موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (179-183)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ

غريب الكلمات:


ذَرَأْنَا: أَي: خَلَقنَا، وَأصلُ (ذرأ) البَذْرُ والزَّرعُ [2174] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 229)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/352)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 122)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 464). .
لَا يَفْقَهُونَ: أي: لا يَفهمونَ، والفقه هو مطلقُ الفهمِ، أو: فهمُ الأشياءِ الدقيقةِ، يُقال: فقهتُ الكلامَ. إذا فهمتَه حقَّ الفهمِ، والفقهُ التوصُّلُ إلى علمٍ غائبٍ بعلمٍ شاهدٍ، فهو أخصُّ مِن العلمِ [2175] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/442)، ((المفردات)) للراغب (ص: 642)، ((تفسير ابن عرفة)) (4/231)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .
وَذَرُوا: أي: اترُكُوا ودَعُوا، وفلانٌ يَذَرُ الشَّيءَ، أي: يَقذِفُه لقلَّةِ اعتدادِه به [2176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/365)، ((المفردات)) للراغب (ص: 862)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 989). .
يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ: أي: يَجُورونَ فيها عن الحَقِّ ويَعْدِلونَ، وذلك بتَسمِيَتِهم آلهتَهم بأسمائِه تعالى، فاشتقُّوا اللَّاتَ مِن (اللهِ) والعُزَّى من (العزيزِ)، وأصلُ (لحد): يدلُّ على مَيلٍ عن استقامةٍ [2177] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175، 249)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 531)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/236)، ((المفردات)) للراغب (ص: 737)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 122، 338)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 994). .
أُمَّةٌ: أي: جماعةٌ، وأصلُ (أمَّ): الأصلُ والمرجِعُ، والجماعةُ والدِّينُ [2178] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 83، 344). .
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: أي: سنأخُذُهم قليلًا قليلًا، درجةً فدرجةً، ولا نُباغِتُهم، وأصلُ (درج): يدلُّ على مُضِيِّ الشَّيءِ، والمُضيِّ في الشَّيءِ [2179] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 481)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 262)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 311)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 122)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213). .
وَأُمْلِي: أي: أؤخِّرُهم وأُمْهلُهم؛ مأخوذٌ مِن المُلاوةِ، وهي الحينُ [2180] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((المفردات)) للراغب (ص: 777)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 122)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 188). .
كَيْدِي: أي: مَكْرِي أو أخْذي، والكيدُ: ضربٌ من الاحتيالِ، وقد يكونُ مَذمومًا وممدوحًا، وإن كان يستعمَلُ في المذمومِ أكثَرَ، وأصلُ (كيد) يدلُّ على معالجةٍ لِشَيءٍ بِشِدَّةٍ [2181] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 481)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/149). ((المفردات)) للراغب (ص: 728)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .
مَتِينٌ: أي: شديدٌ، وأصلُ (متن) يدلُّ على صلابةٍ في الشَّيءِ [2182] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/294)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه خلَقَ لجهنَّمَ كثيرًا من الجِنِّ والإنسِ، لهم قلوبٌ لا يَفهمونَ بها الحقَّ، ولهم أعيُنٌ لا يُبصرونَ بها آياتِ اللهِ وأدلَّتَه، ولهم آذانٌ لا يَسمعونَ بها كتابَ اللهِ سَماعَ تَدبُّرٍ وتفَكُّرٍ، أولئك كالأنعامِ التي لا تفهَمُ شيئًا، بل هم أضَلُّ منها، أولئك هم الغافلونَ عن آياتِ اللهِ وذِكرِه، وعمَّا ينفَعُهم من الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ.
ويخبِرُ تعالى أنَّ له الأسماءَ الحُسنى، ويأمُرُ عبادَه أن يدعُوه بها، ويتركُوا الذين يميلونَ في أسمائِه عن الحَقِّ الواجِبِ لها؛ فإنَّه تعالى سيُجازيهم بما كانوا يَعملونَ؛ مِن الكُفرِ والإلحادِ في أسمائِه.
ويخبِرُ تعالى أنَّ مِمَّن خَلَق جماعةً مِن المُسلمينَ، يهتدونَ بالحَقِّ، ويُرشِدونَ النَّاسَ إليه، وبه يعدِلونَ بينهم، والذين جَحَدوا بآياتِه- عزَّ وجَلَّ- سيستدرجُهم إلى ما يُهلكُهم ويُضاعفُ عقابَهم مِن حيثُ لا يعلمون، فيمهِلُهم، ويطيلُ أعمارَهم، ولا يعاجِلُهم بالعقوبةِ؛ ليتمادَوا في الكُفرِ والعِصيانِ؛ إنَّ كيدَه- عزَّ وجلَّ- قويٌّ شديدٌ، لا يُمكِنُ الإفلاتُ منهُ.

تفسير الآيات:


وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(179)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّه هو الهادي وهو المُضِلُّ؛ أعقَبَه بذكْرِ مَن خُلِقَ للخُسرانِ والنَّارِ، وذكَرَ أوصافَهم فيما ذَكَر، وفي ضِمنِه وعيدُ الكُفَّار [2183] يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/227). .
وأيضًا فهذه الآيةُ عطفٌ على جملةِ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا والمناسبةُ أنَّ صاحبَ القصَّة المعطوفِ عليها انتقَل مِن صورةِ الهدَى إلى الضَّلال؛ لأنَّ الله لما خلَقه خلَقه ليكونَ مِن أهلِ جهنَّمَ، مع ما لها- أيضًا- مِن المناسبةِ للتذييلِ الذي خُتِمت به القصةُ، وهو قولُه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ... [2184] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/182). .
وأيضًا لَمَّا انقضَتْ تلك القَصَصُ، فأسفَرَت عن أنَّ أكثَرَ الخَلقِ هالكٌ، صَرَّحَ بذلك هنا [2185] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/172). ، فقال:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
أي: ولقد خَلَقْنا وبثَثْنا لنارِ جَهنَّم كثيرًا مِن الجِنِّ والإنسِ؛ ليصيرُوا إليها يومَ القِيامةِ، فهم لطَريقِها سالكونَ، وبعَملِ أهلِها عاملونَ [2186] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/591)، ((تفسير ابن عطية)) (2/479)، ((تفسير ابن كثير)) (3/513)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/182)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/344، 346). قال القرطبي: (أخبر تعالى أنَّه خلقَ للنَّارِ أهلًا بعَدْلِه). ((تفسير القرطبي)) (7/324). .
عن عائشةَ أمِّ المُؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ خلقَ للجنَّةِ أهلًا، خلَقَهم لها، وهم في أصلابِ آبائِهم، وخلَقَ للنَّارِ أهلًا، خَلَقَهم لها، وهم في أصلابِ آبائِهم )) [2187] رواه مسلم (2662). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: سمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يقولُ: ((كتبَ اللهُ مَقاديرَ الخَلائقِ، قبلَ أن يخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سنةٍ، قال: وعَرشُه على الماءِ )) [2188] رواه مسلم (2653). .
لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا
أي: لهؤلاءِ- الذين خلَقْناهم لجهنَّمَ- قلوبٌ لا يَفهمونَ بها الحَقَّ الذي جاء مِن عندِ اللهِ، ولا يتفكَّرونَ فيه [2189] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/592، 593)، ((تفسير ابن كثير)) (3/513)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/347). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: 26] .
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [الأنفال: 22] .
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا 
أي: ولهم أعينٌ لا يَنظرونَ بها إلى آياتِ اللهِ وأدِلَّتِه، فيتأمَّلُوها ويعلَموا الحَقَّ [2190] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/348). .
كما قال سُبحانه: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: 101] .
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [الْبَقَرَةِ: 18]
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الْبَقَرَةِ: 171]
وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا
أي: ولهم آذانٌ لا يَسمَعونَ بها آياتِ كتابِ اللهِ سَماعَ تَدَبُّرٍ وتفَكُّرٍ في معانيها، فيهتَدُوا بها إلى الحَقِّ [2191] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/183، 184)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/348). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: 26] .
وقال سُبحانه: وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف: 101] .
وقال عز وجل: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23] .
أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
أي: أولئك- الَّذينَ ذرَأْنا لجهنَّم، الَّذينَ لا يَسمعونَ الحَقَّ ولا يَعُونَه ولا يُبصِرونَه، إنما همُّهم من الدُّنيا الأكلُ والتمتُّعُ بالشَّهواتِ- مِثلُ البَهائِم التي لا تفهَمُ الحقَّ، بل هم أضلُّ منها؛ لأنَّ الأنعامَ تُبصِرُ منافِعَها ومضارَّها، وتتْبَعُ مالِكَها، وتُستعمَل فيما خُلِقَت له، بخلافِ أولئك القَومِ الضَّالينَ [2192] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/594، 595)، ((تفسير السمعاني)) (2/235)، ((تفسير القرطبي)) (7/324، 325)، ((تفسير ابن كثير)) (3/514)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/350). قال ابنُ عاشور: (وجهُ كَونِهم أضَلَّ مِن الأنعامِ: أنَّ الأنعامَ لا يبلُغُ بها ضلالُها إلى إيقاعِها في مَهاوي الشَّقاءِ الأبدي؛ لأنَّ لها إلهامًا تتفصَّى به عن المهالِك، كالتردِّي من الجبالِ والسُّقوط في الهُوَّات). ((تفسير ابن عاشور)) (9/184). .
كما قال عزَّ وجلَّ: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171] .
وقال سبحانه: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44] .
أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
أي: هؤلاءِ الكفَّارُ- الَّذين لم ينتَفِعوا بعُقولِهم ولا بأعيُنِهم ولا بآذانِهم- همُ الذينَ غَفَلوا غفلةً كاملةً عن آياتِ اللهِ وذِكرِه، وعمَّا ينفَعُهم من الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ [2193] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/595)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (4/2649)، ((الوسيط)) للواحدي (2/430)، ((تفسير البيضاوي)) (3/43)، ((تفسير الشوكاني)) (2/305)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/351). .
كما قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [النحل: 108] .
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّه ذرأَ كثيرًا من الجنِّ والإنسِ للنَّارِ؛ ذكرَ نوعًا منهم، وهم الذينَ يُلحِدونَ في أسمائِه [2194] يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/230). . ولَمَّا بيَّنَ في الآيةِ السَّابقةِ حالَ المَخلوقينَ لجَهنَّمَ؛ في عدَمِ استعمالِ عُقولِهم وحَواسِّهم في الاعتبارِ بآياتِ اللهِ، والتفَقُّهِ في تزكِيةِ أنفُسِهم بالعِلمِ الصَّحيحِ، الذي يترتَّبُ عليه العمَلُ الصَّالِحُ، وأنَّ ذلك الإهمالَ أعقَبَهم الغفلةَ التَّامةَ عَن أنفُسِهم، وما فيه صَلاحُها؛ من ذِكرِ الله تعالى وشُكرِه، والثَّناءِ عليه بما هو أهلُه مِن صفاتِ الكَمالِ- قفَّى على ذلك بدَواءِ هذه الغَفلةِ، فأمرَ سُبحانه بذِكرِه، فقال: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، وهذا كالتَّنبيهِ على أنَّ المُوجِبَ لدُخولِ جهنَّمَ، هو الغفلةُ عن ذِكرِ اللهِ، والمُخَلِّصَ من عذابِ جهنَّمَ هو ذِكرُ اللهِ تعالى [2195] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/412). .
وأيضًا لَمَّا أنتَجَ ما سبَقَ أنَّ للمُشركينَ الأسماءَ السُّوأى، ولِمَعبوداتِهم أسوأَ منها؛ عطَفَ عليه الآيةَ هنا؛ دفعًا لِوَهْم من يتوهَّمُ- بالحُكمِ بالضَّلالِ، والذَّرْءِ لِجَهنَّمَ- ما لا يليقُ بالله تعالى [2196] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/175). .
وأيضًا لَمَّا كان أفظَعُ أحوالِ المَعدودينَ لجهنَّمَ هو حالَ إشراكِهم باللهِ غَيرَه؛ لأنَّ فيه إبطالًا لأخَصِّ الصِّفاتِ بمعنى الإلهيَّةِ: وهي صِفةُ الوحدانيَّةِ، وما في معناها مِن الصِّفاتِ؛ نحو: الفَرْد الصَّمَد، وينضوي تحتَ الشِّركِ تعطيلُ صِفاتٍ كَثيرةٍ، مع إنكارِ أهلِ الشِّركِ صِفةَ الرَّحمنِ- فعُقِّبَت الآياتُ التي وصَفَت ضلالَ إشراكِهم، بتَنبيهِ المُسلمينَ للإقبالِ على دُعاءِ اللهِ بأسمائِه الدَّالَّةِ على عظيمِ صِفاتِ الإلهيَّةِ، والدَّوامِ على ذلك، وأن يُعرِضوا عن شَغْبِ المُشرِكينَ وجِدَالِهم في أسماءِ اللهِ تعالى [2197] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/185). ، فقال تعالى:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
أي: ولله أحسَنُ الأسماءِ الدالَّةِ على صفاتِ كمالِه، فادعُوا اللهَ وَحْدَه بتلك الأسماءِ العظيمةِ [2198] يُنظَر: ((تفسير القرطبي)) (7/325)، ((تفسير السعدي)) (ص: 309)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/351، 352). قال القرطبي: (سمَّى اللهُ سُبحانه أسماءَه بالحُسنى؛ لأنَّها حَسَنةٌ في الأسماعِ والقُلوبِ، فإنَّها تدلُّ على توحيدِه وكَرَمِه، وَجُودِه ورَحمتِه وإفضالِه). ((تفسير القرطبي)) (7/326). وقال الشنقيطي: (فَادْعُوهُ بِهَا فادْعُوه بتلك الأسماءِ؛ كأن تقولَ: يا رحمنُ ارحَمْنا، يا رحيمُ ارحَمْني. قال بعض العلماء: تقول: يا رحيمُ ارحَمْني، يا رازقُ ارزُقْني، يا حكيمُ احكُمْ لي. ولا تقولُ: يا حكيمُ اغفِرْ لي، أو: يا رزاقُ ارحَمْني. والتحقيقُ أنَّ هذا كلَّه جائزٌ؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ مُتلازمةٌ، كلُّ صفةٍ في واحدٍ منها تستلزِمُ جميعَ الصِّفاتِ الأخرى لعَظمةِ صِفاتِه جلَّ وعلا، واستلزامُ كُلِّ واحدةٍ منها غايةُ الكَمالِ والجلالِ). ((العذب النمير)) (4/352). .
كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110] .
وقال عزَّ وجلَّ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه: 8] .
وقال سبحانه: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر: 24] .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ للهِ تسعةً وتِسعينَ اسمًا- مئةً إلَّا واحدًا- مَن أحصاها دخَلَ الجنَّةَ )) [2199] رواه البخاري (2736) ومسلم (2677). .
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ
أي: واترُكوا الذينَ يَميلونَ في أسماءِ اللهِ، عن الحقِّ الواجبِ لها، كأنْ يُسَمُّوا بها آلهتَهم، أو يزيدُوا فيها، أو ينقُصوا منها، أو يُنكِروا بَعضَها [2200] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/596)، ((تفسير القرطبي)) (7/328)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/169، 170)، ((تفسير ابن كثير)) (3/516)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/356، 357). قال ابنُ القيِّم: (وحقيقةُ الإلحادِ فيها: العُدولُ بها عن الصَّوابِ فيها، وإدخالُ ما ليس مِن معانيها فيها، وإخراجُ حقائقِ معانيها عنها... فالإلحادُ إمَّا بجَحْدِها وإنكارِها، وإمَّا بجَحدِ معانيها وتعطيلِها، وإمَّا بتَحريفِها عن الصَّوابِ، وإخراجِها عن الحَقِّ بالتَّأويلاتِ الباطلةِ، وإمَّا بجَعلِها أسماءً لهذه المخلوقاتِ المصنوعاتِ). ((مدارج السالكين)) (1/54). قال ابنُ عُثيمين: (وقد ذكَرَ أهلُ العِلمِ للإلحادِ في أسماءِ اللهِ تعالى أنواعًا، يَجمَعُها أن نقولَ: هو المَيلُ بها عمَّا يجِبُ اعتقادُه فيها، وهو على أنواعٍ: النوع الأول: إنكارُ شَيءٍ مِن الأسماءِ، أو ما دلَّت عليه مِن الصِّفاتِ. النوع الثاني: أن يُسمِّيَ اللهَ- سبحانه وتعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه.     النوع الثالث: أن يَعتقِدَ أنَّ هذه الأسماءَ دالَّةٌ على أوصافِ المَخلوقينَ، فيجعَلَها دالَّةً على التَّمثيلِ. النوع الرابع: أن يَشتَقَّ مِن أسماءِ اللهِ- تعالى- أسماءً للأصنامِ، كاشتقاقِ اللَّاتِ مِن الإلهِ، والعُزَّى من العزيزِ، ومناةَ مِن المنَّانِ. هذه أنواعُ الإلحادِ في أسماءِ اللهِ تعالى). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (1/158). .
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
أي: سيُجازي اللهُ أولئك الذين يُلحِدونَ في أسمائِه، على جميع ما كانوا يعمَلونَ مِن الكُفرِ والإلحادِ في أسمائِه [2201] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/599)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/190). .
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكرَ اللهُ تعالى مَن ذرَأَ للنَّارِ، ذكَرَ هنا مُقابِلَهم [2202] يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/232). ، فقال:
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
أي: ومِنَ الذين خَلَقْنا، جماعةٌ مِن المُسلمينَ، يهتدونَ بالحَقِّ الذي أنزَلَه اللهُ، ويُرشِدونَ النَّاسَ إليه [2203] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/599)، ((تفسير ابن كثير)) (3/516)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/190)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/359). .
كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1- 3].
وقال سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .
وعن ثوبانَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ، لا يضُرُّهم مَن خَذَلهم، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم كذلك )) [2204] رواه البخاري (3640) ومسلم (1920). .
وَبِهِ يَعْدِلُونَ
أي: وبالحَقِّ يعدلونَ بين النَّاسِ ويُنصِفونَهم [2205] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/599)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/359). وهذا المعنى المذكور هو اختيارُ ابنِ جريرٍ، والسعدي. يُنظَر: المصادر السابقة. وقال الشِّنقيطي: (وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعملونَ هم في أنفُسِهم؛ لأنَّ مَن عَمِلَ به عدَلَ وأصابَ العدالةَ، وتنحَّى عن طرَفِ الإفراطِ والتَّفريطِ؛ لأن العدالةَ هي التوسُّطُ بين الأمرينِ، والتَّجافي عن طَرَفِ الإفراطِ وطرَفِ التَّفريطِ). ((العذب النمير)) (4/359). .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى حال الهادينَ المَهديِّينَ، وكان أصلُ السِّياقِ الضَّالِّينَ المُضلِّين؛ أتبَعَه بقيَّةَ الحديثِ عنهم على وجهٍ مُلَوِّحٍ بأنَّ عِلَّةَ الهدايةِ التَّوفيقُ [2206] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/178). .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)
أي: والَّذينَ جَحَدوا آياتِنا ورَدُّوها، سنُقرِّبُهم إلى هلاكِهم بالتَّدريجِ، درجةً درجةً، فنُغدِقُ عليهم مِن نِعَمِنا، ونفتَحُ لهم أبوابَ رِزقِنا، حتى يغتَرُّوا بما هم فيه، فيزدادوا انهماكًا في الفَسادِ، وتماديًا في البَطَرِ والغَفلةِ والعِنادِ، وهم لا يَعلمونَ حقيقةَ ما يُرادُ بهم، حتى يأخُذَهم اللهُ تعالى بعذابِه على غِرَّةٍ [2207] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/600)، ((تفسير القرطبي)) (7/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/191)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/362 - 364). قال ابنُ جريرٍ: (وأصلُ الاستدراجِ: اغترارُ المُستَدرَجِ بلُطفٍ، مِن حيثُ يرى المُستدرَجُ أنَّ المُستَدرِجَ إليه مُحسِنٌ، حتى يورِّطَه مَكروهًا). ((تفسير ابن جرير)) (10/600-601). قال الشِّنقيطي: (يظنُّونَ أنَّ تلك النِّعَمَ مُسابَقةٌ لهم في الخَيراتِ، وأنَّهم ينالونَ بعد ذلك أحسَنَ منه). ((العذب النمير)) (4/364). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 44-45] .
وقال سُبحانه: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 54- 56] .
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
وَأُمْلِي لَهُمْ
أي: وأُمهِلُ الذين كذَّبوا بآياتي، فأُطيلُ أعمارَهم، ولا أعاجِلُهم بالعُقوبةِ؛ ليتمادَوْا في الكُفرِ، ويزدادُوا عصيانًا، فتزيدَ عقوبَتُهم، ويتضاعَفَ عذابُهم [2208] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/601)، ((البسيط)) للواحدي (9/487)، ((تفسير الرازي)) (15/418)، ((تفسير القرطبي)) (7/329)، ((تفسير ابن كثير)) (3/516)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/191، 192)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/364). .
عن أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالِمِ حتَّى إذا أخَذَه لم يُفلِتْه. ثم قرأَ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ[هود: 102] )) [2209] رواه البخاري (4686)، ومسلم (2583). .
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
أي: إنَّ كَيْدي قَويٌّ شديدٌ لا يُمكِنُ الإفلاتُ منه [2210] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/601)، ((تفسير ابن كثير)) (3/516)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/192، 193). .
قال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: 15- 17].

الفوائد التربوية:


1- مِن أعظَمِ الأسبابِ التي يُحرَمُ بها العبدُ خَيرَ الدُّنيا والآخرةِ، ولذَّةَ النَّعيمِ في الدَّارينِ، ويَدخُلُ عليه عدوٌّ منها: الغفلةُ المُضادَّةُ للعِلمِ، وقد ذَمَّ اللهُ تعالى أهلَها، فقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [2212] يُنظَر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/112). .
2- الدُّعاةُ إلى الحَقِّ لا يسكُتونَ عن الدَّعوةِ به وإليه، ولا يتقَوقعونَ على أنفُسِهم، ولا يَنْزَوونَ بالحَقِّ الذي يعرفونَه، ولكنَّهم يَهدُونَ به غيرَهم؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ اللهِ تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فهذه أمَّةٌ فاضِلةٌ كاملةٌ في نَفسِها، مُكمِّلةٌ لِغَيرِها، يهدونَ أنفُسَهم وغيرَهم بالحقِّ، فيعلمونَ الحقَّ ويعملونَ به، ويُعلِّمونَه، ويدعونَ إليه وإلى العمَلِ به [2213] يُنظَر: ((تفسير السعدي)) (ص:310). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا لَمَّا كانوا لا يتدبَّرونَ شيئًا مِن الآياتِ، ولا ينظرونَ إليها نظَرَ اعتبارٍ، ولا يسمعونَها سماعَ تفكُّرٍ، جُعِلوا كأنَّهم فَقَدوا الفِقهَ بالقُلوبِ، والإبصارَ بالعيونِ، والسَّماعَ بالآذانِ، وليس المرادُ نفيَ هذه الإدراكاتِ عن هذه الحواسِّ، وإنَّما المرادُ نفيُ الانتفاعِ بها فيما طُلِبَ منهم من الإيمانِ [2214] يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/228). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يدلُّ على أنَّ كُفَّارَ الجِنِّ في النَّارِ [2215] يُنظَر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص:417). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ تقديمُ المجرورِ على المفعولِ في قَولِه: لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا لِيَظهرَ تعلُّقُه بـ ذَرَأْنَا [2216] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/183). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قدَّمَ ذكرَ الجِنِّ على الإنسِ في الآيةِ، والعلَّةُ في ذلك:
قيل: لَمَّا كانوا يُعَظِّمونَ الجِنَّ ويخافونَهم ويَضِلُّون بهم، بدأ بالجِنِّ [2217] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/173). .
وقيل: لعلَّ تقديمَهم هنا في الذِّكرِ على الإنسِ أنَّهم أكثَرُ أهلِ جَهنَّم؛ لأنَّهم أجدَرُ وأعرَقُ في الصِّفاتِ المذكورةِ عَقِبَ هذه الجملةِ في الآية، والتي هي سببُ استحقاقِها [2218] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/350). .
وقيل: بل قدَّمَ الجِنَّ على الإنسِ في الذِّكرِ؛ ليتعيَّنَ كونُ الصِّفاتِ الواردةِ مِن بعدُ صِفاتٍ للإنسِ، وبقرينةِ قَولِه: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ [2219] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/183). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا فيه دليلٌ على أنَّ القَلبَ آلةٌ للفِقهِ والعِلمِ، كما أنَّ العينَ آلةٌ للإبصارِ، والأذُنَ آلةٌ للسَّماعِ [2220] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/411)، ((تفسير أبي حيان)) (5/228). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا لَمَّا كان السِّياقُ للتفكُّرِ، بدأ بالقُلوبِ [2221] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/173). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا أبلَغُ مِن أن يُقالَ: (ليس لهم قلوبٌ يفقهونَ بها)؛ لأنَّ إثباتَ خلقِ القُلوبِ لهم، هو موضِعُ قيامِ الحُجَّةِ عليهم، والتعبيرُ الآخَرُ يَصدُقُ بأمرينِ: بعَدَمِ وجودِ القُلوبِ لهم بالمرَّةِ، وبوجودِ قلوبٍ لا يفقهونَ بها، وفي الحالةِ الأولى لا تقومُ عليهم حجَّةٌ؛ لأنَّهم لم يُؤتَوا آلةَ التَّكليفِ، وهو العَقلُ والوِجدانُ، فلا تكونُ العبارةُ نصًّا في قيامِ الحُجَّةِ؛ لاحتمالِها عدمَ التَّكليفِ. وإنَّما قال: لَا يَفْقَهُونَ بها، ولم يقُل: (لا تفقَهُ)؛ لبيانِ أنَّهم هم المؤاخَذونَ بعَدمِ تَوجيهِ إرادتِهم لِفقهِ الأمورِ، واكتناهِ الحَقائقِ، ويقالُ مثلُ هذا وما قبلَه فيما بَعدَه، وهو: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا [2222] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/356). .
السَّمعُ والعَقلُ هما أصلُ العِلمِ، وبهما يُنالُ؛ يُبَيِّنُ ذلك قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا [2223] يُنظَر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/59). .
قال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ليس في تقديمِ الأعيُنِ على الآذانِ مُخالَفةٌ لِما جرى عليه اصطلاحُ القُرآنِ، مِن تقديمِ السَّمعِ على البَصرِ؛ لتَشريفِ السَّمعِ بتلقِّي ما أمرَ اللهُ به، كما في قولِه تعالى: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7] لأنَّ التَّرتيبَ في آيةِ سُورةِ الأعرافِ هذه، سلك طريقَ الترقِّي مِن القُلوبِ التي هي مقَرُّ المُدرَكاتِ، إلى آلاتِ الإدراكِ: الأعيُنِ، ثم الآذانِ؛ فللآذانِ المرتبةُ الأولى في الارتقاءِ [2224] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/184). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ وقع هنا التدرُّجُ في وَصفِهم بهذه الأوصافِ: مِن نَفيِ انتفاعِهم بمَدارِكهم، ثم تَشبيهِهم بالأنعامِ، ثم الترقِّي إلى أنَّهم أضَلُّ مِن الأنعامِ، ثمَّ قَصرِ الغَفلةِ عليهم [2225] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/185). .
قال اللهُ تعالى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ وجهُ كونِهم أضلَّ مِن الأنعامِ: أنَّها تَنقادُ لأربابِها، وتعرِفُ مَن يُحسِنُ إليها، وتجتنِبُ ما يضرُّها، وهؤلاءِ لا يَنقادونَ لِرَبِّهم، ولا يَعرفونَ إحسانَه إليهم، من إساءةِ الشَّيطانِ الذي هو عدوُّهم [2226] يُنظَر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:211، 212). !
قَولُ اللهِ تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فأسماءُ اللهِ ليسَت إلَّا لِلَّهِ، والصِّفاتُ الحُسنى ليسَت إلَّا للَّهِ، فيجِبُ كَونُها موصوفةً بالحُسنِ والكَمالِ؛ فهذا يفيدُ أنَّ كلَّ اسمٍ لا يُفيدُ في المسمَّى صفةَ كمالٍ وجلالٍ، فإنَّه لا يجوزُ إطلاقُه على اللهِ سُبحانه [2227] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/414). .
قَولُه تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ دلَّت الآيةُ على أنَّ اللهَ- عزَّ وجلَّ- لا يُخلِي الدُّنيا في وقتٍ مِن الأوقاتِ مِن داعٍ يدعو إلى الحَقِّ [2228] يُنظَر: ((تفسير القرطبي)) (7/329). .

بلاغة الآيات:


وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
قولُه تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فيه تأكيدٌ بلامِ القَسَمِ وبـ(قَد)؛ لقَصدِ تحقيقِ الخَبَرِ؛ لأنَّ غرابتَه تُنَزِّلُ سامِعَه خاليَ الذِّهنِ منه منزلةَ المُتردِّدِ في تأويلِه، ولأنَّ المُخبَرَ عنهم قد وُصِفوا بـ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا إلى قَولِه: بَلْ هُمْ أَضَلُّ، والمعنيُّ بهم المُشركونَ، وهم يُنكِرونَ أنَّهم في ضلالٍ، ويحسَبونَ أنَّهم يُحسِنونَ صُنعًا، وكانوا يحسَبونَ أنَّهم أصحابُ أحلامٍ وأفهامٍ [2229] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/182). .
قولُه: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ مستأنفةٌ لابتداءِ كلامٍ بتفظيعِ حالِهم، فجُعِلَ ابتداءَ كلامٍ؛ ليكونَ أدعى للسَّامِعينِ، وعُرِّفوا بالإشارةِ أُولَئِكَ؛ لزيادةِ تَمييزِهم بتلك الصِّفات، وللتنبيهِ على أنَّهم بسبَبِها أحْرِياءُ بما سيُذكَرُ مِن تَسويَتِهم بالأنعامِ، أو جَعلِهم أضلَّ مِن الأنعامِ [2230] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/184). .
قَولُه: أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ تعليلٌ لِكَونِهم أضلَّ مِن الأنعامِ، وهو بلوغُهم حدَّ النِّهايةِ في الغَفلةِ، وبلوغُهم هذا الحدَّ أُفيدَ بِصيغةِ القَصرِ الادِّعائيِّ؛ إذِ ادُّعِيَ انحصارُ صِفةِ الغَفلةِ فيهم، بحيث لا يُوجدُ غافلٌ غيرُهم؛ لعدمِ الاعتدادِ بغَفلةِ غَيرِهم، فكلُّ غفلةٍ في جانبِ غَفلَتِهم كَلَا غفلةٍ؛ لأنَّ غَفلةَ هَؤلاءِ تعلَّقَت بأجدَرِ الأشياءِ بألَّا يُغفَلَ عنه، وهو ما تُفضي الغفلةُ عنه بالغافِلِ إلى الشَّقاءِ الأبديِّ، فهي غفلةٌ لا تدارُكَ منها [2231] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/185). .
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
قولُه تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى تقديمُ المجرورِ المسنَدِ على المسنَدِ إليه؛ لمجرَّدِ الاهتمامِ المُفيدِ تأكيدَ استحقاقِه إيَّاها، المُستفاد من اللَّام، والمعنى أنَّ اتِّسامَه بها أمرٌ ثابِتٌ [2232] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/186). .
والتَّفريعُ في قَولِه: فَادْعُوهُ بِهَا تفريعٌ عَن كَونِها أسماءً له، وعن كونِها حُسنى، أي: فلا حَرجَ في دعائِه بها؛ لأنَّها أسماءٌ مُتعدِّدةٌ لمسمًّى واحدٍ، لا كما يزعُمُ المُشركون، ولأنها حُسنى فلا ضيرَ في دعاءِ الله تعالى بها [2233] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/187). .
وجملةُ: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ تتنزَّلَ منزلةَ التَّعليلِ للأمرِ بتَركِ المُلحِدينَ، و (ما) موصولةٌ عامَّةٌ، أي: سيُجزَونَ بِجَميعِ ما يَعمَلونَه مِن الكُفرِ، ومِن جملة ذلك إلحادُهم في أسمائِه، والسينُ للاستقبالِ، وهي تفيدُ التَّأكيد [2234] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/190). .
وقيل: مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ دونَ أن يُقالَ (ما عَمِلوا) أو (ما يعملونَ)؛ للدَّلالةِ على أنَّ ذلك العمَلَ سنةٌ لهم، ومتجَدِّدٌ منهم [2235] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/190). .
قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ الاستدراجُ: استفعالٌ من درَجَ بمعنى (صعِد)، ثم اتُّسِع فيه، فاستُعمِلَ في كلِّ نقلٍ تدريجيٍّ، سواءٌ كان بطريقِ الصُّعودِ أو الهبوطِ أو الاستقامةِ، ثم استُعيرَ لطَلبِ كُلِّ نَقلٍ تدريجيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ، من الأحوالِ المُلائمةِ للمُنتَقِل، المُوافِقةِ لِهَواه، بحيث يزعُم أنَّ ذلك ترقٍّ في مراقي منافِعِه، مع أنَّه في الحقيقة ترَدٍّ في مهاوي مصارعِه، فاستدراجُه- سُبحانَه- إيَّاهم: أن يواتِرَ عليهم النِّعمَ مع انهماكِهم في الغَيِّ، فيحسَبوا أنَّها لُطفٌ لهم منه تعالى، فيَزدادوا بَطرًا وطغيانًا، لكِنْ لا على أنَّ المطلوبَ تدرُّجُهم في مراتِبِ النِّعَمِ، بل هو تدرُّجُهم في مدارجِ المعاصي إلى أن يحِقَّ عليهم كلمةُ العذابِ على أفظَعِ حالٍ وأشنَعِها [2236] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/297). .
قولُه تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (إنَّ وما بَعدَها) في موضِعِ العِلَّةِ للجُملَتينِ قبلها؛ فإنَّ الاستدراجَ والإملاءَ ضَربٌ مِن الكَيدِ [2237] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/192). .
والمغايرةُ بين فعلَيْ (نستَدرِج) و(أُملي)- في كونِ ثانيهِما بهمزةِ المتكَلِّم، وأوَّلِهما بنونِ العَظَمةِ- مغايرةٌ اقتضَتْها الفصاحةُ، مِن جِهةِ ثِقلِ الهَمزةِ بين حرفينِ مُتماثِلَين في النُّطقِ في سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، وللتفنُّنِ والاكتفاءِ بحُصولِ معنى التعظيمِ الأوَّلِ [2238] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/192). .