موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (1-5)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

غريب الكلمات:


رَيْب: الرَّيب: الشكُّ، أو هو الشكُّ مع الخَوف، ومع تُهمَة المشكوكِ فيه، وتوهُّمُ أمْرٍ ما بالشَّيء، والرَّيب مصدر رابني الشيء: إذا حصل فيه الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها [112] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/463)، ((المفردات)) للراغب (ص: 368)، ((تفسير الزمخشري)) (1/34)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 47). .
لِلْمُتَّقِينَ: الذين يقُون أنفسهم تَعاطي ما يُعاقَب عليه من فِعل أو تَرْك، والتقوى جعْل النفس في وقاية مما تخاف، وأصل الاتِّقاء: الحَجْز؛ كأنَّهم وضعوا بينهم وبين العذاب حاجزًا يقيهم [113] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/131)، ((المفردات)) للراغب (ص: 881)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 47). .
يُوقِنُونَ: يعلمون علمًا متمكِّنًا في نفوسهم لا يمكن أن يدخله شكٌّ، وأصل اليقين: زوال الشَّكِّ [114] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/157)، ((تفسير ابن عطية)) (1/86). .
الْمُفْلِحُونَ: أي: الظَّافرون بما طلبوا، الباقون في الجنة؛ فأصل الفَلَاح: الظَّفَرُ وإدراك البُغية، والبقاء [115] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 39)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/432)، ((المفردات)) للراغب (ص: 644)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 48). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: الم حروف لا محلَّ لها من الإعراب [116] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/73). .
2- قوله: هُدًى: منصوب على الحال من (ذا، أو الكتاب، أو مِن الهاء في فِيه). ويجوز أن يكون (هدى) مرفوعًا بضمَّةٍ مقدَّرةٍ، على أنَّه مُبتدأ، وخبره: شبه جملة (فيه). أو يُرفع على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو هدى، أو خبر ثان لاسم الإشارة (ذلك). وعلامة إعرابه في الجميع مُقدَّرة؛ للتعذُّر [117] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/74)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/16)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/86). .

المعنى الإجمالي:


افتُتِحَت هذه السورةُ العظيمة بالحروف المقطَّعة؛ لبيان إعجاز القرآن؛ إذ تُبرِزُ عجزَ الخَلْق عن معارضته بالإتيان بشيءٍ من مثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ العربيَّة التي يتحدَّثون بها!
وهذا القرآن لا شكَّ في أنَّه نزَل من عند الله عزَّ وجلَّ، وهو هُدًى من الضلالة للمتَّقين، المصدِّقين المقرِّين بالغيب، المؤدِّين الصلواتِ على أكملِ وجه، المنفقين من طيِّب ما رزَقهم الله، المصدِّقين بالقرآن وبجميع الكتُب السماويَّة السابقة المنزلَة من عند الله عزَّ وجلَّ، الموقِنين بالبعث والنُّشور، والثَّواب والعِقاب، والحساب والميزان، وغير ذلك ممَّا أعدَّ الله تعالى لخَلْقه يوم القيامة، ثم أخبر الله عزَّ وجلَّ عن هؤلاء المتَّقين المتَّصفين بجميع ما تقدَّم ذِكرُه، بأنَّهم على نورٍ وبُرهان وبصيرة من ربِّهم سبحانه، وأنهم وحْدهم دون غيرهم، هم الفائِزون والناجون.

تفسير الآيات:


الم (1).
هذه الحروفُ المقطَّعة التي افتُتِحَت بها هذه السُّورة وغيرها، تأتي لبيان إعجازِ القرآن؛ حيث تُظهِر عجْزَ الخَلْق عن معارضته بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروف العربيَّة التي يتحدَّثون بها [118] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/206)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/24). !
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا كان المرادُ بـ الم أنَّ هذا الكتاب من جِنس حُروفكم التي قد فُقتُم في التكلُّم بها سائرَ الخلق، ومع ذلك أنتم عاجزون عن الإتيان بسورةٍ مِن مثلِه؛ لأنَّه كلامُ الله- أشار إلى كمالِه، فأُشير إليه بأداة البُعد في قوله ذَلِكَ الْكِتَابُ؛ لعلوِّ مقدارِه، وجلالة آثارِه، وبُعد رتبته عن المحرومين. ولما عُلم كمالُه، أشار إلى تعظيمه بالتصريحِ بما يستلزمه ذلك التعظيمُ، فقال: لاَّ رَيْبَ فِيهِ [119] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (1/79). .
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ.
أي: إنَّ هذا القرآن، لا شكَّ في أنَّه حقٌّ في ذاته، وأنَّه نزَل من عند الله تعالى [120] قال ابن أبي حاتم: (لا أعلمُ في هذا الحرف-أي: إنَّ الكتاب هو القُرآن-اختلافًا بين المفسرِّين) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/34). ، كما أنَّه لا يتضمَّن ما يوجب الرَّيْب [121] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/223-224). .
كما قال تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: 1-2].
وقال سبحانه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82].
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.
أي: إنَّ القرآن هدًى من الضلالة، ونورٌ وتبيان للذين يتَّقون غضبَ الله تعالى وعقابَه، بامتثال ما أَمَر الله تعالى به، واجتنابِ ما نَهَى عنه [122] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/234، 239)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تَيميَّة (1/403)، ((تفسير ابن كثير)) (1/162- 163)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/29). .
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3).
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
أي: إنَّ مِن صفات المتَّقين أنَّهم يُصدِّقون ويُقِرُّون بالغيب [123] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/241)، ((تفسير ابن كثير)) (1/164-165). .
والغيبُ هو: كلُّ ما غاب عن العَبد، ومن الإيمان بالغيب: الإيمانُ بالله تعالى، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِر [124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/242)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (13/233)، ((تفسير ابن كثير)) (1/165-166). .
يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ.
أي: يؤدُّون الصَّلوات بحدودِها، وفروضِها، وواجباتها، كما أمَر الله عزَّ وجلَّ [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/247)، ((تفسير ابن كثير)) (1/167). ومن المفسِّرين مَن فسَّر الصَّلاةَ المذكورة هنا، بأنَّها جِنس الصلوات المفروضة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/248-249)، ((الجواب الصحيح)) لابن تَيميَّة (2/279). ومن المفسِّرين مَن أدخل فيها النوافلَ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 41). ومنهم مَن أطلق الصلاة ولم يقيِّدها بشيء. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/81)، ((تفسير ابن عطية)) (1/85). .
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
أي: يُخرِجُون من طيِّب ما أعطاهم ربُّهم من الأموال [126] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/250)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 90)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (8/545). ومِن المفسِّرين مَن خصَّص النفقة المذكورة هنا، بالزَّكوات المفروضة، والنَّفقات الواجِبة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/250)، ((تفسير ابن كثير)) (1/169). ومن المفسِّرين مَن جعَلها شاملةً للصَّدقات الواجبة والمستحبَّة. يُنظر: ((تفسير الراغب الأصفهاني)) (1/82)، ((تفسير القرطبي)) (1/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 41)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/235). ومنهم مَن أطلق النفقة ولم يقيِّدها بشيء. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/81)، ((تفسير ابن عطية)) (1/85). وممَّن أطلق القولَ من السَّلف، قتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/38). .
والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4).
والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ.
أي: إنَّ من صِفات المتقين أيضًا، أنَّهم يؤمنون بالقرآن الذي أُنزل إلى محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ويُؤمنون أيضًا بجميع الكتُب السماويَّة السابقة، من قَبل بَعثةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/252)، ((تفسير ابن كثير)) (1/170-171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 41).   .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: 136].
وقال سبحانه أيضًا: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت: 46].
وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
أي يؤمنون إيمانًا لايتطرَّق إليه شكٌّ بالبعث والنُّشور، والثواب والعِقاب، والحِساب والميزان، وغير ذلك ممَّا أعدَّ الله تعالى لخلْقِه يومَ القِيامة [128] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/252)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (11/419)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/31). .
أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5).
أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.
أي: إنَّ المتَّصفين بجميعِ ما تقدَّم ذِكرُه من صِفات المتقين، على نورٍ وبُرهانٍ وبصيرةٍ من ربِّهم سبحانه [129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/255، 256)، ((تفسير ابن كثير)) (1/171). .
وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
أي: وهم أيضًا فائزونَ بإدراك ما طلَبوا، وبالنَّجاة ممَّا منه هرَبوا [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/256)، ((تفسير ابن كثير)) (1/172)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/247). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- أنَّ التقوى في القلْب هي التي تؤهِّل العبدَ للانتفاع بهذا الكتاب؛ فكلُّ مَن كان أتقى لله تعالى، كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنَّ الهدى عُلِّق بوصفٍ في قوله تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]، والحُكم إذا عُلِّق بوصف، كانتْ قوة الحُكم بحسَب ذلك الوصفِ المعلَّق عليه [131] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/29).
2- في قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4]، دلالةٌ على أهميَّة الإيمان بالآخِرة؛ لأنَّ الإيمان بها يستلزم الاستعدادَ لها بالأعمال الصَّالحات، وترْك المحرَّمات [133] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/171). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- بيان علوِّ القرآن؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ؛ فالإشارة بالبُعد تُفيد علوَّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عاليَ المكانة والمنزلة، فلا بدَّ أن يعود ذلك على المتمسِّك به بالعلوِّ والرِّفعة؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33]؛ وكذلك ما وُصِف به القُرآنُ كالكرَم، والعظَمة، فإن للمشتغل به نصيبًا من ذلك [135] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/28). .
2- نفي الرَّيْب عن القرآن في قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2]، يدلُّ على ثبوت كمال ضدِّه، فهو يُورث كمال اليقين؛ لما يتضمَّنه من الحجج والبراهين والدَّلائل التي لا تترك في الحقَّ لبسًا. والنفي الوارد في باب صفات الله تعالى، أو الملائكة، أو النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أو القرآن، يدل على ثبوت كمال ضدِّه [136] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 40). .
3- في قوله تعالى: ذَلِكَ الكِتَابُ إشارةٌ إلى ما سيؤول إليه أمر القرآن من كونه مكتوبًا ومجموعًا في كتابٍ واحد [137] قال ابن عاشور: (وفي هذه التسمية معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف قال تعالى: وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الأنعام: 92]، وقال: وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [الأنبياء: 50] وغير ذلك، ولذلك اتخذ النبيء صلى الله عليه وسلم من أصحابه كتابًا يكتبون ما أنزل إليه ومن أول ما ابتدئ نزوله... وقد وجد جميع ما حفظه المسلمون في قلوبهم على قدر ما وجدوه مكتوبًا يوم أمر أبو بكر بكتابة المصحف) ((تفسير ابن عاشور)) (1/73).   .
4- قال تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، ولم يقُل: يفعلون الصَّلاة، أو يأتون بالصَّلاة؛ لأنَّه لا يكفي فيها مجرَّدُ الإتيان بصورتها الظاهرة؛ فإقامة الصَّلاة، إقامتها ظاهرًا بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة رُوحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبُّر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصَّلاة هي التي قال الله فيها: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وهي التي يترتَّب عليها الثوابُ [138] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 41). .
5- كثيرًا ما يجمع الله تعالى بين الصَّلاة والزَّكاة في القرآن؛ وذلك لأسباب، منها: أنَّ الصَّلاة متضمِّنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنَّفقة متضمِّنة للإحسان إلى عَبيدِه [139] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 41). ، وسعادةُ العبدِ دائرةٌ بينَ الأمرَيْن، كما أنَّ الصلاةَ رأسُ العباداتِ البدنيةِ، والزكاةَ رأسُ العباداتِ الماليةِ، والعباداتُ راجعةٌ إلى هذين.
6- في الإتيان بـمِن التي هي للتبعيض في قوله: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ إيماءٌ إلى كون الإنفاق المطلوب شرعًا، هو إنفاقُ بعض المال؛ لأنَّ الشريعة لم تُكلِّف الناس حرجًا، وهذا البعض يقلُّ ويتوفَّر بحسب أحوال المنفقين [140] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/236). .
7- في قوله سبحانه: رَزَقْنَاهُمْ إشارة إلى أنَّ هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلةً بقوَّتكم وملككم، وإنَّما هي رِزق الله الذي خوَّلكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضَّلكم على كثيرٍ من عباده، فاشكروه بإخراج بعضِ ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانَكم المعدَمين [141] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 40). .
8- في قوله تعالى: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ دلالةٌ على أنَّ الإنفاقَ من غير الزَّكاة لا يتقدَّر بشيءٍ معيَّن؛ لإطلاق الآية، سواء كانت «مِن» للتبعيض؛ أو للبيان [142] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/33). .
9- في قوله تعالى: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، لم يذكر المعمولَ (المنفَق ذاته، والمنفَق عليهم)؛ لكثرة أسبابِه، وتنوُّع أهلِه [143] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 41). .
10- في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4]، بدأ بالقرآن مع أنَّه آخِر الكتُب السماوية زمنًا؛ لأنَّه مهيمنٌ على الكتُب السابقة، وناسخٌ لها [144] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/31). .
11- في قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4]، نصَّ جلَّ وعلا على الإيقان بالآخِرة مع دخولِه في الإيمان بالغيب لأهميَّته؛ لأنَّ الإيمان بها يُحمل على فِعل المأمور، وترْك المحظور [145] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/31). .
12- في قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5]، دلالةٌ على أنَّ الفلاحَ مرتَّبٌ على الاتِّصاف بما ذُكر؛ فإنِ اختلَّت صفةٌ منها، نقَص من الفلاح بقدْر ما اختلَّ من تلك الصِّفات؛ وذلك لأنَّ الحكمَ المعلَّق على وصفٍ، يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، فالصحيح من قول أهل السُّنة والجماعة، والذي دلَّ عليه العقلُ والنقل، أنَّ الإيمان يَزيد، وينقص، ويتجزَّأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجناتِ درجاتٌ [146] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/35). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فيه من أوجه البلاغة:
- الإشارة للبعيد في ذَلِكَ بإدخال اللام، إشارة إلى علوِّ منزلة هذا الكتاب وشَرَفه، وبُعد مرتبته وعلوِّها على مرتبة كلِّ كتابٍ سواه [147] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/32)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (1/79)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/220). .
- الْكِتَابُ جاء معرَّفًا بالألف واللام؛ للتَّفخيم لأمْره، ولبيان علوِّ شأنه [148] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/74) ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/25-27). .
- هُدًى: وُضِع المصدر هُدًى موضِعَ اسم الفاعِل (هادٍ)؛ للتأكيد على دَيمومة هِدايتِه واستمرارِها، وجاء منكَّرًا للتعظيم، وللدَّلالة على أنها هداية مُطلَقة لكل متَّقٍ في كلِّ ما يَحتاج إليه الخَلقُ للوصول إلى السعادة في الدَّارين [149] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/37)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/25). .
- وفي هذه الجُمل الأربع: الم، ذلِكَ الْكِتابُ، لا رَيْبَ فِيهِ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ: جمالُ بلاغة؛ حيثُ جِيء بها متناسقةً هكذا من غير حرْف عَطْف؛ وذلك لمجيئها متآخيةً آخذًا بعضها بعُنق بعض؛ مع ما في كلِّ جملة مِن نُكتةٍ ذات جَزالة، ففيها ما يُسمَّى عند البَلاغيِّين بـ(الفصْل) [150] الفصل: من مباحث عِلم المعاني؛ وهو عدمُ عطفِ الجُمُل بالواو. وهو مقابلٌ للوَصلِ، ولكلٍّ من الفصل والوصل مواضِعُه الواجبة والجائزة. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 249 وما بعدها)،  ((البلاغة الواضحة)) لعلي الجارم وأحمد أمين (ص: 228). -وهو عدم عطف الجمل بالواو-؛ لكمال الاتِّصال بينها [151] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/32)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/228)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 18). .
2- قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
- فيه حُسن ترتيب، وتقديمٌ للأهمِّ فالأهم؛ فالإيمانُ بالغيب لازمٌ للمكلَّف دائمًا، والصَّلاةُ لازمة في أكثرِ الأوقات، والنَّفقة لازمة في بعض الأوقات [152] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/69). .
- تقديم المفعول مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ على الفِعل يُنْفِقُونَ: للاهتمامِ به، وللدلالة على كونه أهمَّ، ولإفادة الاختصاص، ولتناسب رُؤوس الآي [153] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/40)، ((تفسير الشربيني)) (1/18)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 19). .
3- قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
- في قوله أُنْزِل: عبَّر عنه بلفظ الماضي، وإن كان بعضه مترقَّبًا؛ تغليبًا للموجود على ما لم يوجد، أو تنزيلًا للمنتظَر منزلةَ الواقِع؛ ففي هذا التعبير تغليبٌ المحقَّق على المقدَّر، وتنزيل ما في شَرَف الوقوع لتحقُّقه منزلةَ الواقع [154] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/39)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 21). .
- وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: فيه تقديم لشِبه الجملة بِالْآخِرَةِ؛ للاهتمام بأمْرها، والإشعارِ بالحَصْر والاختصاص، كأنَّ ما عدا الإيقانَ بالآخرة ليس بمستأهلٍ للإيقان به، والقطعِ بوقوعِه؛ فهو أساسُ الإيمان ورأسُه [155] يُنظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (1/43). .
 - التأكيدُ بالجُملة الاسميَّة، مع أنَّها معطوفةٌ على جملة فعليَّة، آكَدُ في الإخبار عن هؤلاء بالإيقان، ومُشعِر بالاهتمام بهم. وذكر الضَّمير الظاهر (هم) مع أنَّه موجود في الفِعل (يوقنون)؛ زيادةً في التأكيد [156] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/71). .
4- قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
- فيه الإتيان بحرْف على الذي يُفيد الاستعلاء؛ إشارة إلى تمكُّنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسُّكهم به [157] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/44). .
- تنكير هُدًى؛ ليُفيد ضربًا مُبهمًا لا يُبلَغ كُنْهُه، ولا يُقادَر قَدرُه، كأنه قيل: على أي هدًى، كما تقول: لو أبصرتَ فلانًا لأبصرتَ رجلًا [158] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/45). .
- تَكرير اسم الإشارة أُوْلَـئِكَ وَأُوْلَـئِكَ؛ للتَّأكيد، والعِناية بشأن المتَّقين، وللإشارة إلى علو مرتبتهم، وفيه دَلالةٌ على أنَّ كُلًّا من الهدى والفلاح مستقلٌّ بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدُهما لكفى تميزًا على حِياله [159] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/74)، ((فتح القدير)) للشوكاني (1/44). .
- الإتيان بحَرْف العطف (الواو) في المبتدأ الثاني؛ لاختِلافِ الخَبرين وجودًا ومقصودًا، واستقلالِ كلٍّ من الهُدَى والفَلاح بتميُّزهم به عن غيرهم، ولو كان الخبر الثاني في معنى الأوَّل، لم يدخل العاطف؛ لأنَّ الشيءَ لا يُعطف على نفْسِه، كما في قوله تعالى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179] [160] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/73)، ((تفسير الشربيني)) (1/19). .
- الإتيان بضَمير الفَصل هُمْ للتأكيد والحصر، ورفْع توهُّم مَن يَتشكَّك، أو يتوهَّم التشريك فيه، كأنَّه قال: هم المفلحون لا غيرهم [161] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/73). .
- ودخول الألف واللام على الخبر الْمُفْلِحُونَ فيه إشعار بالحصْر كذلك، كأنَّهم قد استحقُّوا الوصف الكامل من الفلاح [162] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/59)؛ فقد أشار إلى ذلك الوجه عند الكلام على قوله تعالى: وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، حيث قال: (وأكَّد بقوله: (هم)، وبالألف واللام، كأنَّ الهداية انحصرت فيهم، وباسم الفاعل؛ ليدلَّ على الثبوت...). .
- وفي هذه الآياتِ حُسن تقسيم؛ حيث استَوعبت جميعَ الأوصاف المحمودة، والعبادات البَدنيَّة والماليَّة التي يعكُف عليها المؤمِنون [163] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/27). .