موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (28-31)

ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ

غريب الكلمات:


الْبَوَارِ: أي: الهَلاكِ، وأصلُ (بور): يدلُّ على هلاكِ الشَّيءِ [368] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 233)، ((تفسير ابن جرير)) (13/669)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/316)، ((تفسير القرطبي)) (9/365). .
خِلَالٌ: أي: مُخالَّةٌ ومُصادَقةٌ، مصدرُ: خاللتُه خِلالًا ومُخالَّةً، وأصلُ (خلل): يدُلُّ على فُرجةٍ، ومنه سُمِّيَ الخَليلُ؛ لأنَّه تخلَّلَ أحوالَ الآخَرِ، وعرَفَ سرائِرَه، أو لتخَلُّلِ كلِّ واحدٍ مِنهما قلبَ الآخَر [369] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 233)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 215)، ((تفسير الراغب)) (1/520)، ((المفردات)) للراغب (ص: 291)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 975). .

مشكل الإعراب :


قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ.
يُقِيمُوا فِعلٌ مُضارِعٌ مَجزومٌ؛ وفي سبَبِ جَزمِه أوجهٌ؛ أحدها: أنَّه مجزومٌ بلامِ أمرٍ محذوفةٍ، تقديرُه: ليُقيموا، فحُذِفَتْ وبَقِيَ عملُها،  فهو أمرٌ مُستأنَفٌ. والثاني: أنَّه واقِعٌ في جَوابِ الأمرِ قُلْ. الثالثُ: أنَّه واقِعٌ في جوابِ شَرطٍ مُقدَّرٍ بعدَ قُلْ، أي: إن تقُلْ لهم أقيمُوا يُقيموا. وقيلَ غيرُ ذلك [370] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن لمكي)) (1/405-406)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/769-770)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/104-106). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ألمْ تَنظُرْ– يا محمَّدُ- إلى المكَذِّبينَ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، الذين غَيَّروا نِعمةَ اللهِ عليهم بإرسالِك إليهم مِن اللهِ، فكَفَروا باللهِ، ولم يُؤمِنوا برِسالتِك، ويَشكُروا اللهَ عليها؟ وأنزَلوا أتباعَهم من قريشٍ دارَ الهَلاكِ، وهي جهنَّمُ، يدخُلونَها، ويُقاسُونَ حَرَّها، وبئس المستقَرُّ جهنمُ. وجعَلَ أولئكَ الكُفَّارُ لله شُرَكاءَ عَبَدوهم معه؛ ليُضلُّوا النَّاسَ عَن دِينِه. قلْ لهم- يا محمدُ: استَمتِعوا في حياتِكم الدُّنيا؛ فإنَّها فانيةٌ، وإنَّ مَرجِعَكم إلى عذابِ النارِ، وقلْ - يا مُحمَّدُ- لعبادي المؤمنين يُقيموا الصَّلواتِ الخمسَ المفروضةَ بحُدودِها في أوقاتِها، وينفقوا مما أعطيناهم مِن فضلِنا في الحقوقِ الواجِبةِ، مُسرِّين ذلك ومُعلِنينَ، من قبل ِأن يأتيَ يومُ القيامةِ الذي لا سبيلَ فيه إلى استدراكِ ما فات، لا بمُعاوَضةِ بَيعٍ وشراءٍ، ولا بهِبَةِ خَليلٍ وصَديقٍ.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعدَ أنْ ذكَر الله تعالى فيما مضَى بعضَ أوصافِ الكفارِ وأحوالِهم؛ عادَ إلى وَصفِ أحوالِهم في هذه الآيةِ [371] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/94). .
وأيضًا فإنَّه تعالى أعقَبَ تمثيلَ الدِّينَينِ ببيانِ آثارِهما في أصحابِهما، وابتُدِئَ بذِكرِ أحوالِ المُشرِكينَ؛ لأنَّها أعجَبُ، والعبرةَ بها أَولى، والحذَرَ منها مقَدَّمٌ على التحلِّي بضِدِّها [372] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/227). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى حالَ المُؤمِنينَ وهُداهم، وحالَ الكافرينَ وإضلالَهم؛ ذكَرَ السَّبَبَ في إضلالِهم [373] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/435). ، فقال:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا.
أي: ألم تنظُرْ- يا محمَّدُ- إلى كفَّارِ قُرَيشٍ، الذين غَيَّروا نِعمةَ اللهِ عليهم ببَعثتِك رسولًا إليهم مِن اللهِ، فكَفَروا باللهِ وكَذَّبوك، فلم يُؤمِنوا برِسالتِك، ويَشكُروا اللهَ عليها [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/668، 669)، ((تفسير ابن عطية)) (3/337)، ((تفسير القرطبي)) (9/364)، ((تفسير ابن كثير)) (4/508)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). ؟!
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ.
أي: وأنزَلوا قَومَهم- الذين اتَّبَعوهم مِن قُرَيشٍ- دارَ الهَلاكِ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/669)، ((تفسير القرطبي)) (9/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/229).  .
كما قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [النحل: 112-113].
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29).
أي: ودارُ الهَلاكِ هي جهنَّمُ يَدخُلونَها، ويُحيطُ بهم حَرُّها مِن جميعِ جَوانبِهم، وبِئسَ المُستقَرُّ جهنَّمُ [376] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/669)، ((تفسير البغوي)) (3/41)، ((تفسير القرطبي)) (9/365). ممَّن قال مِن المفسِّرين بأنَّ جهنَّمَ تفسيرٌ لدارِ البوارِ: ابنُ جرير، والواحدي، والزمخشري، وابنُ الجوزي، والرازي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/669)، (الوسيط)) للواحدي (3/31)، ((تفسير الزمخشري)) (2/555)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/513)، ((تفسير الرازي)) (19/94)، ((تفسير الشوكاني)) (3/130-131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ زيدٍ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2248)، ((تفسير ابن جرير)) (13/678)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/43). وقيل: المراد بـ دَارَ الْبَوارِ: الهلاكُ في الدنيا بالقَتلِ والخِزيِ، كما وقع يومَ بدر لمُشركي قريش. قال ابنُ عطيةَ: (يحتملُ أن يُريدَ بـ الْبَوارِ: الهلاكَ في الآخرة، ففسَّرَه حينئذٍ بقولِه: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يحتَرِقون في حَرِّها ويحتملونَه، ويحتمِلُ أن يريدَ بـ الْبَوارِ: الهلاكَ في الدنيا بالقتلِ والخزيِ، فتكون «الدار» قليبَ بدرٍ ونحوه. وقال عطاءٌ: نزلَتْ هذه الآيةُ في قتلَى بدرٍ). ((تفسير ابن عطية)) (3/338). وممن جمَع بينَ القولين: السعدي، وابنُ عاشور. قال السِّعديُّ: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ وهي النَّارُ؛ حيث تَسبَّبوا لإضلالِهم، فصاروا وَبالًا على قَومِهم، مِن حيثُ يُظَنُّ نفْعُهم، ومِن ذلك: أنَّهم زَيَّنوا لهم الخُروجَ يومَ بدْرٍ؛ لِيُحارِبوا اللهَ ورسولَهُ، فجَرَى عليهم ما جَرى، وقُتِلَ كثيرٌ مِن كُبرائِهم وصَناديدِهم في تلك الوَقْعةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 426). وقال ابنُ عاشورٍ: (البَوارُ: الهَلاكُ والخُسرانُ. ودارُهُ: مَحَلُّه الَّذي وقَعَ فيه. والإحلالُ بها: الإنزالُ فيها، والمُرادُ بالإحلالِ: التَّسبُّبُ فيه، أي: كانوا سبَبًا لِحُلولِ قَومِهم بدارِ البوارِ، وهي جهنَّمُ في الآخرةِ، ومَواقِعُ القَتْلِ والخِزْيِ في الدُّنيا؛ مِثْلُ مَوقِعِ بدْرٍ، فيجوزُ أنْ يكونَ دَارَ الْبَوَارِ جهنَّمَ، وبه فَسَّرَ عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وكثيرٌ مِنَ العُلماءِ، ويَجوزُ أنْ تكونَ أرضَ بدْرٍ، وهو رِوايةٌ عن عليٍّ، وعن ابنِ عبَّاسٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (13/229). .
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حكى اللهُ تعالى عن الكافرينَ أنَّهم بدَّلوا نِعمةَ اللهِ كُفرًا؛ ذكَرَ أنَّهم بعد أن كَفَروا باللهِ جَعَلوا له أندادًا [377] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/94). .
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ.
أي: وجعَل أولئك الكُفَّارُ لله نُظراءَ وشُرَكاءَ، يعبُدونَهم معه؛ كي يُضِلُّوا الناسَ عن دينِ اللهِ الحَقِّ، وإخلاصِ العِبادةِ له وَحدَه [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/678)، ((تفسير القرطبي)) (9/365)، ((تفسير ابن كثير)) (4/509). قال الشوكاني: (قَرَأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: لِيَضِلُّوا بفتحِ الياءِ، أي: لِيَضِلُّوا أنفسَهم عن سبيلِ اللَّهِ، وتكونُ اللَّامُ لِلعاقبةِ أي: لِيَتَعَقَّبَ جعلَهم لِلَّهِ أندادًا ضلالُهم؛ لأنَّ العاقلَ لا يريدُ ضلالَ نَفْسِه، وحَسُنَ استعمالُ لامِ العاقبةِ هنا لأنَّها تُشْبِهُ الغرضَ والغايةَ مِن جهةِ حصولِها في آخرِ المراتِبِ... وقَرَأ الباقونَ بضمِّ الياءِ، ليُوقِعوا قومَهم في الضَّلالِ عن سبيلِ اللَّهِ، فهذا هو الغرضُ مِنْ جَعْلِهم للَّهِ أندادًا). ((تفسير الشوكاني)) (3/131). .
قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.
أي: قُلْ لهم- يا محمَّدُ: استمتِعوا [379] قال الشوكاني: (قُلْ تَمَتَّعُوا بما أنتم فيه مِنَ الشَّهواتِ، وما زَيَّنَتْه لكم أنفسُكم مِنْ كفرانِ النِّعَمِ وإضلالِ النَّاسِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/131). في حياتِكم الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّ مَرجِعَكم في الآخرةِ إلى النَّارِ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/679)، ((تفسير القرطبي)) (9/365)، ((تفسير ابن كثير)) (4/510)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426).   .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس: 69- 70].
وقال سُبحانه: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8].
وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: 12].
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى حالَ الكُفَّارِ، وكُفرَهم نِعمَتَه، وجعْلَهم له أندادًا، وتهدَّدَهم؛ أمرَ المؤمنينَ بلُزومِ الطاعةِ، والتيقُّظِ لأنفُسِهم، وإلزامِ عَمودَيِ الإسلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قبل مجيءِ يَومِ القيامةِ [381] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/437). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى كُفرَ الكافرينَ وضَلالَهم عن السَّبيلِ، وما أمَرَه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بأن يقولَ لهم، وكان ذلك محرِّكًا لنفسِ السَّامِعِ إلى الوقوفِ على ما يُقالُ لِمَن خلَع الأندادَ، وكان أوثَقُ عُرى السَّبيلِ بعدَ الإيمانِ وأعمُّها الصَّلاةَ النَّاهيةَ عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ، والنَّفَقةَ الشَّامِلةَ لوُجوهِ البِرِّ- أمَرَه تعالى أن يندُبَ أولياءَه إلى الإقبالِ إلى ما أعرَضَ عنه أعداؤُه، والإعراضِ عمَّا أقبلوا بالتمَتُّعِ عليه مِن ذلك [382] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/418). ، فقال:
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- لعبادي المُؤمِنينَ يُقيموا الصَّلَواتِ الخَمسَ المَفروضةَ عليهم، بحُدودِها في أوقاتِها [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/679)، ((تفسير القرطبي)) (9/366)، ((تفسير ابن كثير)) (4/510).  .
وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
أي: ويُنفِقوا ممَّا رَزَقناهم مِن فَضلِنا، فيُؤدُّوا ما أوجبْتُ عليهم مِن الحقوقِ سرًّا وإعلانًا [384] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/679). وممن اختار أنَّ المرادَ بالنَّفَقةِ: النفقةُ الواجبةُ: ابنُ جرير، وابنُ أبي زمنين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/679)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (2/370). وممن قال مِن السلفِ أنَّ المرادَ بها: الزكاةُ: ابنُ عباسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/680). وقيل: الآيةُ تشمَلُ النَّفَقاتِ الواجبةَ والمُستحبَّة. وممَّن قال بذلك: ابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/510)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). وقال ابنُ عطيَّةَ: (والسِّرُّ: صَدقةُ التَّنفُّلِ، والعَلانِيةُ: المفروضةُ، وهذا هو مُقْتضى الأحاديثِ. وفسَّرَ ابنُ عبَّاسٍ هذه الآيةَ بزَكاةِ الأموالِ مُجْمَلًا، وكذلك فسَّرَ الصَّلاةَ بأنَّها الخَمْسُ، وهذا منْه عِندي تَقريبٌ للمُخاطَبِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/339)، ويُنظر: ((تفسير العليمي)) (3/523). .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ .
أي: مِن قَبلِ أن يأتيَ يومُ القيامةِ الذي لا يَقدِرونَ فيه على ذلك، ولا سبيلَ إلى استدراكِ ما فات، لا بمُعاوَضةِ بَيعٍ وشراءٍ، ولا بهِبَةِ خَليلٍ وصَديقٍ؛ فكُلُّ امرئٍ له شأنٌ يُغنِيه [385] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 233)، ((تفسير ابن جرير)) (13/679، 680)، ((المفردات في غريب القرآن)) للأصفهاني (ص: 291)، ((تفسير أبي حيان)) (6/439)، ((تفسير ابن كثير)) (4/510)، ((حاشية الخفاجي)) (5/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). قال الشَّوكانيُّ: (فالجُملةُ- أعني: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ [إبراهيم: 31]- لِتأكيدِ مَضمونِ الأمْرِ بالإنفاقِ ممَّا رزَقَهم اللهُ، ويُمكِنُ أنْ يكونَ فيها أيضًا تأْكيدٌ لمَضمونِ الأمْرِ بإقامةِ الصَّلاةِ؛ وذلك لأنَّ تَرْكَها كثيرًا ما يكونُ بسبَبِ الاشتغالِ بالبَيعِ ورِعايةِ حُقوقِ الأخِلَّاءِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/132). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254].

الفوائد التربوية:


1- في قَولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ تحذيرٌ مِن كُفْرانِ النِّعمةِ، وصَرفِها فيما لا يُرضي اللهَ [386] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (11/193). .
2- قال الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ الإنسانُ بعد الفراغِ مِن الإيمانِ، لا قُدرةَ له على التصَرُّفِ في شَيءٍ إلَّا في نفسِه أو في مالِه؛ أمَّا النَّفسُ فيجِبُ شَغلُها بخِدمةِ المعبودِ في الصَّلاةِ، وأمَّا المالُ فيجِبُ صَرفُه إلى البَذلِ في طاعةِ اللهِ تعالى، فهذه الثَّلاثةُ هي الطَّاعاتُ المُعتبَرةُ، وهي الإيمانُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ [387] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/95). .
3- قولُ الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ، أي: لا ينفَعُ فيه شَيءٌ، ولا سبيلَ إلى استدراكِ ما فات، فلْيُقَدِّمِ العبدُ لنَفسِه، ولْيَنظُرْ ما قدَّمَه لغَدٍ، ولْيتفقَّدْ أعمالَه، ويُحاسِبْ نَفسَه قبلَ الحِسابِ الأكبرِ [388] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:426). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ لعلَّه سِيقَ سِياقَ الشَّرطِ؛ تنبيهًا لهم على أنَّ مُجرَّدَ قولِه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّم أقوى الأسبابِ، فيَجبُ عليهم ألَّا يتخلَّفوا عنه أصلًا [389] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/419). .
2- قولُ الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً زيادةُ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ للتَّذكيرِ بالنِّعمةِ تَحريضًا على الإنفاقِ؛ ليكونَ شُكرًا للنِّعمةِ [390] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/232). .
3- قولُ الله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ فيه سؤالٌ: كيف نفى المُخالَّةَ هنا، مع أنَّه تعالى أثبَتَها في قَولِه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]؟
الجوابُ: أنَّ الآيةَ الدَّالَّةَ على نفي المُخالَّةِ مَحمولةٌ على نفيِ المُخالَّة بسبَبِ مَيلِ الطَّبيعةِ، ورَغبةِ النَّفسِ، والآيةُ الدالَّةُ على ثبوتِ المُخالَّةِ مَحمولةٌ على حُصولِ المُخالَّةِ الحاصلةِ بسببِ عُبوديَّةِ الله تعالى، ومحبَّةِ الله تعالى [391] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/96). .
4- عن قتادةَ رحمه الله في قَولِه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ قال: (إنَّ اللهَ تعالى قد عَلِمَ أنَّ في الدنيا بيوعًا وخِلالًا يتخالُّونَ بها في الدُّنيا، فلينظُرْ رجُلٌ مَن يُخالِلُ، وعلامَ يُصاحِبُ؟ فإنْ كان لله فلْيُداومْ، وإن كان لغيرِ اللهِ فلْيَعلمْ أنَّ كُلَّ خُلَّةٍ ستصيرُ على أهلِها عداوةً يومَ القيامةِ إلَّا خُلَّةَ المتَّقينَ) [392] يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/43). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
- قولُه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا... الاستِفهامُ مُستعمَلٌ في التَّشويقِ إلى رُؤيةِ ذلك [393] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/227). ، وفيه تَعجُّبٌ ممَّا صنَعَ الكَفَرةُ مِن الأباطيلِ الَّتي لا تَكادُ تصدُرُ عمَّن له أدْنى إدراكٍ، ومِن أعمالِهم الَّتي لا تمُتُّ إلى الحِلْمِ بِصِلَةٍ؛ فقد بدَّلوا نفْسَ النِّعمةِ كُفرًا، وجَنَوْا على أنفُسِهم وعلى قومِهم [394] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/46)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/195). .
- وفي قولِه: بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا مُحَسِّنٌ بَديعيٌّ هو الاحتِباكُ، وتقديرُ الكلام: بدَّلوا نِعمةَ اللهِ وشُكرَها كفْرًا بها، ونِقمةً منه، كما دلَّ عليه قولُه: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ... [395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/228). .
- قولُه: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ فيه عدمُ التَّعرُّضِ لِحُلولِهم هم؛ لدَلالةِ الإحلالِ عليه؛ إذ هو فرْعُ الحُلولِ، كقولِه تعالى عن فرعونَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [396] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/45). [هود: 98].
- واستعمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أَحَلُّوا؛ لِقصدِ التَّحقيقِ؛ لأنَّ الإحلالَ مُتأخِّرٌ زمنُه؛ فإنَّ السُّورةَ مكِّيَّةٌ [397] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/229). .
2- قوله تعالى: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ هذا مِن البيانِ بَعدَ الإبهامِ، وفيه ما لا يَخْفَى مِن التَّهويلِ [398] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/45). .
3- قولُه تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ فيه تَغييرُ التَّرتيبِ؛ إذ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظمِ أنْ يُذْكَرَ كُفرانُهم نِعمةَ اللهِ تعالى، ثمَّ كُفرُهم بذاتِه تعالى باتِّخاذِ الأندادِ، ثمَّ إضلالُهم لِقومِهم المُؤدِّي إلى إحلالِهم دارَ البَوارِ؛ ولعلَّ ذلك لِتثنيةِ التَّعجُّبِ وتَكريرِه، والإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ، مِن وضْعِ الكُفرِ موضِعَ الشُّكرِ، وإحلالِ القومِ دارَ البوارِ، واتِّخاذِ الأندادِ للإضلالِ؛ أمْرٌ يَقْضِي منه العجبُ، ولو سِيقَ النَّظمُ على نَسَقِ الوجودِ لَرُبَّما فُهِمَ التَّعجُّبُ مِن مجموعِ الهَنَاتِ [399] الهَنَات: خِصالُ سُوءٍ وشَرٍّ مَكْرُوهَةٍ، ولا تُقالُ في الخيرِ. يُنظر: ((المفردات)) للراغب (2/482)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (5/279). الثَّلاثِ [400] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/45). .
- وقولُه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ فيه دُخولُ اللَّامِ على لِيُضِلُّوا مع أنَّ الضَّلالَ والإضلالَ لم يكُنْ غرضَهم في اتِّخاذِ الأندادِ؛ لأنَّه لمَّا كان الضَّلالُ والإضلالُ نتيجةَ اتِّخاذِ الأندادِ، دخَلَتِ اللَّامُ على طريقِ التَّشبيهِ والتَّقريبِ؛ فليس ذلك غرضًا حقيقيًّا لهم مِن اتِّخاذِ الأندادِ، لكنْ لمَّا كان ذلك نَتيجةً له شُبِّهَ بالغرضِ؛ فاللَّامُ لامُ الصَّيرورةِ والمآلِ؛ لمَّا كانتْ نَتيجةُ جَعْلِ الأندادِ آلهةً الضَّلالَ أو الإضلالَ، جرَى مجْرى لامِ العِلَّةِ في قولِك: جئْتُك لِتُكرمَني، على طريقةِ التَّشبيهِ [401] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/555)، ((تفسير أبي حيان)) (6/436)، ((تفسير أبي السعود)) (5/46). . أو جُعِلَ الإضلالُ عِلَّةً لِجعْلِهم للهِ أندادًا، وإنْ كانوا لم يَقصِدوا تضليلَ النَّاسِ، وإنَّما قصَدوا مقاصِدَ هي مُساويةٌ للتَّضليلِ؛ لأنَّها أوقَعَتِ النَّاسَ في الضَّلالِ، فعُبِّرَ على مَساوي التَّضليلِ بالتَّضليلِ؛ لأنَّه آيلٌ إليه وإنْ لم يَقصِدوه؛ فكأنَّه قيل: للضَّلالِ عن سَبيلِه؛ تَشنيعًا عليهم بغايةِ فعْلِهم، وهم ما أضَلُّوا إلَّا وقد ضَلُّوا، فعُلِمَ أنَّهم ضلُّوا وأضَلُّوا، وذلك إيجازٌ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/230). .
- وجُملةُ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ مُستأنَفَةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ المُخاطَبَ بـ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا إذا عَلِمَ هذه الأحوالَ يتساءلُ عنِ الجزاءِ المُناسبِ لِجُرمِهم، وكيف ترَكَهم اللهُ يرْفُلونَ في النَّعيمِ؟ فأُجِيبَ بأنَّهم يَصيرونَ إلى النَّارِ، أي: يموتونَ فيصيرونَ إلى العَذابِ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/231). .
- والأمْرُ بالتَّمتُّعِ قُلْ تَمَتَّعُوا أمْرُ تهديدٍ ووعيدٍ، على حدِّ قولِه: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40]، وفي التَّهديدِ بصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بأنَّ المُهدَّدَ عليه كالمطلوبِ؛ لإفضائِه إلى المُهدَّدِ به، وأنَّ الأمرينِ كائنانِ لا مَحالةَ؛ ولذلك علَّلَه بقولِه: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ، وأنَّ المُخاطَبَ لانْهِماكِه فيه كالمأمورِ به مِن آمِرٍ مُطاعٍ؛ ففيه إيذانٌ بأنَّهم لانْغِماسِهم في التَّمتُّعِ بالحاضرِ، وأنَّهم لا يعرِفونَ غيرَه ولا يريدونَه: مأْمورونَ به؛ قد أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يسَعُهم أنْ يُخالِفوه، ولا يملِكونَ لأنفُسِهم أمرًا دونَه، وهو أمْرُ الشَّهوةِ؛ والمعنى: إنْ دُمْتُم على ما أنتُم عليه مِن الامتثالِ لأمْرِ الشَّهوةِ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [404] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/555)، ((تفسير البيضاوي)) (3/99)، ((تفسير أبي حيان)) (6/436)، ((تفسير أبي السعود)) (5/46). .
4- قولُه تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ استِئنافٌ نشَأَ عن ذكْرِ حالِ الفريقِ الَّذي حَقَّت عليه الكلمةُ الخبيثةُ بذكْرِ حالِ مُقابِلِه، وهو الفريقُ الَّذي حَقَّتْ عليه الكلمةُ الطَّيِّبةُ [405] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/231). .
- وفي قولِه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا خصَّهم بالإضافةِ إليه؛ تنويهًا لهم، وتَنبيهًا على أنَّهم المُقيمونَ لِوظائفِ العُبوديَّةِ، المُوفونَ بحُقوقِها، وتُرِكَ العاطِفُ بين الأمرينِ؛ للإيذانِ بتبايُنِ حالِهما باعتبارِ المقولِ تَهديدًا وتَشريفًا [406] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/46). .
- قولُه: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً لمَّا كان المُؤمنونَ يُقيمونَ الصَّلاةَ مِن قبْلُ، ويُنفِقونَ مِن قبْلُ؛ تعيَّنَ أنَّ المُرادَ الاستزادةُ مِن ذلك؛ ولذلك اخْتِيرَ المُضارِعُ مع تَقديرِ لامِ الأمْرِ دونَ صِيغَةِ فعْلِ الأمْرِ؛ لأنَّ المُضارِعَ دالٌّ على التَّجدُّدِ، فهو مع لامِ الأمْرِ يُلاقي حالَ المُتلبِّسِ بالفعْلِ الَّذي يُؤْمَرُ به بخِلافِ صِيغَةِ (افْعَلْ)؛ فإنَّ أصلَها طلَبُ إيجادِ الفعْلِ المأمورِ به ممَّن لم يكُنْ مُلْتبِسًا به، فأصْلُ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ: لِيُقيموا؛ فحُذِفَت لامُ الأمْرِ تخفيفًا [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/232). .
- واقتصرَ على هاتينِ الخَلَّتينِ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ؛ لأنَّه لم يكُنْ فُرِضَ في مكَّةَ غَيرُهما، مع ما فيهما من الفَضلِ العَظيمِ [408] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/419). .
- وتقديمُ السِّرِّ على العلانيةِ في قوله: وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً تنبيهٌ على أنَّه أَولى الحالَينِ؛ لبُعدِه عن خواطِرِ الرِّياءِ، ولأنَّ فيه استبقاءً لبَعضِ حياءِ المتصَدَّقِ عليه [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/233). .
- قولُه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ فيه إدخالُ حرْفِ الجرِّ على اسمِ الزَّمانِ (قَبْل)؛ لِتأكيدِ القَبْلِيَّةِ؛ لِيُفْهَمَ معنى المُبادَرةِ [410] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/234). .
- قولُه: لَا بَيْعٌ فِيهِ فيه تَخصيصُ البيعِ بالذِّكْرِ للإيجازِ، مع المُبالَغةِ في نفْيِ العَقدِ؛ إذ انتفاءُ البيعِ يَستَلزِمُ انتِفاءَ الشِّراءِ على أبلَغِ وجْهٍ، وانْتِفاؤه رُبَّما يُتَصَوَّرُ مع تحقُّقِ الإيجابِ مِن قِبَلِ البائعِ [411] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/46)، ((تفسير الألوسي)) (7/209). . وقيل: خصَّ البيعَ؛ لما في المبايعةِ مِن المعاوضةِ، فيظنُّ أنَّ ذلك كالفداءِ في النجاةِ عما أُوعدوا به، فصار في المعنى كقوله: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا [412] يُنظر: ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (2/766). [الأنعام:70].
- وفي قولِه: وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ طابَقَ الأمْرُ بالإنفاقِ وصْفَ اليومِ بأنَّه لا بَيْعٌ فيه ولا خِلالٌ؛ لأنَّ النَّاسَ يُخرِجونَ أَموالَهم في عُقودِ المُعاوضاتِ، فيُعْطُونَ بدلًا لِيأْخُذوا مثْلَه، وفي المُكارماتِ ومُهاداةِ الأصدقاءِ؛ لِيستَجِرُّوا بهداياهم أَمثالَها أو خيرًا منها، وأمَّا الإنفاقُ لِوجْهِ اللهِ خالصًا، كقولِه: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى [الليل: 19، 20]، فلا يفعَلُه إلَّا المُؤمنونَ الخُلَّصُ، فَبُعِثُوا عليه؛ لِيأْخُذوا بدَلَه في يومٍ لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ، أي: لا انتفاعَ فيه بمُبايعةٍ ولا بمُخالَّةٍ، ولا بما يُنفِقونَ به أَموالَهم مِن المُعاوضاتِ والمُكارماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فيه بالإنفاقِ لِوجْهِ اللهِ [413] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/556). .