موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (24-27)

ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ

غريب الكلمات:


اجْتُثَّتْ: أي: استُؤصِلَت وقُطِعَت، وأصلُ (جثث): يدلُّ على تجَمُّعِ الشَّيءِ؛ لأنَّه لا يكونُ الشيءُ مجثوثًا إلَّا وقد قُلِعَ بجَميعِ أصولِه وعُروقِه حتى لا يُترَكَ منه شيءٌ [311] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 232)، ((تفسير ابن جرير)) (13/654)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 93)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/425)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 52). .
قَرَارٍ: أي: أصلٍ وثَباتٍ، وأصلُ (قرر): يدلُّ على تمَكُّنٍ [312] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 232)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/7)، ((المفردات)) للراغب (ص: 662)، ((تفسير القرطبي)) (9/362)، ((تفسير ابن كثير)) (4/494). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: ألم تعلَمْ- يا محمَّدُ- كيف ضرَبَ اللهُ مَثلًا، وشبَّه شَبَهًا كلمةً طَيِّبةً، وهي كَلِمةُ التَّوحيدِ- لا إلهَ إلَّا اللهُ- بشَجرةٍ طيبةِ الثمرةِ، جذورُها ثابِتةٌ في الأرضِ، وأغصانُها مرتفِعةٌ نحوَ السَّماءِ؟ تُعطي ثمرَها كامِلًا كثيرًا طَيِّبًا كُلَّ وقتٍ بمَشيئةِ رَبِّها وأمْرِه، وكذلك كلمةُ التَّوحيدِ؛ لا تزالُ تُثمِرُ الأعمالَ الصَّالحةَ للمُؤمِنِ في كُلِّ وَقتٍ، ولا يزالُ يُرفَعُ له عمَلٌ صالِحٌ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ، في كلِّ حينٍ، ويضرِبُ اللهُ الأمثالَ للنَّاس؛ ليتذَكَّروا حُجَّةَ الله عليهم، ويتَّعِظوا، ويفعَلوا ما أمَرَهم به، ويجتَنِبوا ما نهاهم عنه.
ومثَلُ كَلِمةٍ خَبيثةٍ- وهي كَلِمةُ الكُفرِ- كشَجرةٍ كريهةِ الطَّعمِ، لا أصلَ لها ثابِتٌ في الأرضِ، ولا ارتفاعَ لفُروعِها في السَّماءِ، وليس لها ثمرةٌ ولا مَنفعةٌ، وكذلك كُفرُ الكافِرِ؛ لا ثباتَ له ولا خيرَ فيه، ولا يصعدُ له عمَلٌ صالِحٌ إلى اللهِ، ولا يُتقبَّلُ منه. يثبِّتُ اللهُ المؤمنينَ بالقَولِ الصَّادقِ الحَقِّ الثابتِ في قُلوبِهم، وهو شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، يُثَبِّتُهم اللهُ به في الحياةِ الدُّنيا على إيمانِهم، وعند مَماتِهم بالخاتمةِ الحسَنةِ، وفي القبرِ عندَ سُؤالِ المَلَكينِ، ويَخذُلُ اللهُ الكافرينَ والمُنافِقينَ- بسبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم، ويفعَلُ اللهُ ما يشاءُ مِن هدايةِ المؤمنينَ وتَثبيتِهم، وإضلالِ الظَّالمينَ وخِذلانِهم.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا شرَحَ اللهُ تعالى أحوالَ الأشقياءِ وأحوالَ السُّعداءِ، ذكر مثالًا يبيِّنُ الحالَ في حُكمِ هذين القِسمَينِ، وهو هذا المَثَلُ [313] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/89). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى مثَلَ أعمالِ الكُفَّارِ، وأنَّها كرَمادٍ اشتَدَّت به الرِّيحُ في يومٍ عاصفٍ؛ ذكَرَ مَثَلَ أقوالِ المؤمنينَ وغَيرها [314] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/359). ، فقال:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ.
أي: ألم تعلَمْ- يا محمَّدُ [315] وقيل: الخطابُ لكلِّ مَن يصلحُ للخطابِ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/127)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/223). - كيف مثَّلَ اللهُ مَثَلًا، وشبَّه شَبَهًا كلمةً طَيِّبةً- وهي كلمةُ التَّوحيدِ، وشهادة أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ- كشَجَرةٍ طَيِّبةِ الثَّمرةِ، كالنَّخلةِ [316] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/634)، ((تفسير القرطبي)) (9/359)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/74)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (3/77)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/132، 133)، ((تفسير ابن كثير)) (4/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/224). والقولُ بأنَّ المُرادَ بالشَّجرةِ الطَّيِّبةِ النَّخلةُ، هو قَولُ أكثرِ أهْلِ التَّأويلِ، يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/463). قال ابنُ القيِّمِ: (ومِنَ السَّلفِ مَن قال: إنَّ الشَّجرةَ الطَّيِّبةَ هي النَّخلةُ، ويدُلُّ عليه حديثُ ابنِ عمَرَ الصَّحيحُ، ومنهم مَن قال: هي المُؤمِنُ نفْسُه... ولا اختلافَ بيْن القولينِ؛ والمقصودُ بالمَثَلِ المُؤمِنُ، والنَّخلةُ مُشبَّهةٌ به، وهو مُشبَّهٌ بها، وإذا كانتِ النَّخلةُ شَجرةً طَيِّبةً، فالمُؤمِنُ المُشبَّهُ بها أَولى أنْ يكونَ كذلك، ومَن قال مِنَ السَّلفِ: إنَّها شَجرةٌ في الجنَّةِ، فالنَّخلةُ مِن أشرَفِ أشجارِ الجنَّةِ). ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) (1/133). ؟
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ .
أي: جُذورُ هذه الشَّجرةِ الطَّيِّبةِ ثابِتةٌ في الأرضِ، وأغصانُها مرتفعةٌ نحوَ السَّماءِ، فكذلك كلمةُ التَّوحيدِ؛ أصلُها ثابِتٌ وراسِخٌ في قلبِ المؤمِنِ، وفرُوعُها مِن الأعمالِ الصَّالحةِ صاعِدةٌ إلى السَّماءِ، مَرفوعةٌ إلى الرَّبِّ سُبحانَه [317] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/635)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/158، 159)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/151)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/224). .
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25).
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .
أي: تُخرِجُ هذه الشَّجرةُ الطَّيِّبةُ ثَمَرَها كامِلًا كثيرًا طَيِّبًا في كلِّ وقتٍ وساعةٍ مِن ليلٍ ونهارٍ، وصيفٍ وشِتاءٍ، بمَشيئةِ خالِقِها وأمْرِه وتيسيرِه، وكذلك كَلِمةُ التَّوحيدِ؛ لا تزالُ تُثمِرُ الأعمالَ الصَّالحةَ للمُؤمِنِ في كُلِّ وَقتٍ، ولا يزالُ يُرفَعُ له عمَلٌ صالِحٌ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ، في كلِّ حينٍ [318] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/404)، ((تفسير ابن جرير)) (13/635، 650)، ((تفسير السمرقندي)) (2/241، 242)، ((تفسير الزمخشري)) (2/553)، ((تفسير ابن كثير)) (4/493)، ((تفسير الشوكاني)) (3/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). قال ابنُ كثير: (قال الضحَّاكُ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وعكرمةُ، وقتادةُ، وغيرُ واحدٍ: إنَّ ذلك عبارةٌ عن المؤمنِ، وقَولِه الطيِّبِ، وعمَلِه الصالحِ، وإنَّ المؤمِنَ كالشَّجرةِ من النَّخلِ؛ لا يزال يُرفَعُ له عمَلٌ صالحٌ في كلِّ حينٍ ووَقتٍ، وصباحٍ ومَساءٍ). ((تفسير ابن كثير)) (4/491). وقال ابنُ القيِّمِ: (شَبَّه شجرةَ التوحيدِ في القلبِ بالشجرةِ الطيِّبةِ الثابتةِ الأصلِ، الباسقةِ الفَرعِ في السماء عُلُوًّا، التي لا تزالُ تؤتي ثمَرتَها كلَّ حينٍ، وإذا تأمَّلتَ هذا التشبيهَ رأيتَه مُطابِقًا لشجرةِ التوحيدِ الثابتةِ الرَّاسخةِ في القلبِ، التي فروعُها مِن الأعمالِ الصالحةِ صاعدةٌ إلى السماءِ، ولا تزالُ هذه الشَّجرةُ تُثمِرُ الأعمالَ الصالحةَ كلَّ وقتٍ؛ بحسَبِ ثباتِها في القلبِ، ومحبَّةِ القلبِ لها، وإخلاصِه فيها، ومعرفتِه بحقيقتِها، وقيامِه بحقوقِها، ومراعاتِها حَقَّ رعايتِها). ((إعلام الموقعين)) (1/132). .
عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((كنَّا عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أخبِروني بشَجَرةٍ تُشبِهُ أو كالرجُلِ المُسلِمِ لا يتحاتُّ [319] لا يتحاتُّ: أي: لا يتناثَرُ ويتساقَطُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/155). وَرَقُها، ولا ولا ولا. تُؤتي أُكُلَها كُلَّ حينٍ؟ قال ابنُ عُمَرَ: فوقعَ في نفسي أنَّها النَّخلةُ، ورأيتُ أبا بكرٍ وعُمَرَ لا يتكَلَّمانِ، فكَرِهتُ أن أتكَلَّمَ، فلمَّا لم يقولوا شيئًا، قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هي النَّخلةُ. فلمَّا قُمْنا قلتُ لِعُمَرَ: يا أبَتاه، واللهِ لقد كان وقَعَ في نفسي أنَّها النَّخلةُ، فقال: ما منَعَك أن تكَلَّمَ؟ قال: لم أرَكم تَكَلَّمونَ، فكَرِهتُ أن أتكَلَّمَ أو أقولَ شَيئًا، قال عمَرُ: لَأنْ تكونَ قُلتَها أحَبُّ إليَّ مِن كذا وكذ ا)) [320] رواه البخاري (4698) واللفظ له، ومسلم (64). .
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
أي: ويمثِّلُ اللهُ الأمثالَ [321] قال ابنُ القيِّمِ: (الأمثالُ:... تَشبيهُ شَيءٍ بشَيءٍ في حُكْمِه، وتَقريبُ المعقولِ مِنَ المحسوسِ، أو أحدِ المَحسوسينِ مِنَ الآخَرِ، واعتبارُ أحدِها بالآخرِ). ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) (1/116). للنَّاسِ، ويُشبِّهُ لهم الأشْباهَ، ويُبيِّنُها لهم؛ ليتذَكَّروا حُجَّةَ الله عليهم، ويَفهَموا ما أراد اللهُ منهم، فيتَّعِظوا، ويفعَلوا ما أمَرَهم به، ويجتَنِبوا ما نهاهم عنه [322] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/635)، ((تفسير السمرقندي)) (2/242)، ((البسيط)) للواحدي (12/468)، ((تفسير الزمخشري)) (2/553)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر: 27].
وقال سُبحانه: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26).
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ.
أي: ومَثَلُ كَلِمةٍ خَبيثةٍ- وهي كَلِمةُ الكُفرِ واعتقادُ الشِّركِ- كشَجَرةٍ كريهةِ الطَّعمِ، مِثْل الحَنظلِ، فلا أصلَ لها ثابِتٌ في الأرضِ، ولا ارتفاعَ لفُروعِها في السَّماءِ، وليس لها ثمرةٌ ولا مَنفعةٌ، وكذلك كُفرُ الكافِرِ؛ فلا يعمَلُ مع كُفْرِه خيرًا ولا يَقولُه، ولا يجعَلُ اللهُ فيه بركةً ولا مَنفعةً، ولا يصعَدُ عَمَلُه ولا قَولُه إلى السَّماءِ [323] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/652، 654)، ((تفسير القرطبي)) (9/361)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (3/77)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/135)، ((تفسير ابن كثير)) (4/493)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). قال ابنُ جريرٍ: (اختلَفَ أهْلُ التَّأويلِ فيها: أيُّ شَجرةٍ هي؟ فقال أكثَرُهم: هي الحَنْظَلُ). ((تفسير ابن جرير)) (13/652). وقال ابنُ عطيَّةَ: (والشَّجرةُ الخَبيثةُ، قال أكثَرُ المُفسِّرينَ: هي شَجرةُ الحَنْظلِ. قالَهُ أنسُ بنُ مالكٍ، ورواهُ عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، وهذا عِندي على جِهَةِ المِثالِ... والظَّاهرُ عِندي: أنَّ التَّشبيهَ وقَعَ بشَجرةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ إذا وُجِدَت فيها هذه الأوصافُ). ((تفسير ابن عطية)) (3/336). .
اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.
أي: استُؤصِلَت هذه الشَّجرةُ الخبيثةُ، واقتُلِعَت مِن أصلِها؛ فليس لها عُروقٌ وجُذورٌ ثابِتةٌ في الأرضِ تُمسِكُها، وكذلك الكُفرُ؛ لا أصلَ له ولا فَرعَ، ولا يَثبُتُ ثُبوتًا نافِعًا في قَلبِ صاحِبِه، ولا يصعَدُ للكافِرِ عمَلٌ، ولا يُتقبَّلُ منه شَيءٌ [324] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/654)، ((تفسير القرطبي)) (9/362)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/135)، ((تفسير ابن كثير)) (4/494)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/225). .
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لمَّا كان المثلُ مضروبًا للحقِّ والباطلِ في الثباتِ وعدمِه، والقصدُ أهلُهما؛ صرَّح بهما، فقال [325]  يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/314). :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ.
أي: يثبِّتُ اللهُ المُؤمِنينَ بالقَولِ الصَّادقِ الحَقِّ، الذي ثبَتَ في قُلوبِهم، وتمكَّنَ فيها، واطمأنَّتْ إليه نفوسُهم- وهو شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ- فيُثَبِّتُهم اللهُ في حياتِهم الدُّنيا على إيمانِهم باللهِ تعالى وبرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُسلِّمُهم من الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ويُثَبِّتُهم أيضًا في قُبورِهم [326] قال الواحدي: (ومعنى وَفِي الْآخِرَةِ: قال ابنُ عبَّاسٍ: يريدُ في القبرِ. وهذا قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ؛ قالوا: إنَّ هذه الآيةَ وردَتْ في فتنةِ القبرِ، وسُؤالِ المَلَكين، وتلقينِ اللهِ المؤمِنَ كَلِمةَ الحَقِّ في القبرِ عندَ السؤالِ، وتثبيتِه إيَّاه بها على الحَقِّ). ((البسيط)) (12/472). عندَ سؤالِ الملكينِ [327] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/657، 667)، ((تفسير الماوردي)) (3/135)، ((البسيط)) للواحدي (12/472، 473)، ((تفسير ابن جزي)) (1/411)، ((تفسير أبي حيان)) (6/433، 434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/225). وقولُه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... وإنْ كان وَرَدَ أنَّه في عذابِ القَبرِ، فلا يَبعُدُ أن يَتناولَ يومَ الموقِفِ أيضًا. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (13/428). .
عن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المُسلِمُ إذا سُئِلَ في القبرِ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. فذلك قولُه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) [328] رواه البخاري (4699) واللفظ له، ومسلم (2871). .
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((شَهِدتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِنازةً، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قُبورِها، فإذا الإنسانُ دُفِنَ فتفَرَّقَ عنه أصحابُه، جاءه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ فأقعَدَه، قال: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فإن كان مؤمِنًا قال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، فيقولُ: صَدَقتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، فيقولُ: هذا كان مَنزِلَك لو كفَرْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ آمنتَ فهذا مَنزِلُك، فيُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ، فيريدُ أن ينهَضَ إليه، فيقولُ له: اسكُنْ، ويُفسَحُ له في قَبرِه. وإن كان كافِرًا أو مُنافِقًا يقولُ له: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: لا أدري، سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا! فيقولُ: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ [329]  تَلَيتَ:  أصلُه: تَلَوتَ؛ من تلا يَتلو: إذا قرأ، فقُلِبَت الواوُ ياءً إتباعًا لـ (دريت)؛ يعني: لا تقدِرُ أن تقرأَ وتقولَ ما هو الحَقُّ والصوابُ في القبرِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (1/221)، ((تاج العروس)) للزبيدي (37/91). ، ولا اهتَدَيتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ فيقولُ: هذا مَنزِلُك لو آمنْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ كفَرْتَ به فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أبدَلَك به هذا، ويُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، ثمَّ يَقمَعُه قَمعةً بالمِطراقِ يَسمَعُها خَلقُ اللهِ كُلُّهم غيرَ الثَّقَلينِ. فقال بعضُ القَومِ: يا رسولَ اللهِ، ما أحدٌ يقومُ عليه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ إلَّا هِيلَ [330]  هِيلَ: أي: فَزِعَ وَخافَ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (31/166). عند ذلك! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)) [331] أخرجه أحمد (11000)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (865)، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (3/50). صحَّحه ابنُ القيِّم في ((إعلام الموقعين)) (1/164)، وقال ابنُ كثيرٍ في ((تفسير القرآن)) (4/417): إسنادُه لا بأسَ به، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (3/50): رجالُه رجالُ الصحيحِ، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3394). .
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ.
أي: ويَخذُلُ اللهُ الكافرينَ والمُنافِقينَ- بسبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم- فيَجعَلُهم في حَيرةٍ وعَمايةٍ، فلا يُوَفِّقُهم إلى الحَقِّ في الحياةِ الدُّنيا، ولا يوَفِّقُهم في قُبورِهم إلى القَولِ الصَّائِبِ حين يُسألُونَ عن الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ وبرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [332] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/667)، ((تفسير القرطبي)) (9/363، 364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/226). .
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لمَّا ذكَر تعالى ما فعَل بكلِّ واحدٍ مِن القسمينِ؛ ذكَر أنَّه لا يمكِنُ اعتراضٌ فيما خصَّ به كلَّ واحدٍ منهما؛ إذ ذاك راجعٌ إلى مشيئتِه تعالى، إنَّ الله يفعلُ ما يشاءُ، لا يُسئلُ عما يفعلُ [333]  يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/434). .
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
أي: ويفعَلُ اللهُ ما يشاءُ مِن هدايةِ المؤمنينَ وتَثبيتِهم، وإضلالِ الظَّالمينَ وخِذلانِهم [334] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/668)، ((البسيط)) للواحدي (12/474)، ((تفسير القرطبي)) (9/364). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وكذلك شَجرةُ الإيمانِ؛ أصلُها ثابِتٌ في قَلبِ المُؤمِنِ؛ عِلمًا واعتقادًا، وفَرعُها- مِن الكَلِمِ الطَّيِّبِ، والعمَلِ الصَّالحِ، والأخلاقِ المَرضِيَّةِ، والآدابِ الحَسَنةِ- في السَّماءِ، دائِمًا يصعَدُ إلى الله منه مِن الأعمالِ والأقوالِ التي تُخرِجُها شَجَرةُ الإيمانِ ما ينتَفِعُ به المؤمِنُ، ويَنفَعُ غَيرَه [335] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:425). .
2- في قَولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً إلى قَولِه سُبحانَه: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ دليلٌ على أنَّ كَلِمةَ الإخلاصِ جامِعةٌ للخيرِ، نامِيَةٌ للحَسَناتِ، جالِبةٌ على قائلِها- كُلَّمَا لفَظَ بها- ثوابًا مُجَرَّدًا، مُثمِرةٌ له كلَّ ما يُقِرُّ اللهُ به عينَه في مَعَادِه إذا وَردَ عليه؛ وأنَّ كَلِمةَ الكفرِ غَيرُ مُثمِرةٍ لقائِلِها خَيرًا، بل حَاطَّةٌ عنه خَيرًا- إنْ كان له- تاركةٌ قائلَها مُفلِسًا، لا تَنْمي له شَيئًا يُقِرُّ اللهُ به عينَه إذا وَرَدَ عليه [336] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/27). .
3- قال الله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ كذلك كَلِمةُ الكُفرِ والمعاصي؛ ليس لها ثُبوتٌ نافِعٌ في القَلبِ، ولا تُثمِرُ إلَّا كُلَّ قَولٍ خَبيثٍ، وعَمَلٍ خَبيثٍ يَستضِرُّ به صاحِبُه، ولا ينتفِعُ، فلا يصعَدُ إلى اللهِ منه عمَلٌ صالِحٌ، ولا ينفَعُ نفسَه، ولا ينتَفِعُ به غيرُه [337] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:425). .
4- قَولُ الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فيه إرشادٌ إلى الإقبالِ عليه تعالى، وإلقاءِ أزِمَّةِ الافتقارِ إليه [338] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/415). .
5- تحتَ قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ كَنزٌ عَظيمٌ مَن وُفِّقَ لِمَظِنَّتِه، وأحسَنَ استخراجَه واقتناءَه، وأنفَقَ منه؛ فقد غَنِمَ، ومَن حُرِمَه فقد حُرِم؛ وذلك أنَّ العبدَ لا يستغني عن تثبيتِ اللهِ له طَرفةَ عَينٍ، فإنْ لم يثَبِّتْه وإلَّا زالت سَماءُ إيمانِه وأرضُه عن مكانِهما، وقد قال تعالى لأكرَمِ خَلقِه عليه؛ عبدِه ورَسولِه: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: 74]، وقال تعالى لأكرَمِ خَلقِه: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: 12]، وقال تعالى لرَسولِه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: 120]، فالخَلقُ كُلُّهم قِسمانِ: مُوفَّقٌ بالتَّثبيتِ، ومَخذولٌ بتَركِ التَّثبيتِ، ومادةُ التَّثبيتِ أصلُه ومَنشؤُه من القَولِ الثَّابتِ، وفِعلِ ما أُمِرَ به العبدُ، فبِهما يُثَبِّتُ اللهُ عَبدَه، فكُلُّ من كان أثبَتَ قَولًا وأحسَنَ فِعلًا، كان أعظمَ تَثبيتًا؛ قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: 66]، فأثبَتُ النَّاسِ قلبًا أثبَتُهم قولًا، والقولُ الثَّابِتُ هو القولُ الحَقُّ والصِّدقُ، وهو ضِدُّ القَولِ الباطلِ الكَذِبِ؛ فالقولُ نوعان: ثابتٌ له حقيقةٌ، وباطِلٌ لا حقيقةَ له، وأثبَتُ القَولِ كَلِمةُ التوحيدِ ولوازِمُها؛ فهي أعظَمُ ما يثَبِّتُ اللهُ بها عبدَه في الدُّنيا والآخرةِ؛ ولهذا ترى الصَّادِقَ من أثبَتِ النَّاسِ، وأشجَعِهم قَلبًا، والكاذِبَ مِن أمهَنِ النَّاسِ وأجبَنِهم، وأكثَرِهم تلوُّنًا، وأقلِّهم ثباتًا [339] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/136). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ في هذا المثَلِ مِن الأسرارِ والعُلومِ والمعارفِ ما يليقُ به ويقتضيه عِلمُ الذي تكَلَّمَ به وحِكمَتُه:
فمِن ذلك أنَّ الشَّجَرةَ لا بُدَّ لها مِن عُروقٍ وساقٍ وفُروعٍ ووَرَقٍ وثَمَرٍ، فكذلك شَجَرةُ الإيمانِ والإسلامِ؛ ليُطابِقَ المُشَبَّهُ المشَبَّهَ به، فعُروقُها العِلمُ والمَعرِفةُ واليقينُ، وساقُها الإخلاصُ، وفروعُها الأعمالُ، وثَمرتُها ما تُوجِبُه الأعمالُ الصالحةُ مِن الآثارِ الحَميدةِ، والصِّفاتِ الممدوحةِ، والأخلاقِ الزَّكيَّةِ، والسَّمتِ الصَّالحِ، والهَدْيِ والدَّلِّ المَرْضِيِّ، فيُستدَلُّ على غَرسِ هذه الشَّجَرةِ في القَلبِ وثُبوتِها فيه بهذه الأمورِ، فإذا كان العِلمُ صَحيحًا مُطابِقًا لِمَعلومِه الذي أنزَلَ اللهُ كِتابَه به، والاعتقادُ مُطابِقًا لِمَا أخبَرَ به عن نفسِه، وأخبَرَت به عنه رسُلُه، والإخلاصُ قائمًا في القَلبِ، والأعمالُ مُوافِقةً للأمرِ، والهَديُ والدَّلُّ والسَّمتُ مُشابهًا لهذه الأصولِ مُناسِبًا لها- عُلِمَ أنَّ شَجَرةَ الإيمانِ في القَلبِ أصلُها ثابِتٌ وفَرعُها في السَّماءِ، وإذا كان الأمرُ بالعَكسِ عُلِمَ أنَّ القائِمَ بالقلبِ إنَّما هو الشَّجَرةُ الخبيثةُ التي اجتُثَّت من فوقِ الأرضِ ما لها مِن قَرارٍ.
ومنها: أنَّ الشَّجَرةَ لا تبقَى حَيَّةً إلَّا بمادَّةٍ تَسقيها وتُنَمِّيها، فإذا قُطِعَ عنها السَّقيُ أوشك أن تيبَس، فهكذا شجرةُ الإسلامِ في القَلبِ؛ إن لم يتعاهَدْها صاحِبُها بسَقْيها كُلَّ وقتٍ بالعِلمِ النَّافِعِ والعمَلِ الصَّالحِ والعَودِ بالتذَكُّرِ على التفكُّر، والتفَكُّرِ على التذَكُّر، وإلَّا أوشكَ أن تيبَسَ، وفي الحديثِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ الإيمانَ ليَخلُقُ [340] ليَخلُقُ: يُقالُ: خَلُقَ الثَّوبُ: إذا بَلِيَ ودَنِسَ، وأصبَح قديمًا مُمزَّقًا، والمراد: أنَّ الإيمان لا يَستمرُّ على هيئتِه، ويُدَنَّسُ بسُوءِ أفعال العَبدِ؛ فإذا عادَ وتاب فقد جدَّد ما أخْلَق وطَهَّر ما دَنَّس. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 96)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/71)، ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمناوي (1/280). في جوفِ أحدِكم، كما يَخلُقُ الثَّوبُ الخَلَقُ، فسَلوا الله أن يجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم )) [341] أخرجه الطبراني (14/70) (14668) واللفظ له، والحاكم (5) من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الحاكمُ: رواتُه مصريونَ ثقاتٌ. وحسَّن إسنادَه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/57)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1590). . وبالجملةِ: فالغَرسُ إن لم يَتعاهَدْه صاحِبُه أوشَكَ أن يَهلِكَ، ومن هنا تعلَمُ شِدَّةَ حاجةِ العبادِ إلى ما أمَرَ اللهُ به مِن العباداتِ على تَعاقُبِ الأوقاتِ، وعَظيمِ رَحمتِه، وتمامِ نِعمتِه وإحسانِه إلى عبادِه بأنْ وظَّفَها عليها، وجعَلَها مادَّةً لِسَقيِ غِراسِ التَّوحيدِ الذي غرَسَه في قلوبِهم.
ومنها: أنَّ الغَرسَ والزَّرعَ النافِعَ قد أجرى اللهُ سُبحانَه العادةَ أنَّه لا بُدَّ أن يخالِطَه دَغَلٌ [342] الدَّغَل: الفَسادُ، ويقال: أَدغَلْتُ في هذا الأمْرِ: إذا أَدْخَلْتَ فيه ما يُخالفُه ويفسِده، وأصلُ الدَّغَلِ: الشَّجرُ الكثيرُ الملتفُّ الذي يَكْمُنُ أهلُ الفَسادِ فيه. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (4/1697)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (2/640)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/123). ونَبتٌ غَريبٌ ليس مِن جِنسِه، فإنْ تعاهَدَه رَبُّه ونقَّاه وقَلَعَه، كَمَلَ الغَرسُ والزَّرعُ واستوى، وتمَّ نباتُه، وكان أوفَرَ لثَمرتِه، وأطيبَ وأزكى، وإن تركَه أوشكَ أن يغلِبَ على الغَرسِ والزَّرعِ، ويكونَ الحُكمُ له، أو يُضعِفَ الأصلَ ويجعَلَ الثَّمرةَ ذَميمةً ناقِصةً بحسَبِ كَثرتِه وقِلَّتِه، ومَن لم يكُنْ له فِقهُ نَفسٍ في هذا ومَعرِفةٌ به، فإنَّه يفوتُه رِبحٌ كبيرٌ وهو لا يشعُرُ؛ فالمؤمِنُ دائِمًا سَعيُه في شيئينِ: سَقيِ هذه الشَّجَرةِ، وتنقيةِ ما حَولَها، فبِسَقيِها تبقَى وتدومُ، وبتنقيةِ ما حَولَها تكمُلُ وتَتِمُّ، واللهُ المُستَعانُ وعليه التُّكْلانُ [343] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/133-134). .
2- قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ شَبَّهَ سُبحانه وتعالى الكَلِمةَ الطيبةَ بالشَّجَرةِ الطَّيِّبةِ؛ لأنَّ الكَلِمةَ الطيبةَ تُثمِرُ العمَلَ الصالحَ؛ والشجرةَ الطيبةَ تُثمِرُ الثَّمَرَ النَّافعَ [344] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/132). .
3- ضرَب الله المَثَل لِكَلِمَةِ الإيمانِ بالشَّجَرَةِ، فقال الله تعالى: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فالشَّجرةُ كُلَّما قَوِيَ أصلُها وعرَّقَ ورَوِيَ، قَوِيَت فروعُها، وفروعُها أيضًا إذا اغتَذَت بالمطَرِ والرِّيحِ أثَّرَ ذلك في أصلِها، وكذلك الإيمانُ في القلبِ، والإسلامُ علانيةً [345] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/542). .
4- قال الله تعالى: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، ففي ضَربِ الأمثالِ زِيادةُ إفهامٍ، وتذكيرٌ، وتصويرٌ للمعاني [346] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (11/381). ، وتقريبٌ للمعاني المَعقولةِ مِن الأمثالِ المَحسوسةِ، ويتبيَّنُ المعنى الذي أراده اللهُ غايةَ البيانِ، ويتَّضِحُ غايةَ الوضوحِ، وهذا مِن رَحمتِه وحُسنِ تَعليمِه، فللَّه أتمُّ الحمدِ وأكمَلُه وأعَمُّه [347] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
5- قولُ الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ في هذه الآيةِ دَلالةٌ على فِتنةِ القَبرِ وعَذابِه، ونَعيمِه، كما تواتَرَت بذلك النصوصُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الفِتنةِ، وصِفتِها، ونعيمِ القَبرِ وعَذابِه [348] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:425)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (2/108). .
6- في قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ دليلٌ على أنَّ القَبرَ مِن منازلِ الآخرةِ [349] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/28). .
7- العبدُ يَحتاجُ إلى الثَّبَاتِ في طُولِ حياتِه، وأحوَجُ ما يَحتاجُ إليه عندَ مماتِه، ويَحتاجُ إلى الثَّباتِ أيضًا بعد الموتِ؛ قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [350] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/341). .
8- قَولُه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ تَثبيتَ المُؤمِنينَ وإضلالَ الظَّالِمينَ فِعلُه؛ فإنَّه يفعَلُ ما يشاءُ، وأمَّا الثَّباتُ والضَّلالُ فمَحضُ أفعالِهم [351] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 59). ، ففيه حُجَّةٌ على المُعتَزِلةِ والقَدَريَّة [352] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/28). .
9- في قَولِه تعالى: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ أنَّ أفعالَ اللهِ- سبحانه وتعالى- اختياريَّةٌ [353] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/320). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّـبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
- قولُه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا... إيقاظٌ للذِّهْنِ؛ لِيَتَرقَّبَ ما يَرِدُ بعدَ هذا الكلامِ، ولم يكُنْ هذا المثَلُ ممَّا سبَقَ ضرْبُه قبلَ نُزولِ الآيةِ، بل الآيةُ هي الَّتي جاءتْ به؛ فالكلامُ تشويقٌ إلى عِلْمِ هذا المثَلِ، وصَوغُ التَّشويقِ إليه في صِيغَةِ الزَّمنِ الماضي الدَّالِّ عليها حرْفُ (لَمْ) الَّتي هي لِنفْيِ الفعْلِ في الزَّمنِ الماضي، والدَّالِّ عليها فعْلُ ضَرَبَ بصِيغَةِ الماضي؛ لِقصْدِ الزِّيادةِ في التَّشويقِ لِمعرفةِ هذا المثَلِ وما مُثِّلَ به [354] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/223). .
- والاستفهامُ في أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا... إنكاريٌّ، نُزِّلَ فيه المُخاطَبُ مَنزِلةَ مَن لم يَعلَمْ، فأنكَرَ عليه عدَمَ العِلْمِ، أو هو مُستعمَلٌ في التَّعجُّبِ مِن عدَمِ العِلْمِ بذلك، مع أنَّه ممَّا تتوفَّرُ الدَّواعي على علْمِه، أو هو للتَّقريرِ، وهو كِنايةٌ عنِ التَّحريضِ على العِلْمِ بذلك، وإيثارُ كَيْفَ هنا للدَّلالةِ على أنَّ حالةَ ضرْبِ هذا المثَلِ ذاتُ كيفيَّةٍ عجيبةٍ مِن بلاغَتِه وانْطباقِه [355] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/223). .
- قولُه: كَشَجَرَةٍ طَيِّـبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فيه حُسْنُ التَّقسيمِ؛ إذ جاء أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، يُريدُ بالفرعِ: أعلاها ورأْسَها، وإنْ كان المُشبَّهُ به ذا فُروعٍ، فيكونُ مِن بابِ الاكتِفاءِ بلفْظِ الجِنْسِ [356] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/553)، ((تفسير أبي حيان)) (6/432)، ((تفسير أبي السعود)) (5/43). ؛ فيجوزُ أنَّ المرادَ: وفُروعُها، أي: أفناؤُها، على الاكتفاءِ بلفْظِ الجِنْسِ؛ لاكتسابِه الاستغراقَ مِن الإضافةِ [357] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/198). .
2- قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
- قولُه: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا المُشبَّهُ هو: الهيئةُ الحاصِلةُ مِن البَهجةِ في الحسِّ، والفرَحِ في النَّفسِ، وازديادِ أُصولِ النَّفعِ باكتسابِ المَنافِعِ المُتتاليةِ بهيئةِ رُسوخِ الأصْلِ، وجمالِ المَنظَرِ، ونَماءِ أغصانِ الأشجارِ، ووفْرةِ الثِّمارِ، ومُتعةِ أكْلِها [358] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/224). .
- وفي الآيتينِ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا تَشبيهٌ تمثيليٌّ في تشبيهِ الكلمةِ الطَّيِّبةِ الموصوفةِ بثلاثِ صِفاتٍ، وهي إيتاءُ الأُكُلِ كلَّ حينٍ، أي: مِن وقْتِ أنْ تُؤْكَلَ إلى حينِ انصرامِها، ووجْهُ الشَّبهِ في تَمثيلِ الإيمانِ بالشَّجرةِ: أنَّ الشَّجرةَ لا تكونُ شجرةً إلَّا بثلاثةِ أشياءَ: عِرْقٍ راسِخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرْعٍ عالٍ، كذلك الإيمانُ لا يَتِمُّ إلَّا بثلاثةِ أشياءَ: تصديقٍ بالقلْبِ، وقولٍ باللِّسانِ، وعمَلٍ بالأبدانِ؛ فوُجودُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ في جانِبِ المُشبَّهِ به حِسِّيَّةٌ، بينما هي في جانِبِ المُشبَّهِ معنويَّةٌ [359] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/187، 188)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (19/92). .
3- قوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ فيه تَشبيهٌ تمثيليٌّ أيضًا في تَشبيهِ الكلمةِ الخبيثةِ بالشَّجرةِ الخبيثةِ غيرِ الثَّابِتةِ؛ كأنَّها اجْتُثَّتْ، أو كأنَّها مُلقاةٌ على وجْهِ الأرضِ، فلا تغوصُ إلى الأرضِ، بل عُروقُها في وجْهِ الأرضِ، ولا غُصونَ لها تمتَدُّ صُعُدًا إلى السَّماءِ، وهذا معنى قولِه: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [360] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/188). .
- قولُه: اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ في مُقابَلةِ قولِه في صِفَةِ الشَّجرةِ الطَّيِّبةِ: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [361] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/553). ، ومِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ تصويرٌ لـ اجْتُثَّتْ، وجُملةُ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ تأْكيدٌ لِمعنى الاجْتِثاثِ؛ لأنَّ الاجْتِثاثَ مِن انْعدامِ القرارِ [362] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/225). .
4- قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ جُملةٌ مُستأنَفَةٌ استئنافًا بيانيًّا، ناشئًا عمَّا أثاره تمثيلُ الكلمةِ الطَّيِّبةِ بالشَّجرةِ الثَّابِتةِ الأصلِ، بأنْ يُسْأَلَ عنِ الثَّباتِ المُشبَّهِ به: ما أثَرُه في الحالةِ المُشبَّهةِ؟ فيُجابُ بأنَّ ذلك الثَّباتَ ظهَرَ في قُلوبِ أصحابِ الحالةِ المُشبَّهةِ، وهم الَّذين آمنوا إذا ثبَتوا على الدِّينِ ولم يتَزَعْزَعوا فيه؛ لأنَّهم استَثْمَروا مِن شجرةٍ أصلُها ثابتٌ [363] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/225). .
- وفيه حُسْنُ تَرتيبٍ؛ فإنَّه لمَّا تقدَّمَ تَشبيهُ الكلمةِ الطَّيِّبةِ على تشبيهِ الكلمةِ الخبيثةِ، تقدَّمَ في هذا الكلامِ مَن نُسِبَت إليه الكلمةُ الطَّيِّبةُ، وتلاه مَن نُسِبَت إليه الكلمةُ الخبيثةُ [364] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/434). .
- قولُه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فيه إظهارُ اسمِ الجَلالةِ في الموضعَيْنِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ؛ لِقصْدِ أنْ تكونَ كلُّ جُملةٍ مِن الجُمَلِ الثَّلاثِ مُستقلَّةً بدَلالتِها؛ حتَّى تَسِيرَ مَسِيرَ المثَلِ [365] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/227). ، وفيه مِن الفَخامةِ وتربيةِ المَهابةِ ما لا يَخفَى، مع ما فيه مِن الإيذانِ بالتَّفاوُتِ في مبدَأِ التَّثبيتِ والإضلالِ؛ فإنَّ مبْدَأَ صُدورِ كلٍّ منهما عنه سبحانَه وتعالى مِن صفاتِه العلا غيرُ ما هو مبْدَأُ صُدورِ الآخرِ [366] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/45). .
- وجُملةُ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ كالتَّذييلِ لِمَا قبلَها، وتحتَ إبهامِ مَا يَشَاءُ وعُمومِه مَطَاوٍ كثيرةٌ؛ مِن ارتباطِ ذلك بمَراتِبِ النُّفوسِ، وصَفاءِ النِّيَّاتِ في تطلُّبِ الإرشادِ، وتربيةِ ذلك في النُّفوسِ بنمائِه في الخيرِ والشَّرِّ، حتَّى تبلُغَ بذُورُ تَيْنِك الشَّجرتَينِ مُنْتَهى أَمَدِهما؛ مِن ارتفاعٍ في السَّماءِ، واجتثاثٍ مِن فوقِ الأرضِ، المُعبَّرِ عنهما بالتَّثبيتِ والإضلالِ، وفي كلِّ تلك الأحوالِ مَراتبُ ودرجاتٌ لا تبلُغُ عُقولُ البشَرِ تَفصيلَها [367] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/227). .