موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (135-137)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ

غريب الكلمات:


قَوَّامِينَ: جمْع قوَّام، وهو مُبالغةٌ من قائِم، وأصل (قوم): مراعاةُ الشَّيء وحِفظه يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/126)، ((المفردات)) للراغب (ص: 690)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 63)، ((الكليات)) للكفوي (ص:737). .
الْهَوَى: أي: مَيْلَ النَّفسِ إلى الشَّهوةِ، وأصلُ (هَوِيَ): الخُلوُّ والسُّقوط؛ ولذلك يُقال للآراءِ الزائفة: أهواءٌ يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 134، 491)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/15)، ((المفردات)) للراغب (ص: 849)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 211). .
تَلْوُوا: تَقْلِبوا الشَّهادةَ، وهو أنْ يلويَ الشَّاهدُ لِسانَه بالشَّهادة إلى غير الحقِّ بالتَّحريفِ والزِّيادة، والميلِ إلى أحدِ الخَصْمين، وأصلُ اللَّيِّ: فتلُ الحبلِ، وإمالة الشَّيء كذلك   يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 107)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/504)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/218)، ((المفردات)) للراغب (ص: 752)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 47)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 125). .

مشكل الإعراب:


قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
شُهَدَاءَ: منصوبٌ على أنَّه خبرٌ ثانٍ لـ(كان) في قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ، أو يكون شُهَدَاءَ منصوبًا على أنَّه حالٌ من الضَّمير المستكنِّ في قَوَّامِينَ، وقيل: إنَّ شُهَدَاءَ نعتٌ لـ: قَوَّامِينَ.
لِلَّهِ: ظرفٌ مُستقَرٌّ، حالٌ من ضَميرِ شُهَدَاءَ، أي: لأجْل اللهِ يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/209)، (التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/397)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/113-114)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/225). .
قوله: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا
أَنْ تَعْدِلُوا: (أنْ) والفِعل مصدرٌ مؤوَّلٌ بالصَّريح أي: (عَدْلَكم)، وهو في محلِّ نصْبٍ على أنَّه مفعولٌ مِن أجلِه، على حَذْف مضاف، والتَّقدير: فلا تتَّبِعوا الهوى مَحبَّةَ أنْ - أو إرادةَ أنْ- تَعدِلوا عن الحقِّ وتَجورُوا. الثَّاني: أنَّه على إسقاطِ حرْفِ الجرِّ وحذْف (لا) النَّافية، والأصل: فلا تتَّبِعوا الهوى في ألَّا تعدِلوا، أي: في تَرْكِ العدلِ، فحذف (لا)؛ لدلالةِ المعنى عليها، ولَمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ مِن (أنْ) جرَى القولانِ الشَّهيران في موقِع إعرابه (النَّصب- والجرُّ)، وقيل غير ذلك يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/210)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/397-398)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/117-118). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يأمرُ اللهُ المؤمنين أنْ يَعدِلوا في جميعِ أحوالهم؛ في حقوقِ الله تعالى، وفي حقوق الخَلْق، وأنْ يُؤدُّوا الشَّهادة ابتغاءَ وجه الله، ولو كانتِ الشَّهادةُ على أنفسِهم، أو والديهم، أو قَراباتهم، ولا تَستميلهم في أدائها أيُّ دوافع أخرى، فلا يراعوا غنيًّا لغناه، ولا فقيرًا شفقةً به فيجوروا بالشَّهادة، بل أَمرُ كلٍّ مِن الغنيِّ والفقير إلى الله، هو سبحانه أَوْلى بهما، وأعلمُ بما فيه صلاحهما، ونهى الله المؤمنين أنْ يحملَهم الهوى على مجانبة العدلِ، فإنْ حصَل منهم تحريفٌ أو تغييرٌ متعمَّدٌ للشَّهادة، أو أعرَضوا عنها بكتمانها أو ترْكها، فإنَّ الله تعالى خبيرٌ بما عمِلوه، سيحفَظُه ويجازيهم به.
ثمَّ يأمرُ الله المؤمنين بتَحقيقِ الإيمان به سبحانه وتعالى، وبنبيِّه محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبالثَّبات والاستمرار عليه، وإكمال ما نقص من الدِّين، وأن يؤمنوا بالقرآنِ الكريم، وما أنزَله الله من الكتب السَّابقة، ومن يكفُرْ بالله تعالى وملائكته وكُتبه ورُسله واليومِ الآخِرِ فقد ضلَّ عن الطَّريق المستقيم، وانحرَف عنه انحرافًا بعيدًا.
ثمَّ يخبِرُ تعالى أنَّ مَن كان مؤمنًا ثمَّ كفر، ثمَّ عاد للإيمان ليرجعَ بعد ذلك إلى الكفر، ويستمرَّ عليه ويزدادَ كفرًا، لم يكُنِ الله تعالى ليغفرَ له، ولا ليوفِّقَه لطريق الحقِّ بعدها.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا تقدَّم ذِكر النِّساء والنُّشوزِ والمصالَحة بينهنَّ وبين الأزواج، عَقَّبه بالأمرِ بالقيامِ بأداءِ حقوقِ اللهِ تعالى، وبالشَّهادةِ؛ لإحياءِ حقوق الله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/240)، ((تفسير أبي حيان)) (4/94). .
وأيضًا لَمَّا ذَكَر تعالى طالِبَ الدُّنيا وأنَّه سبحانه عندَه ثوابُ الدُّنيا والآخرة، ذكَر عَقِيبه هذه الآيةَ، وبيَّن أنَّ كمالَ سعادةِ الإنسانِ في أنْ يكونَ قولُه لله، وفِعلُه لله، وحركَتُه لله، وسُكونه لله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/240)، ((تفسير أبي حيان)) (4/94). .
وأيضًا لَمَّا تقدَّم في هذه السُّورة أمرُ النَّاس بالقِسطِ وبالإشهاد عند دفْع أموال اليتامى إليهم، وأمرُهم بعد ذلك ببَذْل النَّفس والمال في سبيل الله، ثمَّ إنَّه تعالى أمَر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزَّوجة، ومعلومٌ أنَّ ذلك أمرٌ من الله لعباده بأن يكونوا قائمينَ بالقِسط، شاهدينَ لله على كلِّ أحد، بل وعلى أنفسهم، فكانت هذه الآيةُ كالمؤكِّدِ لكلِّ ما جرى ذِكرُه في هذه السُّورة من أنواع التَّكاليفِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/240)، ((تفسير أبي حيان)) (4/94). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
أي: ليكُنْ مِن أخلاقِكم وصفاتكم- أيُّها المؤمنون- القيامُ بالعدلِ في كلِّ أحوالكم، في حقوق اللهِ، وفي حقوقِ عباده يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/584)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 208)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/324-325). .
شُهَدَاءَ لِلَّهِ
أي: ليكُنْ أداؤُها ابتغاءَ وجهِ الله تعالى، فتشهدون بالقِسط لله عزَّ وجلَّ، لا يحمِلُكم على ذلك رياءٌ، ولا سُمعةٌ، ولا غيرُ ذلك؛ فحينئذ تكون صحيحةً عادلة حقًّا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/584)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/325). .
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
أي: ولو كانت شَهادتُكم على أنفسِكم، أو على والدَيكم، أو أقربائكم، فقُوموا فيها بالعدل، وقولوا فيها الحقَّ، ولو عاد ضررُها عليكم؛ فإنَّ الحقَّ حاكمٌ على كلِّ أحد، ومُقدَّمٌ على كلِّ أحد يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/584)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 208)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/325). قال الرازي: (شهادةُ الإنسانِ على نفْسِه لها تفسيران: الأوَّل: أن يُقرَّ على نفْسه؛ لأنَّ الإقرارَ كالشهادة في كونه موجِبًا إلزامَ الحقِّ. والثاني: أنْ يكون المرادُ: وإنْ كانت الشهادة وبالًا على أنفسكم وأقاربكم، وذلك أنْ يَشهَدَ على مَن يتوقَّع ضَرره مِن سُلطان ظالِم أو غيره) ((تفسير الرازي)) (11/241). .
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا
أي: فلا تراعوا الغنيَّ لغناه، ولا الفقير لفقرِه شَفقةً عليه ورحمةً له فتجُوروا؛ فإنَّ أمرَهما إلى خالقِهما ومالكِهما؛ فهو سبحانه أَوْلى وأحقُّ بهما منكم، وأعلمُ بما فيه صلاحُهما يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/584-585)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 208)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/326). .
فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا
أي: فلا يَحملَنَّكم هوَى أنفُسِكم المعارضُ للحقِّ على ترْكِ العدل؛ فإنَّكم إنِ اتَّبعتم أهواءَكم عدَلْتُم عن الصَّواب، ووقَعتم في الجَوْرِ والظُّلم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/585، 588)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 208-209). وقولُه: أن تعدلوا إمَّا مِن العدلِ، وهو القِسْط، ويكونُ التَّقديرُ على ذلك: فلا تتَّبعوا الهوَى كراهةَ أن تعدِلوا بينَ النَّاس. أو مِن العُدولِ عن الحقِّ ، ويكونُ التَّقْديرُ: فلا تتَّبعوا الهوَى مخافةَ أن تعدلوا عن الحقِّ، أو كراهةَ أن تعدلوا عن الحقِّ. وقيل غير ذلك. ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/96)، ((تفسير الشوكاني)) (1/604). .
كما قال تعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8].
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
بعدَ أنْ أمَر الله تعالى ونهى وحذَّر، عقَّب ذلك كلَّه بالتَّهديد يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/228). .
وأيضًا لما بيَّن أنَّ الواجبَ القيامُ بالقسطِ نهَى عمَّا يضادُّ ذلك ((تفسير السعدي)) (ص: 208). ، فقال:
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا قراءتان:
1- قراءة (تَلُوا) من الولاية، والمعنى: إنْ وُلِّيتم إقامةَ الشَّهادة أو وُلِّيتُم الأمرَ فتعدِلوا عنه قرأ بها ابن عامر وحمزة. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 220) ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 127)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 215)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/118-119)، .
2- قراءة (تَلْوُوا) من لويتُ فلانًا حقَّه ليًّا، أي: دافَعْتَه وماطَلْتَه، والمعنى: وإنْ تَلْووا ألسنتَكم عن شَهادةِ الحقِّ، أو حكومةِ العَدْل قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 220). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 127)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 215)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/118-119)، .
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
أي: وإنْ تُحرِّفوا الشَّهادة وتُغيِّروها، أو تُعرضوا عنها بكتمانِها وتركِها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/5925، 594)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/326). .
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
أي: محيطًا بما تفعَلون، ويعلَمُ ما ظهَر وما بطَن مِن إقامتِكم الشَّهادةَ بالباطلِ بتَحريفِكم إيَّاها أو بكِتمانِكم لها وتركِكم إيَّاها، فيَحفظ ذلك عليكم ويُجازيكم به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/594)، ((تفسير ابن كثير)) (2/433)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَر الله تعالى المؤمنينَ بالقيامِ بالقِسطِ والشَّهادةِ لله، بيَّن أنَّه لا يتَّصِفُ بذلك إلَّا مَن كان راسخَ القدَمِ في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآيةِ؛ فالإيمانُ هو الحامِلُ على ذلك، وهو الجامعُ لمعاني القيامِ بالقِسط والشَّهادة لله؛ فأمَر بأن يؤمنوا باللهِ والمُبلِّغ والكتابِ النَّاهج لشرائعه، ويدوموا على إيمانهم، ويَحذَروا مساربَ ما يُخلُّ بذلك يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/242). ((تفسير أبي حيان)) (4/97)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/434). ((تفسير ابن عاشور)) (5/229). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
أي: حقِّقوا- أيُّها المؤمنون- إيمانَكم بالله تعالى وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأكمِلوا ما نقَصَ لدَيكم منه، واثبُتوا واستمرُّوا عليه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/330-331). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الحديد: 28].
وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ
أي: وآمِنوا أيضًا بالقرآن يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/594)، ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
أي: وآمِنوا أيضًا بالكُتب السَّابقة الَّتي أنزَلها اللهُ تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/594)، ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
أي: ومَن يكفُرْ بالله تعالى وملائكتِه وبما أنزله مِن كتبٍ وبمَن بعَثهم من الرُّسلِ وباليوم الآخِرِ، فقد خرَج عن الصِّراط المُستقيم، وانحرَف عن طريقِ الحقِّ والهدى انحرافًا بعيدًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/596)، ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209). قال ابن عثيمين: (الضلالُ البعيد يعودُ على كلِّ من كفَر بالأربعِ، أو بواحدٍ منها؛ لأن الذي يؤمِنُ ببعضٍ ويكفُرُ ببعضٍ كالذي كفَرَ بالكلِّ) ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/335). .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَر اللهُ تعالى بالإيمانِ، ورغَّب فيه، بيَّن فسادَ طريقةِ مَن يكفُرُ بعد الإيمان، وأنَّه لا يغفِرُ له يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/244)، ((تفسير أبي حيان)) (4/99). فقال:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا
أي: مَن تَكرَّر منه الكفرُ بعدَ الإيمان، فدَخَل في الإيمان ثمَّ رجع عنه، ثمَّ عاد فيه ثمَّ رجَع عنه، واستمرَّ على كفرِه وازداد منه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/338). .
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
أي: لم يكُنِ الله تعالى ليستُرَ عليهم كُفرَهم وذُنوبِهم ويَتجاوزَ عن عُقوبتِهم؛ فإنَّ مَن كان هذا حالَه فهو بعيدٌ من المغفرةِ لإتيانِه بأعظمِ مانعٍ يمنَعُه مِن حُصولها؛ فكُفرُه يكونُ طبعًا لا يزول حتَّى مماتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/599)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/339). .
وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
أي: ولم يكُنِ اللهُ عزَّ وجلَّ ليُسدِّدَهم لإصابةِ طريق الحقِّ والهدى فيوفِّقَهم لها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/599)، ((تفسير ابن كثير)) (2/434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/339). .

الفوائد التربوية:


1- القيامُ بالقِسطِ من أعظم الأمورِ، وأدلُّ على دِينِ القائم به، وورعِه ومقامِه في الإسلام، فيتعيَّنُ على مَن نصح نفسَه وأراد نجاتَها أن يهتمَّ له غايةَ الاهتمام، وأن يجعَلَه نُصْبَ عينيه، ومحَلَّ إرادتِه، وأن يزيلَ عن نفسه كلَّ مانعٍ وعائق يعُوقُه عن إرادة القِسطِ أو العمل به كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 208). .
2-  قولُه تعالى: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا فيه تحريمُ اتِّباع الهوى الَّذي يُخالِفُ العدلَ، والهوى لا يُذَمُّ مطلَقًا، ولا يُحمَدُ مطلقًا، فإذا كان الهوى تبعًا لِمَا جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فهو محمودٌ، وإذا كان مخالِفًا له فهو مذمومٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/329). .
3- في قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا التَّحذيرُ مِن مخالَفة أوامِرِ الله تعالى، ويَكفي أنْ يَتذكَّرَ المؤمنُ أنَّ اللهَ خبيرٌ بما يعمل، ليستشعرَ ماذا وراءَ هذا من تهديدٍ خطيرٍ، يَرتجِفُ له كِيانُه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/330). .
4- وجوبُ الثَّباتِ على الإيمانِ، وتَكميلِه؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/335). .
5- أنَّه يجبُ على الإنسان أنْ يَحذَرَ من التَّردُّدِ والتَّقلُّب؛ فإنَّ الغالبَ أنَّ مَن هذه حالُه لا يبارَكُ له في عمره، ولا في عملِه، فكونُه كلَّ يوم له رأيٌ، وكلَّ يومٍ له عَمَل، هذا لا شكَّ أنَّه يضيعُ عليه الوقتُ، ولا يستفيدُ مِن عُمرِه شيئًا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/341). .

الفوائد العِلميَّة واللَّطائف:


1- وجوبُ إقامةِ الشَّهادة؛ لقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/337). .
2- قال تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ مِن أعظمِ أنواع القِسطِ: القِسطُ في المقالات والقائلين، فلا يَحكُمُ لأحدِ القولين أو أحدِ المتنازعَيْن لانتسابِه أو مَيلِه لأحدِهما، بل يَجعل وِجهتَه العدلَ بينهما، ومن القِسطِ: أداءُ الشَّهادة الَّتي عندك على أيِّ وجهٍ كان، حتَّى على الأحبابِ، بل على النَّفس؛ ولهذا قال: شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 208). .
3- وجوبُ العدلِ في الشَّهادة، بحيث لا يزيدُ فيها ولا يَنقُص، ولا يأبى أن يؤدِّيَها عند الحاجةِ إليها؛ لأنَّ هذا كلَّه داخلٌ في قوله: قَوَّامِينَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/337). .
4- وجوبُ الإقرار على مَن عليه حقٌّ؛ لقوله: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فيجبُ على الإنسانِ أن يُقرَّ بالحقِّ الَّذي عليه ولو كان مُرًّا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/327). .
5- وجوبُ الشَّهادة على الوالدَيْنِ والأقربين بما يلزَمُهم؛ لقوله: أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ، وعلى هذا فتُقبَلُ شَهادة الولدِ على والدَيْه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/328). .
6- قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ جاء هذا التَّرتيبُ في الاستقصاءِ في غايةٍ مِن الحُسنِ والفصاحة، فبدأ بقوله: ولو على أنفسِكم؛ لأنه لا شيءَ أعزُّ على الإنسانِ مِن نفسه، ثمَّ ذكَر الوالدَين، وهما أقربُ إلى الإنسان، وسبب وجوده، وقد أمر ببِرِّهما وتعظيمِهما، والحوطة لهما، ثمَّ ذكَر الأقربينَ، وهم مَظِنَّة المحبَّة والتَّعصُّب، وإذا كان هؤلاء أُمِر في حقِّهم بالقِسط والشَّهادة عليهم، فالأجنبيُّ أحرى بذلك يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/95) .
7- في قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ قدَّم الأمْرَ بالقيام بالقِسط على الأمر بالشَّهادة؛ لوجوهٍ:
- أنَّ أكثرَ النَّاس عادتُهم أنَّهم يَأمرون غَيرَهم بالمعروف، فإذا آلَ الأمرُ إلى أنفسهم ترَكوه، حتَّى إنَّ أقبحَ القبيحِ إذا صدَر عنهم كان في مَحلِّ المسامحةِ، وأَحْسَنَ الحُسنِ، وإذا صدَر عن غيرِهم كان في محلِّ المنازَعة!
- أنَّ القيامَ بالقِسط عبارةٌ عن دفعِ ضررِ العقابِ عن الغير، وهو الَّذي عليه الحقُّ، ودفعُ الضَّررِ عن النَّفس مقدَّم على دفعِ الضَّررِ عن الغير.
- أنَّ القيام بالقِسط فِعلٌ، والشَّهادةُ قولٌ، والفعلُ أقوى من القول يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/241). .
8- أنَّ اللهَ سبحانه نهى عن المحاباةِ للغِنى أو للفَقْر، وتؤخَذُ من قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/328). ؛ فاللهُ سبحانه هو الوليُّ على كلِّ أحدٍ، فلا تُحابِ أحدًا لغناه ولا لفقره؛ فالله وليُّ الجميعِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/328). .
9- قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا المقصودُ من ذلك التَّحذيرُ مِن التَّأثُّر بأحوالٍ يلتبس فيها الباطلُ بالحقِّ لِمَا يحفُّ بها من عوارضَ يُتوهَّمُ أنَّ رعيَها ضربٌ مِن إقامةِ المصالح، وحراسةِ العدالة، فلمَّا أبطَلَتِ الآيةُ الَّتي قبلها وهي قولُه تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ التَّأثُّرَ للحمِيَّةِ أُعْقِبت بهذه الآيةِ لإبطالِ التَّأثُّرِ بالمظاهر الَّتي تستجلبُ النُّفوسَ إلى مراعاتِها، فيتمحَّض نظرُها إليها، وتُغضِي بسببِها عن تمييز الحقِّ من الباطل، وتذهل عنه، فمن النُّفوس مَن يتوهَّمُ أنَّ الغنى يربأُ بصاحبه عن أخذِ حقِّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غُنْيَةٍ عن أكلِ حقِّ غيره، وقد أنعَم الله عليه بعدم الحاجة، ومِن النَّاس مَن يميل إلى الفقير رقَّةً له، فيحسبه مظلومًا، أو يحسب أنَّ القضاءَ له بمالِ الغنيِّ لا يضرُّ الغنيَّ شيئًا؛ فنهاهم اللهُ عن هذه التَّأثيراتِ بكلمةٍ جامعة، وهي قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/226). .
10- في قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا تحريمُ ما يسمَّى بالاشتراكيَّة؛ لأنَّ دعاة الاشتراكيَّة يقولون: إنَّنا نريد أن نرحَمَ الفقير، فنأخُذ من مالِ الغنيِّ ونعطيه الفقيرَ رحمةً به، فيقال: إنَّ اللهَ أَوْلى به منكم، والله عزَّ وجلَّ له الحكمةُ في جَعْل النَّاس بعضُهم فقيرٌ وبعضُهم غنيٌّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/329). .
11- تحذير مَن أعرَض عن إقامةِ الشَّهادة والعَدْل، أو لَوَى؛ لقوله: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/330). .
12- وَإِنْ تَلْوُوا لَمَّا بيَّن أنَّ الواجبَ القيامُ بالقِسط نهى عمَّا يضادُّ ذلك، وهو ليُّ اللِّسان عن الحقِّ في الشَّهادات وغيرِها، وتحريف النُّطق عن الصَّواب المقصود من كلِّ وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخُلُ في ذلك تحريفُ الشَّهادة وعدمُ تكميلِها، أو تأويل الشَّاهد على أمرٍ آخَرَ، فإنَّ هذا مِن اللَّيِّ؛ لأنَّه الانحرافُ عن الحقِّ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
13- قوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا كنايةٌ عن وعيد؛ لأنَّ الخبيرَ بفاعل السُّوء، وهو قديرٌ، لا يُعوِزُه أن يعذِّبَه على ذلك يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/228). .
14- ذكَر الله تعالى في مراتبِ الإيمان أمورًا ثلاثةً: الإيمان بالله وبالرَّسول وبالكتُب، وذكَر في مَراتبِ الكفر أمورًا خمسةً: الكفر بالله وبالملائكة وبالكتُب وبالرُّسل وباليومِ الآخِر؛ وذلك أنَّ الإيمانَ بالله وبالرُّسل وبالكتُب متى حصَل فقَدْ حصَل الإيمانُ بالملائكةِ واليوم الآخِر لا مَحالةَ؛ إذ ربَّما ادَّعى الإنسانُ أنَّه يؤمِنُ بالله وبالرُّسل وبالكتب، ثمَّ إنَّه ينكِرُ الملائكة، وينكِرُ اليومَ الآخِرَ، ويَزعُم أنَّه يَجعل الآياتِ الواردةَ في الملائكةِ وفي اليوم الآخِرِ محمولةً على التَّأويلِ، فلمَّا كان هذا الاحتمالُ قائمًا، لا جرمَ نَصَّ أنَّ مُنكِرَ الملائكةِ ومُنكِرَ القيامةِ كافرٌ بالله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/243). 
15- قوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ فيه أنَّ القرآنَ منزَّل، وأنَّه كلامُ الله؛ لأنَّه نزَل مِن عنده، فيكون كلامَه، وفيه علوُّ الله عزَّ وجلَّ أيضًا؛ لقوله: نَزَّلَ، والتَّنزيلُ يكون مِن أعلى إلى أسفلَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/335). .
16- أنَّ القرآنَ منزَّلٌ على محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لقوله: عَلَى رَسُولِهِ، ومنتهى نزوله قلبُ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/335). .
17- أنَّ القرآنَ الكريمَ نزل مُفرَّقًا؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، ويشهد على ذلك قولُه تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/336). .
18- وجوبُ الإيمانِ بالكتب السَّابقة؛ لقوله تعالى: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، فلو أنَّ أحدًا قال: أنا أؤمن بالقرآن، لكنَّ التَّوراةَ والإنجيلَ لم تنزِلْ على رسولِنا فلن أؤمنَ بها، قلنا: إنَّك الآن كافرٌ مرتَدٌّ؛ لأنَّه لا بدَّ أن تؤمنَ بالكتابِ الَّذي أُنزِلَ مِن قبلُ كما أمَرك الله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/336). .
19- أنَّ هذا القرآنَ الكريمَ ختامُ الكتب، وتؤخَذُ من قوله: الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ولم يقُلْ ومن بعدُ؛ إشارةً إلى أنَّه لا كتابَ بعد القرآن الكريم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/336). .
20- الكفرُ بشيءٍ من هذه المذكوراتِ كالكُفرِ بجَميعها؛ لتلازُمِها وامتناعِ وجود الإيمان ببعضِها دون بعضٍ، فلا يصحُّ الإيمانُ المبعَّضُ؛ لقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/336). .
21- أنَّ الضَّلالَ يتفاوتُ، بعضُه أشدُّ من بعضٍ؛ لقوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/337). .
22- أنَّ المتذبذبَ بين الإيمانِ والرِّدَّةِ يكونُ مآلُه أن يزداد كفرًا؛ لقوله: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، وذلك- والله أعلم- أنَّ الإيمانَ لم يدخُلْ قلبَه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/339). .
23- قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ دلَّتِ الآيةُ على أنَّ الكفرَ يقبَلُ الزِّيادة والنُّقصانَ، فوجَب أن يكونَ الإيمانُ أيضًا كذلك؛ لأنَّهما ضِدَّانِ مُتنافيان، فإذا قبِل أحدُهما التفاوتَ فكذلك الآخَر يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/245). .
24- الرَّدُّ على الجبريَّةِ الَّذين يقولون: إنَّ الإنسانَ مُجبَرٌ على عمله، وأن فِعلَه لا يُنسَبُ إليه إلَّا مجازًا؛ فالرَّدُّ عليهم من قوله: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، فأضاف الأفعالَ إليهم، ففيه ردٌّ على الجبريَّة؛ لأنَّ الجبريَّةَ عندهم أنَّ العبدَ ليس له فِعلٌ اختياريٌّ، بل هو مجبَرٌ على العمل يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/340). .
25- الرَّدُّ على القدَريَّةِ؛ لقوله: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، فدلَّ هذا على أنَّ الهدايةَ بيدِ الله، وليس يستقلُّ بها العبدُ، والقدَريَّة يقولون: إنَّ الإنسانَ مستقلٌّ بفعلِه، وليس لله فيه مشيئةٌ ولا خَلْق يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/341). .
26- أنَّ اللهَ سبحانه إذا علِم من حالِ العبد أنَّه لن يستقيم، فإنَّه لن يَغْفِرَ له ولن يهديَه؛ لأنَّ هؤلاء: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، ويَترتَّب على هذه الفائدةِ الَّتي دلَّتْ عليها هذه الآيةُ، ودلَّ عليها قولُه تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] أنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ تجلبُ الأعمالَ الصَّالحة، والأعمالَ السَّيِّئة تجلب الأعمالَ السَّيِّئة، فإذا منَّ اللهُ عليك بعملٍ صالح فأبشِرْ أنَّه سيمُنُّ عليك بعمل آخَرَ تُتبِعُه إيَّاه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/342). .

 بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ: جاءت كلمة قَوَّامِينَ على صِيغة (فعَّال)؛ للمبالِغة في لزُوم الاتِّصاف بالعدْلِ، وإقامةِ القسطِ في جميع الأمورِ؛ فصِيغة قَوَّامِينَ دالَّةٌ على الكثرةِ المرادِ لازِمُها، وهو عدمُ الإخلالِ بهذا القيامِ في حالٍ من الأحوال يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/242)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/224). .
2- قوله: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مجيء (لو) هنا لاستِقْصاءِ جميعِ ما يمكِنُ فيه الشَّهادة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/94). .
3- قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا استئنافٌ واقعٌ موقعَ العِلَّة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/226). .
4- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: تذييلٌ عقَّب به أمرَ المؤمنين بأنْ يكونوا قوَّامين بالقِسطِ شُهداءَ لله، فأمَرَهم اللُه عقِبَ ذلك بما هو جامعٌ لمعانِي القيامِ بالقِسط والشَّهادةِ لله، الَّذي هو الإيمانُ بالله ورسوله والكتُب يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/229). .
5- قوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ عبَّر في صِلةِ وصْف الكِتابِ الَّذي نزَّل على رَسولِه بصِيغة التَّفعيل نَزَّلَ، وفي صِلةِ الكتاب الَّذي أنزل من قبلُ بصيغة الإفعال أَنْزَلَ تفنُّنًا، أو لأنَّ القرآنَ حينئذٍ بصدد النُّزول نجومًا، والتَّوراة يومئذ قد انقضَى نُزولُها يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/230). ؛ فقوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ المرادُ به هنا: القرآن، وعبَّر عنه بقوله: نَزَّلَ؛ لأنَّه يَنزِلُ شيئًا فشيئًا؛ كما قال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106]، وفي قوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ... عبَّر عن الكتُب السَّابقة بـ أَنْزَلَ؛ لأنَّها تنزِلُ جُملةً واحدة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/331-332). .
6- قوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ فيه: المبالغةُ في تأكيدِ النَّفيِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (1/21). ؛ فإنَّ النَّفيَ في قولِه: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أبلغُ مِن لو قال: (لا يغفر الله لهم)؛ لأنَّ أصلَ وضعِ هذه الصِّيغة للدَّلالة على أنَّ اسمَ كان لم يُجعَلْ ليصدُرَ منه خبرُها، ولا شكَّ أنَّ الشَّيء الَّذي لم يُجَعْل لشيء يكون نابيًا عنه؛ لأنَّه ضدُّ طَبْعِه، ولقد أبدَع النُّحاةُ في تسميةِ اللَّام الَّتي بعد كان المنفيَّة (لام الجحود) يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/232). .