موسوعة التفسير

سورةُ الرَّعدِ
الآيات (38-40)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ

المعنى الإجمالي:


يرُدُّ اللهُ تعالى على من كان يُنكِرُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تزَوُّجَه بالنِّساءِ قائلًا: لقد بَعَثْنا قبلَ هذا الرَّسولِ رُسُلًا مِن البَشَرِ، وجَعَلْنا لهم أزواجًا وذُرِّيَّةً، فما بالُكم تُنكِرونَ عليه ما كانوا عليه؟! ثمَّ ردَّ على الكُفَّارِ ما اقتَرَحوه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الآياتِ بأنَّه ليس في قدرةِ رَسولٍ أن يأتيَ بمُعجزةٍ تدلُّ على صدقِه إلَّا بإذنِ اللهِ؛ لكُلِّ أمرٍ قضاه اللهُ ولكل أجَلٍ قدَّره كتابٌ أُثبِتَ فيه، يمحو اللهُ ما يشاءُ مِن الأقدارِ المكتوبةِ؛ مِن شَقاوةٍ أو سعادةٍ، أو رِزقٍ أو عُمُرٍ، وغيرِ ذلك، ويُبقي منها ما يشاءُ، وذلك فيما يكونُ في أيدي الملائكةِ مِن صحفٍ، وعِندَه أمُّ الكتابِ، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.
ثم يقولُ الله تعالى لنبيِّه: وإنْ أريناك- يا محمَّدُ- بعضَ العذابِ الذي توعَّدْنا به المشركين لكفرهم، أو توَفَّيناك قبلَ رؤية ذلك؛ فليس عليك إلَّا تبليغُ الرسالةِ، وعلينا لا عليك الحِسابُ والجَزاءُ.

تفسير الآيات:


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ هذا عَودٌ إلى الرَّدِّ على المُشرِكينَ في إنكارِهم آيةَ القُرآنِ، وتصميمِهم على المُطالبةِ بآيةٍ مِن مُقتَرَحاتِهم تُماثِلُ ما يُؤثَرُ مِن آياتِ موسى وآياتِ عيسى- عليهما السَّلامُ- ببيانِ أنَّ الرَّسولَ لا يأتي بآياتٍ إلَّا بإذنِ اللهِ، وأنَّ ذلك لا يكونُ على مُقتَرَحاتِ الأقوامِ [590] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/161-162). .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً.
أي: ولَقد بَعَثْنا- يا محمَّدُ- إلى الأمَمِ الماضيةِ رُسُلًا مِن قَبلِك، فكانوا بشَرًا مِثلَهم، وجَعَلْنا لهم أزواجًا يَنكِحونَهنَّ، ورَزَقْناهم أولادًا؛ فلستَ أوَّلَ رَسولٍ بشَريٍّ أُرسِلَ إلى النَّاسِ، حتى يستغرِبَ قَومُك إرسالَك إليهم [591] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/558)، ((تفسير ابن كثير)) (4/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 419). .
وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ.
أي: ولا يَقدِرُ أيُّ رَسولٍ أرسَلَه اللهُ تعالى إلى قومٍ أن يأتيَ قَومَه بمُعجِزةٍ تدُلُّ على صِدقِه، إلَّا بأمرِ اللهِ؛ فهو الذي يأتي بالمُعجِزةِ، ويؤيِّدُ بها رسولَه متى شاء [592] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/558)، ((تفسير ابن كثير)) (4/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 419)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/163). .
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ.
أي: لكلِّ أجلٍ قدَّره الله، ولكلِّ أمرٍ قضاه، كتابٌ أُثبِت فيه، ووقت معلومٌ يقعُ فيه، لا يتقدَّمُ عليه ولا يتأخَّرُ، فلا تكونُ آيةٌ إلاَّ بأجلٍ قد قضاه الله تعالى في كتابٍ [593] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 575)، ((تفسير البغوي)) (3/26)، ((تفسير القرطبي)) (9/328، 329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 419). قال الواحدي: (المعنى: لأجلِ كُلِّ أمرٍ ووَقتِه كِتابةٌ مُثبتةٌ، لا يتقدَّمُ ذلك الأمرُ على وقتِه الذي كُتِبَ له ولا يتأخَّرُ عنه، هذا معنى قولِ أكثَرِ المفَسِّرينَ). ((البسيط)) (12/376). قال أبو حيان: (وقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، لفظٌ عامٌّ في الأشياءِ التي لها آجالٌ؛ لأنَّه ليس منها شيءٌ إلَّا وله أجلٌ في بدئِه وفي خاتمتِه، وذلك الأجلُ مكتوبٌ محصورٌ). ((تفسير أبي حيان)) (6/397). .
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39).
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ.
أي: يمحو اللهُ ما يشاءُ مِن الأقدارِ المكتوبةِ، فيمحو ما يشاءُ مَحوَه مِن شَقاوةٍ أو سعادةٍ، أو رِزقٍ أو عُمُرٍ، أو خيرٍ أو شَرٍّ، وغيرِ ذلك، ويُبقي منها ما يشاءُ [594] وممَّن اختار هذا المعنى ورأى أنَّ ظاهِرَ الآيةِ يقتضي العمومَ: القرطبي، وأبو السعود، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/329)، ((تفسير أبي السعود)) (5/27)، ((تفسير الشوكاني)) (3/105-106). وممن قال بهذا القول من السلف: عمرُ بنُ الخطاب، وابنُ عبَّاس، وابنُ مسعود، وكعبٌ، والضحَّاك، وشقيقُ بن سلمة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/563)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/499). وقيل غير ذلك، يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/499، 500)، ((تفسير الرازي)) (19/51)، ((تفسير ابن كثير)) (4/468 - 470). قال الواحدي: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ اللَّوحُ المحفوظُ، يمحو منه ما يشاءُ ويُثبِتُ ما يشاءُ، وظاهر هذه الآيةِ على العمومِ، وقال قومٌ: إلَّا السَّعادةَ والشَّقاوةَ، والموتَ والرِّزقَ، والخَلقَ والخُلُق). ((الوجيز)) (ص: 575). وقال ابنُ عطية: (وتخبَّط النَّاسُ في معنى هذه الألفاظِ، والذي يتخَلَّصُ به مُشكِلُها: أن نعتَقِدَ أنَّ الأشياءَ التي قدَّرَها اللهُ تعالى في الأزَلِ وعَلِمَها بحالٍ ما: لا يَصِحُّ فيها محوٌ ولا تبديلٌ، وهي التي ثبَتَت في أُمِّ الكِتابِ وسبَقَ بها القَضاءُ، وهذا مرويٌّ عن ابنِ عَبَّاسٍ وغَيرِه مِن أهلِ العِلمِ، وأمَّا الأشياءُ التي قد أخبَرَ اللهُ تعالى أنَّه يُبَدِّلُ فيها ويَنقُل، كعَفوِ الذُّنوبِ بعد تقريرِها، وكنَسخِ آيةٍ بعدَ تِلاوتِها واستِقرارِ حُكمِها- ففيها يقَعُ المحوُ والتَّثبيتُ فيما يُقَيِّدُه الحَفَظةُ ونحو ذلك، وأمَّا إذا رُدَّ الأمرُ للقضاءِ والقَدَرِ فقد محا اللهُ ما محا وثَبَّت ما ثَبَت، وجاءت العبارةُ مُستَقِلَّةً بمَجيءِ الحوادثِ وهذه الأمورِ فيما يُستأنَفُ مِنَ الزَّمانِ، فيَنتَظِرُ البَشَرُ ما يمحو أو ما يُثبِتُ، وبحَسَبِ ذلك خَوفُهم ورجاؤُهم ودعاؤُهم). ((تفسير ابن عطية)) (3/317). وقال ابنُ جرير: (وأَولى الأقوالِ التي ذُكِرَت في ذلك بتأويلِ الآيةِ، وأشبَهُها بالصَّوابِ: القَولُ الذي ذكَرْناه عن الحسَنِ ومُجاهدٍ، وذلك أنَّ الله تعالى ذِكرُه توَعَّدَ المُشرِكينَ الذين سألوا رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم الآياتِ- بالعُقوبةِ، وتهدَّدَهم بها، وقال لهم: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: 38] يُعلِمُهم بذلك أنَّ لقَضائِه فيهم أجلًا مُثبَتًا في كتابٍ هم مؤخَّرونَ إلى وقتِ مجيءِ ذلك الأجَلِ، ثمَّ قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجَلُ يجيءُ اللهُ بما شاء ممَّن قد دنا أجَلُه، وانقطَعَ رِزقُه، أو حان هلاكُه، أو اتِّضاعُه مِن رِفعةٍ، أو هلاكُ مال، فيَقضي ذلك في خَلقِه، فذلك مَحوُه، ويُثبِتُ ما شاء ممَّن بَقِيَ أجَلُه ورِزقُه وأكلُه، فيَتركُه على ما هو عليه فلا يَمحوه). ((تفسير ابن جرير)) (13/569-570). وقال القاسمي :(قولُه تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ فكم ترى مَن يَستَدِلُّ بها على العِلمِ المعَلَّقِ، ومحوِ ما في اللَّوحِ الذي يُسمُّونَه «لوحَ المحوِ والإثباتِ!» ويُورِدونَ من الإشكالاتِ والأجوبةِ ما لا يجِدُ الواقِفُ عليه مَقنَعًا ولا مُطْمأنًّا. مع أنَّ هذه الآيةَ لو تمعَّنَ فيها القارئُ لعَلِمَ أنَّها في معنى غيرِ ما يتوهَّمونَ؛ وذلك أنَّهم كانوا يقتَرِحونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أوائِلِ البَعثةِ أن يأتيَ بآيةٍ كآيةِ موسى وعيسى؛ توهُّمًا أنَّ ذلك هو أقصى ما يدُلُّ على نبوَّةِ النبيِّ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فأعلَمَهم اللهُ تعالى أنَّ دَورَ تلك الآياتِ الحِسِّيَّةِ انقضى دورُها وذهبَ عَصرُها، وقد استعَدَّ البَشَرُ للتنَبُّهِ إلى الآيةِ العَقليَّةِ، وهي آيةُ الاعتِبارِ والتبَصُّرِ، وأنَّ تلك الآياتِ مُحِيَت كما مُحِيَ عَصرُها، وقد أثبت تعالى غيرَها ممَّا هو أجلى وأوضَحُ وأدَلُّ على الدَّعوةِ، وهو قَولُه تعالى قَبلَها: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 38- 39]). ((تفسير القاسمي)) (6/291). ، وذلك فيما يكونُ في أيدي الملائكةِ مِن صحفٍ [595]  قال ابن تيمية: (... قال العلماءُ: إنَّ المَحْوَ والإثباتَ في صُحُفِ الملائكةِ، وأمَّا عِلمُ الله سبحانَه فلا يختلِفُ ولا يبدو له ما لم يكُن عالِمًا به، فلا محوَ فيه ولا إثباتَ، وأمَّا اللوحُ المحفوظُ، فهل فيه محوٌ وإثباتٌ، على قولين. واللهُ سبحانه وتعالى أعلَمُ). ((مجموع الفتاوى)) (14/492). وقال ابنُ عثيمين: (يقولُ رَبُّ العالَمينَ عزَّ وجلَّ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أي: اللوحُ المحفوظُ ليس فيه محوٌ ولا كِتابٌ، فما كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفوظِ فهو كائِنٌ ولا تَغييرَ فيه، لكِنْ ما كُتِبَ في الصُّحُفِ التي في أيدي الملائكةِ، فهذا: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ). ((شرح الأربعين النووية)) (ص: 66). وقال ابن حجر: (والحقُّ أنَّ ... الذي سبَقَ في عِلمِ الله لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، وأنَّ الذي يجوزُ عليه التَّغييرُ والتَّبديلُ ما يبدو للنَّاسِ مِن عَمَلِ العامِلِ، ولا يَبعُدُ أن يتعلَّقَ ذلك بما في عِلمِ الحَفَظةِ والمُوكَّلين بالآدميِّ، فيقَعُ فيه المحوُ والإثباتُ، كالزِّيادةِ في العُمُرِ والنَّقصِ، وأمَّا ما في عِلمِ اللهِ فلا محوَ فيه ولا إثباتَ، والعلمُ عندَ الله). ((فتح الباري)) (11/488). وقال السعدي: (فالتَّغييرُ والتَّبديلُ يقَعُ في الفُروعِ والشُّعَبِ، كأعمالِ اليَومِ والليلةِ التي تَكتُبُها الملائِكةُ، ويجعَلُ اللهُ لثُبوتِها أسبابًا ولِمَحوِها أسبابًا، لا تتعَدَّى تلك الأسبابُ ما رُسِمَ في اللَّوحِ المحفوظِ، كما جعَلَ اللهُ البِرَّ والصِّلةَ والإحسانَ مِن أسبابِ طُولِ العُمُرِ وسَعةِ الرِّزقِ، وكما جعَلَ المعاصيَ سَببًا لِمَحقِ بَرَكةِ الرِّزقِ والعُمُرِ، وكما جعَلَ أسبابَ النَّجاةِ مِن المهالِكِ والمعاطِبِ سَببًا للسَّلامةِ، وجعل التعَرُّضَ لذلك سببًا للعَطَبِ؛ فهو الذي يدَبِّرُ الأمورَ بحَسَبِ قُدرتِه وإرادتِه، وما يُدَبِّرُه منها لا يخالِفُ ما قد عَلِمَه وكتَبَه في اللَّوحِ المحفوظِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 420). ومن ذلك العمرُ، فالذي في علمِ الله لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ ويُقالُ له: القضاءُ المبرَمُ، والذي في علمِ المَلَكِ هو الذي يُمكنُ فيه الزيادةُ والنقصُ، ويُقالُ له القضاءُ المعلَّقُ، كأن يُقالَ للمَلَكِ مثلًا: إنَّ عمرَ فلانٍ مائةٌ مثلًا إن وصَل رحِمَه، وستُّون إن قطَعها، وقد سبَق في علمِ الله أنَّه يصِلُ أو يَقْطعُ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/416). وكذلك الرزقُ، فما في علمِ الله لا يتغيَّرُ، أمَّا ما كتَبه وأعلَم به الملائكةَ فهذا يزيدُ وينقصُ بحسبِ الأسبابِ، فإنَّ العبدَ يأمرُ الله الملائكةَ أن تكتبَ له رزقًا، وإن وصَل رحِمَه زاده الله، والأسبابُ التي يحصلُ بها الرزقُ هي مِن جملةِ ما قدَّره الله وكتَبه، ومِن الأدلةِ على ذلك ما ثبَت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((مَن سرَّه أن يُبسطَ له في رزقِه، ويُنسأَ له في أثرِه فليَصلْ رحمَه)). [البخاري (5986) ومسلم (2557)]. وكذلك عمرُ داودَ زاد ستِّينَ سنةً فجعَله الله مائةً بعدَ أن كان أربعينَ. [الترمذي (3076) وقال: حسن صحيح]. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/540). .
وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
أي: وعندَ اللهِ أصلُ الكتابِ، وهو اللَّوحُ المَحفوظُ [596] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/573)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/500، 501)، ((تفسير القرطبي)) (9/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 419)، ((شرح الأربعين النووية)) للعثيمين (ص: 66). قال الشوكاني: (قيل: إنَّ أمَّ الكتابِ هو عِلمُ الله تعالى بما خَلَق وما هو خالِقٌ). ((تفسير الشوكاني)) (3/106). وقيل: المرادُ بـ أُمُّ الْكِتَابِ: كتابُ الأمورِ المجزومة التي قد سبق القضاءُ فيها بما هو كائِنٌ وسبَقَ ألَّا تُبدَّلَ، ويبقى المحوُ والتثبيتُ في الأمورِ التي سبق في القضاءِ أن تُبَدَّلَ وتُمحى أو تُثبَت. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابن عطية، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 420). قال ابنُ عاشور: (والذي يلوحُ في معنى الآيةِ أنَّ ما في أمِّ الكِتابِ لا يقبَلُ محوًا، فهو ثابِتٌ، وهو قَسيمٌ لِما يشاءُ اللهُ مَحْوَه، ويجوزُ أن يكونَ ما في أمِّ الكتابِ هو عينَ ما يشاءُ اللهُ مَحْوَه أو إثباتَه، سواءٌ كان تعيينًا بالأشخاصِ أو بالذَّواتِ أو بالأنواعِ، وسواءٌ كانت الأنواعُ مِن الذَّواتِ أو مِنَ الأفعالِ، وأنَّ جُملةَ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أفادت أنَّ ذلك لا يطَّلِعُ عليه أحَدٌ. ويجوزُ أن يكونَ قَولُه: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ مرادًا به الكتابُ الذي كُتِبَت به الآجالُ، وهو قولُه: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وأنَّ المحوَ في غيرِ الآجالِ، ويجوزُ أن يكونَ «أمُّ الكتابِ» مرادًا به عِلمُ الله تعالى، أي: يمحو ويُثبِتُ، وهو عالمٌ بأنَّ الشَّيءَ سيُمحى أو يُثبَت.... فإذا حُمِلَ المحوُ على ما يَجمَعُ معانيَ الإزالة، وحُمِلَ الإثباتُ على ما يجمَعُ معانيَ الإبقاءِ، وإذا حُمِلَ معنى «أم الكتابِ» على معنى ما لا يقبَلُ إزالةَ ما قُرِّرَ أنَّه حاصِلٌ أو أنَّه موعودٌ به، ولا يَقبَلُ إثباتَ ما قُرِّرَ انتِفاؤُه، سواءٌ في ذلك الأخبارُ والأحكامُ- كان ما في أمِّ الكتابِ قَسيمًا لِمَا يُمحَى ويُثبَتُ، وإذا حُمِلَ على أنَّ ما يَقبَلُ المحوَ والإثباتَ مَعلومٌ لا يتغيَّرُ عِلمُ اللهِ به، كان ما في أمِّ الكتابِ تنبيهًا على أنَّ التغييراتِ التي تطرأُ على الأحكامِ أو على الأخبارِ ما هي إلَّا تغييراتٌ مقرَّرةٌ مِن قَبلُ، وإنَّما كان الإخبارُ عن إيجادِها أو عن إعدامِها مُظهِرًا لِما اقتضَتْه الحِكمةُ الإلهيَّةُ في وقتٍ ما). (تفسير ابن عاشور)) (13/166-167). .
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها عَطفٌ على جُملةِ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ باعتبارِ ما تُفيدُه مِن إبهامِ مُرادِ اللهِ في آجالِ الوعيدِ، ومواقيتِ إنزالِ الآياتِ، فبَيَّنَت هذه الجملةُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس مأمورًا بالاشتغالِ بذلك ولا بترَقُّبِه، وإنَّما هو مبَلِّغٌ عن اللهِ لعبادِه، واللهُ يعلَمُ ما يحاسِبُ به عبادَه، سواءٌ شهِدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك أم لم يَشهَدْه [597] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/169). .
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ.
أي: وإنْ أريناك- يا محمَّدُ- في حياتِك بعضَ العذابِ الذي نعِدُ به المُشرِكينَ لكُفرِهم، أو توفَّيناك قبلَ أن نُرِيَك عذابَهم؛ فليس عليك سوى تبليغِهم رسالةَ اللهِ في كِلا الحالَينِ [598] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/575)، ((الوسيط)) للواحدي (3/20)، ((تفسير ابن عطية)) (3/318)،  ((تفسير ابن كثير)) (4/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 420). قال ابن عاشور: (قد أرى اللهُ نبيَّه بعضَ ما توعَّدَ به المُشركينَ مِن الهلاكِ بالسَّيفِ يومَ بدرٍ، ويومَ الفتحِ، ويومَ حُنَين وغيرها من أيَّام الإسلامِ في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يُرِه بعضَه، مثل عذابِ أهلِ الرِّدَّة؛ فإنَّ مُعظمَهم كان من المكذِّبينَ المُبطِنين الكُفرَ مثل: مسيلِمة الكذاب). ((تفسير ابن عاشور)) (13/170). .
وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ.
أي: وعلينا نحنُ- لا عليك- محاسَبةُ العبادِ، ومُجازاتُهم على أعمالِهم؛ ثوابًا أو عِقابًا [599] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/574)، ((تفسير القرطبي)) (9/333)، ((تفسير ابن كثير)) (4/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 420). .
كما قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: 21-26].

الفوائد التربوية:


.

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً فيه أنَّ النِّكاحَ مِن سُنَّةِ المُرسَلينَ [601] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:157). ، وفي ذلك ترغيبٌ في النكاحِ وحضٌّ عليه، ونهيٌ عن التبتلِ، وهو تركُ النكاحِ [602] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/327)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص:157). .
2- استُدِلَّ على تفضيلِ النِّكاحِ على التَّخلي لنوافِلِ العبادةِ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ اختار النِّكاحَ لأنبيائِه ورُسُلِه، فقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً، وقال في حقِّ آدمَ: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: 189]، واقتطَعَ مِن زمَنِ كَليمِه عَشرَ سِنينَ في رعايةِ الغنَمِ مَهرًا للزَّوجةِ، ومعلومٌ مِقدارُ هذه السِّنينَ العَشرِ في نوافِلِ العباداتِ، واختار لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلَ الأشياءِ، فلم يُحِبَّ له تَركَ النِّكاحِ، بل زَوَّجَه بتِسعٍ فما فوقَهنَّ، ولا هَدْيَ فوقَ هَديِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [603] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/158). .
3- قولُ الله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ هذه الآيةُ صَريحةٌ في أنَّ كُلَّ شَيءٍ بقَضاءِ الله وبقَدَرِه، وأنَّ الأمورَ مَرهونةٌ بأوقاتِها [604] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/50). .
4- قال الله تعالى: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ هذه الآيةُ تدُلُّ أنَّ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يهديَ النَّاسَ هِدايةَ الدَّلالةِ والإرشادِ؛ أمَّا هدايةُ التَّوفيقِ فليسَت على الرَّسولِ، ولا إلى الرَّسولِ؛ فالرَّسولُ لا يجبُ عليه أنْ يهديَهم؛ وليس بقُدرتِه ولا استطاعتِه أنْ يهديَهم، ولو كان بقُدرتِه أن يهديَهم لَهَدى عَمَّه أبا طالبٍ، ولكنَّه لا يستطيعُ ذلك؛ لأنَّ هذا إلى الله سُبحانه وتعالى وَحدَه [605] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (3/362). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
- قولُه: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ترْكيبُ (ما كان) يدلُّ على المُبالَغةِ في النَّفيِ [606] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/163). .
- قولُه: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيه الْتفاتٌ، حيثُ لم يقُلْ: (إلَّا بإذْنِنا) على نَسَقِ أَرْسَلْنَا وجَعَلْنَا؛ لِتربيةِ المَهابةِ، ولِتَحقيقِ مَضمونِ الجُملةِ بالإيماءِ إلى العِلَّةِ [607] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/27). .
- قولُه: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ... تَذييلٌ؛ لأنَّه أفادَ عُمومَ الآجالِ؛ فشَمِلَ أجَلَ الإتيانِ بآيةٍ مِن قولِه: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وذلك إبطالٌ لِتوهُّمِ المُشركينَ أنَّ تأخُّرَ الوعيدِ يَدُلُّ على عدَمِ صِدْقِه، وفي هذا الرَّدِّ تعريضٌ بالوعيدِ [608] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/397)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/164). .
- وفي قولِه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال في سُورةِ الرُّومِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [الروم: 47]؛ فقُدِّمَ الرُّسلُ على المجرورِ في سُورةِ الرَّعدِ، وورَدَ في سُورةِ الرُّومِ بتَقْديمِ المَجرورِ على الرسلِ؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ المُتقرِّرَ في الكتابِ العزيزِ أنَّه إذا ورَدَ اسمُ نَبِيِّنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع غَيرِه مِن الرُّسلِ عليهم السَّلامُ مُفْصحًا بأسمائِهم في آيةٍ واحدةٍ؛ فإنَّه يتقدَّمُ اسْمُه ظاهرًا كان أو مُضْمرًا، ثمَّ يُذْكَرُ بعدَه مَن تَضمَّنَته الآيةُ منهم عليهم السَّلامُ، وجَمْعُ المذكَّرِ السَّالمُ مِن ألفاظِ العُمومِ عندَ الأُصوليينَ؛ فقولُه: مِنَ النَّبِيِّينَ يعُمُّ نَبِيَّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وغيرَه مِن النَّبيِّينَ عليهم السَّلامُ. ثمَّ لمَّا أفصَحَ بمَن ذُكِرَ في الآيةِ مِن أُولي العزْمِ؛ إشعارًا بِتَفضيلِهم على مَن سِواهم، بُدِئَ به عليه السَّلامُ، وقُدِّمَ المجرورُ في قولِه: مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ في سُورةِ الرُّومِ؛ لِمكانِ ضَميرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أمَّا آيةُ الرَّعدِ فمُوازِنٌ لها ومُناسِبٌ ما تَقدَّمَها مِن قولِه تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: 32]؛ فتأخَّرَ الضَّميرُ في الآيتَينِ للمُوازَنةِ والتَّقابُلِ، والثَّانيةُ منهما مَحمولةٌ على الأُولى في رَعْي ما ذُكِرَ، وإنَّما تأخَّرَ ضَميرُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الآيةِ الأُولى عن ذِكْرِ الرُّسلِ؛ لأنَّ ذِكْرَهم هنا عليهم السَّلامُ لم يَرِدْ مُعَرِّفًا بأحوالِهم وما مُنِحُوا مِن الاصطفاءِ والتَّكريمِ، وإنَّما ذُكِرَ هنا إساءةُ مُكذِّبي أُمَمِهم إليهم، ونَيْلُهم منهم ضُروبَ المَضرَّاتِ، وليس ذلك ممَّا يُعْرَفُ بِمَناصِبِهم في التَّفضيلِ، وإنَّما ذُكِرَ ذلك؛ لِيَتأسَّى بهم نَبِيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّبرِ والتَّحمُّلِ، ولِيَقْتَدِيَ بِهُداهم، ثمَّ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم السِّيادةُ المَعروفةُ والمكانةُ المُتقرِّرةُ؛ فَتَقَدُّمُ ذِكْرِهم في قولِه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: 32]، وتأخيرُ ضَميرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِمَا ذُكِرَ، ثمَّ ورَدَتِ الآيةُ بعدُ؛ فجَرَى الإخبارُ فيها على ذلك؛ إحرازًا للمُناسَبةِ والمُوازنةِ أيضًا؛ فليس ذِكْرُهم مُجْملًا غيرَ مُفصَّلٍ كذِكْرِهم على التَّعيينِ بأَسمائِهم [609] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/283-284). .
2- قوله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ جُملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ جُملةَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ تقْتَضي أنَّ الوعيدَ كائنٌ، وليس تأْخيرُه مُزيلًا له [610] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/164). .
3- قوله تعالى: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
- قولُه: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أصْلُه (إنْ نُرِكَ)، و(ما) مَزيدةٌ؛ لِتأكيدِ معنى الشَّرطِ، ومِن ثمَّةَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بالفعْلِ [611] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/27). .
- والعُدولُ إلى صِيغَةِ الاستقبالِ نَعِدُهُمْ؛ لاستحضارِ الصورةِ، أو للدلالةِ على التجدُّدِ والاستمرارِ؛ أي: نَعِدُهم وعدًا مُتجدِّدًا حسَبَما تقْتَضيه الحِكمةُ مِن إنذارٍ غِبَّ إنذارٍ [612] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/27)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/169). .
- وفي الإتيانِ بكلمةِ (بَعْضَ) رَمْزٌ إلى إرادةِ بعضِ الموعودِ، وإيماءٌ إلى أنَّه يرى البعْضَ، وفي هذا إنذارٌ لهم بأنَّ الوعيدَ نازلٌ بهم ولو تأخَّرَ [613] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/27)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/169). .
- قولُه: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ جُعِلُ التَّوفِّي كِنايةً عن عدَمِ رُؤيةِ حُلولِ الوعيدِ، بقَرينةِ مُقابَلتِه بقولِه: نُرِيَنَّكَ [614] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/169). .
- قولُه: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (إنَّما) للحصْرِ، والمحصورُ فيه هو البلاغُ؛ لأنَّه المُتأخِّرُ في الذِّكْرِ مِن الجُملةِ المدخولةِ لِحرْفِ الحَصْرِ، والتَّقديرُ: عليك البَلاغُ لا غيرُه؛ مِن إنزالِ الآياتِ، أو مِن تَعجيلِ العَذابِ؛ ولهذا قُدِّمَ الخبَرُ على المُبتدأِ؛ لِتَعيينِ المحصورِ فيه [615] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/170). .