موسوعة التفسير

سورةُ فاطرٍ
الآيات (9-11)

ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ

غَريبُ الكَلِماتِ:


فَتُثِيرُ سَحَابًا: أي: تُحرِّكُه وتَنشُرُه وتَرفَعُه وتُهَيِّجُه، أو تُنشِئُه، يُقالُ: ثارَ الغُبارُ والسَّحابُ ونحوُهما: انتشَر ساطِعًا، وقد أثَرْتُه، وأصلُ (ثور) هنا: انْبِعاثُ الشَّيءِ [162] يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/101)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/395)، ((البسيط)) للواحدي (18/404)، ((المفردات)) للراغب (ص: 181)، ((تفسير ابن جزي)) (2/135). .
النُّشُورُ: أي: الحياةُ والمَرجِعُ، وأصلُ (نشر): يدُلُّ على فَتحِ شَيءٍ وتَشَعُّبِه [163] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 360)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/430)، ((تفسير القرطبي)) (18/215)، ((تفسير ابن كثير)) (8/179). .
يَبُورُ: أي: يَبطُلُ ويَفسُدُ، والبَوارُ: فَرطُ الكَسادِ، وأصلُ (بور): يدُلُّ على هلاكِ الشَّيءِ [164] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 360)، ((تفسير ابن جرير)) (19/341)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/316)، ((المفردات)) للراغب (ص: 152)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 310)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538). .
نُطْفَةٍ: النُّطفةُ: هي المَنيُّ، وقيل: الماءُ الصَّافي [165] وقال الشنقيطي: (النُّطْفةُ مختلِطةٌ مِنْ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المرأةِ، خلافًا لِمَن زَعَم أنَّها مِن ماءِ الرَّجلِ وحْدَه). ((أضواء البيان)) (4/266). وذكَر الدَّليلَ على ذلك، فقال: (بدليلِ قولِه تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ [الإنسان: 2]، أي: أخلاطٍ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المرأةِ). ((أضواء البيان)) (2/330). ، وقيل: الماءُ القليلُ، وأصلُ (نطف): يدُلُّ على نَدوةٍ وبَلَلٍ [166] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/440)، ((المفردات)) للراغب (ص: 811)، ((تفسير القرطبي)) (12/6)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 300). .

المعنى الإجماليُّ:


يُبيِّنُ تعالى بعضَ مظاهرِ قدرتِه ورحمتِه، مُستدِلًّا على المَعادِ بإحيائِه الأرضَ بعدَ موتِها، فيقولُ: اللهُ الَّذي أرسَلَ الرِّياحَ بقُدرتِه فتُثيرُ سَحابًا فيَسوقُه اللهُ إلى بلدٍ لا نباتَ فيه، فيُحيي به الأرضَ المُجدِبةَ، ويُنبِتُ فيها الزَّرعَ، كذلك يُحيي اللهُ الأمواتَ، فيُخرِجُهم مِن قُبورِهم أحياءً.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه أنَّ العزَّةَ الكاملةَ إنَّما هي له وحْدَه، فيقولُ: مَن كان يُريدُ العِزَّةَ فلْيَسأَلْها مِنَ اللهِ وَحْدَه؛ فإنَّ لله وحْدَه العِزَّةَ، وإلى اللهِ وحْدَه يَصعَدُ الكَلامُ الطَّيِّبُ، والعَمَلُ الصَّالحُ الَّذي يَعمَلُه العَبدُ يَرفَعُه.
ثمَّ يَذكُرُ سوءَ عاقبةِ الَّذين يَمكُرونَ السُّوءَ، فيقولُ: والَّذين يَعمَلونَ الأعمالَ السَّيِّئةَ لهم عذابٌ شَديدٌ، وعمَلُهم وخِداعُهم يَذهَبُ، ولا يَنفَعُهم بشَيءٍ في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ.
ثمَّ يَذكُرُ تعالى ما يدُلُّ على كمالِ قدرتِه، وسَعةِ عِلمِه، فيقولُ: واللهُ خلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابٍ، ثمَّ خَلَقَكم مِن مَنيٍّ، ثمَّ جعَلَكم ذُكْرانًا وإناثًا، وما مِن أُنثى تَحمِلُ حَملًا أو تَضَعُه إلَّا بعِلمِ اللهِ سُبحانَه، وما يُزادُ في عُمُرِ إنسانٍ أو يُنقَصُ منه إلَّا وذلك مَكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، إنَّ ذلك يسيرٌ على اللهِ سُبحانَه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أشياءَ مِن الأمورِ السَّماويَّةِ، وإرسالِ الملائِكةِ؛ ذكَرَ أشياءَ مِن الأُمورِ الأرضيَّةِ: الرِّياحَ وإرسالَها، وفي هذا احتِجاجٌ على مُنكِري البَعثِ، دلَّهم على المثالِ الَّذي يُعاينونَه، وهو وإحياءُ الموتَى سِيَّانِ [167] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/16). .
وأيضًا لَمَّا قدَّمَ في أوَّلِ السُّورةِ الاستِدلالَ بأنَّ اللهَ فطَرَ السَّمواتِ والأرضَ وما في السَّمواتِ مِن أهلِها، وذلك أعظَمُ دَليلٍ على تَفرُّدِه بالإلهيَّةِ؛ ثنَّى هنا بالاستِدلالِ بتَصريفِ الأحوالِ بيْنَ السَّماءِ والأرضِ، وذلك بإرسالِ الرِّياحِ وتكوينِ السَّحابِ وإنزالِ المطَرِ؛ فهذا عَطْفٌ على قولِه: فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [168] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/267). [فاطر: 1].
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
أي: واللهُ الَّذي أرسَل الرِّياحَ بقُدرتِه، فتُثيرُ سَحابًا [169] قيل: معنى فَتُثِيرُ سَحَابًا: تُزعِجُه مِن مكانِه. وممَّن اختاره: ابنُ الجوزي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/506)، ((تفسير الخازن)) (3/453)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 572)، ((تفسير الشوكاني)) (4/390). قال الواحدي: (قوله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا، قال الكلبيُّ: فتُنشئُ سَحابًا. والمعنى: فنُزعجُه مِن حيث هو). (( البسيط)) (18/404). وقال السمرقندي: (تَرفَعُه وتُهيِّجُه). ((تفسير السمرقندي)) (3/101). وقال أبو عبيدة: («تُثيرُ» أي: تجمَعُ وتَجيءُ به وتُخرِجُه). ((مجاز القرآن)) (2/152). وقال ابنُ عاشور: (الإثارةُ: تحريكُ القارِّ تحريكًا يَضطرِبُ به عن موضِعِه، وإثارةُ السَّحابِ إنشاؤُه بما تُحدِثُه الرِّياحُ في الأجواءِ مِن رطوبةٍ تحصُلُ مِن تفاعُلِ الحرارةِ والبرودةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (21/121). ، فسُقْناه إلى بلدٍ لا نباتَ فيه، فأخصَبْنا تلك الأرضَ المُجْدِبةَ، وأنبَتْنا فيها الزَّرعَ بعدَ يَبَسِها [170] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/335)، ((تفسير السمرقندي)) (3/101)، ((الوسيط)) للواحدي (3/502)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685). قال الشوكاني: (أي: أحيَيْنا بالمطرِ الأرضَ بإنباتِ ما يَنبُتُ فيها، وإنْ لم يَتقدَّمْ ذِكرُ المطَرِ فالسَّحابُ يدُلُّ عليه، أو أحيَينا بالسَّحابِ؛ لأنَّه سَبَبُ المطرِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/391). .
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا [الروم: 48].  
كَذَلِكَ النُّشُورُ.
أي: كما أحيا اللهُ الأرضَ المَيْتةَ يُحيي الأمواتَ بعدَ فَنائِهم، فيُخرِجُهم مِن قُبورِهم أحياءً [171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/335)، ((تفسير القرطبي)) (14/327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685). قال ابنُ الجوزي: (في معنى الكلامِ قولان؛ أحدُهما: كما أحيا اللهُ الأرضَ بعدَ موتِها يُحيي الموتى يومَ البعثِ... والثَّاني: كما أحيا اللهُ الأرضَ المَيْتةَ بالماءِ، كذلك يحيي اللهُ الموتَى بالماءِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/506، 507). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 76). وممَّن ذهب إلى معنى أنَّ النُّشورَ المذكورَ هنا يكونُ بواسطةِ ماءٍ يُنزِلُه اللهُ عزَّ وجلَّ فيحيا به الموتى: ابنُ كثير، والسعدي، ورجَّحه ابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/536)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 76). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/779). والقَولُ بأنَّ المرادَ أنَّ إحياءَ الموتى كإحياءِ الأرضِ دونَ نظرٍ للسَّبَبِ: هو ظاهِرُ اختيارِ الزمخشريِّ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/601). .
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف: 57].
وقال سُبحانَه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: 11].
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما بيْنَ النَّفخَتينِ أربعون. قالوا: يا أبا هريرةَ، أربعون يَومًا؟ قال أبَيْتُ! قالوا: أربعونَ شَهرًا؟ قال: أبَيْتُ! قالوا: أربعون سَنةً؟ قال: أبَيتُ [172] معناه: أبَيْتُ أن أجزِمَ أنَّ المرادَ أربعون يومًا أو شهرًا أو سَنةً، بل الَّذي أجزِمُ به أنَّها أربعون مُجمَلةً؛ لأنَّه إنَّما سَمِعَ (أربعين) ولم يُعَيَّنْ له. يُنظر: ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (3/454)، ((شرح النووي على مسلم)) (18/91، 92). ! ثمَّ يُنزِلُ اللهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فيَنبُتونَ كما يَنبُتُ البَقْلُ. قال: وليس مِن الإنسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ [173] هو العَظْمُ اللطيفُ الَّذي في أسفلِ فقارِ الظَّهرِ، وأعلَى ما بينَ الأليتَينِ. يُنظر: ((التعليق على الموطأ)) للوقشي (1/268)، ((شرح النووي على مسلم)) (18/92)، ((طرح التثريب)) للعراقي (3/307). ، ومنه يُركَّبُ الخَلقُ يومَ القيامةِ )) [174] أخرجه البخاري (4935)، ومسلم (2955) واللفظ له. .
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى بُرهانَ الإيمانِ؛ إشارةً إلى ما كان يَمنعُ الكُفَّارَ منه، وهو العِزَّةُ الظَّاهِرةُ الَّتي كانوا يَتَوهَّمونَها مِن حيثُ إنَّهم ما كانوا في طاعةِ أحدٍ، ولم يكُنْ لهم مَن يأمُرُهم ويَنهاهم، فهم كانوا يَطلُبونَ العِزَّةَ، وهي عدَمُ التَّذَلُّلِ للرَّسولِ، وتَرْكُ الاتِّباعِ له، فقال: إن كنتُم تَطلُبون بهذا الكُفرِ العِزَّةَ في الحقيقةِ، فهي كُلُّها لله، ومَن يَتذلَّلْ له فهو العزيزُ، ومَن يَتعزَّزْ عليه فهو الذَّليلُ [175] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/225). .
وأيضًا لَمَّا مضَى ذِكرُ غُرورينِ إجمالًا في قَولِه تعالى: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: 33]، فأُخِذ في تفصيلِ الغُرورِ الثَّاني من قَولِه تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ [فاطر: 6] وما استَتْبَعه مِن التَّنبيهِ على كَيدِه، وانبعاثِ سُمومِ مَكرِه، والحَذرِ مِن مَصارعِ مُتابعتِه، وإبداءِ الفَرقِ بيْنَ الواقِعينَ في حبائِلِه والمُعافَيْنَ مِن أدوائِه، بِدارًا بتفصيلِ الأهَمِّ والأصلِ، وأُبقيَ تفصيلُ الغُرورِ الأوَّلِ إلى هنا، وإذ قد كان أعظَمُ غُرورِ المُشرِكين في شِركِهم ناشِئًا عن قَبولِ تعاليمِ كُبرائِهم وسادتِهم، وكان أعظَمُ دواعي القادةِ إلى تضليلِ دَهْمائِهم وصنائِعِهم هو ما يجِدونه مِن العِزَّةِ والافتتانِ بحُبِّ الرئاسةِ- لا جَرَمَ كانت إرادةُ العِزَّةِ مِلاكَ تكاتُفِ المُشرِكينَ بعضِهم مع بعضٍ، وتألُّبِهم على مُناوأةِ الإسلامِ؛ فلذلك نادَى عليهم القرآنُ بأنَّ مَن كان ذلك صارِفَه عن الدِّينِ الحَقِّ، فلْيَعلَمْ بأنَّ العِزَّةَ الحَقَّ في اتِّباعِ الإسلامِ، وأنَّ ما هم فيه مِنَ العِزَّةِ كالعَدَمِ [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/269). .
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا.
أي: مَن كان يريدُ العِزَّةَ [177] قال ابنُ عثيمين: (والعِزَّةُ: هي الغَلَبةُ، والمنَعَةُ، وقَهرُ الأعداءِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 80). وقال ابن عاشور: (والعِزَّةُ: الشَّرَفُ والحصانةُ مِن أنْ يُنالَ بسوءٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/271). فلْيَطلُبْها مِن الله، ولْيَتسَبَّبْ لِنَيْلِها بطاعتِه؛ فإنَّ لله وَحْدَه جميعَ العِزَّةِ دونَ مَن سِواه [178] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/337)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/48)، ((تفسير ابن كثير)) (6/536)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/280)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 80). قال ابن جُزَي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ الآية تحتمِلُ ثلاثةَ معانٍ: أحدُها -وهو الأظهَرُ: مَن كان يريدُ نَيْلَ العِزَّةِ، فلْيَطلُبْها مِن عند اللهِ؛ فإنَّ العِزَّةَ كُلَّها لله. والثَّاني: مَن كان يريدُ العِزَّةَ بمُغالبةِ الإسلامِ، فلله العِزَّةُ جميعًا، فالمُغالِبُ له مغلوبٌ. والثَّالثُ: مَن كان يريدُ أن يعلَمَ لِمَنِ العِزَّةُ، فلْيَعلَمْ أنَّ العِزَّةَ لله جميعًا). ((تفسير ابن جزي)) (2/172). وقال ابن عثيمين: (قَولُه تعالى: جَمِيعًا يرادُ به عمومُ الأنواعِ، وعُمومُ الأزمانِ، وعُمومُ الأمكنةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 82). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: 139].
وقال سُبحانَه: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: 65].
وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81، 82].
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.
أي: إلى اللهِ وَحْدَه يَصعَدُ الكَلامُ الطَّيِّبُ، والعمَلُ الصَّالحُ الَّذي يَعمَلُه العبدُ خالِصًا للهِ تعالى ومُوافِقًا لِشَرعِه يَرفَعُه [179] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/338)، ((الوسيط)) للواحدي (3/502)، ((تفسير القرطبي)) (14/330)، ((تفسير ابن كثير)) (6/537)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 93). قال السمعاني: (وقولُه: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فيه ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: ما رُويَ عن الحسَنِ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعِكْرِمةَ والضَّحَّاكِ وغيرِهم أنَّهم قالوا: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي: العمَلُ الصَّالحُ يَرفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ. والقولُ الثَّاني: قَولُ قَتادةَ؛ قال: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي: يَرفَعُه الله. والقولُ الثَّالثُ: والعمَلُ الصَّالحُ يَرفَعُه الكَلِمُ الطَّيِّبُ)). ((تفسير السمعاني)) (4/349). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/507، 508). وممَّن قال بالقولِ الأوَّلِ: ابنُ جرير، والنحاس، والسمعاني، وابن القيم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/338)، ((معاني القرآن)) للنحاس (5/442)، ((تفسير السمعاني)) (4/349)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/133). وهذا باعتبارِ أنَّه لا يَنفعُ قولٌ بلا عمَلٍ؛ إذ الإيمانُ قولُ وعملٌ. وممَّن قال بالقولِ الثَّاني: ابنُ عطية، والبِقاعي، والسعدي، وابنُ عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/431)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/19)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/272)، ((تفسير ابن عثيمين- سرة فاطر)) (ص: 87). وهذا باعتبارِ أنَّ توحيدَ مرجعِ الضَّمائرِ أولى مِن تفريقِها، كما في ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 414 وما بعدها). والقولُ الثَّالثُ باعتبارِ أنَّ الضَّميرَ يرجِعُ إلى أقرَبِ مذكورٍ، ويكونُ ذلك باعتِبارِ أنَّه لا يَنفَعُ عمَلٌ إلَّا مع شهادةِ التَّوحيدِ. .
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن ما يُحصِّلُ العِزَّةَ مِن الحِكمةِ؛ بَيَّنَ ما يَكسِبُ الذِّلَّةَ، ويُوجِبُ النِّقمةَ مِن رَديءِ الهِمَّةِ، فقال [180] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/19). :
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
أي: والَّذين يَعمَلونَ الأعمالَ السَّيِّئةَ [181] قال الواحدي: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ أي: والَّذين يقولون الشِّركَ. وهذا معنى قولِ ابنِ عبَّاسٍ: والَّذين يُشرِكون بالله لهم عذابٌ شديدٌ. وقال الكلبيُّ: يعني: يَعمَلون السَّيِّئاتِ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: والَّذين يَعمَلون بالرِّياءِ. وهو قولُ مُجاهِدٍ وشَهرِ بنِ حَوْشَبٍ. وقال أبو العاليةِ: يعني: الَّذين مكَروا برسولِ الله في دارِ النَّدوةِ. وهو اختيارُ أبي إسحاقَ). ((البسيط)) (18/408). ويُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/265). قيل: المرادُ بهم المُشرِكونَ. وممَّن قال بهذا المعنى: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والواحديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/553)، ((الوسيط)) للواحدي (3/502). قال ابن كثير: (الصَّحيحُ أنَّها عامَّةٌ، والمشرِكونَ داخِلونَ فيها بطريقِ الأَولى). ((تفسير ابن كثير)) (6/537، 538). قال الشنقيطي: (مِن مَكرِهم السَّيِّئاتِ كُفرُهم باللهِ، وأمْرُهم أتْباعَهم به). ((أضواء البيان)) (6/281). وقال ابن عاشور: (المكرُ: تدبيرُ إلحاقِ الضُّرِّ بالغيرِ في خُفيةٍ؛ لئلَّا يأخُذَ حِذرَه). ((تفسير ابن عاشور)) (22/274). لهم عذابٌ شديدٌ يُهانونَ فيه غايةَ الإهانةِ؛ جزاءَ مَكرِهم [182] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/553)، ((تفسير ابن جرير)) (19/340)، ((الوسيط)) للواحدي (3/502)، ((تفسير ابن عطية)) (4/432)، ((تفسير ابن كثير)) (6/537، 538)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/274)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/281). .
وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَوعَّدهم اللهُ بالعذابِ الشَّديدِ على مَكرِهم، أنبَأَهم أنَّ مَكرَهم لا يَرُوجُ، وأنَّ اللهَ سَيُبطِلُه، فلا يَنتفِعون منه في الدُّنيا، ويُضَرُّون بسَببِه في الآخرةِ، فقال [183] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/274). :
وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ.
أي: وعمَلُ أولئكَ وخِداعُهم يَبْطُلُ ويَذهَبُ، فلا يَروجُ، ولا يَنفعُهم بشَيءٍ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ [184] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/341)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/20)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/274)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 91). .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى دلائِلَ الآفاقِ مِن السَّمَواتِ -وما يُرسَلُ منها مِن الملائِكةِ-، والأرضِ وما يُرسَلُ فيها مِن الرِّياحِ- شَرَع في دلائِلِ الأنفُسِ [185] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/227). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه ما صيَّرَهم إليه مِن المُفاوَتةِ في الأخلاقِ؛ أتْبَعَه ما كانوا عليه مِن الوَحدةِ في جِنسِ الأصلِ، فقال [186] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/20). :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا.
أي: واللهُ خلَقَ أباكم آدَمَ مِن ترابٍ، ثمَّ خلَقَكم مِن مَنيٍّ، ثمَّ جعَلَكم ذُكرانًا وإناثًا [187] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/342)، ((الوسيط)) للواحدي (3/502)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/21)، ((تفسير السعدي)) (ص: 685). قال الشوكاني: (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا أي: زَوَّج بعضَكم ببعضٍ، فالذَّكَرُ زَوْجُ الأنثَى، أو جَعَلكم أصنافًا ذُكْرانًا وإناثًا). ((تفسير الشوكاني)) (4/392). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ... [الحج: 5].
وقال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم: 45، 46].
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
بعْدَ الاستِدلالِ بما في بَدءِ التَّكوينِ الثَّاني مِن التَّلاقُحِ بيْنَ النُّطفتَينِ، استُدِلَّ بما يَنشَأُ عن ذلك مِن الأطوارِ العارضةِ للنُّطفةِ في الرَّحمِ، وهو أطوارُ الحمْلِ مِن أوَّلِه إلى الوَضعِ [188] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/276). .
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ.
أي: وما مِن أنثى تَحمِلُ حَمْلًا أو تضَعُه إلَّا واللهُ عالمٌ به، لا يخفَى عليه شَيءٌ منه، فيَعلَمُ وَقْتَ حَمْلِه ووَضْعِه، ونَوْعَه وشَكْلَه، وغيرَ ذلك مِن شُؤونِه [189] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/342)، ((الهداية)) لمكي (9/5960)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/22)، ((تفسير الشوكاني)) (4/392)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 96، 97). .
وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لا جَرَمَ أنَّ الحديثَ عن التَّكوينِ يَستتبعُ ذِكرَ الموتِ المكتوبِ على كُلِّ بَشَرٍ، فجاء بذِكرِ عِلمِه الآجالَ والأعمارَ؛ للتَّنبيهِ على سَعةِ العِلمِ الإلهيِّ [190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/277). .
وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ.
أي: وما مِن زيادةٍ في عُمُرِ إنسانٍ أو نُقصانٍ منه إلَّا وذلك مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ [191] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/368)، ((تفسير ابن جرير)) (19/342، 345)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 891)، ((تفسير ابن عطية)) (4/432)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538، 539)، ((تفسير الشوكاني)) (4/392). ممَّن اختار أنَّ المرادَ: لا يَطولُ عُمُرُ أحَدٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ آخَرَ غيرِه إلَّا في كتابٍ، فوُضِعَ مِنْ مُعَمَّرٍ مَوضِعَ (مِن أحدٍ)، وليس المرادُ شخصًا واحدًا، وإنَّما ذلك كقولِك: لا يُعاقِبُ اللهُ عبدًا ولا يُثيبُه إلَّا بحقٍّ، وقولِك: لِفُلانٍ عندي دِرهَمٌ ونِصْفُه، أي: نِصْفُ دِرهَمٍ آخَرَ؛ ممَّن اختاره: الفَرَّاءُ، وابنُ جرير، ومكِّي، والبغويُّ، وابنُ جُزَي، والخازن، وابن كثير، وأبو السعود، والألوسي، وابن عثيمين. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/368)، ((تفسير ابن جرير)) (19/342)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5960)، ((تفسير البغوي)) (3/691)، ((تفسير ابن جزي)) (2/173)، ((تفسير الخازن)) (3/454)، ((تفسير ابن كثير)) (6/538)، ((تفسير أبي السعود)) (7/146)، ((تفسير الألوسي)) (11/350)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 377). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 98- 101). وقيل: الضَّميرُ في قولِه: عُمُرِهِ عائدٌ على المُعَمَّرِ الأوَّلِ بعَيْنِه، واختُلِف في تأويلِه: فقيل: معنى الآيةِ على ذلك: أنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ قد كتَبَ عُمُرَ كُلِّ مُعَمَّرٍ، وكتَبَ: يُعَمَّرُ كذا وكذا سَنةً، وكذا وكذا شهرًا، وكذا وكذا يومًا، وكذا وكذا ساعةً، فكلُّ ما نَقَص مِن عُمُرِه مِن سَنةٍ أو شهرٍ أو يومٍ أو ساعةٍ كتب ذلك حتَّى يَبلُغَ أجَلَه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والزَّجَّاجُ. ونسَبَه الواحديُّ للجمهورِ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/554)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/265)، ((البسيط)) للواحدي (18/409). قال الواحدي: (فالمُعَمَّرُ على هذا الَّذي قُدِّر له شَيءٌ مِن العُمُرِ وإن قَلَّ، وليس المُعَمَّرُ بمعنَى الطَّويلِ العُمُرِ، وهو قولُ المفسِّرينَ). ((البسيط)) (18/409). وقال الشوكاني: (ظاهِرُ النَّظمِ القُرآنيِّ أنَّ تطويلَ العُمُرِ وتقصيرَه: هما بقضاءِ الله وقَدَرِه؛ لأسبابٍ تقتضي التَّطويلَ، وأسبابٍ تقتضي التَّقصيرَ؛ فمِن أسبابِ التَّطويلِ: ما وردَ في صِلةِ الرَّحمِ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ونحو ذلك. ومِن أسبابِ التَّقصيرِ الاستِكثارُ مِن معاصي الله عزَّ وجَلَّ؛ فإذا كان العمُرُ المَضروبُ للرَّجُلِ مثلًا سبعين سنةً، فقد يَزيدُ الله له عليها إذا فعَل أسبابَ الزِّيادةِ، وقد يَنقُصُه منها إذا فعَل أسبابَ النُّقصانِ، والكُلُّ في كتابٍ مُبينٍ، فلا تَخالُفَ بيْنَ هذه الآيةِ وبيْن قَولِه سُبحانَه: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34]، ويؤيِّدُ هذا قَولُه سُبحانَه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39]). ((تفسير الشوكاني)) (4/392، 393). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/490-492)، ((إتحاف ذوي الألباب)) لمرعي (ص: 95-97)، ((تفسر ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 97-100). وقال السعدي: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي: عُمُرِ الَّذي كان مُعَمَّرًا عُمُرًا طويلًا إِلَّا بعِلْمِه تعالى، أو ما يُنقَصُ مِن عُمُرِ الإنسانِ الَّذي هو بصَدَدِ أن يَصِلَ إليه، لولا ما سلَكَه مِن أسبابِ قِصَرِ العُمُرِ؛ كالزِّنا، وعُقوقِ الوالدَينِ، وقطيعةِ الأرحامِ، ونحوِ ذلك ممَّا ذُكِر أنَّها مِن أسبابِ قِصَرِ العُمُرِ. والمعنى: أنَّ طولَ العُمُرِ وقِصَرَه، بسببٍ وبغيرِ سببٍ كلُّه بعِلمِه تعالى، وقد أثبَت ذلك فِي كِتَابٍ حوى ما يَجري على العبد في جميعِ أوقاتِه وأيَّامِ حياتِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 686). .
كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام: 2].
وعن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزقِه، ويُنْسَأَ له في أثَرِه؛ فلْيَصِلْ رَحِمَه )) [192] أخرجه البخاري (5986)، ومسلم (2557). .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لها: ((إنَّه مَن أُعطِيَ حَظَّه مِن الرِّفقِ فقد أُعطِيَ حَظَّه مِن خَيرِ الدُّنيا والآخرةِ، وصِلةُ الرَّحِمِ وحُسْنُ الخُلُقِ وحُسْنُ الجِوارِ يَعمُرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ)) [193] أخرجه أحمد (25259) واللفظ له، وأبو يعلى (4530)، وأبو نُعيم في ((حلية الأولياء)) (9/159). وثَّق رجالَ إسنادِه ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (10/429)، وصحَّح إسنادَه الألبانيُّ في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (519)، وصحَّح الحديثَ الوادعيُّ في ((الصحيح المسند)) (1656). .
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
أي: إنَّ ذلك الأمرَ العظيمَ مِن كتابةِ أعمارِ جميعِ الخَلقِ؛ ما زاد منها وما نَقَص، وتقديرِها، وإحصاءِ ساعاتِها ودقائِقِها، والإحاطةِ بها على وَجهِ التَّفصيلِ: أمرٌ يسيرٌ على اللهِ سُبحانَه، فلا يَعسُرُ عليه شَيءٌ مِن ذلك [194] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/345)، ((تفسير ابن عطية)) (4/432)، ((تفسير القرطبي)) (14/334)، ((تفسير ابن كثير)) (6/539)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/23)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 101). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- المعصيةُ تُورِثُ الذُّلَّ ولا بُدَّ؛ فإنَّ العِزَّ كُلَّ العِزِّ في طاعةِ الله تعالى؛ قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي: مَن كان يُريدُ العزَّةَ فلْيَطلُبْها بطاعةِ اللهِ وذِكْرِه مِن الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعمَلِ الصَّالحِ؛ فإنَّه لا يَجِدُها إلَّا في طاعتِه [195] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 59، 180). ، فمَن أطاع اللهَ فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله مِن العِزِّ بحَسَبِ طاعتِه، ومَن عصاه فقد عاداه فيما عَصاه فيه، وله مِن الذُّلِّ بحَسَبِ مَعصيتِه [196] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 180). .
2- قَولُ الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ المقصودُ منه أنَّ أعمالَ المؤمِنينَ هي الَّتي تَنفَعُ؛ لِيَعلمَ النَّاسُ أنَّ أعمالَ المُشرِكينَ سَعيٌ باطِلٌ [197] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/272). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ إثباتُ الأسبابِ، وأنَّ المُسبَّباتِ مَربوطةٌ بأسبابِها؛ فإنَّ الفاءَ هنا للسَّبَبيَّةِ [198] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 76). .
2- في قَولِه تعالى: فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا الرَّدُّ على أهلِ الكلامِ الَّذين يقولونَ: إنَّه لا يُوصَفُ بالحياةِ والمَوتِ شَيءٌ مِن الجَماداتِ؛ لأنَّه هنا أثبَتَ الحياةَ والموتَ للأرضِ، وهي مِن الجماداتِ، وقال تعالى في الأصنامِ: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [199] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 77). [النحل: 21].
3- في قَولِه تعالى: فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ جوازُ إضافةِ الشَّيءِ إلى سَبَبِه المعلومِ، وإضافةُ الشَّيءِ إلى سَبَبِه المعلومِ أمرٌ واقِعٌ في القرآنِ وفي السُّنَّةِ، بمعنى: أنَّه لا يُشترَطُ أنْ تَقرِنَ معه اللهَ عزَّ وجلَّ، فإذا أضَفْتَ الشَّيءَ إلى سَببِه المعلومِ وإنْ لم تكُنْ تَقْرِنُ اللهَ به؛ فلا بأسَ، لكنَّ المُحَرَّمَ أنْ يُضافَ إلى سَبَبٍ غيرِ مَعلومٍ لا شَرعًا ولا حِسًّا، أو أنْ يُضافَ إلى سَبَبِه المعلومِ مَقرونًا مع اللهِ بحَرفٍ يقتضي التَّسويةَ [200] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 78). .
4- قَولُ الله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ يدُلُّ على صِحَّةِ القياسِ [201] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 216). .
5- قَولُ الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا لا تَنافيَ بيْنَه -وإن كان الظَّاهِرُ أنَّها له لا لِغَيرِه- وبيْنَ قَولِه تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]، وإن كان يقتضي الاشتراكَ؛ لأنَّ العِزَّةَ في الحقيقةِ لله بالذَّاتِ، وللرَّسولِ بواسِطةِ قُربِه مِن اللهِ، وللمُؤمِنينَ بواسِطةِ الرَّسولِ؛ فالمحكومُ عليه أوَّلًا غيرُ المحكومِ عليه ثانيًا [202] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/18). .
6- في قَولِه تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ دَليلٌ على عُلُوِّ اللهِ تعالى على سائِرِ مخلوقاتِه، وأنَّه كامِلُ الأسماءِ الحُسنى والصِّفاتِ العُلا [203] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/136). . وفيه حُجَّةٌ قاطِعةٌ لكلِّ لُبْسةٍ على مَن يَزعمُ أنَّ اللهَ بنَفْسِه في الأرضِ؛ فكيف يَصْعَدُ إليه -وَيْحَهم- العَمَلُ الصَّالحُ، وهو مع عامِلِه -بزعمِهم- في الأرضِ؟! بل هو في السَّماءِ على العَرشِ بلا مِريةٍ ولا شَكٍّ، وعِلمُه بكلِّ مكانٍ، لا يَخلو مِن عِلْمِه مَكانٌ [204] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/694). .
7- في قَولِه تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ حُجَّةٌ على المرجئةِ فيما يُعَرُّونَ الإيمانَ مِن العملِ الصَّالحِ! وهذا القولُ نفْسُه لا يَرفَعُه إلَّا العملُ الصَّالحُ -كما ترى، على قولٍ في التَّفسيرِ-، فكيف لا يكونُ مِن الإيمانِ؛ والقولُ -الَّذي هو عندَهم كمالُ الإيمانِ- لا يَرفعُه إلَّا العملُ [205] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/695). ؟!
8- قد يُجعَلُ الكَلامُ قَسيمًا للعَمَلِ ليس قِسمًا منه في مِثلِ قَولِه تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، وقد يُجعَلُ قِسمًا منه كما في قَولِه تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [206] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/375). [الحجر: 92، 93].
9- في قَولِه تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَرفَعُ مِن الأعمالِ إلَّا ما كان صالِحًا -وهذا على قولٍ في تفسيرِ الآيةِ-، والعَمَلُ الصَّالحُ ما اشتمَلَ على وصْفَينِ: الإخلاصِ للهِ، والمتابَعةِ لِشَرعِه؛ فإنْ فُقِدَ الإخلاصُ فليس بعَمَلٍ صالحٍ؛ لأنَّه شِركٌ، وإنْ فُقِدَت المتابَعةُ فليس بعَمَلٍ صالحٍ؛ لأنَّه بِدعةٌ [207] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 93). .
10- قال تعالى : وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ فسَمَّى السَّيِّئاتِ مَكرًا؛ لأنَّ الإنسانَ في الواقعِ يَخدَعُ نَفْسَه بها، ويَخدَعُ غيرَه بها؛ فيُمَنِّي نَفْسَه التَّوبةَ، أو يُمنِّي نَفْسَه سَعةَ حِلمِ اللهِ ومَغفرتِه، فلن يُؤاخِذَه بهذه العُقوبةِ [208] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 88). !
11- في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إثباتُ مراتبِ القَدَرِ الأربعةِ: العِلمِ، والكتابةِ، والخَلْقِ، والمشيئةِ، وهذه الأخيرةُ تُؤخَذُ مِن قَولِه تعالى: مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، وهذا لا يكونُ إلَّا بمشيئةِ اللهِ تعالى [209] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 102). .
12- قَولُ الله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ فيه سُؤالٌ: الضَّميرُ في قَولِه تعالى: عُمُرِهِ يَظهَرُ رُجوعُه إلى المُعمَّرِ، فيُشكِلُ معنى الآيةِ على هذا القول؛ لأنَّ المعَمَّرَ والمنقوصَ مِن عُمُرِه ضِدَّانِ، فيَظهَرُ تنافي الضَّميرِ ومُفَسِّرِه؟
الجوابُ: أنَّ المرادَ بالمعَمَّرِ هنا جِنسُ المُعمَّرِ الَّذي هو مُطلَقُ الشَّخصِ، فيَصدُقُ بالَّذي لم يُنقَصْ مِن عُمُرِه، وبالَّذي نقَصَ مِن عُمُرِه، فصار المعنى: لا يُزادُ في عُمُرِ شَخصٍ، ولا يُنقَصُ مِن عُمُرِ شَخصٍ إلَّا في كتابٍ [210] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 194). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
- في هذه الآيةِ اختِيرَ مِن دَلائلِ الوحدانيَّةِ: دَلالةُ تَجمُّعِ أسبابِ المطَرِ؛ لِيُفْضِيَ مِن ذلك إلى تَنظيرِ إحياءِ الأمواتِ بعْدَ أحوالِ الفَناءِ بآثارِ ذلك الصُّنْعِ العجيبِ، وأنَّ الَّذي خلَقَ وسائلَ إحياءِ الأرضِ قادرٌ على خلْقِ وسائلِ إحياءِ الَّذين ضَمَّتْهم الأرضُ، على سَبيلِ الإدماجِ [211] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/16)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/267). والإدماجُ: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرَضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ؛ فهو مِن أفانينِ البَلاغةِ، ويكونُ مرادُ البليغِ غَرَضينِ، فيُقرِنُ الغرضَ المسوقَ له الكلامُ بالغرضِ الثَّاني، وفيه تَظهرُ مَقدرةُ البليغِ؛ إذ يأتي بذلك الاقترانِ بدونِ خروجٍ عن غَرَضِه المسوقِ له الكلامُ ولا تَكلُّفٍ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المبالَغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مُبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((علوم البلاغة)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). .
- وفي قولِه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ إظهارُ اسمِ الجَلالةِ في مَقامِ الإضمارِ، دونَ أنْ يقولَ: (وهو الَّذي أرسَلَ الرِّياحَ)، فيَعودَ الضَّميرُ إلى اسمِ اللهِ مِن قَولِه: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [فاطر: 8] [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/267). ، فأخبَرَ عن نفْسِه بأنَّه صاحِبُ هذا الاسمِ المختَصِّ به الَّذي لا يَجهَلونَه، ولأنَّه مع الصِّلةِ يُفيدُ الحَصرَ، أي: اللهُ المُرسِلُ، ومعناه أنَّه لا مُرسِلَ سِواه [213] يُنظر: ((الطراز لأسرار البلاغة)) ليحيى بن حمزة المؤيد بالله (3/154). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ، فلَمْ يُؤتَ بفِعلِ الإرسالِ في هذه الآيةِ بصِيغةِ المُضارِعِ، بخِلافِ قولِه: في سُورةِ (الرُّومِ): وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ... [الرُّوم: 48] الآيةَ؛ وذلك لأنَّ القَصدَ هنا استِدلالٌ بما هو واقعٌ؛ إظهارًا لإمكانِ نَظيرِه، وأمَّا آيةُ سُورةِ (الرُّومِ) فالمَقصودُ منها الاستِدلالُ على تَجديدِ صُنْعِ اللهِ ونِعَمِه [214] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/268). .
- وأيضًا قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بلَفظِ الماضي، ثم قال: فَتُثِيرُ سَحَابًا بصِيغةِ المُستقبَلِ؛ وذلك لأنَّه لَمَّا كان القَصدُ مِن الاستِدلالِ هو وُقوعَ الإحياءِ وتقرُّرَ وُقوعِه، جِيءَ بفِعلِ الماضي في قولِه: أَرْسَلَ. وأمَّا تَغييرُه إلى المُضارعِ في قولِه: فَتُثِيرُ سَحَابًا؛ فلِحكايةِ الحالِ العَجيبةِ الَّتي تقَعُ فيها إثارةُ الرِّياحِ السَّحابَ، وتُستحضَرَ تلك الصُّورُ البديعةُ الدَّالَّةُ على القُدرةِ الرَّبَّانيَّةِ، ولأنَّ المُرادَ بَيانُ إحداثِها بهذه الخاصِّيَّةِ؛ ولذلك أسنَدَهُ إليها، وهي طريقةٌ للبُلغاءِ في الفِعلِ الَّذي فيه خُصوصيَّةٌ بحالٍ تُستغرَبُ وتَهُمُّ السَّامعَ. ويجوزُ أنْ يكونَ اختلافُ الأفعالِ للدَّلالةِ على استِمرارِ الأمْرِ [215] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/601)، ((تفسير البيضاوي)) (4/254، 255)، ((تفسير أبي حيان)) (9/16)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/16، 17)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 468)، ((تفسير أبي السعود)) (7/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/268)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/131). . وقيل: إنَّما هذا مِن التَّفنُّنِ في الكلامِ، والتَّصرُّفِ في البَلاغةِ [216] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (16/17). .
- ولَمَّا كان سَوقُ السَّحابِ إلى البلدِ الميِّتِ، وإحياءُ الأرضِ بالمَطرِ بعْدَ مَوتِها: مِن الدَّلائلِ على القُدرةِ الباهرةِ؛ قِيل: (فسُقْنا، وأحيَيْنا) مَعدولًا بهما عن لَفظِ الغَيبةِ إلى ما هو أدخَلُ في الاختصاصِ وأدلُّ عليه. وإيرادُ الفِعلينِ فَسُقْنَاهُ فَأَحْيَيْنَا على صِيغةِ الماضِي؛ للدَّلالةِ على التَّحقُّقِ [217] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/601)، ((تفسير البيضاوي)) (4/255)، ((تفسير أبي حيان)) (9/16، 17)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/17)، ((تفسير أبي السعود)) (7/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/268)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/131). . وقيل: في الأوَّلِ عرَّف نفْسَه بفِعلٍ مِن الأفعالِ، وهو الإرسالُ، ثمَّ لَمَّا عُرِفَ قال: أنا الَّذي عرَفْتَني سُقْتُ السَّحابَ، وأحيَيْتُ الأرضَ؛ ففي الأوَّلِ كان تعريفًا بالفِعلِ العجيبِ، وفي الثَّاني كان تذكيرًا بالنِّعمةِ؛ فإنَّ كمالَ نِعمةِ الرِّياحِ والسُّحُبِ: بالسَّوقِ والإحياءِ [218] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/225). .
2- قَولُه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ
- قولُه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا في إخراجِ هذا الكَلامِ مُخرجَ الشَّرطِ نَوعُ تَوبيخٍ، وتَنبيهٌ للمُخاطَبينَ على خَطأِ رأْيِهم، وفَسادِ طَريقتِهم، وتَضْليلِهم فيما همْ فيه مِن طَلبِ العزَّةِ مِن غَيرِ مَوضعِها ومَكانِها، كأنَّه قِيل: أيُّها الضَّالُّون، تَنبَّهوا على خَطئِكم، وتَيَقَّنوا أنْ ليسَ الوُصولُ إلى المطلوبِ ما أنتُم عليه مِن رَوْمِ العزَّةِ مِن عندِ غيرِ اللهِ؛ لأنَّ العِزَّةَ كلَّها مِلكُ اللهِ، ومُختصَّةٌ به وبأوليائِه، وطَريقُ الوُصولِ إليها الإيمانُ والعملُ الصالحُ، واعلَموا أنَّ مَنْ أعزَّهُ اللهُ فلا مُذِلَّ له، ومَنْ أذَلَّه لا مُعِزَّ له [219] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/615). .
- والجمْعُ بيْن (كانَ) و(يُرِيدُ) في قولِه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا؛ للدَّلالةِ على دَوامِ الإرادةِ واستِمرارِها [220] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/145). .
- قولُه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ (مَن) شَرطيَّةٌ، وجُعِل جَوابُها فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، وليس ثُبوتُ العِزَّةِ للهِ بمُرتَّبٍ في الوُجودِ على حُصولِ هذا الشَّرطِ، فتَعيَّنَ أنَّ ما بعْدَ فاءِ الجزاءِ هو عِلَّةُ الجوابِ، أُقِيمَت مُقامَه، واستُغْنِيَ بها عن ذِكرِه؛ إيجازًا، ولِيَحصُلَ مِن استخراجِه مِن طَيَّاتِ الكلامِ تَقرُّرُه في ذِهنِ السَّامعِ، والتَّقديرُ: مَن كان يُرِيدُ العِزَّةَ فلْيَستجِبْ إلى دَعوةِ الإسلامِ؛ ففيها العِزَّةُ؛ لأنَّ العِزَّةَ كلَّها للهِ تعالى، أو فلْيَطْلُبْها عندَ اللهِ، فأمَّا العِزَّةُ الَّتي يَتشبَّثون بها فهي كخَيطِ العَنكبوتِ؛ لأنَّها واهيةٌ باليةٌ، وهذا الأسلوبُ لِتَنبيهِ المخاطَبِ على خطَأِ زَعمِه. وقد يكونُ بالعكسِ، وهو تَثبيتُ المخاطَبِ على عِلمِه؛ فتَقديمُ المجرورِفَلِلَّهِ يُفِيدُ قصرًا، وهو قَصرٌ ادِّعائيٌّ [221] القَصرُ أو الحَصرُ: في اصطِلاح البلاغيِّينَ هو تَخصيصُ شَيءٍ بشَيءٍ وحصْرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأوَّلُ: مَقصورًا، والثَّاني: مقصورًا عليه، مِثلُ: إنَّما زيدٌ قائمٌ، و: ما ضرَبْتُ إلَّا زيدًا. ويَنقسِمُ إلى قصرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادِّعائيٍّ، وقَصْرِ قَلْبٍ؛ فالحقيقيُّ هو: أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَبِ الحقيقةِ والواقِع، بألَّا يَتعدَّاه إلى غيرِه أصلًا، مِثلُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ حيثُ قُصِر وصْفُ الإلَهيَّةِ الحقِّ على مَوصوفٍ هو اللهُ وحْدَه، وهذا مِن قصرِ الصِّفةِ على الموصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والإضافيُّ: أن يكونَ المقصورُ عنه شيئًا خاصًّا، يُرادُ بالقصرِ بيانُ عدَمِ صحَّةِ ما تصوَّره بشأنِه أو ادَّعاه المقصودُ بالكلامِ، أو إزالةُ شكِّه وتردُّدِه إذا كان الكلامُ كلُّه منحصرًا في دائرةٍ خاصَّةٍ؛ فليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنَّما هو قصرٌ بالإضافةِ إلى موضوعٍ خاصٍّ، يَدورُ حوْلَ احتمالَينِ أو أكثَرَ مِن احتمالاتٍ محصورةٍ بعددٍ خاصٍّ، ويُستدَلُّ عليها بالقرائنِ، مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144]. والادِّعائيُّ: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مَبنيًّا على الادِّعاءِ والمبالَغةِ، بتنزيلِ غيرِ المذكورِ مَنزِلةَ العدَمِ، وقصْرِ الشَّيءِ على المذكورِ وحْدَه. وقصْرُ القَلبِ: أن يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السَّامعِ، كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ مُعَيَّنةٍ أو طرَفٍ مُعَيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زَيْدٌ هناك بشاعِرٍ. وللقَصرِ طُرُقٌ كثيرة؛ منها: القصرُ بالنَّفيِ والاستثناءِ، والقصرُ بـ(إنَّما)، والقصرُ بتقديمِ ما حَقُّه التأخيرُ، وغيرُ ذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118)، و(3/6)، ((التعريفات)) للجرجاني (1/175-176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167- 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525). ؛ لِعَدمِ الاعتدادِ بما للمشركينَ مِن عِزَّةٍ ضَئيلةٍ، أي: فالعِزَّةُ للهِ لا لهم [222] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/602)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/616)، ((تفسير أبي السعود)) (7/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/270، 271). .
- ولفظةُ جَمِيعًا أفادتِ الإحاطةَ؛ فكانتْ بمَنزلةِ التَّأكيدِ للقصرِ الادِّعائيِّ، فحصَلَت ثلاثةُ مُؤكِّداتٌ؛ فالقصرُ بَمنزلةِ تأْكيدينِ -فالحصرُ والتَّخصيصُ ليسَا إلَّا تأكيدًا على تأكيدٍ-، وجَمِيعًا بمَنزلةِ تأكيدٍ ثالثٍ [223] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/271). .
- وأيضًا قولُه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا قَريبٌ مِن قولِه: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: 139]؛ فإنَّ فيه تَأْكيدَينِ: تَأكيدًا بـ (إنَّ)، وتأكيدًا بـ جَمِيعًا؛ لأنَّ تلك الآيةَ نَزَلت في وَقتِ قُوَّةِ الإسلامِ؛ فلم يُحتَجْ فيها إلى تَقويةِ التَّأكيدِ مِثْلَما في هذه الآيةِ الَّتي أُكِّدَتْ بثلاثةِ مؤكِّداتٍ [224] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/271). .
- قولُه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ كما أتْبَعَ تَفصيلَ غُرورِ الشَّيطانِ بعَواقبِه في الآخرةِ بقولِه: إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] الآيةَ، وبذِكرِ مُقابِلِ عَواقبِه مِن حالِ المؤمنينَ، كذلك أتْبَعَ تَفصيلَ غُرورِ الأنفُسِ أهْلَها بعَواقبِه، وبذِكرِ مُقابِلِه أيضًا؛ لِيَلتقِيَ مآلُ الغُرورينِ ومُقابلِهما في مُلتقًى واحدٍ، ولكنْ قُدِّم في الأوَّلَ عاقبةُ أهلِ الغُرورِ بالشَّيطانِ، ثمَّ ذُكِرَت عاقبةُ أضْدادِهم، وعُكِسَ في ما هنا؛ لِجَريانِ ذِكرِ عِزَّةِ اللهِ؛ فقُدِّمَ ما هو المناسِبُ لآثارِ عِزَّةِ اللهِ في حِزْبِه وجُنْدِه، وجُملةُ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ مُستأْنَفةٌ استئنافًا ابتدائيًّا بمُناسَبةِ تَفصيلِ الغُرورِ الَّذي يُوقَعُ فيه [225] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/271، 272). .
- وتقَديمُ الجارِّ والمَجرورِ إِلَيْهِ في قولِه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أفادَ أنَّ كلَّ ما يُقدَّمُ مِن الكَلِمِ الطَّيِّبِ إلى غيرِ اللهِ لا طائلَ تَحتَه [226] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/272). . وقيل: تَقديمُ الجارِّ والمجرورِ عِبارةٌ عن كَمالِ الاعتدادِ به [227] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/145). .
- وفي بِناءِ المُسنَدِ الفِعليِّ يَرْفَعُهُ على المسنَدِ إليه (الْعَمَلُ الصَّالِحُ) ما يُفِيدُ تَخصيصَ المسنَدِ إليه بالمُسنَدِ؛ فإذا انضمَّ إليه سِياقُ جُملتِه عَقِبَ سِياقِ جُملةِ القصْرِ في قولِه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ المُشعِرِ بسَرَيانِ حُكمِ القصْرِ إليه بالقرينةِ لاتِّحادِ المَقامِ -إذ لا يُتوهَّمُ أنْ يُقصَرَ صُعودُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ على الجانبِ الإلهيِّ، ثمَّ يُجعَلَ لِغَيرِه شَركةٌ معه في رَفعِ العملِ الصالحِ-؛ تَعيَّن معنى التَّخصيصِ، فصار المعنى: اللهُ الَّذي يَقبَلُ مِن المؤمنينَ أقوالَهم وأعمالَهم الصَّالحةَ [228] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/273). .
- وجِيءَ في جانبِ العملِ الصَّالحِ بالإخبارِ عنه بجُملةِ يَرْفَعُهُ، ولم يُعطَفْ على الْكَلِمُ الطَّيِّبُ في حُكمِ الصُّعودِ إلى اللهِ مع تَساوي الخبرَينِ؛ لِفائدتينِ: أُولاهما: الإيماءُ إلى أنَّ نوعَ العملِ الصَّالحِ أهمُّ مِن نَوعِ الكلِمِ الطَّيِّبِ على الجُملةِ؛ لأنَّ مُعظمَ العملِ الصالحِ أوسَعُ نفْعًا مِن مُعظَمِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ (عدا كلمةَ الشَّهادتينِ وما ورَدَ تَفضيلُه مِن الأقوالِ في السُّنةِ؛ مِثلُ دُعاءِ يَومِ عَرَفةَ)؛ فلذلك أُسنِدَ إلى اللهِ رَفْعُه بنَفْسِه، على قولٍ في التَّفسيرِ. وثانيهما: أنَّ الكلِمَ الطَّيِّبَ يَتكيَّفُ في الهواءِ؛ فإسنادُ الصُّعودِ إليه مُناسِبٌ لِماهيَّتِه، وأمَّا العملُ الصالحُ فهو كيفيَّاتٌ عارضةٌ لِذواتٍ فاعلةٍ ومَفعولةٍ، فلا يُناسِبُه إسنادُ الصُّعودِ إليه، وإنَّما يَحسُنُ أنْ يُجعَلَ مُتعلِّقًا لِرَفْعٍ يقَعُ عليه ويُسخِّرُه إلى الارتفاعِ [229] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/273). . وقيل: تَخصيصُ العمَلِ بهذا الشَّرفِ؛ لِمَا فيه مِن الكُلْفةِ [230] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/255). .
- قولُه: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ كلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لِبَيانِ حالِ الكَلِمِ الخَبيثِ والعَملِ السَّيِّئِ وأهلِهما، بعدَ بَيانِ حالِ الكلِمِ الطَّيِّبِ والعمَلِ الصالحِ [231] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/146)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/130). . أو هذا فَريقٌ مِن الَّذين يُرِيدون العِزَّةَ مِن المشركينَ، وهمُ الَّذين ذكَرَهم اللهُ تعالى في قولِه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: 30] الآيةَ؛ فعَطْفُهم على مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ تَخصيصٌ لهم بالذِّكرِ؛ لِمَا اختَصُّوا به مِن تَدبيرِ المكْرِ، وهو مِن عطْفِ الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتمامِ بذِكرِه [232] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/274). . أو يكونُ استِطرادًا وتَقريرًا لِمَضمونِ قولِه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا على طَريقِ الاستِشهادِ والتَّمثيلِ [233] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/615). .
- والسَّيِّئَاتِ في قولِه: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ مَنصوبٌ هنا على أنَّه وَصْفٌ لِمَصدرِ المَكرِ، نائبًا مَنابَ المَفعولِ المُطلَقِ المُبيِّنِ لِنَوعِ الفِعلِ؛ فكأنَّه قِيل: والَّذين يَمكُرون المكرَ السَّيِّئَ. وكان حقُّ وَصْفِ المصدرِ أنْ يكونَ مُفرَدًا، كقولِه تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]، لكنْ لَمَّا أُرِيدَ هنا التَّنبيهُ على أنَّ أولياءَ الشَّيطانِ لهم أنواعٌ مِن المَكرِ، عُدِلَ عن الإفرادِ إلى الجَمْعِ، وأُتِيَ به جمْعَ مُؤنَّثٍ؛ للدَّلالةِ على مَعنى الفَعَلاتِ مِن المَكرِ، فكلُّ واحدةٍ مِن مَكْرِهم هي سَيِّئةٌ [234] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/274). .
- وجِيءَ باسمِ الموصولِ في قولِه: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ؛ للإيماءِ إلى أنَّ مَضمونَ الصِّلةِ عِلَّةٌ فيما يَرِدُ بعْدَها مِن الحُكمِ، أي لهم عذابٌ شديدٌ جَزاءَ مَكرِهم، وعُبِّرَ بالمُضارعِ يَمْكُرُونَ في الصِّلةِ؛ للدَّلالةِ على تَجدُّدِ مَكرِهم واستِمرارِه، وأنَّه دأْبُهم وهِجِّيراهم [235] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/274). .
- وعبَّرَ عنهم باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ دونَ الضَّميرِ الَّذي هو مُقْتضَى الظَّاهرِ؛ للإيذانِ بكَمالِ تَميُّزِهم بما هُم فيه مِن الشَّرِّ والفَسادِ عن سائرِ المُفسدينَ واشتهارِهم بذلك؛ فيُكنَّى بذلك عن تَمييزِ المَكرِ المُضافِ إليهم، ووُضوحِه في عِلمِ اللهِ وعِلمِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما أعلَمَهُ اللهُ به منه، فكأنَّما أُشِيرَ إليهم وإلى مَكرِهم باسمِ إشارةٍ واحدٍ على سَبيلِ الإيجازِ. وما في اسمِ الإشارةِ مِن معنى البُعدِ؛ للتَّنبيهِ على تَرامي أمْرِهم في الطُّغيانِ، وبُعدِ مَنزلتِهم في العُدوانِ [236] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/146)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/275)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/131). . ولم يَقُلْ: (مَكرُ هؤلاء)؛ إمَّا استبعادًا لهم؛ لأنَّهم لَيسوا أهلًا لأنْ يُقرَّبوا، أو لأنَّهم جَعَلوا أنفُسَهم في مَحلِّ العالِينَ الَّذين يُشارُ إليهم مِن بُعدٍ؛ فبيَّنَ أنَّ هؤلاء الَّذين تَعالَوا بمَكرِهم، وإنْ كانوا في القِمَّةِ على حَسَبِ زَعْمِهم، فإنَّ هذا المكرَ يَبورُ [237] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 91). .
- ووُقوعُ الفِعلِ المُضارعِ بعْدَ ضَميرِ الفَصلِ في جُملةِ هُوَ يَبُورُ يَدُلُّ على التَّجدُّدِ في حُصولِ الفِعلِ، وأُتِيَ بضَميرِ الفصلِ هنا؛ لِيُفِيدَ الثَّباتَ والتَّقويةَ؛ فالفصلُ هنا يُفِيدُ القصْرَ، أي: مَكرُهم يَبورُ دونَ غَيرِه، ومَعلومٌ أنَّ غيرَه هنا تَعريضٌ بأنَّ اللهَ يَمكُرُ بهم مَكرًا يُصِيبُ المَحزَّ منهم [238] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/275). المَحَزُّ: مَوضِعُ الحَزِّ: أي: القَطعِ. وأصابَ المحَزَّ: عبارةٌ عن فِعلِ الأمرِ على ما يَنبَغي ويَليقُ. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 71)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 873). .
3- قَولُه تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ عَودٌ إلى سَوقِ دَلائلِ الوَحدانيَّةِ بدَلالةٍ عليها مِن أنفُسِ النَّاسِ، بعْدَ أنْ قدَّمَ لهمْ ما هو مِن دَلالةِ الآفاقِ بقولِه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ [فاطر: 9]، وابْتدَأَهم بتَذكيرِهم بأصلِ التَّكوينِ الأوَّلِ مِن تُرابٍ، وهو ما تَقرَّرَ عِلْمُه لَدى جَميعِ البَشرِ مِن أنَّ أصْلَهم -وهو البشرُ الأوَّلُ- خُلِقَ مِن طِينٍ؛ فصار ذلك حَقيقةً مُقرَّرةً في عِلمِ البشرِ. ثمَّ استَدْرَجَهم إلى التَّكوينِ الثَّاني بدَلالةِ خلْقِ النَّسلِ مِن نُطفةٍ، وذلك عِلمٌ مُستقِرٌّ في النُّفوسِ بمُشاهَدةِ الحاضرِ، وقياسِ الغائبِ على المُشاهَدِ، فكما يَجزِمُ المرْءُ بأنَّ نَسْلَه خُلِقَ مِن نُطفَتِه، يَجزِمُ بأنَّه خُلِقَ مِن نُطفةِ أبَوَيه، وهكذا يَصعَدُ إلى تَخلُّقِ أبناءِ آدَمَ وحوَّاءَ. وقولُه: ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا يُشِيرُ إلى حالةٍ في التَّكوينِ الثَّاني، وهو شَرْطُه مِن الازدواجِ؛ فـ (ثُمَّ) عاطفةٌ الجُملةَ، فهي دالَّةٌ على التَّرتيبِ الرُّتبيِّ الَّذي هو أهمُّ في الغَرَضِ، أعني دَلالةَ التَّكوينِ على بَديعِ صُنْعِ الخالقِ سُبحانَه؛ فذلك مُوزَّعٌ على مَضمونِ قولِه: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، والمعنى: ثمَّ مِن نُطفةٍ، وقد جَعَلَكم أزواجًا لِتَركيبِ تلك النُّطفةِ؛ فالاستِدلالُ بدِقَّةِ صُنْعِ النَّوعِ الإنسانيِّ مِن أعظَمِ الدَّلائلِ على وَحدانيَّةِ الصَّانعِ، وفيها غُنْيةٌ عن النَّظرِ في تأمُّلِ صُنعِ بقيَّةِ الحيوانِ [239] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/275، 276). .
- قولُه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا كلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لإيرادِ تَقريرٍ آخَرَ، أو دليلٍ آخَرَ على صِحَّةِ البَعثِ والنُّشورِ [240] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/134). .
- وقولُه: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ أُدمِجَ في ذلك الاستِدلالِ دَليلُ التَّنبيهِ على إحاطةِ عِلمِ اللهِ بالكائناتِ الخفيَّةِ والظَّاهرةِ. ولِكَونِ العِلمِ بالخَفيَّاتِ أعلى قُدِّمَ ذِكرُ الحَملِ على ذِكرِ الوَضعِ، والمقصودُ مِن عَطفِ الوَضعِ أنْ يُدفَعَ تَوهُّمُ وُقوفِ العِلمِ عندَ الخفيَّاتِ الَّتي هي مِن الغَيبِ دونَ الظَّواهرِ؛ بأنْ يَشتغِلَ عنها بتَدبيرِ خَفيَّاتِها، كما هو شأْنُ عُظماءِ العُلماءِ مِن الخلْقِ؛ لِظُهورِ استِحالةِ تَوجُّهِ إرادةِ الخلْقِ نحوَ مَجهولٍ عندَ مُرِيدِه [241] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/276، 277). .
- قولُه: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ أي: وما يُعمَّرُ مِن أحدٍ، وإنَّما سمَّاهُ مُعمَّرًا بما هو صائرٌ إليه، وهذا مِن الكَلامِ المُتسامَحِ فيه؛ ثِقةً في تأْويلِه بأفهامِ السَّامعينَ، واتِّكالًا على تَسديدِهم مَعناهُ بعُقولِهم، وأنَّه لا يَلتبِسُ عليهم استِحالةُ الطُّولِ والقِصَرِ في عُمُرٍ واحدٍ [242] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/603، 604)، ((تفسير البيضاوي)) (4/255)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 282)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/278). .
- وقد ذكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ سائرَ أحوالِ الإنسانِ، وتَقلُّبَه في أطوارٍ مُختلِفةٍ ممَّا هو أُصولُها، ويُعرَفُ منه تَوابعُها ولَواحقُها على مَراتبَ ثلاثٍ كما هو عليه في الوُجودِ، وسُلِكَ فيه فنٌّ غريبٌ، وأُسلوبٌ عَجيبٌ؛ حيثُ أُخْرِجَ في جُمَلٍ ثلاثٍ على طَريقٍ يُنبِئُ عن صِفاتِ جَلالِه، وحُسنِ تَدْبيرِه مِنَ القُدرةِ الكاملةِ، والعِلمِ الشَّاملِ، وثُبوتِ القَضاءِ والقدَرِ بحَسَبِ تلك المراتبِ؛ فبَدأَ أوَّلًا بقولِه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا؛ إظهارًا لِتَصَرُّفهِ فيه في تلك الأطوارِ، وثَنَّى بقولِه: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ؛ بَيانًا لِلُطْفِ عِلْمِه ونُفوذِه فيما هو مِن أدَقِّ أحوالِ الإنسانِ مِن عُلْقةِ النُّطفةِ حينَ المُباشَرةِ، واستِقرارِها في مَكانةِ الرَّحِم، ثم ما تُكابِدُ الأُنثى مِن ثِقَلِ الحمْلِ ومُقاساةِ شِدَّتِه، وما يَجري عليها عندَ الوَضعِ مِن وجَعِ المَخاضِ، وما تلَطَّفَ عليها مِن الخَلاصِ مِن تلك الوَرْطةِ المُهلِكةِ، وثَلَّث بقولِه: وَمَا يُعَمَّرُ ... على إرادةِ: وما يُعَمَّرُ منكم أيُّها الناسُ مِن مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ؛ إثباتًا لِقضائهِ وقَدَرِه، وأنَّ ما هو مِن خُوَيصَّةِ الإنسانِ الَّذي هو أعظمُ مَطالبِه ليس إليه، بل إلى اللهِ وإلى قَضائِه، وأنَّه مُثبَتٌ عندَه لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ عمَّا هو عليه؛ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [243] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/621، 622). [الأعراف: 34].