلِ [54] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/214).   .
13- قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ... كَثيرًا ما يَقرِنُ الباري بين نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونُبُوَّةِ مُوسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبَينَ كِتابَيهما وشَريعَتَيهما؛ لأنَّ كِتابَيهما أفضَلُ الكُتُبِ، وشَريعَتَيهما أكمَلُ الشَّرائِعِ، ونُبُوَّتَيهما أعلى النُّبُواتِ، وأتباعَهما أكثَرُ المُؤمنِينَ [55] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 453).   .
14- قَولُ اللهِ تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ فيه أنَّ ذرِّيَّةَ نُوحٍ كانوا شِقَّينِ: شِقٌّ بارٌّ مُطيعٌ، وهم الذين حمَلَهم معه في السَّفينةِ؛ وشِقٌّ متكَبِّرٌ كافِرٌ، وهو ولَدُه الذي غَرِق، فكان نوحٌ عليه السَّلامُ مثلًا لأبي فريقَينِ، وكان بنو إسرائيلَ مِن ذريَّةِ الفَريقِ البارِّ، فإن اقتَدَوا به نجَوا، وإن حادوا فقد نزَعوا إلى الفريقِ الآخَرِ، فيُوشِكُ أن يَهلِكوا. وهذا التماثُلُ هو نُكتةُ اختيارِ ذِكرِ نُوحٍ مِن بينِ أجدادِهم الآخَرينَ، مِثل: إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ -عليهم السلامُ- لفواتِ هذا المعنى في أولئك [56] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/27).   .
15- لا خِلافَ بينَ أهلِ اللُّغَةِ أنَّ الذُّرِّيَّةَ تُقالُ على الأولادِ الصِّغارِ وعلى الكِبارِ أيضًا؛ قال الله تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [57] يُنظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 261).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
- قولُه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا، في قولِه: سُبْحَانَ ما لا يَخْفَى من الدَّلالةِ على التَّنزيهِ البليغِ من حيثُ الاشتقاقُ من السَّبْحِ، الَّذي هو الذَّهابُ والإبعادُ في الأرضِ [58] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/154).   .
- والافتتاحُ بكلمةِ التَّسبيحِ من دونِ سبْقِ كلامٍ مُتضمِّنٍ ما يجِبُ تَنزيهُ اللهِ عنه؛ يُؤذِنُ بأنَّ خبرًا عجيبًا يستقبِلُه السَّامعونَ، دالًّا على عظيمِ القُدرةِ من المُتكلِّمِ، ورَفيعِ مَنزلةِ المُتحدَّثِ عنه [59] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/9).   .
- والتَّعبيرُ عن الذَّاتِ العَلِيَّةِ بطريقِ الموصولِ الَّذِي أَسْرَى دونَ الاسمِ العَلَمِ (اللَّه)؛ للتَّنبيهِ على ما تُفيدُه صِلَةُ الموصولِ من الإيماءِ إلى وجْهِ هذا التَّعجُّبِ والتَّنويهِ وسبَبِه، ويُفيدُ أنَّ حديثَ الإسراءِ أمْرٌ فَشا بين القومِ؛ فقد آمَنَ به المُسلمونَ، وأكبَرَه المُشركونَ [60] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/10).   .
- وفي التَّعبيرِ بقولِه: أَسْرَى بِعَبْدِهِ دونَ: (بعَثَ بعبْدِه) و(أرسَلَ به) ما يُفيدُ مُصاحبتَه له في مَسْراهُ؛ فإنَّ الباءَ هنا للمُصاحَبةِ، كالباءِ في قولِه: هاجَرَ بأهْلِه، وسافَرَ بغُلامِه، وليست للتَّعديةِ؛ فإنَّ (أسْرى) يتعدَّى بنفْسِه يُقال: أسْرى به وأسراهُ، وهذا لأنَّ ذلك السُّرى كان أعظَمَ أسفارِه، والسَّفرُ يعتمِدُ الصَّاحِبَ؛ ولهذا كان المُسافِرُ يقولُ: ((اللَّهُمَّ أنت الصَّاحِبُ في السَّ فرِ)) [61] أخرجه مسلم (1342) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.   . وفائدةُ الجمعِ بين الهمزةِ والباءِ: أنَّ الثُّلاثيَّ المُتعدِّيَ بالباءِ يُفْهَمُ منه شيئانِ؛ أحدُهما: صُدورُ الفعلِ من فاعِلِه. الثَّاني: مُصاحبتُه لِمَا دخَلَت عليه الباءُ؛ فإذا قلْتَ: سريتُ بزيدٍ وسافرْتُ به، كان قد وُجِدَ منك السُّرى والسَّفرُ مُصاحبًا لزيدٍ فيه، وأمَّا المُتعدِّي بالهمزةِ، فيَقْتضي إيقاعَ الفعلِ بالمفعولِ فقطْ؛ كقولِه تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النحل: 78]، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء: 57] ونظائرِه، فإذا قُرِنَ هذا المُتعدِّي بالهمزةِ أفاد إيقاعَ الفعلِ على المفعولِ مع المُصاحبةِ المفهومةِ من الباءِ، ولو أتى فيه بالثُّلاثيِّ فُهِمَ منه معنى المُشاركةِ في مَصْدرِه وهو مُمْتنِعٌ [62] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/202). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (15 /11).   .
- وذُكِرَ هنا الإسراءُ فقطْ، ولم يُذْكَرِ العُروجُ بالنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ وما كان فيه، ممَّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُه حسبَما نطَقَتْ به سُورةُ (النَّجمِ)؛ تَقريبًا للإسراءِ إلى قَبولِ السَّامعينَ [63] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/155).   .
- قولُه: بِعَبْدِهِ هذه إضافةُ تَشريفٍ واختصاصٍ [64] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/8).   ، لا إضافةُ تعريفٍ؛ لأنَّ وَصفَ العُبوديَّةِ لله متحَقِّقٌ لسائِرِ المَخلوقاتِ، فلا تُفيدُ إضافتُه تَعريفًا [65] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/12).   ، وقال: بِعَبْدِهِ دونَ (نَبيِّه) أو (حبيبِه)؛ لئلَّا تضِلَّ به أُمَّتُه، كما ضَلَّت أُمَّةُ المسيحِ، حيث دعَتْه إلهًا، أو لأنَّ وصْفَه بالعُبوديَّةِ المُضافةِ إلى اللهِ تعالى أشرَفُ المقاماتِ [66] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/318).   .
- وفي قولِه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ذكَرَ اللَّيلَ مع أنَّ الإسراءَ لا يكونُ إلَّا باللَّيلِ؛ لأنَّه أراد بقولِه: لَيْلًا بلفظِ التَّنكيرِ تَقليلَ مُدَّةِ الإسراءِ وقِصَرِ زمَنِ الإسراءِ -مع أنَّ بين مكَّةَ وبيتِ المَقدسِ مَسيرةَ أربعينَ ليلةً-؛ وذلك أنَّ التَّنكيرَ فيه قد دَلَّ على معنى البعضيَّةِ؛ فذِكْرُ اللَّيلِ مع أنَّ السُّرى لا يكونُ إلَّا باللَّيلِ يحتمِلُ أمرينِ؛ أوَّلَهما: أنَّ الإسراءَ لمَّا دَلَّ على أمرينِ -أحدُهما: السَّيرُ، والآخَرُ: كونُه ليلًا-، أريدَ إفرادُ أحدِهما بالذِّكرِ؛ تَثبيتًا في نفْسِ المُخاطَبِ، وتَنبيهًا على أنَّه مقصودٌ بالذِّكرِ. وثانيهما: الإشارةُ بتَنكيرِ اللَّيلِ إلى تَقليلِ مُدَّتِه؛ لأنَّ التَّنكيرَ فيه قد دَلَّ على معنى البعضيَّةِ، وهذا بخلافِ ما لو قيلَ: (أسْرى بعبْدِه اللَّيلَ)؛ فإنَّ التَّركيبَ مع التَّعريفِ يُفيدُ استغراقَ السَّيرِ لجميعِ أجزاءِ اللَّيلِ [67] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/646)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/318)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/394).   ؛ فلمَّا كان الإسراءُ هو السَّيرَ في اللَّيلِ، وكان الشَّيءُ قد يُطْلَقُ على جُزءِ معناه بدلالةِ التَّضمُّنِ؛ نَفى هذا بقولِه: لَيْلًا، وليدُلَّ بتنوينِ التَّحقيرِ على أنَّ هذا الأمْرَ الجليلَ كان في جُزءٍ يَسيرٍ من اللَّيلِ، وعلى أنَّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يحتَجْ في الإسراءِ والعُروجِ إلى سِدْرةِ المُنْتهى وسماعِ الكلامِ من العلِيِّ الأعلى إلى رياضةٍ؛ بصيامٍ ولا غيرِه، بلْ كان مُهيَّئًا لذلك مُتأهِّلًا له، فأقامه تعالى من الفرشِ إلى العرشِ [68] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/288-289).   . وقيل: إنَّه ذُكِرَ على سبيلِ التَّوكيدِ. وقيل: يعني في جوفِ اللَّيلِ؛ فلم يكُنْ إدْلاجًا ولا ادِّلاجًا [69] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/9). الإدْلاج: السَّير من أوَّلِ اللَّيلِ. والادِّلاج -بتشديد الدال-: السَّيرُ مِن آخِرِ اللَّيلِ. وقيل: الإدْلاجُ: السير مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. والادِّلاج: السَّير اللَّيْلَ كُلَّه. وقيل بعَكسِ ذلِك. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (1/315)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/294)، ((لسان العرب)) لابن منظور (2/272).   . وقيل: تَنكيرُ لَيْلًا للتَّعظيمِ، بقرينةِ الاعتناءِ بذِكْرِه مع علْمِه من فِعْلِ أَسْرَى، وبقرينةِ عدَمِ تَعريفِه، أي: هو ليلٌ عظيمٌ باعتبارِ جعْلِه زمنًا لذلك السُّرى العظيمِ، فقام التَّنكيرُ هنا مقامَ ما يدُلُّ على التَّعظيمِ. ألَا تَرى كيف احتيجَ إلى الدِّلالةِ على التَّعظيمِ بصِيغَةٍ خاصَّةٍ في قولِه تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر: 1، 2]، إذ وقَعَتْ ليلةُ القدْرِ غيرَ مُنكَّرةٍ [70] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/11-12).   ؟!
- قولُه: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أي: الأبعدِ، والمُرادُ: بُعْدُه عن مكَّةَ، بقرينةِ جعْلِه نِهايةَ الإسراءِ من المسجِدِ الحرامِ، وهو وصْفٌ كاشفٌ اقتضاهُ هنا زِيادةُ التَّنبيهِ على مُعجزةِ هذا الإسراءِ، وكونه خارِقًا للعادةِ؛ لكونِه قطَعَ مسافةً طويلةً في بعضِ ليلةٍ [71] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/14).   .
- قولُه: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ صِفةٌ للمسجِدِ الأقصى، وجِيءَ في الصِّفةِ بالموصوليَّةِ؛ لقصْدِ تَشهيرِ الموصوفِ بمَضمونِ الصِّلةِ، حتَّى كأنَّ الموصوفَ مُشتهَرٌ بالصِّلةِ عند السَّامعينَ، والمقصودُ: إفادةُ أنَّه مُبارَكٌ حولَه [72] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/19)، ((تفسير أبي حيان)) (7/10).   .
- قولُه: بَارَكْنَا حَوْلَهُ صِيغَةُ المُفاعلةِ هنا بَارَكْنَا؛ للمُبالغةِ في تَكثيرِ الفعلِ، وكونُ البركةِ حولَه كِنايةٌ عن حُصولِ البركةِ فيه بالأَولى؛ لأنَّها إذا حصَلَت حولَه فقد تجاوَزَت ما فيه؛ ففيه لَطيفةُ التَّلازُمِ، ولَطيفةُ فَحْوى الخِطابِ [73] فحوى الخطاب: هو إثباتُ حكمِ المنطوقِ به للمسكوتِ عنه بطريقِ الأولَى، وهو نوعان: تنبيهٌ بالأقلِّ على الأكثرِ؛ كقولِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23] فإنَّه نبَّه بالنهي عن قولِ أفٍّ على النهيِ عن الشتمِ والضربِ وغيرِ ذلك. وتنبيهٌ بالأكثرِ على الأقلِّ؛ كقولِه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75]. يُنظر: ((تقريب الوصول إلى علم الأصول)) لابن جزي (ص: 163). ، ولَطيفةُ المُبالغةِ بالتَّكثيرِ. ولكلمةِ حَوْلَهُ في هذه الآيةِ من حُسْنِ الموقعِ ما ليس لكلمةِ (في)؛ لأنَّ (في) لا تُفيدُ انتشارَها وتجاوُزَها منه إلى ما حولَه [74] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/19-20). ويُنظر أيضًا: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/319).   .
- قولُه: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا تَعليلُ الإسراءِ بإرادةِ إراءةِ الآياتِ الرَّبَّانيَّةِ، تَعليلٌ ببعضِ الحِكَمِ الَّتي لأجْلِها منَحَ اللهُ نَبِيَّه مِنحةَ الإسراءِ، ولامُ التَّعليلِ في لِنُرِيَهُ لا تُفيدُ حصْرَ الغرضِ من مُتعلِّقِها في مَدخولِها، وإنَّما اقتُصِرَ في التَّعليلِ على إراءةِ الآياتِ؛ لأنَّ تلك العِلَّةَ أعلَقُ بتكريمِ المُسْرى به، والعنايةِ بشأنِه؛ لأنَّ إراءةَ الآياتِ تَزيدُ يقينَ الرَّائي بوُجودِها الحاصلِ من قبْلِ الرُّؤيةِ [75] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/20-21).   .
- والالتفاتُ من الغَيبةِ الَّتي في اسمِ الموصولِ وضميرَيْه في قولِه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ إلى التَّكلُّمِ في: بَارَكْنَا [الإسراء: 1]، ولِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا؛ لتعظيمِ ما ذُكِر؛ لأنَّ فعلَ العظيمِ يكونُ عظيمًا، لا سيَّما إذا عبَّر عنه بصيغةِ التعظيمِ، والنكتةُ العامةُ تنشيطُ السامعينَ [76] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/430).   . وقيل غير ذلك [77] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/648)، ((تفسير أبي حيان)) (7/10)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/21-22)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/395- 396).   .
- قولُه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فيه الْتِفاتٌ إلى الغَيبةِ؛ لتربيةِ المَهابةِ [78] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/155).   ، وهو وعيدٌ من اللهِ للكُفَّارِ على تَكذيبِهم محمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أمْرِ الإسراءِ؛ فهي إشارةٌ لطيفةٌ بليغةٌ إلى ذلك، أي: هو السَّميعُ لِمَا تَقولون، البصيرُ بأفعالِكم [79] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/11).   .
- ومَوقعُ (إنَّ) في قولِه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ التَّوكيدُ والتَّعليلُ، كما يُؤْذِنُ به فصْلُ الجُملةِ عمَّا قبلَها-أي: عدَمُ عطْفِها عليها-، وهذه الجُملةُ مُشتمِلةٌ على صِيغَةِ قَصْرٍ بتعريفِ المُسنَدِ باللَّامِ السَّمِيعُ، وبضَميرِ الفصْلِ هُوَ قصْرًا مُؤكدًا، وهو قصْرُ موصوفٍ على صِفَةٍ قصرًا إضافيًّا للقلْبِ [80] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/21-22).   .
2- قَولُه تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
- قولُه: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فيه الإخبارُ عن التَّوراةِ بأنَّه هُدًى مُبالغةً؛ لأنَّ الهُدى بسبَبِ العملِ بما فيه، فجُعِلَ كأنَّه نفْسُ الهدى، كقولِه تعالى في القُرآنِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/24).   [البقرة: 2].
- وخصَّ بني إسرائيلَ؛ لأنَّهم المخاطبونَ بشريعةِ التوراةِ دونَ غيرِهم [82] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/25).   .
3- قَولُه تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
- قولُه: ذُرِّيَّةَ انتصَبَ على الاختصاصِ-على أحدِ الأقوالِ-؛ لزيادةِ بَيانِ بني إسرائيلَ بيانًا مقصودًا به التَّعريضُ بهم؛ إذ لم يَشْكروا النِّعمةَ. وفي اختيارِ وصْفِهم بأنَّهم ذُرِّيَّةُ مَن حُمِلَ مع نوحٍ عليه السَّلامُ معانٍ عظيمةٌ من التَّذكيرِ والتَّحريضِ والتَّعريضِ؛ لأنَّ بني إسرائيلَ من ذُرِّيَّةِ سامِ بنِ نوحٍ، وكان سامٌ ممَّن ركِبَ السَّفينةَ، وإنَّما لم يقُلْ: (ذُرِّيَّةَ نوحٍ) مع أنَّهم كذلك؛ قصدًا لإدماجِ التَّذكيرِ بنِعمةِ إنجاءِ أُصولِهم من الغرَقِ [83] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/25-26).   .
- في قولِه: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا أُكِّدَ كونُ نوحٍ كان عبدًا شكورًا بحرفِ (إنَّ) تَنزيلًا لهم منزلةَ مَن يجهَلُ ذلك؛ إمَّا لتوثيقِ حمْلِهم على الاقتداءِ به إنْ كانتِ الجُملةُ خِطابًا لبني إسرائيلَ مِن تمامِ الجُملةِ التَّفسيريَّةِ، وإمَّا لتَنزيلِهم منزلةَ مَن جهِلَ ذلك حتَّى تورَّطوا في الفسادِ، فاسْتَأْهلوا الاستئصالَ، وذَهابَ مُلكِهم؛ لينتقِلَ منه إلى التَّعريضِ بالمُشركينَ من العربِ بأنَّهم غيرُ مُقتدينَ بنوحٍ؛ لأنَّ مثَلَهم ومثَلَ بني إسرائيلَ في هذا السِّياقِ واحدٌ في جميعِ أحوالِهم، فيكونُ التَّأكيدُ منظورًا فيه إلى المعنى التَّعريضيِّ [84] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/27).   .
- وجُملةُ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا مُفيدةٌ تَعليلَ النَّهيِ عن أنْ يتَّخِذوا من دونِ اللهِ وكيلًا؛ لأنَّ أجدادَهم حُمِلُوا مع نوحٍ بنعمةٍ من اللهِ عليهم لنجاتِهم من الغرَقِ، وكان نوحٌ عبدًا شكورًا، والَّذين حُمِلُوا معه كانوا شاكرينَ مثْلَه، أي: فاقْتَدوا بهم ولا تَكْفروا نِعَمَ اللهِ [85]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/26).   .