موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات (130-132)

ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ

المَعنَى الإجماليُّ:


يَنهى اللهُ عبادَه المؤمنين عن أخْذ الرِّبا أضعافًا مُضاعَفة، كما كانوا يَفعلونه في الجاهليَّة، ويأمُرهم بتقواه سبحانه؛ رجاءَ أن يكونَ جزاؤهم الفلاح، ويأمُرُهم أيضًا سبحانه بأنْ يَجعلوا بينهم وبَين النَّار التي هُيِّئت للذين كفروا ما يَقيهم منها، وأنْ يُطيعوا اللهَ ورسولَه، بامتثالِ الأمْر واجتناب النَّهي؛ لعلَّهم إذا فَعلوا ذلك أن يُرحَموا في الدُّنيا والآخِرة.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
وجْهُ الاتِّصالِ بين هذه الآياتِ وما قَبْلَها: أنَّ ما قَبْلَها في بيانِ أنَّ الله نصَرَ المؤمنين وهم أذلَّةٌ، وأنَّهم إنما نُصِروا بتقوى اللهِ وامتثالِ الأمْرِ والنهي; ولذلك خُذِلوا في أُحُدٍ عند المخالفةِ والطَّمعِ في الغنيمةِ، فحثَّهم اللهُ تعالى في هذه الآيةِ على بَذْلِ المالِ في سبيلِ اللهِ كالدِّفاعِ عن المِلَّةِ والأُمَّة، والتنفيرِ عن الطَّمع فيه، وشرُّه أكْلُ الرِّبا أضعافًا مُضاعفةً؛ لذا ذُكِر في أوَّلِ الكلامِ في هذه الغزوةِ شيءٌ يتعلَّقُ بالمالِ وإنفاقِه وفي آخِرِها شيءٌ يَتعلَّقُ بذلك يُنظر: ((تفسير المنار)) (4/101). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا تقدَّم وعْدُ الله تعالى للمؤمنين، بأنَّهم إنْ صبَروا واتَّقوا، نَصَرهم على أعدائِهم، فكأنَّ النُّفوسَ اشتاقتْ إلى معرفةِ خِصال التَّقوى التي يَحصُل بها النَّصرُ والفلاحُ والسَّعادة، فذكَر اللهُ في هذه الآياتِ أهمَّ خِصال التَّقوى، التي إذا قام العبدُ بها، فقيامُه بغيرها من باب أَوْلى وأَحْرى، فنهاهم أولًا عن أكْل الرِّبا أضعافًا مُضاعَفة، ثم توالتْ بعد ذلك الأوامرُ الأخرى التي مَن امتَثَلها، فإنَّه يُحقِّق التَّقوى يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 148). .
وأيضًا ناسَب اعتراضَ هذه الجملةِ هنا أنَّه تعالى وعَدَ المؤمنين بالنَّصرِ والإمدادِ مَقرونًا بالصَّبرِ والتقوى، فبدأَ بالأهمِّ منها، وهو: ما كانوا يَتعاطَوْنه من أكْلِ الأموالِ بالباطلِ، وأمَر بالتَّقوى، ثمَّ بالطاعة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/340). .
 وأيضًا لَمَّا نَهَى اللهُ تعالَى المؤمنين عن اتِّخاذِ بِطانةٍ من غيرِهم، واستطرَدَ لذِكْر قِصَّة أُحُد، وكان الكفَّارُ أكثرُ معاملاتِهم بالرِّبا مع أمثالهم ومع المؤمنين، وهذه المعاملةُ مُؤدِّيةٌ إلى مُخالطةِ الكفَّار؛ نُهوا عن هذه المعاملةِ التي هي الرِّبا قطعًا؛ لِمُخالطةِ الكفَّارِ ومَودَّتِهم، واتِّخاذ أخلَّاء منهم، لا سيَّما والمؤمنون في أوَّل حالِ الإسلامِ ذوو إعسارٍ، والكفَّار من اليهودِ وغيرهم ذوو يسارٍ، وكان أيضًا أكْلُ الحرامِ له مَدخلٌ عظيمٌ في عدم قَبول الأعمالِ الصَّالحة والأدعية، فناسَب ذِكْرَ هذه الآية هنا يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/339). .
وأيضًا لَمَّا قال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وبيَّن أنَّ ما فيهما من الموجودات مِلكٌ له، ولا يجوزُ أنْ يُتصرَّفَ في شيءٍ منها إلَّا بإذنه على الوجهِ الذي شَرَعه، وآكِلُ الرِّبا مُتصرِّفٌ في مالِه بغير الوجهِ الذي أَمَر؛ نبَّه تعالى على ذلِك، ونهى عمَّا كانوا في الإسلامِ مُستمرِّين عليه من حُكم الجاهليَّة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/340). ، فقال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً
أي: يا أيُّها المؤمنون، لا تتعاملوا بالرِّبا بعدَ إسلامِكم كما كُنْتم تتعاطَوْنه في جاهليَّتكم؛ فإنَّهم كانوا إذا حلَّ الدَّينُ على المُعسِرِ ولم يتمكَّن مِن سداده في وقتِه، قالوا له: إمَّا أن تَقضِيَ، وإمَّا أنْ تُرْبيَ، أي: إما أنْ تَقضيَنا ما عليك من الدَّين، أو نَزيدك في المدَّة، وتَزيدنا على القَدْر المطلوب، فربَّما تَضاعَف القليلُ بهذه الطَّريقة حتى يُصبِح كثيرًا جدًّا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/49)، ((تفسير ابن كثير)) (2/117)، ((تفسير السعدي)) (ص: 148)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/154-158). .
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي: امتَثِلوا- أيُّها المؤمنون- ما أمَركم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك أكْل الرِّبا؛ كي تَظفَروا بما تَطلُبون، وتَنجوا في الدُّنيا والآخرة ممَّا منه تَحْذرون يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/51)، ((تفسير السعدي)) (ص: 148)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/158-159). .
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
أي: امتثِلوا أوامرَ الله تعالى، واجتَنِبوا نواهيَه، ومنها: ترْك أكلِ الرِّبا؛ فإنَّه وقايةٌ لكم من النَّار، التي هُيِّئَت مُسْبقًا لكلِّ مَن كفَر بالله العظيم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/51)، ((تفسير السعدي)) (ص: 148)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/161-162). .
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أي: اعمَلوا- أيُّها المؤمنون- بما أمَركم اللهُ تعالى به ورسولُه، وانتَهُوا عمَّا نَهاكم الله ورسولُه
عنه من أكلِ الرِّبا وغيرِه من المُحرَّمات؛ لتُرحَموا في الدُّنيا والآخِرة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/51)، ((تفسير السعدي)) (ص: 148)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/163-164). .

 الفوائد التربوية:


1- في توجيهِ الخِطابِ للمؤمنين في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا دَلالةٌ على أنَّ اجتناب الرِّبا من مقتضيات الإيمان، وأنَّ كلَّ مؤمنٍ صادقِ الإيمان، فلا بدَّ أنْ يَتجنَّب أكْلَ الرِّبا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/159). .
2- تقْوى الله هي الحامِلةُ على مُخالَفة ما تعوَّده المرءُ ممَّا نهى الشَّرعُ عنه، وهي سببٌ لرجاء الفلاح والفوز؛ يُبيِّن ذلك قولُه تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/340). .
3- تعليقُ رجاء المؤمنِ لرحمة الله تعالى بتوفُّره على طاعتِه وطاعةِ رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ كما في قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/341). .

الفوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:


1- في قوله تعالى: لَا تَأكُلُوا الرِّبَا، يُقاسُ على الأكلِ بقيَّةُ الإتلافات بالشُّرب واللِّباس، وبِناءِ المساكن وما أَشْبَهها، لكنْ قيل: إنَّه عبَّر بالأكْل؛ لأنَّه أخصُّ وجوه الانتفاع يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/159). .
2- في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، قوله: (أَضْعَافًا) هو جَمْع ضِعْف، وهو جمعُ قِلَّة، ولَمَّا كان جَمْعَ قِلَّة والمقصودُ الكثرة، أَتْبعه بما يدلُّ على ذلك، وهو الوصف بقوله: مُضَاعَفَةً يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/340). .
3- قول الله تعالى: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، قوله: (أَضْعَافًا مُضاعَفَةً)، ليس هذا الحالُ – أي هذا القيد بالوصْف مُضَاعَفَةً- هو مَصبَّ النَّهيِ عن أكْلِ الرِّبا؛ حتى يَتوهَّم مُتوهِّم أنَّه إنْ كان دون الضِّعفِ لم يكن حرامًا، فالحال واردةٌ لحكاية الواقع؛ فلا تُفيد مفهومًا؛ لأنَّ شرطَ استفادة المفهوم من القيود ألَّا يكون القيدُ الملفوظُ به جرى لحكاية الواقع، فلا يَقتصِر التحريمُ بهذه الآية على الرِّبا البالغ أضعافًا كثيرة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/86). .
4- في قول الله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ قوله: أُعِدَّتْ إخبارٌ عن الماضي، فلا بدَّ أن يكون قد دخَل ذلك الشيءُ في الوجود، فالنَّار مخلوقةٌ الآن يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/364). .
5- أنَّ أهلَ النَّار هم الكافرون؛ لقوله سبحانه: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، أمَّا الفُسَّاق الذين يُعذَّبون بالنَّار على قدْرِ أعمالهم، ثم يُخرَجون منها؛ فإنَّ النَّار لم تُعَدَّ لهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/163). .
6- جوازُ اقترانِ اسم الرَّسول باسمِ الله في الأمْر الذي يكون مُشتركًا بينهما؛ لقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، أمَّا الأمرُ الذي لا يكون مُشتركًا بينهما، وهو الأمر الكونيُّ القَدَريُّ، فهذا لا يُذكَر فيه الرَّسولُ مع الله إلَّا بحرفٍ يدلُّ على التَّرتيب ((ما شاء اللهُ، ثمَّ شِئت ))، وبهذا نَعرِف الفرقَ بين إسنادِ الشَّيء الشَّرعيِّ إلى اللهِ ورسولِه، وبين إسناد الكونيِّ إلى اللهِ ورسولِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/164). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً:
- في نِدائهم باسمِ الإيمان في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إشعارٌ بأنَّ مِن مُقتضَى الإيمان وتصديقِه تَرْكَ الرِّبا يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/410). .
- وفي تصديرِ الخِطاب في شأنِه بالنِّداء تعظيمٌ لشأنِ الرِّبا وبيانُ خَطرِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/159). .
- وسمَّى أخْذَ الرِّبَا أكلًا في قوله: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا؛ لأنَّه يؤولُ إليه؛ فهذا مِن بابِ تسميةِ الشِّيء بما يؤول إليه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/342). .
- وتَضمَّن النَّهيُ عن الرِّبا التَّوبيخَ بما كانوا عليه في الجاهليَّة من تضعيفِه؛ إذ كان الرَّجُل منهم إذا بلَغ الدَّين مَحلَّه يقول: إما أنْ تَقْضي حقِّي أو تُربي وأزيدَ في الأَجلِ، فاستَغرَق بالشَّيء الطَّفيف مال المديون يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/414)، ((تفسير البيضاوي)) (2/38)، ((تفسير القاسمي)) (2/410). ؛ فأكْل الرِّبا مَنهيٌّ عنه قليلًا وكثيرًا، لكنَّها نزلتْ على سببٍ، وهو فِعْلهم ذلك؛ ولأنَّه مقامُ تشنيعٍ عليهم وهو بالكثيرِ أَليقُ يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/401). .
2- قوله: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ: فيه تنفيرٌ من النَّار وما يُوقِع فيها، بأنَّها معدودةٌ للكافرين، وتحذيرٌ المسلمين من مشاركتِهم؛ إذ المسلمون لا يَرْضَون بمشاركةِ الكافرين؛ لأنَّ الإسلامَ الحقَّ يُوجِب كراهيةَ ما ينشأ عن الكُفْر، وذاك تعريضٌ واضح في الوعيد على أخْذ الرِّبا، ومقابل هذا التَّنفير التَّرغيب الآتي في قوله: ... وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/88). .
- وبِناءُ فِعل أُعِدَّتْ للمَفعولِ؛ لزيادةِ التَّرهيبِ والمُبالَغةِ في الإنذار يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 542). .