موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (7 - 11)

ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ

غريب الكلمات:


مِيثَاقَهُ: الميثاقُ هو العقدُ المؤكَّدُ بيمينٍ وعهدٍ، أو العهدُ المُحكَم، وأَصْلُ (وثق): العقدُ والإحكامُ [275] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/85)، ((المفردات)) للراغب (ص: 853). .
كُونُوا قَوَّامِينَ: قَوَّامِينَ جمعٌ، مفردُه (قوَّام)، بناءُ مبالغةٍ مِن (قائمٍ)، أي: ليتكررْ منكم القيامُ، وأصلُ (قوم): مراعاةُ الشيءِ وحِفظُه [276] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/126)، ((المفردات)) للراغب (ص: 690)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/63)، ((تفسير ابن عطية)) (2/122)، ((الكليات)) للكفوي (1/737). .
شُهَدَاءَ: جمع شهيد، والشَّهادة قولٌ صادرٌ عن عِلمٍ حصَل بمشاهدةِ بصيرةٍ أو بصَرٍ [277] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1 /65)، ((المفردات)) للراغب (1 /465). .
بِالْقِسْطِ: بالعدلِ، وأصلُ (قسط) يدلُّ على مَعنيينِ متضادَّينِ: العدلِ، والجَوْرِ؛ يُقال: أَقسَط: إذا عدَل. وقَسَط: إذا جارَ وظَلَم [278] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 103)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/85)، ((المفردات)) للراغب (ص: 670). .
شَنَآنُ: شِدَّةُ البُغض والعداوة؛ يُقال: شَنِئتُه، أي: تَقذَّرْتُه بغضًا له [279] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 140)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 285)، ((المفردات)) للراغب (ص: 465)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 541). .
الْجَحِيمِ: النَّار، وأصْل (جحم): عِظَم الحرارة وشِدَّتها [280] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 372)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/429). .
يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ: يَمدُّوا إليكم أيديَهم بالصَّوْلةِ والضَّرب، وأصل (بسط): امتدادُ الشَّيءِ، في عَرْض أو غير عَرْض [281] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/247)، ((المفردات)) للراغب (ص: 123)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 80)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 988). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
وَعَدَ: فِعلٌ يَتعدَّى لمفعولَينِ؛ أولهما الَّذِينَ، والثَّاني مَحذوفٌ، وجملةُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ جملةٌ اسميَّةٌ وقعَتْ بيانًا للوعدِ، كأنَّه قال: قَدَّم لهم وعْدًا، فقيل: أيُّ شيءٍ وَعَدَه لهم؟ فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ؛ وعليه فهي مُفسِّرةٌ لمفعولِ وَعَدَ الثاني المحذوفِ، لا محلَّ لها من الإعرابِ. وقيل: إنَّ جملةَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ منصوبةٌ بقولٍ محذوفٍ؛ كأنَّه قيل: وَعَدَهم وقال: لهم مَغفِرةٌ. وقيل: الوعدُ جارٍ مجرَى القولِ؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه، وهو واقعٌ على الجملةِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ؛ فهي منصوبةٌ به؛ كأنَّه قيل: وعَدَهم هذا القَولَ [282] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/221)، ((تفسير الزمخشري)) (1/612)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/425)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/218). .

المعنى الإجمالي:


يَأمُر اللهُ المؤمنينَ أن يَذكُروا نعمتَه عليهم، والعهْدَ الذي أخَذَه عليهم بمبايعةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على متابعَتِه، ونُصْرَتِه، والقيامِ بدِينه والدَّعوةِ إليه؛ حيث الْتَزموا بذلك العهدِ حينها، وقالوا: سمِعْنا وأطَعْنا، ثم أمَرَهم بتقواه عزَّ وجلَّ؛ فإنَّه عليمٌ بكلِّ ما تُكِنُّه الصُّدورُ.
ويأمُر اللهُ المؤمنينَ كذلِك بأنْ يقوموا بحقِّ اللهِ تعالى في كلِّ ما يَلْزَمُهم القيامُ به مخلِصينَ له، وأنْ يُلازِموا العدلَ في شَهادَتِهم، ولا يَحمِلَنَّهم بُغضُهم وكراهِيَتُهم لقومٍ على ألَّا يَعدِلوا، بل عليهم مُلازمةُ العدلِ؛ فإنَّه أقربُ لتحقيقِ كمالِ التَّقوى، ولْيتَّقوا الله؛ فإنَّ الله خبيرٌ بما يعملونَ.
ثم يُخبر تعالى أنَّه وعَدَ المؤمنين الذين يَعملون الأعمالَ الصالحةَ بأنَّ لهم مغفرةً لذنوبهم، وثوابًا كبيرًا، وهو الجنَّة، وأمَّا الذين كَفروا وكذَّبوا بآياتِه فهمُ أصحابُ النارِ المُلازِمون لها.
ثم أَمَر اللهُ المؤمنينَ أن يَذكُروا نِعمتَه عليهم، حين هَمَّ بعضُ أعدائِهم بالبَطْشِ بهم، فصرَفَهم اللهُ عنهم، وحالَ بينهم وبين ما يُريدونَه بهم من سوءٍ، وختَم الآيةَ بالأمرِ بتقواه، وأن يَعتَمِدوا عليه وحْدَه سبحانه وتعالى.

تفسير الآيات:


وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر التَّكاليفَ في الآياتِ السَّابِقةِ من بدايةِ السُّورةِ، أرْدَفَه بما يُوجِبُ عليهم القَبولَ والانقيادَ، وذلك من وجهينِ: الأوَّل: كَثرةُ نِعَمِ الله عليهم؛ لأنَّ كثرةَ النِّعَمِ تُوجِبَ على المُنعَمِ عليه الاشتغالَ بخدمةِ المُنعِم، والانقيادَ لأوامِرِه ونواهيه. والوجه الثاني: في السَّبب الموجِبِ للانقيادِ للتَّكاليفِ، وهو الميثاقُ الذي واثقَكم به [283] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/182)، ((تفسير ابن عادل)) (7/240) ، فقال:
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ.
أي: واذْكروا- أيُّها المؤمنونَ- نِعمَ اللهِ تعالى عليكم، فتَذكَّروها بقُلوبِكم وألسِنَتِكم، ومنها نِعمةُ الهدايةِ للإسلامِ [284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/219، 221)، ((تفسير ابن كثير)) (2/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/138). قال ابنُ عثيمين: (قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إنما أمَرَ الله تعالى أن نَذكُر النِّعمة؛ من أجْلِ أن نَعرِفَ فضلَه علينا؛ حتى يسهُلَ علينا الانقيادُ لطاعته؛ لأنَّ الإنسان بمقتضى فِطرته وطبيعتِه لا بدَّ أن يَنقادَ لِمَن أحسن إليه) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/138). .
وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ.
أي: واذكُروا أيضًا- أيُّها المؤمنونَ- عَهدَه الذي عاهَدَكم به بمبايعةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ على مُتابعتِه ومُناصَرتِه ومُؤازَرَتِه، والقيامِ بدِينه، وتبليغِه [285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/219، 221)، ((تفسير ابن كثير)) (2/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/138-139). .
قال تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: 8].
إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
أي: حيث التَزَمْتُم بهذا العَهْدِ بإعلانِ السَّمعِ والطَّاعة، فقلتم: سَمِعْنا ما دَعوتَنا به- أيُّها الرسولُ الكريمُ- من الآياتِ القرآنيَّةِ والكونيَّةِ، سَمْعَ فَهمٍ وإذعانٍ وانقيادٍ، وأطَعْنا ما أمَرْتَنا به، واجتَنَبْنا ما نهيتَنا عنه [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/221)، ((تفسير ابن كثير)) (2/61-62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/139). .
عن جُنادَةَ بنِ أبي أُميَّةَ، قال: دَخَلْنا على عُبادةَ بنِ الصَّامتِ وهو مريضٌ، قُلنا: أصلحَك اللهُ، حَدِّثْ بحديثٍ ينفعُك اللهُ به، سَمِعْتَه مِن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال: ((دَعانا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فبَايعْناه، فقال فيما أَخَذَ علينا: أنْ بايَعَنا علىالسَّمْعِ والطَّاعةِ، في مَنْشَطِنا [287] مَنشَطنا: المنشَط مَفعَل من النَّشاط، أي: حِين نَشاطِنا. ينظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/57)، ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) لابن الملقِّن (32/284). ومَكْرَهِنا [288] ومَكْرَهِنا: المَكْرَهُ: وهو ما يَكْرَهُه الإنسانُ ويشقُّ عليه؛ أراد في وقتِ الكَسَلِ والمشقَّةِ في الخروج. ينظر: ((النهاية)) لابن الأثير (4/168)، ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) لابن الملقِّن (32/284)، ((فتح الباري)) لابن حجر (13/7). ، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأَثَرةٍ علينا [289] وأَثَرَة عَلَينا: الأَثَرَة الاسمُ من: آثَر يُوثِر إيثارًا: إذا أعطى، والاستئثار: الانفرادُ بالشيء، والمراد أنَّ طواعِيَتَهم لمن يتولَّى عليهم لا تتوقَّف على إيصالِهم حقوقَهم، بل عليهم الطاعةُ ولو منعَهم حقَّهم. ينظر:  ((النهاية)) لابن الأثير (1/22)، ((فتح الباري)) لابن حجر (13/8). ، وأنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، إلَّا أنْ تَرَوْا كُفرًا بَواحًا عندكم من اللهِ فيه برهانٌ )) [290] رواه البخاري (7055) واللفظ له، ومسلم (1840). .
وَاتَّقُوا اللهَ.
أي: وامتَثِلوا ما أَمَرَكم اللهُ تعالى به، واجتَنِبوا ما نهاكم عنه في جميعِ أَحْوالِكم [291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/222)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/139). .
إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
أي: إنَّه يعلمُ ما يتخالَجُ في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، وما تَنطوي عليه القُلوبُ من الأَفْكارِ والخواطِرِ؛ فاحذروا أن يَطَّلِعَ من قُلُوبِكم على أمرٍ لا يرضاه، كأنْ تُضْمِروا عدَمَ الوفاءِ بميثاقِ اللهِ [292] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/222)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/139-140). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا حَثَّ على الانقيادِ للتَّكاليفِ، وهي مع كَثْرَتِها محصورةٌ في نوعينِ: التَّعظيم لأمْرِ الله، وهذا ذَكَرَه في قوله: إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ، ثم أعْقَبَه بذكْرِ النَّوعِ الثَّاني وهو الشَّفقَةُ على خَلْقِ الله [293] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/242) ، فقال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، كونوا بمُقتَضَى إيمانِكم ذَوي قِيامٍ بالحقِّ للهِ تعالى وَحْدَه، لا رِياءً ولا سُمْعةً، ولا لنيلِ غَرَضٍ من أغراضِ الدُّنْيا [294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/222)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224). .
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ.
أي: وكونوا أيضًا شُهَدَاءَ بالعَدْلِ، ولا تَجُوروا في أَحْكامِكم على القَريبِ والبَعيدِ، والصَّدِيقِ والعَدُوِّ [295] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/223)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/145). .
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألَّا تَعْدِلُوا.
أي: ولا يَحْمِلنَّكم عداوةُ قومٍ وبُغضُهم على ألَّا تَعْدِلوا في حُكْمِكم فيهم، فتَجورُوا عليهم [296] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/223)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/146). .
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
أي: عليكم بالعَدْلِ- أيُّها المؤمنونَ- مع كلِّ أحدٍ، فاستعمالُ العَدْلِ أقرَبُ إلى التَّقْوى الكاملةِ [297] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/224)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224). قال السعديُّ: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي: كلَّما حرَصْتُم على العدل، واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقربَ لتقوى قلوبِكم؛ فإنْ تمَّ العدلُ كمَلَتِ التَّقوى) ((تفسير السعدي)) (ص: 224). وقال ابنُ عاشور: (ومعنى أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، أي: للتقوى الكاملة التي لا يَشُذُّ معها شيءٌ من الخير؛ وذلك أنَّ العدل هو ملاكُ كبْح النَّفْس عن الشهوة، وذلك ملاكُ التقوى) ((تفسير ابن عاشور)) (6/136). .
وَاتَّقُوا اللهَ.
أي: امتَثِلوا ما أمَرَكم اللهُ تعالى به، واجتَنِبوا ما نهاكم عنه، ومِن ذلك القيامُ بالعَدْلِ، وترْكُ الجَورِ [298] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/146-147). .
إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
أي: إنَّ اللهَ تعالى هو وَحْدَه العالِمُ ببواطنِ ما تَعمَلونَه- أيُّها المؤمنونَ- مِن خَيْرٍ أو شرٍّ ومُجازيكم بها [299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/225)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/147). .
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ أوامِرَ ونواهيَ، ذكَر وعْدَه مَن اتَّبَعَ أوامرَه واجتَنَبَ نواهيَه [300] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/197)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/44). .
وأيضا لَمَّا كان الأَمْرُ بالتَّقْوى ممَّا حُتِمَ على الإطلاقِ، بعدَ بيانِ أنَّ العدْلَ هو أقربُ ما يُتَّقَى به عقابُ اللهِ في الدُّنيا والآخِرَة؛ لأنَّه قِوامُ الصَّلاحِ للأفرادِ، والإصلاحِ في الأقوامِ، ولَمَّا عُلِّل هذا الأمرُ المطلَقُ بأنَّ الله خبيرٌ بدقائِقِ الأعمالِ وخَفاياها، وكان هذا التعليلُ يُشيرُ إلى جزاءِ العاملينَ المُتَّقينَ وغَيْرِ المتَّقينَ- قال عزَّ وجلَّ في بيانِ الجزاءِ العامِّ [301] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/227) :
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ.
أي: وعَدَ اللهُ عزَّ وجلَّ- الذي لا يُخلِفُ الميعاد- المؤمنينَ الذين عَمِلوا الأَعْمالَ الصَّالِحات مخلصين للهِ تعالى فيها، ومُتابعين شريعَتَه، وَعَدَهم بسَتْرِ ذُنُوبِهم، والتَّجاوُزِ عن مؤاخَذَتِهم بها [302] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/225)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/152-153). .
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
أي: ولهم ثوابٌ كبيرٌ، وعطاءٌ جزيلٌ غيرُ محدودٍ، وهو الجَنَّةُ [303] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/225-226)، ((تفسير ابن كثير)) (2/62-63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224). .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ثوابَ المؤمنينَ العاملينَ للصَّالحاتِ، ثنَّى بذِكر مَن يُقابِلُهم وما لهم من العقابِ [304] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/197)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/44)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159) ؛ فقال:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10).
أي: وأمَّا الكُفَّارُ المكذِّبونَ بالأدلَّةِ الدالَّةِ على الحقِّ، فهُم أهلُ نارِ الجحيمِ الملازِمونَ لها، لا يَخرجُون منها أَبَدًا [305] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/227)، ((تفسير ابن كثير)) (2/63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 224)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159-160). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ.
أي: يا مَعْشَرَ المؤمنينَ، تذكَّروا ما أنعمَ اللهُ تعالى به عليكم بقُلوبِكم وألْسِنَتِكم؛ لأجْلِ القيامِ بواجِبِ شُكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ على ذلك [306] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/164). .
إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.
أي: حيث أنعمَ اللهُ تعالى عليكم، بأنْ ردَّ كيدَ أعدائِكم الذين همَّوا بالبَطْشِ بكم، فصَرَفَهم وحَجزَهم عنكم، وحالَ بينهم وبين ما أرادُوه بكم؛ فلم يَسْتَطيعوا أن يَنالُوكم بسُوءٍ [307] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/164-165). .
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح: 24].
وَاتَّقُوا اللهَ.
أي: وافْعلوا ما أمرَكَم اللهُ تعالى به، واجتَنِبوا ما نَهاكم عنه [308] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/165). .
وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
مُناسَبَتُها لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تعالى إِنعامَه عليهم بكفِّ أَيدِي أعدائِهم عنهم، وردِّ كَيْدِهم في نُحورِهم- أَمَرَهم بما يَستعينونَ به على الانْتِصارِ على عَدُوِّهم، وعلى جميعِ أُمُورِهم [309] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 225). ، فقال:
وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
أي: وعلى اللهِ تعالى وحْدَه دونَ غيره، فلْيعتمِدِ المؤمنونَ الَّذين آمنوا باللهِ تعالى وبكلِّ ما يَجِبُ عليهم الإيمانُ به، فليعتمدوا عليه في جَلْبِ منافِعِهم ودَفْعِ مَضَارِّهم، ممَّا يتعلَّقُ بِشُؤونِ الدُّنيا والآخِرَةِ؛ ثِقةً به عزَّ وجلَّ، وتفويضًا إليه [310] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/165-166). .

الفوائد التربوية:


1- الحثُّ على التأمُّلِ في نِعَمِ الله تعالى؛ نبَّه على ذلك قولُه: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ [311] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/319). .
2- تهديدُ مَن خَرَجَ عن التَّقوى، بقوله تعالى: إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يعني أنَّه لا بدَّ أن تكونَ التَّقوى مبنيَّةً على صَلاحِ القَلْبِ، وليست مُجرَّدَ قَوْلٍ باللِّسانِ، ويُكرِّرُ اللهُ عزَّ وجلَّ التَّقوى في آياتٍ كثيرة؛ لأنَّها في الحقيقَةِ عليها مدارُ الإِسلامِ، فإذا اتَّقى الإنسانُ ربَّه فسوف يقومُ بدِينِ الله تعالى على ما يُريدُ اللهُ جلَّ وعلا [312] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/139، 142، 150). .
3- وجوبُ الإخلاصِ لله عزَّ وجلَّ في الشَّهادَةِ؛ لقولِه: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وقال في آيةٍ أخرى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق: 2]، ومِن ثَمَّ فلا يكونُ هناك محاباةٌ لقريبٍ أو صَدِيقٍ، ولن يَحمِلَك بُغضُك لشَخْصٍ على أنْ لا تشْهَد له ما دُمتَ مُخلِصًا لله تعالى بالشَّهادَةِ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/147). .
4- وجوبُ الشَّهادَةِ بالقِسْطِ ولو كنتَ كارهًا؛ دلَّ على ذلِك قولُه تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ؛ لأنَّ بعضَ النَّاسِ قد تحمِلُه كراهةُ أن يتَضَرَّرَ الشَّخصُ على كِتمانِ الشَّهادَةِ [314] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/242)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/227)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/148). .
5- أمَرَ اللهُ تعالى جميعَ الخَلْقِ بأنْ لا يُعامِلُوا أحدًا إلَّا على سَبيلِ العَدْلِ والإنصافِ، وترْكِ المَيْلِ والظُّلْمِ والاعتِسافِ؛ قال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [315] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/320)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/42). .
6- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ منها ما يَبعُدُ عن التَّقوى، ومنها ما يَقرُبُ، ويَنبني على تفاضُلِ الأَعمالِ، وتفاضُلُ الأعمالِ قد دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ والعَقْلُ، وأنَّ الأعمالَ تَتَفاوتُ، والعُمَّال يتفاوَتون أيضًا، ويُستَفادُ أيضًا أنَّ الإيمانَ يَزيدُ وكذلك ينقُصُ [317] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/142، 149). .
7- أنَّ الإيمان وحْدَه لا يَكفي، بل لا بدَّ مِن عَمَلٍ؛ ولهذا قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؛ ولهذا فالَّذينَ يُركِّزون على العقيدةِ، فيقولون: عَقِيدتُنا سليمةٌ والحمدُ لله، ولا يَتعرَّضون للعَمَلِ؛ عندهم قُصورٌ، بل لا بدَّ مع العقيدَةِ مِن عَمَلٍ صالحٍ [318] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/158). .
8- وُجوبُ تقوى الله عزَّ وجلَّ عند ذِكْرِ النِّعَمِ؛ حتى لا يَطغى الإنسانُ، ويرتفعَ ويَرْبأَ بنفْسِه؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللهَ [319] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/167). .
9- وجوبُ التوكُّلِ على الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه من الإيمانِ؛ لقوله: وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، فوجَّه الأمرَ إلى المؤمنينَ؛ لأنَّهم هم أَهْلُ التوكُّلِ، ولأنَّ ترْكَ التوكُّلِ على الله نَقْصٌ في الإيمانِ [320] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/167). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ولم يقُل: (نعم الله)؛ لأنَّه ليس المقصودُ منه التأمُّلَ في أعدادِ نِعَمِ الله، بل المقصودُ منه التأمُّلُ في جِنْسِ نِعَمِ الله؛ لأنَّ هذا الجِنْسَ جنسٌ لا يَقْدِرُ غيرُ اللهِ عليه [321] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/319)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/39). .
2- أنَّه يجبُ على الإنْسانِ أنْ يَذكرَ الميثاقَ الذي واثَقَ اللهَ عليه، وهو العَهْدُ بالسَّمْعِ والطَّاعَةِ المذكورُ في قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ويُستَفادُ مِنَ الآيةِ أنَّ السَّمْعَ المجرَّدَ لا يُغني شيئًا، فلا بدَّ أن يكونَ سمعًا واستجابَةً، فأمَّا مجرَّدُ السَّمْعِ فلا؛ وذلك لِقَوْلِه: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [322] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/141). .
3- في قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ إشارةٌ إلى التَّعظيمِ لأَمْرِ اللهِ [323] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/242). .
4- ممَّا يُستَفادُ مِن قَوْلِه سبحانَه: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى: أنَّ هناك فَرْقًا بين المساواةِ والعَدْلِ، وأكثَرُ ما ورد في القرآنِ هو نفْيُ المساواةِ، مع إثباتِ العَدْلِ؛ قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35 - 36]، وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [324] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/148). [الزمر: 9].
5- تأكيدُ الأَمْرِ بالعَدْلِ مع الأعداءِ، والشَّهادةُ لهم به في قَوْلِه تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى يُفيدُ وجوبَه مع غَيْرِهم من الأَولياءِ بالأَوْلى [325] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/227)، ((تفسير ابن عادل)) (7/243). .
6- من اللَّطائِفِ في قولِه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... وقولِه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ في المؤمنينَ جاءتِ الجملةُ فِعليَّةً متضمِّنةً الوعدَ بالماضي الذي هو دليلٌ على الوُقوعِ، فأنْفُسُهم متشوِّقةٌ لِمَا وُعِدُوا به، مُتشوِّفةٌ إليه، مبتهجةٌ طولَ الحياةِ بهذا الوَعْدِ الصَّادِقِ. وفي الكافرينَ جاءت الجملةُ اسميَّةً دالَّةً على ثُبوتِ هذا الحُكْمِ لهم، وأنَّهم أصحابُ النَّارِ؛ فهم دائمونَ في عذابٍ؛ إذ حَتَّمَ لهم أنَّهم أصحابُ الجحيمِ، ولم يأتِ بصورةِ الوعيدِ، فكان يكونُ الرجاءُ لهم في ذلك [326] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/197). .
7- قولُه: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: فيه: تقديرُ محذوفٍ، أي: عَمِلُوا الأعمالَ الصَّالحات، ويكون العملُ صالحًا إذا تَضمَّن أمرينِ؛ الأوَّل: الإخلاصُ للهِ كما في قوله: فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: 2]، والثاني: المتابعةُ لشريعةِ اللهِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: ((مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمْرُنا؛ فهو رَدٌّ )) [327] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/153). والحديث أخرجه مسلم (1718). .
8- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ تفضُّلُ اللهِ عزَّ وجلَّ على عبادِه؛ حيث جعَل الثوابَ بمنزلَةِ الأَجْر، كأنَّ العامِلَ أجيرٌ إذا وَفَّى العَمَلَ أُعْطِيَ أَجْرَه، مع أنَّ المِنَّةَ لله عزَّ وجلَّ أولًا وآخِرًا [328] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/228)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/158). .
9- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: وَأَجْرٌ عَظِيمٌ عِظَمُ ثَوابِ المؤمنينَ العاملينَ الصَّالحاتِ؛ حيث عظَّمَه الله عزَّ وجلَّ، وتعظيمُ العَظيمِ للشَّيءِ يدلُّ على أنَّه عَظيمٌ عَظَمةً لا يتخيَّلُها الإنسانُ ولا يتصوَّرها، وهو كذلك [329] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159). .
10- أنَّ القرآنَ الكريمَ مَثانٍ؛ إذا ذَكَر أهْلَ العَمَلِ الصَّالح ذكَرَ أهلَ العَمَلِ السيِّئِ؛ كما قال سبحانه: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ثم ثَنَّى بعدها بقولِه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وفائدَةُ ذلك: أنْ لا يَغلِبَ جانبُ الرَّجاءِ أو جانبُ الخَوْفِ [330] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/160). .
11- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أنَّ الكُفْرَ قد يَصحَبُه التَّكذيبُ، وقد لا يَصحَبُه؛ ولهذا أحيانًا يَذكُرُ اللهُ الكُفْرَ فقط؛ مثل قولِه تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131]، وأحيانًا يَذكُرُ التَّكذيبَ فقط؛ قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ [الزمر: 32]، وأحيانًا يَقْرِن بينهما؛ وذلك لأنَّ كلًّا منهما قد يكونُ وَحْده مُوجِبًا للخُلُودِ في النَّارِ، فإذا اجتمعَا جميعًا، صار ذلك أشدَّ وأعظمَ، والعياذُ بالله [331] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/162). .
12- قوله: وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا: المرادُ بالآياتِ هنا الآياتُ الشرعيَّةُ [332] الآيات الشرعيَّة: هي ما جاءتْ به الرُّسُل، وكانتْ آياتٍ دالَّةً على الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ البشرَ لا يُمكن أن يأتوا بمِثلها. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159). والكونيَّة [333] الآيات الكونيَّة: وهي هذا الكونُ بما فيه من الشَّمْسِ والقَمَر والنُّجوم، والليلِ والنَّهار، والبحارِ والأنهارِ، وغير ذلك مِن المخلوقاتِ العظيمةِ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159). ؛ فمَن أنكَرَ ربوبيَّةَ الله وخَلْقَه للمَخلوقاتِ، وتصرُّفَه في الكَوْنِ، فهذا مكذِّبٌ بالآياتِ الكونيَّةِ، وقد يُقِرُّ بذلك، لكنَّه يكْفُرُ، ويُكَذِّبُ بالآياتِ الشرعيَّةِ، ويُعْرِضُ عن طاعَةِ اللهِ [334] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/159). .
13- أنَّ الخلودَ في النَّار ليس إلَّا للكُفَّارِ؛ فقَوْلُه تعالى: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يُفيدُ الحصرَ، والمصاحَبةُ تقتضي الملازَمَة، كما يُقال: أصحابُ الصَّحراءِ، أي: الملازِمونَ لها [335] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/321)، ((تفسير ابن عادل)) (7/244). .
14- قال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ الآية، أمَرَ الله تعالى أن نَذكُرَ نِعْمَتَه، لا مِن أجْلِ مجرَّدِ الذِّكْرِ والخَبَر، ولكن للقيامِ بشُكْرِ هذه النِّعمَةِ؛ لأنَّه لا يَكفي مجرَّدُ أن أقولَ: إنَّ اللهَ سلَّمَني من العدوِّ، أو إنَّ اللهَ نصَرني على العَدُوِّ، هذا لا يَكفي، لا بدَّ أن يكونَ ذلك شُكرًا لله عزَّ وجلَّ، فإنْ كان شكرًا بأنْ كان الإنسانُ يتحدَّثُ بنِعمةِ اللهِ ثناءً على الله، فهذا من الشُّكر [336] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/163). .
15- أنَّه يجِبُ على الإنسانِ أن يَذكُرَ نِعمَةَ اللهِ عليه في جَلْبِ المنافِعِ ودَفْعِ المضارِّ؛ وَجْهُ ذلك: أمْرُ اللهِ جلَّ وعلا بذِكْرِ نِعَمِه بكفِّ أيدي الأعداءِ عنَّا في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [337] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/166). .
16- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أنَّ كفَّ الأذى والضَّرَر من النِّعَمِ، وهو كذلك، وكثيرٌ من النَّاسِ يظنُّونَ أنَّ النِّعَمَ هي الإيجادُ، وهذا قصورٌ؛ النِّعمَةُ: إمَّا إيجادُ معدومٍ، وإمَّا كفُّ موجودٍ؛ ولهذا يُشْكَرُ اللهُ عزَّ وجلَّ على هذا وهذا [338] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/167). .
17- من فوائِدِ هذا التذكيرِ للمتأخِّرينَ في قَوْلِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ترغيبُهم في التأسِّي بسلَفِهم في القيامِ بما جاء به الدِّينُ؛ من الحقِّ والعَدْلِ، والبرِّ والإحسانِ، واحتمالِ الجُهدِ، والصَّبرِ على المشاقِّ في هذه السَّبيلِ، وهي سبيلُ اللهِ، وهذا هو المعنى العامُّ للجِهادِ في سبيلِ اللهِ [339] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/231). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا إِذْ في قولِه: إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ظرفٌ لـوَاثَقَكُمْ بِهِ، أو ظرفٌ لمحذوفٍ وقَع حالًا منَ الضَّميرِ المجرورِ في بِهِ أو مِنْ مِيثَاقَهُ، أي: كائنًا وقتَ قَولِكم: سَمِعْنا وأطَعْنا، وفائدةُ التقييدِ به تأكيدُ وجوبِ مراعاتِه بتذكيرِ قَبُولهم، والتزامِهم بالمحافَظَةِ عليه [340] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/11). .
2- قوله: وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: جملةُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ اعتراضٌ تذييليٌّ للتَّحذير مِن إضمارِ المعاصي، ومِن تَوهُّمِ أنَّ اللهَ لا يَعلَمُ إلَّا ما يبدو منهم، وتعليلٌ للأمْرِ بالاتِّقاءِ؛ فحرف (إنَّ) أفاد أنَّ الجملة عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَها على الأُسلُوبِ المقرَّرِ في البلاغَةِ [341] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/12)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/134). .
- وإظهارُ الاسْمِ الجليلِ اللَّه في موقِع الإضمارِ؛ لتربيةِ المهابَةِ، وتعليلِ الحُكم، وتقويَةِ استقلالِ الجُملة [342] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/12). .
3- قوله: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى: فيه تأكيدٌ شديدٌ على أمْرِ العَدْلِ؛ فقولُه: اعْدِلُوا تأكيدٌ ثانٍ؛ حيث قد نَهاهم أولًا أنْ تحمِلَهم الضَّغائِنُ على ترْك العَدْلِ، ثم أمَرَهم بقَوْلِه: اعْدِلُوا؛ فصرَّحَ لهم بالأَمْرِ بالعَدْلِ؛ تأكيدًا وتشديدًا، ثم استأنَفَ فذَكَرَ لهم وجْهَ الأمْرِ بالعَدْلِ، وهو قَوْلُه: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، أي: العَدْلُ أقربُ إلى التقوى، وأَدْخَلُ في مناسَبَتِها. أو أقربُ إلى التَّقوى؛ لكونِه لُطفًا فيها، وفيه تنبيهٌ عظيمٌ على أنَّ وجودَ العَدْلِ مع الكفَّارِ الذين هم أعداءُ اللهِ إذا كان بهذه الصِّفَةِ من القُوَّةِ؛ فما الظنُّ بوجوبِه مع المؤمنينَ الذين هم أولياؤُه وأحِبَّاؤُه [343] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/611)، ((تفسير أبي حيان)) (4/196)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/425). ؟!
4- قوله: إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ جملةٌ تتَضَمَّنُ التهديدَ بمخالفَةِ التَّقوى، وقولُه: إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ الخبيرُ أدقُّ من العليمِ؛ لأنَّ الخبيرَ من الخُبْر وهو العِلْمُ ببواطنِ الأَمْرِ؛ ولذلك سُمِّيَتِ المزارعةُ مخابرةً؛ وسُمِّي الزَّارِعُ خبيرًا؛ لأنَّه يدسُّ الحَبَّ في الأَرْضِ فيَختفي، فالخبيرُ هو العليمُ بخفايا الأُمورِ [344] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/147، 151). .
5- قوله: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ: فيه بيانٌ للوعْدِ بعدَ تمامِ الكلامِ قبْلَه، كأنَّه قال: قدَّمَ لهم وعْدًا، فقِيل: أيُّ شَيءٍ وعَدَه لهم؟ فقيل: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ؛ فجُملةُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ مُبيِّنةٌ لجُملةِ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؛ فاستُغْنِيَ بالبَيانِ عن المفعولِ الثَّانِي، فصارَ التَّقديرُ: وعَدَ اللهُ الذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ مَغفرةً وأجرًا عَظيمًا لهم، وإنَّما عدَلَ عن هذا النَّظْمِ لِمَا في إثباتِ المغفرةِ لهم بطَريقِ الجُملةِ الاسميَّةِ من الدَّلالةِ على الثَّباتِ والتقرُّرِ [345] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/611)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/136). وهذا الوجهُ بناءً على القَوْلِ بأنَّ جملةَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ تَفْسيريَّة لا محلَّ لها من الإعرابِ، مُفسِّرة للمفعولِ الثاني لـوَعَدَ، وأمَّا على بقيَّةِ أوجه الإعرابِ فليس فيها هذا الوَجْهُ. .
6- قوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: فيه قصرٌ: وهو إمَّا قَصْرٌ ادِّعائيٌّ؛ لأنهم لَمَّا كانوا أحقَّ النَّاسِ بالجحيمِ، وكانوا خالدينَ فيه، جُعلوا كالمنفردينَ به، أو هو قصرٌ حقيقيٌّ إذا كانت إضافةُ أَصْحَابُ مُؤذِنةً بمزيدِ الاختصاصِ بالشَّيءِ كما في مُرادفِها، وهو ذُو كذا، كما في قوله: وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: 4]؛ فيكون وجهُ هذا الاختصاصِ أنَّهم الباقونَ في الجحيمِ أبدًا [346] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/137). .
7- قوله: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ إظهارُ أَيْدِيَهُمْ في موقِعِ الإضْمارِ؛ لزِيادَةِ التَّقريرِ، أي: مَنَعَ أيديَهم أنْ تُمَدَّ إليكم عَقِيبَ همِّهِم بذلك، لا أنَّه كفَّها عنكم بعدَما مدُّوها إليكم [347] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/13). .
8- قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ:
جملةُ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ تذييلٌ مقرِّرٌ لمَا قَبْلَهُ [348] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)). .
- وفيه تقديمُ المتعلِّقِ عَلَى اللهِ على المتعلَّقِ به: فلْيَتَوَكَّلِ؛ لإفادةِ الحَصْرِ، أي: ينبغي أن يتوكَّل المؤمنونَ على اللهِ فقط، لا على غَيْرِه [349] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/164). .
- وإظهارُ الاسْمِ الجليلِ اللَّهِ في مَوْقِعِ الإضمارِ؛ لتعليلِ الحُكْمِ، وتقويَةِ استقلالِ الجُملَةِ التذييليَّةِ [350] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/14). .
- وإيثارُ صيغَةِ أمْرِ الغائبِ وإسنادُها إلى المؤمنينَ- حيثُ جاء الأَمْرُ بالتوكُّلِ بصِيغَةِ الغائِبِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وليس بصِيغَةِ الخِطابِ، فلم يقُلْ: (تَوكَّلوا) بعد قولِه: وَاتَّقُوا- لإيجابِ التوكُّلِ على المُخاطَبينَ بالطَّريقِ البُرْهانيِّ، وللإيذانِ بأنَّ ما وُصِفُوا به عند الخِطابِ مِن وَصْفِ الإيمان داعٍ إلى مَا أُمِرُوا بهِ من التَّوَكُّل والتَّقْوى؛ وازعٌ عن الإخلالِ بهما، ولأجلِ الفاصِلَةِ، وإشعارًا بالغَلبةِ، وإفادةً لعُمومِ وصْفِ الإيمانِ [351] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/198)، ((تفسير أبي السعود)) (3/13- 14). . وهذا أيضًا التفاتٌ من الخِطابِ إلى الغَيبةِ.