موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (138-143)

ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ

غريب الكلمات:


الْعِزَّةَ: الغَلَبة، وهي حالةٌ مانعة للمُتَّصِفِ بها مِن أنْ يُغلَبَ، من قولهم: أرض عَزازٌ، أي: صُلْبة، وأصل عز: يدلُّ على شدَّة وقوة، وغَلَبة وقهر يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/38)، ((المفردات)) للراغب (ص: 563)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 155). .
وَيُسْتَهْزَأُ: أي: يُسخَر منها، والاستِهزَاءُ: ارتياد الهُزُؤِ، وإن كان قد يعبَّر به عن تعاطي الهُزْء، والهزؤ: اللَّعِب والسُّخريَّة، وأصل الهُزْء: مزحٌ في خفية، وقد يقال لِمَا هو كالمزح يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/75)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/233)، ((المفردات)) للراغب (ص: 841). .
يَخُوضُوا: أي: يَتحدَّثوا ويَتفاوَضوا ويتداخَلَ كلامُهم؛ يُقال: تَخاوَضُوا في الحديثِ والأمرِ، والخوض: هو الشُّروع في الماءِ والمرورُ فيه؛ يُقال: خُضْتُ الماءَ وغيرَه، وأصل (خوض): توسُّط شيءٍ ودخول يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/602)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/229)، ((المفردات)) للراغب (ص: 302). .
يَتَرَبَّصُونَ: يَنتظرون، والتَّربُّص: الانتظارُ والتَّمكُّث يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/477)، ((المفردات)) للراغب (ص: 338)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 108). .
فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ: أي: نصْرٌ وتأييدٌ وظَفَرٌ وغنيمةٌ، وأصلُ الفتْحِ: إزالةُ الإغلاقِ والإشكالِ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/469)، ((المفردات)) للراغب (ص: 621)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 82). .
نَسْتَحْوِذْ: أي: نَغلِبْ ونَستولِ؛ يُقال: حاذَ الإبلَ يَحُوذها، أي: ساقَها سَوْقًا عنيفًا، وأصلُه: الخِفَّةُ والسُّرعةُ وانكماشٌ في الأمر يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 136)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/115)، ((المفردات)) للراغب (ص: 262)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 144)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 916). .
كُسَالَى: أي: مُتثاقلين كالمُكرَه على الفِعل، والكَسلُ: التَّثاقُل عمَّا لا ينبغي التَّثاقُل عنه، وأصله: التَّثاقُل عن الشَّيء، والقعودُ عن إتمامِه أو عنه يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/178)، ((المفردات)) للراغب (ص: 711)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .
يُرَاؤُونَ: أي: يَفعلون الشَّيء ليراه النَّاس، وأصلُه من الرُّؤيةِ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/473)، ((المفردات)) للراغب (ص: 375)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 139). .
مُذَبْذَبِينَ: أي: مُتردِّدين بين الإسلامِ والكُفر، أو مُضطرِبين مائِلين، وأصل الذَّبذبة: جَعْلُ الشَّيءِ مُضطربًا يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 325)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 75)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 144)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 883). .

مشكل الإعراب:


قوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَن إِذا سَمِعْتُمْ
أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ...: أنْ هي المخفَّفةُ من الثَّقيلة، واسمُها ضميرُ الشَّأن محذوف، أي: أنَّه، والجملةُ الشَّرطيَّةُ إِذَا سَمِعْتُمْ... في محلِّ رفعٍ خبرُ أنْ، و(أنْ) وما في حيِّزها مصدرٌ مؤوَّلٌ في موضِعَ نصْبٍ على أنَّه مَفعولٌ به على قِراءة نَزَّلَ بفَتْح النُّونِ، والفاعلُ هو الضَّميرُ العائدُ على لفظِ الجلَالة الله تعالى، وفي موضِع رفْعٍ مفعولٌ لم يُسمَّ فاعلُه على قِراءة مَن قرأ (نُزِّل) بالضَّمِّ، أي: وقد نُزِّل عليكمُ المنعُ من مجالستِهم عند سماعِكم الكفرَ بالآياتِ والاستهزاءَ بها يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/210-211)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/398-399)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/120-121)، ((إعراب القرآن الكريم)) للدعاس (1/229). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يأمرُ الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يُبشِّرَ المنافقين الَّذين يُظهِرون الإسلامَ ويُبطِنون الكُفرَ بالعذابِ الأليمِ، هؤلاء المنافقون الَّذين يُوالُون الكفَّارَ من دونِ المؤمنين، فيُحبُّونهم ويَنصرونهم ويُعِينونهم، ثمَّ يقول تعالى: أيُّ شيءٍ حمَلَهم على ذلك؟ أَيَطلُبون عندَ الكفَّارِ العزَّةَ؟ فلنْ يَجِدوها عندَهم؛ فالعِزَّة لله وحْدَه.
ثمَّ خاطَب اللهُ المؤمنين أنَّه قد أَنزَل عليهم في القرآنِ أنَّهم إذا سمِعوا استهزاءً وكُفرًا بآياتِ الله، فلا يَقعدوا مع هؤلاءِ المتحدِّثين حتَّى يَتحدَّثوا بحديثٍ غيرِ حديثِ الكُفرِ والاستهزاء، فإذا ما قعَدوا معهم في هذه الحالةِ فإنَّهم مِثلُهم، ثمَّ توعَّد اللهُ المنافقين والكفَّارَ بأنَّه سيجمَعُهم في جَهنَّمَ كلَّهم، هؤلاء المنافقون الَّذين يترقَّبون ما يحلُّ بالمؤمنين من خيرٍ أو شرٍّ، فإنْ فتَحَ الله على المؤمنين فتحًا على عدوِّهم بالنَّصر أو الظَّفَر أو الغنيمة، قال هؤلاء المنافقون للمؤمنين: ألم نكُنْ في صفِّكم شاهدينَ معكم القتالَ؛ طالبيَن منهم نصيبًا من المَغْنَم، وإن كانت الكِفَّةُ للكفَّار فأصابوا من المؤمنين، قال المنافقون للكفَّار: ألمْ نُساعِدْكم وننصُرْكم، ونَحْمِكُم من المؤمنين؛ فاللهُ سبحانه يحكُمُ بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، فيُجازي المؤمنين بالجنَّة، والمنافقين بدخولِ نارِ جهنَّمَ، ولن يُمكِّنَ اللهُ تعالى الكفَّارَ من التَّسلُّطِ التَّامِّ على المؤمنينَ في الدُّنيا، كما لم يجعَلِ اللهُ للكفَّار حُجَّةً على المؤمنينَ يغلِبونهم بها يومَ القيامة.
 ثمَّ يُخبِرُ تعالى أنَّ المنافقينَ يخادِعون الله بإظهارهم الإسلامَ، وإبطانِهم الكفرَ، فيعصِمون بذلك دماءَهم وأموالهم، ويظنُّون روَاجَ فِعْلِهم هذا عند الله يوم القيامة، كما راج عند النَّاسِ في الدُّنيا، وهو سبحانه وتعالى خادِعُهم بما حكَم عليهم في الدُّنيا مِن منعِ دمائِهم وأموالِهم مع عِلمِه بهم؛ وذلك ليستدرجَهم في الدُّنيا حتَّى يلقَوْه في الآخرة فيُدخِلهم جهنَّمَ وبئس المصيرُ، ثمَّ أخبَر تعالى عن المنافقين أنَّهم إذا قاموا إلى الصَّلاةِ قاموا وهم متثاقِلون متبرِّمون مِن فعلِها، يؤدُّونها ليراهم المؤمنون فيظنُّون أنَّهم منهم، ولا يذكُرونَ اللهَ فيها إلَّا قليلًا، هؤلاء المنافقون متردِّدون حائرونَ بين الإيمانِ والكُفر، فلا هم مع المؤمنين خُلَّصٌ ولا مع الكفَّار خُلَّصٌ، بل مع المؤمنين في الظَّاهر، ومع الكفَّار في الباطن، ومنهم مَن يُخالِجُه الشَّكُّ فيميل إلى هؤلاء أحيانًا، وإلى هؤلاء أحيانًا أخرى، ثمَّ خاطَب اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائلًا له: إنَّ مَن يُضلِلِ اللهُ عن طريق الهُدى، فلن تجِدَ له طريقًا آخَرَ لهدايتِه.

تفسير الآيات:


بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)
أي: أخبِرْ- يا محمَّدُ- هؤلاءِ الَّذين أظهَروا الإسلامَ وأبطَنوا الكُفر بأقبحِ بِشارةٍ وأسوئِها، وهي أنَّ لهم عندَ اللهِ تعالى عذابًا مؤلِمًا موجِعًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/601)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/342-344). .
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
أي: هؤلاء المنافقونَ الذين صِفتُهم أنَّهم يَجعَلون الكفَّارَ أولياءَ لهم يُحبُّونهم وينصُرونهم ويُعِينونهم لا عبادَ الله المؤمنين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/601)، ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/345-346). .
ثمَّ قال اللهُ تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه مِن موالاةِ الكافرينَ ((تفسير ابن كثير)) (2/435) :
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ
أي: أيُّ شيءٍ حمَلهم على ذلك؟ أَيطْلُبون عندَ الكفَّار المنَعَةَ والقوَّة والغَلَبة باتِّخاذهم أولياءَ من دون المؤمنين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/601)، ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 209)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/346). قال السعدي: (وهذا هو الواقعُ من أحوال المنافقين؛ ساء ظنُّهم بالله، وضعُف يقينُهم بنصر اللهِ لعباده المؤمنين، ولحَظُوا بعضَ الأسباب التي عند الكافرين، وقَصُرَ نظرُهم عمَّا وراءَ ذلك؛ فاتَّخذوا الكافرين أولياءَ يَتعزَّزون بهم ويَستنصِرون) ((تفسير السعدي)) (ص: 209-210). ؟
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
أي: فليستِ العِزَّةُ عند الكفَّار، إنَّما العِزَّةُ والمَنَعةُ والنُّصرةُ والقوَّةُ من عند الله تعالى؛ فهو وحده القاهر لكلِّ شيء، الغالب لكلِّ شيء، ذو القَدْرِ العظيم، الَّذي لا يُماثِله شيءٌ، الَّذي يمتنع عليه كلُّ نقص وعيب، يُعِزُّ مَن يشاء، ويُذِلُّ مَن يشاء؛ فالتمِسوا العِزَّة منه سبحانه، وانتظِموا في جملةِ عبادِه المؤمنينَ، واتخِذوهم أولياءَ؛ فإنَّ لهم النَّصرةَ في هذه الحياةِ الدُّنيا، ويومَ يقوم الأشهادُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/601)، ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/346-347). .
كما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: 10].
وقال سبحانه: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: 7، 8].
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا
أي: قد بَيَّن اللهُ تعالى لكم في القُرآنِ- أيُّها المؤمنون- حُكمَه الشَّرعيَّ عند حضورِ مجالسِ الكفرِ والاستهانةِ بآياتِ اللهِ تعالى وأوامرِه ونواهيه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/348-350). .
والآيةُ الَّتي أشار اللهُ عزَّ وجلَّ إليها هي قوله: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 68] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/349). .
فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
أي: لا تَمكثُوا فيها إلَّا أنْ يأخُذَ المُتحدِّثون في حديثٍ آخَرَ غيرِ حديثِ الكُفْر والاستهزاء يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/350-351). .
إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ
أي: إنِ ارتكبتُم هذا النَّهيَ بعد بُلوغِه إليكم، ورَضِيتم بالمُكثِ معهم في المكان الَّذي يُكفَرُ فيه بآياتِ الله ويُستهان بها، وأقررتُموهم على ذلك، فقد شاركتُموهم إثمَ ذلك يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/435)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/351). .
إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى جامعُ الفَريقينِ من الكفَّارِ والمنافقين في نارِ جهنَّمَ يومَ القيامة، فكما أشرَكوهم في الكُفر واجتمَعوا على عداوةِ المؤمنين والتَّخذيلِ عن دِينِ الله، كذلك جمَع اللهُ بينهم في الخلودِ في نار جهنَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/604)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210). .
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ
أي: إنَّ المنافِقين ينتظرون ما يحلُّ بكم- أيُّها المؤمنون- من خيرٍ أو شرٍّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/356). .
فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ
أي: فإنْ فتَح الله تعالى عليكم فتحًا مِن عَدوِّكم بالنَّصرِ والظَّفَرِ والغنيمةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436). .
قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
أي: قال لكم هؤلاء المنافقون: ألم نشهَدْ معكم قتالَ عدوِّكم؟ فأعطُونا إذًا نصيبَنا من الغنيمةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/356). .
وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ
أي: وإنْ كان لأعدائِكم من الكافرينَ حَظٌّ منكم بإصابتِهم منكم في بَعضِ الأحيان يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/356). .
قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي: ألم نساعِدْكم ونُحِطْ بكم إحاطةَ العنايةِ والنُّصرة، ونَحْمِكُم من المؤمنين، مِن أنْ ينالوكم بسوءٍ، وصرَفْناهم عنكم بتخذيلِهم، أو بالتَّجسُّسِ عليهم لإبلاغِكم أخبارَهم، أو بإلقاء الأراجيف والفِتَن بين جيوشهم لإضعاف بأسِهم، وبغير ذلك من وجوهِ المنع، حتَّى انتصرتم عليهم؟ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/237)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/357). .
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أي: فإنَّ الله تعالى سيحكُمُ بين المؤمنين والمنافقين، ويفصل بينهم بالقضاءِ الفصل يوم القيامة؛ وذلك بإدخالِ المؤمنين جنَّتَه، وإدخالِ المنافقين مع أوليائِهم الكفَّارِ نارَه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير ابن كثير)) (2/436)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/357). .
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
أي: لن يُمكِّنَ اللهُ تعالى الكفَّارَ في الدُّنيا مِن التَّسلُّط التَّامِّ على المؤمنين، واستئصالهم بالكُلِّيَّة، بل لا تَزالُ طائفةٌ من المؤمنين على الحقِّ منصورةً، لا يَضرُّهم مَن خذَلهم ولا مَن خالَفهم إلى يومِ القيامة، ولن يَجعلَ اللهُ تعالى للكفَّار حُجَّةً يَغلِبون بها المؤمنين يومَ القيامة، بل يُدخِل عِبادَه المؤمنين الجنَّةَ، ويُدخل الكفَّارَ وأولياءَهم المنافقين النَّارَ؛ فالعاقبة في الدُّنيا والآخرة للمؤمنين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/606)، ((تفسير ابن كثير)) (2/437)، ((تفسير السعدي)) (ص: 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/357). .
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ
أي: إنَّ المنافقين يُخادِعون الله بإحرازِهم- بما أظهَروه من الإيمان وأبطَنوه من الكُفران- دماءَهم وأموالَهم؛ إذ يعتقدون لجَهلِهم وقلَّةِ عقلهم أنَّ أمرَهم كما راج عند النَّاس وجَرَتْ عليهم أحكامُ الشَّريعة ظاهرًا في الدُّنيا، يرُوجُ يوم القيامة عند اللهِ سبحانه وتعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/611)، ((تفسير ابن كثير)) (2/437)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/359). .
وَهُوَ خَادِعُهُمْ
أي: إنَّ الله تعالى خادِعُهم بما حَكَم فيهم في الدُّنيا مِن منعِ دمائهم بما أظهروا بألسنتِهم مِن الإيمان، مع علمِه باستبطانِهم الكفرَ؛ وذلك استدراجًا منه لهم في الدُّنيا حتَّى يلقَوْه في الآخرة فيُوردَهم نارَ جهنَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/611)، ((تفسير ابن كثير)) (2/437-438)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/360). .
وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى
أي: إذا قاموا لأداءِ الصَّلاةِ قاموا إليها وهم مُتثاقِلون مُتبرِّمون مِن فِعلها؛ لأنَّهم لا نيَّةَ لهم فيها، ولا رَغبةَ، وغيرُ مؤمنين بها، ولا موقِنين بمعادٍ ولا ثوابٍ ولا عقابٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/612-613)، ((تفسير ابن كثير)) (2/438)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/360). .
كما قال تعالى: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة: 54].
ولَمَّا ذكَر الله جلَّ وعلا صِفةَ ظواهرِهم، أعقَبَ ذلك بذِكْرِ صفةِ بواطنِهم الفاسِدة يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/438). ، فقال:
يُرَاؤُونَ النَّاسَ
أي: إنَّما يُؤدُّون الصَّلاةَ الَّتي يَقومون إليها كُسالى؛ ليراهم المؤمنون فيَحسَبوا أنَّهم منهم؛ وذلك بقاءً على أنفسهم، وحَذَرًا من المؤمنين عليها؛ كيلَا يُقتلوا أو تُسلَبَ أموالُهم، ولا إخلاصَ لهم لله تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/612-613)، ((تفسير ابن كثير)) (2/438)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/360). .
وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
أي: لا يذكُرون اللهَ تعالى في صلاتِهم بألسنتِهم، وجوارحِهم، وقلوبِهم، ولا يَخشَعون فيها، ولا يَدْرُون ما يقولون، بل هم في صلاتِهم ساهُون لاهونَ؛ وذلك لامتلاءِ قلوبِهم بالرِّياء يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/613)، ((تفسير ابن كثير)) (2/439)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/360-361). وحمل قولَه تعالى: وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا على أنَّه في الصَّلاة- ابنُ كثير وابنُ عثيمينَ والشنقيطيُّ في ((أضواء البيان)) (1/320). قال ابن جرير: (فلعلَّ قائلًا أنْ يقولَ: وهل مِن ذِكر اللهِ شيءٌ قليل؟ قيل له: إنَّ معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، إنَّما معناه: ولا يَذكرون اللهَ إلَّا ذِكرًا رياءً؛ ليدفَعوا به عن أنفسهم القتلَ والسِّباءَ وسَلْبَ الأموال، لا ذِكر موقِنٍ مصدِّقٍ بتوحيد الله، مخلِصٍ له الرُّبوبيَّة؛ فلذلك سماه الله قليلًا؛ لأنه غيرُ مقصودٍ به اللهُ، ولا مُبتغًى به التقرُّبُ إلى الله، ولا مرادًا به ثوابُ الله وما عنده، فهو- وإن كثُر من وجهِ نَصَبِ عاملِه وذاكرِه- في معنى السَّرابِ الذي له ظاهرٌ بغير حقيقةِ ماءٍ). ((تفسير ابن جرير)) (7/613). .
عن أَنسِ بنِ مالكٍ رضِي اللهُ عنه، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: ((تلك صلاةُ المنافق، يجلسُ يَرقُبُ الشمسَ، حتَّى إذا كانتْ بين قَرْنَيِ الشَّيطانِ قام فنقَرها أربعًا، لا يذكُرُ اللهَ فيها إلَّا قليلًا )) رواه مسلم (622). .
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
أي: إنَّ المنافقينَ مُتردِّدونَ مُتحيِّرونَ بين الإيمانِ والكُفر؛ فلا هُمْ مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرُهم مع المؤمنينَ، وبواطنُهم مع الكافرينَ، ومنهم مَن يَعتريه الشَّكُّ، فتارةً يميل إلى هؤلاء، وتارةً يميل إلى أولئك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/614)، ((تفسير ابن كثير)) (2/439)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/366). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((مَثَلُ المنافقِ كمَثَلِ الشَّاةِ العائرةِ بين الغنمَيْن، تَعيرُ إلى هذه مرَّةً، وإلى هذه مرَّةً قولُه: ((تَعِيرُ إلى هذه مرةً، وإلى هذِه مَرَّةً)): أي: تتردَّد وتذهب، والعائرة هي المتردِّدةُ الحائرةُ لا تَدْري لأيِّهما تَتَّبع. والرواية الأخرى (تَكِرُّ) بمعنى تعير أيضًا؛ يُقال: كرَّ على الشيء وإليه: عطَف عليه، وكرَّ عنه: ذهب. يُنظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (8/313- 314)، ((شرح النووي على مسلم)) (17/128). ))، وفي روايةٍ: ((تكِرُّ في هذه مرَّةً، وفي هذه مرَّةً )) رواه مسلم (2784). .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
أي: ومَن يَخذُلْه اللهُ تعالى عن طريقِ الهُدَى والحقِّ فلا يُوفِّقه له، فلن تجِدَ له- يا محمَّدُ- طريقًا لهدايتِه، ولا وسيلةً لتركِ غَوايتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/617)، ((تفسير ابن كثير)) (2/440-441)، ((تفسير السعدي)) (ص: 211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/368-369). .

الفوائد التربوية:

1- أنَّ مَن ابْتغَى العِزَّةَ مِن دونِ الله فهو ذليلٌ؛ لقوله: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/347). .
2- في قولِه سبحانه وتعالى: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أنَّه يَنبغي للإنسان أنْ يَقطَعَ العلائقَ عن الخلائق، وأنْ يُعلِّقَ قلبَه بالله عزَّ وجلَّ، يبتغي منه العِزَّة، والنَّصر، ودَفْعَ البلاء، ويبتغي منه تيسيرَ الأمور ... وهكذا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/347). .
3- قوله تعالى: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فيه وجوبُ مغادرةِ المكان الَّذي يُكفَرُ فيه بآياتِ الله ويُستهزَأُ بها، ولا يجوزُ للإنسانِ أن يبقى ويقولَ: أنا مُنكِرٌ بقلبي يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/352). .
4- قوله: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أنَّ جَليسَ الصَّالحين الَّذين يَعمَلون الصَّالحات مِثلُهم ومنهم، بقياس العكسِ؛ لأنَّه إذا وُزِرَ بالجلوسِ مع العصاةِ؛ أُجِرَ بالجلوس مع الطَّائعين يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/353). .
5- يُفيدُنا قولُه تعالى: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الحذرَ مِن جُلَساءِ السُّوء، والتَّرغيبَ في جُلَساءِ الصَّلاح يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/354). .
6- قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا لَمَّا اتَّخَذوهم في الدُّنيا أولياءَ، جمَع بينهم في الآخرة في النَّارِ، والمرءُ مع مَن أحَبَّ، وهذا توعُّدٌ منه تعالى تأكَّدَ به التَّحذيرُ من مجالَستِهم ومخالَطتِهم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/104). .
7- قوله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يَنبغي للمؤمنِ أنْ يَتحرَّزَ مِن هذه الخَصْلةِ الَّتي ذُمَّ بها المنافِقون، وأنْ يُقبِلَ إلى صلاتِه بنشاطٍ وفراغِ قلبٍ وتمهُّلٍ في فِعلها، ولا يتقاعَسَ عنها فِعلَ المنافقِ الَّذي يُصلِّي على كُرْهٍ لا عن طِيبِ نفسٍ ورغبةٍ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/108). .
8- قوله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، الكسَلُ في الصَّلاة مُؤذِنٌ بقلَّةِ اكتراثِ المُصلِّي بها، وزُهدِه في فِعلِها؛ فلذلك كان مِن شِيَمِ المنافِقين، ومِن أجلِ ذلك حذَّرتِ الشَّريعةُ مِن تجاوزِ حدِّ النَّشاط في العبادةِ خشيةَ السَّآمةِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/239). .
9- يُستفادُ مِن وصْفِ اللهِ تعالى للمُنافقين بقولِه: يُرَاؤُونَ النَّاسَ أنَّ مَن راءَى النَّاسَ بعمله الصَّالحِ ففيه شَبَهٌ بالمنافقين، والرِّياءُ بابه واسعٌ، ليس في الصَّلواتِ أو النَّفَقة أو الصَّوم أو الحجِّ فقط، بل هو أوسعُ مِن هذا، حتَّى الإنسان لو أنَّه لبِس ثيابًا رثَّةً ليَظهَرَ للنَّاسِ بمظهَرِ الزَّاهد فهو مُرَاءٍ، فكلُّ شيءٍ تُظهِرُ فيه للنَّاسِ أنَّك تتقرَّبُ به إلى اللهِ ليراكَ النَّاسُ، فإنَّه رياءٌ- والعياذ بالله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/363). .
10- مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ أنَّ الطُّمأنينةَ والاستقرار أمرٌ مطلوب؛ ولهذا نجدُ أشدَّ النَّاسِ استقرارًا وطُمأنينةً هم المؤمنون: قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/369). .
11- الإشارةُ إلى اللُّجوء إلى الله عزَّ وجلَّ في طَلَب الهداية؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/370). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:

1- البِشارة تُستعمَلُ في الخير، وتستعمَلُ في الشَّرِّ بقَيْدٍ، كما في هذه الآيةِ؛ يقول تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
2- لَمَّا كان التَّظاهرُ بالإيمان ثمَّ تعقيبُه بالكفر ضربًا من التَّهكُّمِ بالإسلام وأهلِه، جِيءَ في جزاء عملِهم بوعيدٍ مناسبٍ لتهكُّمِهم بالمسلمين، فجاء به على طريقةِ التَّهكُّمِ؛ إذ قال: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ؛ فإنَّ البِشارةَ هي الخبَرُ بما يُفرِحُ المُخبَرُ به، وليس العذابُ كذلك يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/233). .
3- أنَّه يَنبغي لنا أنْ نصارِحَ المنافقين بأنْ نبشِّرَهم- سواءٌ بلفظ: (أبشِروا)، أو بلفظ: (اعلَموا)- بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا؛ حتَّى يَرتدِعوا عن نِفاقِهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/344).
4- أنَّ المنافقين مُستحقُّون للعذابِ الأليم؛ لقوله: بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، واللَّام هنا للاستحقاقِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/345). .
5- في قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ: نَصَّ مِن صفاتِ المنافقين على أشدِّها ضررًا على المؤمنين، وهي: موالاتُهم الكفَّارَ، واطِّراحُهم المؤمنين، ونبَّهَ على فَسادِ ذلك؛ ليدَعَه مَن عسى أنْ يقَعَ في نوعٍ منه من المؤمنين غفلةً أو جَهالةً أو مُسامَحةً يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/101). .
6- في قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا التَّرهيبُ العظيمُ من موالاةِ الكافرين، وتَركِ موالاةِ المؤمنين، وأنَّ ذلك مِن صفاتِ المُنافقين، وأنَّ الإيمانَ يقتضي محبَّةَ المؤمنين وموالاتَهم، وبُغْضَ الكافرين وعداوتَهم يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 210). .
7- لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وقوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]؛ لأنَّ القدرةَ الكاملةَ لله، وكلُّ مَن سواه فبإقدارِه صار قادرًا، وبإعزازِه صار عزيزًا؛ فالعِزَّةُ الحاصلة للرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام وللمؤمنين لم تحصُلْ إلَّا من اللهِ تعالى، فكان الأمرُ عند التَّحقيق أنَّ العِزَّةَ جميعًا للهِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/246). .
8- ظاهرُ الآية فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ- بقَطْعِ النَّظرِ عن آياتٍ أخرى-: أنَّه لا يجبُ الإنكارُ على الكافرِ بآياتِ الله المُستهزِئ بها؛ لأنَّه إنَّما نهى عن القعودِ معهم ولم يأمُرْ بالإنكارِ عليهم، ولكن يُقال: الجوابُ عن هذا: أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أراد أن يُبيِّنَ حُكمَ المشارِكين، ونهيَهم عن ذلك، أي: إنَّ هذا المُنكَرَ يُفهَمُ مِن نهيِنا عن الجلوسِ معهم ألَّا نُقِرَّ المنكَرَ، فالصَّواب: أنَّ هذه الآيةَ لا تدلُّ على ارتفاع النَّهيِ عن هذا المنكَر، سواءٌ دلَّتْ عليه أو سكتت عنه، فلدينا نصوص أخرى تدلُّ على وجوب إنكار المنكَرِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/352). .
9- أنَّ الأحكامَ تدورُ مع عِلَلِها؛ لقوله: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، فلمَّا كانوا يكفُرون بآياتِ الله ويستهزئون بها نُهِي عن القعودِ معهم، ثمَّ أذِن لنا بالقعودِ معهم إذا خاضُوا في حديثٍ غيرِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/352). .
10- أنَّ المشارِكَ لفاعل المنكَرِ كفاعل المنكَرِ؛ لقوله: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، والآيةُ وإن كانت لا تدلُّ على المشارِك صراحة، وإنَّما تدلُّ على أنَّ الجالسَ معهم له حُكمُ الفاعل، لكن إذا كان الجالسُ- يعني: القاعد- معهم له حُكمُ الفاعل، فالمشارِكُ مِن باب أَولى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/352). .
11- قال تعالى: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، فقوله: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، هذا تعليلٌ للنَّهي، أي: إنَّكم إن قعَدْتم معهم تكونوا مِثلَهم وشرُكاءَ لهم في كفرهم؛ لأنَّكم أقررتموهم عليه، ورضِيتموه لهم، ولا يجتمعُ الإيمانُ بالشَّيء وإقرارُ الكفرِ والاستهزاءِ به، ويؤخذ من الآيةِ أنَّ إقرارَ الكُفر بالاختيار كفرٌ، وأنَّ مَن رضِي بالكفر فهو كافرٌ، ويؤخذُ منه أنَّ إقرارَ المنكَرِ والسُّكوتَ عليه منكَرٌ، وأنَّ مَن رضِيَ بمُنكَرٍ يراه وخالَط أهلَه وإن لم يُباشِرْ، كان في الإثمِ بمنزلة المباشِرِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/247). ((تفسير المنار)) (5/377). .
12- قال سبحانه: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، في هذه الآيةِ: الدَّلالةُ الواضحةُ على النَّهيِ عن مجالَسةِ أهلِ الباطل من كلِّ نوعٍ من المبتدِعة والفَسَقةِ عند خوضِهم في باطلِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/603). .
13- في قوله تعالى: جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ، أنَّ النَّارِ لصِنفَيْنِ من العالَم، المنافقين والكافرين، أمَّا الصِّنفُ الثَّالث وهم المؤمنون فلهم الجنَّةُ، وهؤلاء الأصنافُ الثَّلاثةُ هم المذكورون في أوَّلِ سورةِ البقرة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/355). .
14- بيانُ شدَّةِ عداوةِ المنافقين للمُؤمنين؛ لقوله: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ، أي: يَنتظرون السَّاعةَ الَّتي يكونُ فيها الضَّررُ على المؤمنين، لكن قال تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: 6] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/357). .
15- أنَّ المنافقين لهم حظٌّ من الفَيْءِ، ويُؤخذُ مِن قوله: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؛ فدلَّ هذا على أنَّ المنافِقَ يُعامَلُ بالظَّاهرِ، فيُعطَى ما يُعطاه المسلِمُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/358). .
16- أنَّ المنافقين عندهم منَّةٌ، وفي أنوفهم أَنَفَةٌ، إنْ كان الفتحُ للمسلمين طالَبوا بالغنيمةِ، وإنْ كانت الغلبةُ للكفَّار مَنُّوا عليهم: وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: فأعطُونا من النَّصيبِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/358). .
17- أنَّ المنافقين أشدُّ مِن الكفَّار؛ لأنَّ اللهَ بدأ بهم: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، وجميعُ الآيات الَّتي فيها الجمعُ بين المنافقين والكفَّار يُقدِّمُ اللهُ فيها المنافقين؛ كقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب: 73]، إلَّا في آيةٍ واحدة، بسببٍ، وهي قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التحريم: 9]؛ وذلك لأنَّ جهادَ الكفَّار يكون بالسِّلاحِ عَلَنًا، وجهادَ المنافقين يكونُ بالعِلمِ والبيانِ وليس بالقتال يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/359). .
18- إثباتُ الخِداعِ لله عزَّ وجلَّ، أي: إنَّه جلَّ وعلا يَخدَعُ مَن يُخادِعُه؛ لقوله تعالى: وَهُوَ خَادِعُهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/361). .
19- في قوله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى أنَّ المنافقين يُصلُّون، لكن لا تُقبَلُ منهم صلاتُهم؛ لأنَّ الله تعالى قال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأتُونَ الصَّلَاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى [التَّوبة: 54] مع أنَّ النَّفقةَ نفعُها مُتعَدٍّ، ومع ذلك لا تُقبَل، فكيف بالعبادة الَّتي نفعُها غيرُ مُتعدٍّ؟ فإنَّها من بابِ أَوْلى لا تُقبَلُ؛ فصلاتُهم لا تُقبَل، لكن هم يصلُّون مُراءاةً للنَّاس يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/362). .
20- مِن صِفاتِ المنافقين أنَّهم إذا أدَّوُا الصَّلاة مراءاةً يؤدُّونها بكسلٍ وبُرودٍ، وعدمِ نشاط؛ قال تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/363). .
21- أنَّ حالَ المنافقين التَّردُّدُ بين الكُفرِ والإيمان، لكن الحُكم عليهم في الآخرة أنَّهم كفَّارٌ، أمَّا في الدُّنيا فيُعامَلون على ظَواهرِهم؛ لأنَّ الأحكامَ في الدُّنيا على الظَّواهرِ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/369). .
22- السَّببُ في تذبذبِ المنافقين كما في قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ أنَّ الفعلَ يتوقَّفُ على الدَّاعي، فإذا كان الدَّاعي إلى الفعلِ هو الأغراضَ المُتعلِّقة بأحوالِ هذا العالَم كثُرَ التَّذبذُبِ والاضطرابُ؛ لأنَّ منافعَ هذا العالَمِ وأسبابَه متغيِّرةٌ سريعةُ التَّبدُّلِ، وإذا كان الفعلُ تبعًا للدَّاعي، والدَّاعي تبعًا للمقصود، ثمَّ إنَّ المقصودَ سريعُ التَّبدُّل والتَّغيُّر- لزِم وقوعُ التَّغيُّر في الميل والرَّغبة، وربَّما تعارَضت الدَّواعي والصَّوارفُ، فيبقى الإنسانُ في الحيرة والتَّردُّد، أمَّا مَن كانَ مَطلوبُه في فِعلِه إنشاءَ الخيرات الباقية، واكتسابَ السَّعاداتِ الرُّوحانيَّة، وعلِم أنَّ تلك المطالبَ أمورٌ باقيةٌ بريئة عن التَّغيُّرِ والتَّبدُّلِ لا جرَمَ كان هذا الإنسان ثابتًا راسخًا؛ فلهذا المعنى وصَف اللهُ تعالى أهل الإيمانِ بالثَّباتِ فقال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: 27]، وقال: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، وقال: يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: 27] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/249). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: الجملة استئناف ابتدائيٌّ، مَسُوقٌ للتَّنديدِ بالمنافقين يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/233)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/352). .
- وقوله: بَشِّر بمعنى أخبِرْ، أو أنذِرْ، ووُضِع بَشِّر مكانَ (أخبِرْ) أو (أنذِرْ)؛ للتهكُّم بهم؛ فإنَّ البِشارةَ هي الخبرُ بما يَفْرَحُ المُخبَرُ به، وليس العذابُ كذلِك يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/577)، ((تفسير البيضاوي)) (2/103)، ((تفسير أبي السعود)) (2/243- 244)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/233). .
- وقوله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ فيه إظهارٌ في موضِعِ الإضمارِ-حيث لم يقل: (بَشِّرْهم)-؛ تَعميمًا، وتَعليقًا للحُكمِ بالوصفِ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/437). .
2- قوله: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فيه مجيءُ صِفتِهم بطريقةِ الموصولِ الَّذِينَ؛ لإفادةِ تَعليلِ استحقاقِهم العذابَ الأليمَ، أي: لأنَّهم اتَّخذوا الكافرينَ أولياءَ مِن دون المؤمنينَ، أي: اتَّخذوهم أولياءَ لأجْلِ مُضادَّةِ المؤمنينَ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/234). .
- وأتت مِنْ الدَّالَّة على بُعدِ الصِّلةِ بينهم وبين المؤمنينَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/346). .
3- قوله: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا: الاستفهامُ غرَضُه إنكارُ رأيِهم وإبطالُه، وبيانٌ لخيبةِ رجائِهم، وقطعٌ لأطماعِهم الفارغةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/244). .
- والجملةُ معترضةٌ مقرِّرةٌ لِمَا قبلها يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/244). .
4- قوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ: فيه التفاتٌ؛ حيث خَاطَب المنافقين قبلُ بخِطابِ الغَيبةِ في قوله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ... و: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ... وأَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ؛ لإفادةِ تشديدِ التَّوبيخِ الَّذي يَستدعيه تَعْدَادُ جناياتهم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/106)، ((تفسير أبي السعود)) (2/244). ، ثمَّ خاطَب المؤمنين بضميرِ الخِطاب: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ؛ لإفادةِ القُربِ، وليكونَ أسرعَ للقَبولِ.
5- قوله: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ: فيه تقديمُ المنافِقين على الكافرين؛ لتشديد الوعيدِ على المنافقين يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/245). ، مع تأكيد الخبرِ بـ: (إنَّ) واسميَّة الجملة.
- وعبَّر في قولِه: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ بالضَّميرِ في مَعَهُمْ، ثمَّ تلاه قولُه: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ، وهو التفاتٌ، فعبَّر بالاسمِ الظَّاهر، والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ له فوائدُ، منها: إرادةُ العمومِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/355). .
6- قوله: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: تَضمَّنَتْ هذه الآيةُ بلاغةً في اختيار الألفاظِ؛ إذ سُمِّي ظَفَرُ المسلمين (فتحًا)، وظَفَرُ الكافرين (نصيبًا)؛ لتعظيمِ شأنِ المسلِمين، وتَخسيسِ حظِّ الكافرين لخسَّةِ حظِّهم؛ لأنَّ ظَفَرَ المسلمين أمرٌ عَظيمٌ، تبتهجُ له النُّفوسُ، وتَطمئنُّ إليه القلوبُ، وتُفتَحُ لهم أبوابُ السَّماءِ حتَّى ينزِلَ على أوليائِه، وأمَّا ظَفَرُ الكافرين، فما هو إلَّا حظٌّ دَنيٌّ، ولَمْظَةٌ مِن الدُّنيا يُصيبونها يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/578)، ((تفسير الرازي)) (11/248)، ((تفسير البيضاوي)) (2/104)، ((تفسير أبي السعود)) (2/245)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/357). ، وكذلك لأنَّه لا يَحصُلُ لهم فَتْحٌ يكونُ مَبدأً لنُصرتهم المستمرَّةِ، بل غايةُ ما يكونُ أن يكونَ لهم نصيبٌ غيرُ مستقرٍّ، حِكمةً مِن الله يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 210). .
- والاستفهامُ في قوله: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ تَقريريٌّ، أي: إنَّا قدِ استحوذْنا؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دخَل على نفيٍ قَرَّره يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/124)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/237). .
7- قوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ: استئنافٌ ابتدائيٌّ، فيه: زيادةُ بيانٍ لمساويهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/239)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/361). .