موسوعة التفسير

سورةُ طه
الآيات (1-8)

ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ

غريب الكلمات:


الثَّرَى: أي: التُّرابِ النَّديِّ الرَّطْبِ المُبتلِّ، وهو الذي تحت الظاهِرِ مِن وَجهِ الأرضِ، وأصلُه خِلافُ اليَبَسِ [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/12)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/374)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 228)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 285). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى
قولُه تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً: في نصبه أوجهٌ:
 أحدُها: أنْ يكونَ مَفعولًا مِن أجلِه، والعامِلُ فيه أَنْزَلْنَا، وكذلك لِتَشْقَى علةٌ له أيضًا، ولا مانِعَ مِن أنْ يعلَّلَ الفِعلُ بعِلَّتينِ فأكثرَ، ووجبَ مجيءُ الأوَّلِ لِتَشْقَى مع اللامِ لاختلافِ الفاعِلِ؛ ففاعِلُ الإنزالِ الله سُبحانَه، وفاعِلُ لِتَشْقَى الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم، ففاتَتْه شريطةُ الانتصابِ، أما الثَّاني تَذْكِرَةً فاستكمَلَ شُروطَ النَّصبِ على المفعولِ لأجلِه. والاستِثناءُ مُفرَّغٌ.
الثاني: أنْ يكونَ منصوبًا على الاستثناءِ المُنقَطِع، أي: ما أنزَلْناه لشَقائِك، لكنْ أنزَلْناه تذكِرةً.
 الثالث: أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ مُقَدَّرٍ، أي: لكنْ ذَكَّرْنا به تَذْكِرةً.
الرابع: أنَّه مصدرٌ في موضِع الحالِ مِن الكافِ في عَلَيْكَ، أو من الْقُرْآنَ، والاستثناءُ مُفرَّغ، أي: إلَّا مُذَكِّرًا [15] يُنظر: ((التبيان)) للعكبري (2/884)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1520)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/8)، ((تفسير الألوسي)) (8/467)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/185)، ((المجتبى)) للخراط (2/684). .

المعنى الإجمالي:


ابتدأت السورةُ بالحُروفِ المقطَّعةِ، وقد سبق الكلامُ عنها في أوَّلِ سُورةِ (مريمَ)، ثمَّ قال تعالى: ما أنزَلْنا عليك -يا مُحمَّدُ- القرآنَ ليكونَ سَببًا في شقائِك، لكِنْ أنزَلْناه عظةً لمن يخشى الله ويخافُ عِقابَه.
ثمَّ بيَّن الله تعالى مصدرَ هذا القرآنِ، فقال: وقد نُزَّلَ هذا القرآنَ تنزيلًا مِن الله الذي خلَقَ الأرضَ والسَّمواتِ العُلا؛ الرَّحمنُ على العَرشِ ارتفَعَ وعلا، على ما يليقُ بجَلالِه وعَظَمتِه.
ثم أكَّد سبحانَه شمولَ ملكِه، وعمومَ قدرتِه، فقال: له ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ وما بينهما وما تحتَ الأرضِ، وإنْ تجهَرْ -يا مُحمَّدُ- بالقَولِ أو تُخفِه؛ فإنَّ اللهَ لا يَخفى عليه شيءٌ، فهو يعلَمُ السِّرَّ وما هو أخفَى مِن السِّرِّ ممَّا لم يخطُرْ على قُلوبِ العبادِ، فيعلَمُ أنه سيخطرُ ببالِهم.
ثمَّ أثنَى الله سبحانَه على ذاتِه بما هو أهلٌ له، فقال: اللهُ لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، له وَحْدَه الأسماءُ الكاملةُ في الحُسنِ.

تفسير الآيات:


طه (1).
تقدَّم الكلامُ عن هذه الحروفِ المقطَّعةِ في أوَّلِ تفسيرِ سُورةِ (مريمَ) [16] ويُنظر ما تقدم من ((التفسير المحرَّر)) (1/64). والقولُ بأنَّ طه مِن الحروفِ المقطعةِ، استظهَره أبو حيان، وممَّن اختاره: ابن القيم، والقاسمي، والسعدي، وابنُ عاشورٍ، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/309)، ((تحفة المودود)) لابن القيم (ص: 127)، ((تفسير القاسمي)) (7/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/183)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/3). قال الشنقيطي: (أظهرُ الأقوالِ فيه عندي أنَّه مِن الحروفِ المقطَّعةِ في أوائلِ السُّوَرِ، ويدُلُّ لذلك أنَّ الطَّاءَ والهاءَ المذكورتَيْنِ في فاتحةِ هذه السُّورَةِ، جاءَتا في مواضعَ أُخَرَ لا نزاعَ فيها في أنَّهما مِن الحروفِ المقطَّعةِ، أمَّا الطَّاءُ ففي فاتحةِ «الشُّعراءِ» طسم [الشعراء: 1]، وفاتحةِ «النَّمْلِ» طسم [النمل: 1]، وفاتحةِ «القصصِ»، وأمَّا الهاءُ ففي فاتحةِ «مريم» في قولِه تعالَى: كهيعص [مريم: 1]). ((أضواء البيان)) (4/3). ونسب الواحديُّ إلى أكثر المفسِّرينَ أنَّ معنى: طه أي: يا رجُلُ، يريدُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وممَّن اختار ذلك: ابنُ جريرٍ، والواحدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/8)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 691)، ((الوسيط)) للواحدي (3/199). قال الواحدي: (وهو قولُ الحسنِ، وعكرمةَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، وقتادةَ، والضحَّاكِ، ومجاهدٍ، وابنِ عباس في روايةِ عطاء، والكلبي، غيرَ أنَّ بعضَهم يقولُ: هي بلسانِ الحبشةِ، وبالنَّبَطيَّة، والسُّريانيةِ). ((الوسيط)) (3/199). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/5)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/150)، ((تفسير ابن كثير)) (5/271). وقال الشوكاني بعدَ أن ذكَر كلامَ الواحدي: (وإذا تقرَّرَ أَنَّها لهذا المعنَى في لغةٍ مِن لغاتِ العربِ كانت ظاهرةَ المعنَى، واضحةَ الدَّلالةِ، خارجةً عن فواتحِ السُّورِ الَّتي قدَّمْنا بيانَ كونِها مِن المتشابِه...، وهكذا إذا كانت لهذا المعنَى في لغةٍ مِن لغاتِ العجمِ، واستعملَتْها العربُ في كلامِها في ذلك المعنَى كسائرِ الكلماتِ العجمِيَّةِ الَّتي استعمَلَتْها العربُ الموجودَةِ في الكتابِ العزيزِ، فإنَّها صارَتْ بذلك الاستعمالِ مِن لغةِ العربِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/420). وقال ابنُ عاشور: (لا التفاتَ إلى قَولِ من زعموا أنَّه من أسماء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم). ((تفسير ابن عاشور)) (16/183). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 502)، ((مجموع فتاوى ابن باز)) (18/54). قال ابنُ عثيمين: (وهذا لا يَصِحُّ نَظَرًا ولا أثَرًا؛ أمَّا عدَمُ صِحَّتِه أثَرًا فلِعَدمِ النَّقلِ؛ فإنَّه لم يأتِ حديثٌ صحيحٌ ولا ضَعيفٌ أنَّ مِن أسماءِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «طه» أبدًا. وأمَّا النظَرُ: فلأنَّ «طه» مركَّبٌ مِن حرفينِ مُهمَلينِ هِجائيَّينِ، والحروفُ الهجائيَّةُ ليس لها معنًى، ومِن المعلومِ أنَّ أسماءَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم كُلُّها تحمِلُ معانيَ؛ فليس له اسمٌ صلَّى الله عليه وسلَّم هو علَمٌ مَحضٌ، بل أسماءُ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلم كلُّها أعلامٌ وألقابٌ). ((شرح نظم الورقات)) (ص: 141). .
مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2).
أي: ما أنزَلْنا عليك القُرآنَ -يا محمَّدُ- ليكونَ سَببًا في جلْبِ شَيءٍ من الشَّقاءِ لك [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/8)، ((تفسير ابن جزي)) (2/5)، ((تفسير ابن كثير)) (5/272)، ((تفسير الشوكاني)) (3/421)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/184). قال ابنُ جُزي: (قيل: إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قام في الصلاةِ حتى تورَّمت قدماه، فنزلت الآيةُ تخفيفًا عنه، فالشَّقاءُ على هذا إفراطُ التَّعَب في العبادة، وقيل: المرادُ به التأسُّفُ على كُفرِ الكُفَّار، واللَّفظُ عامٌّ في ذلك كلِّه، والمعنى أنَّه نفى عنه جميعَ أنواعِ الشَّقاءِ في الدنيا والآخرة؛ لأنَّه أنزل عليه القرآنَ الذي هو سَبَبُ السعادةِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/5). .
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3).
أي: إنَّما أنزَلْنا عليك القُرآنَ -يا مُحمَّدُ- تذكيرًا وعظةً لِمن يخشَى اللهَ، ويخافُ عذابَه [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/9)، تفسير السمعاني (3/319)، ((تفسير البغوي)) (3/255)، ((تفسير الخازن)) (3/200)، ((تفسير العليمي)) (4/279)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/5). قال السعدي: (إلَّا ليتذكرَ به مَن يخشَى الله تعالى، فيتذكرَ ما فيه مِن الترغيبِ إلى أجلِّ المطالبِ، فيعملَ بذلك، ومِن الترهيبِ عن الشقاءِ والخسرانِ، فيرهبَ منه، ويتذكرَ به الأحكامَ الحسنةَ الشرعيةَ المفصَّلةَ، التي كان مستقرًّا في عقلِه حسنُها مجملًا، فوافَق التفصيلُ ما يجدُه في فطرتِه وعقلِه... والتذكرةُ لشيءٍ كان موجودًا، إلَّا أنَّ صاحبَه غافلٌ عنه، أو غيرُ مستحضِرٍ لتفصيلِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 502). وقال ابن عاشور: (التذكرةُ: خُطورُ المنسيِّ بالذِّهنِ، فإنَّ التَّوحيدَ مستَقِرٌّ في الفطرةِ والإشراكَ منافٍ لها، فالدَّعوةُ إلى الإسلامِ تذكيرٌ لما في الفطرةِ أو تذكيرٌ لملَّةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/185). وقال ابن عطية: (ويَخْشَى يتضمَّنُ الإيمانَ والعملَ الصالحَ؛ إذ الخشيةُ باعثةٌ على ذلك). ((تفسير ابن عطية)) (4/37). .
كما قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29].
وقال سُبحانه: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى: 9، 10].
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4).
أي: نزل هذا القرآنُ تنزيلًا مِنَ الله الذي خلقَ الأرضَ المُنخَفضةَ والسَّمواتِ العاليةَ الرَّفيعةَ [19] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/11)، ((تفسير القرطبي)) (11/169)، ((تفسير أبي حيان)) (7/311)، ((تفسير ابن كثير)) (5/272، 273). .
كما قال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت: 2].
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ الله تعالى أنَّه الخالقُ المدَبِّرُ الآمِرُ الناهي؛ أخبَرَ عن عظمته وكبريائِه [20] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: ٥٠١). ، فقال تعالى:
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5).
أي: الرَّحمنُ علا وارتفَعَ على عَرشِه، كما يليقُ بجَلالِه [21] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/11)، ((تفسير السمعاني)) (3/320)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502). .
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6).
أي: لله وَحْدَه مُلكُ جَميعِ ما في السَّمواتِ، وجميعِ ما في الأرضِ، وما بينَهما وما تحتَ التُّرابِ ممَّا في باطِنِ الأرضِ مِن المخلوقاتِ، وهو المتصَرِّفُ فيهم بتدبيرِه ومشيئتِه وَحْدَه [24] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/11)، ((تفسير ابن كثير)) (5/273)، ((تفسير الشوكاني)) (3/421، 422)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/188). .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ الله تعالى أولًا إنشاءَ السَّمواتِ والأرضِ، وذكَرَ أنَّ جميعَ ذلك وما فيهما مُلكُه؛ ذكَرَ تعالى صِفةَ العِلمِ، وأنَّ عِلمَه لا يغيبُ عنه شَيءٌ [25] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (٧/٣١٣). ، فالآيةُ بَيانٌ لإحاطةِ عِلْمِه تعالَى بجميعِ الأشياءِ إثْرَ بَيانِ سَعَةِ سَلْطنتِه، وشُمولِ قُدرتِه لجميعِ الكائناتِ [26] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
وأيضًا لمَّا كان المُلكُ لا ينتظمُ غايةَ الانتظامِ إلَّا بإحاطة العلم، وكان المَلكُ من الآدميين قد لا يعلمُ أحوالَ أقصى ملكِه كما يعلمُ أحوالَ أدناه، لاسيما إذا كان واسعًا، ولذلك يختلُّ بعضُ أمرِه؛ أعلَمَ أنَّه سُبحانَه بخلافِ ذلك، فقال حثًّا على مراقبتِه، والإخلاصِ له [27] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (١٢/٢٦٩). :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7).
أي: وإنْ تجهَرْ بقَولِك -يا مُحمَّدُ [28] وممن ذهب إلى أنَّ الخطابَ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/12). قال ابن عاشور: (الخطابُ في قولِه وَإِنْ تَجْهَرْ يجوز أنْ يكون خطابًا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يعمُّ غيرَه، ويجوزُ أنْ يكونَ لغيرِ مُعَيَّنٍ ليعُمَّ كُلَّ مخاطَبٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/189). - أو تُسِرَّه، فكُلٌّ سَواءٌ في عِلمِ اللهِ؛ فإنَّه يعلَمُ ما تُسِرُّه النفوسُ، ويعلَمُ ما هو أخفى من السِّرِّ ممَّا لم يخطُرْ على قلوبِ العبادِ، يعلَمُ أنه سيخطرُ ببالِهم كذا وكذا، في وقتِ كذا وكذا [29] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/12، 16، 17)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/111)، ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص: 62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، والضحاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/14، 16)، ((تفسير ابن كثير)) (5/275). وذكر ابنُ الجوزيِّ أقوالًا أخرى، منها: أنَّ السرَّ: ما حدَّثتَ به نفسَك، وَأَخْفَى: ما لم تلفِظْ به. ونسَبه لسعيدِ بنِ جُبيرٍ. ومنها: أنَّ السرَّ: العملُ الذي يُسِرُّه الإِنسانُ مِن الناسِ، وأخفَى منه: الوسوسةُ. ونسَبه لمجاهدٍ. ومنها: أنَّ المرادَ: يعلمُ إِسرارَ عبادِه، وقد أخفَى سرَّه عنهم فلا يُعْلَمُ. ونسَبه لزيدِ بنِ أسلمَ، وابنِه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/151). .
كما قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 6].
وقال سُبحانَه: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [الأنبياء: 110].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى [الأعلى: 7].
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما كان مَن هو بهذه الأوصافِ مِن تمامِ العِلمِ والقُدرةِ رُبَّما ظُنَّ أنَّ له منازعًا؛ نفَى ذلك مُعْلِمًا أنَّ هذا الظَّنَّ باطِلٌ قطعًا لا شُبهةَ له [30] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/270). .
وأيضًا لَمَّا قرَّرَ كَمالَه المطلَقَ بعُمومِ خَلقِه، وعُمومِ أمْرِه ونهيِه، وعُمومِ رَحمتِه، وسَعةِ عَظَمتِه وعُلُوِّه على عَرشِه، وعُمومِ مُلكِه، وعُمومِ عِلمِه؛ نتَج مِن ذلك أنَّه المستحِقُّ للعبادةِ، وأنَّ عبادتَه هي الحَقُّ التي يُوجِبُها الشَّرعُ والعَقلُ والفِطرةُ، وعبادةُ غيرِه باطِلةٌ، فقال [31] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 502). :
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: اللهُ لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، ولا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه؛ فأخلِصوا له العبادةَ وَحْدَه [32] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/17)، ((البسيط)) للواحدي (14/361)، ((تفسير القرطبي)) (11/170)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502). .
لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
أي: لله وَحْدَه الأسماءُ الكثيرةُ الكامِلةُ في حُسنِها، الدَّالَّةُ على صِفاتِ كَمالِه سُبحانَه [33] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/17)، ((تفسير ابن عطية)) (4/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/192). قال السَّعدي: (مِن حُسنِها أنَّها كلَّها أسماءٌ دالَّةٌ على المدحِ، فليس فيها اسمٌ لا يدُلُّ على المدحِ والحَمدِ، ومن حُسنِها أنَّها ليست أعلامًا مَحضةً، وإنَّما هي أسماءٌ وأوصافٌ، ومن حُسنِها أنَّها دالَّةٌ على الصِّفاتِ الكاملةِ، وأنَّ له مِن كُلِّ صِفةٍ أكمَلَها وأعمَّها وأجَلَّها، ومن حُسنِها أنَّه أمر العبادَ أنْ يَدعُوه بها؛ لأنَّها وسيلةٌ مُقَرِّبةٌ إليه، يحِبُّها، ويحِبُّ مَن يُحبُّها، ويحِبُّ من يحفَظُها، ويحِبُّ من يبحَثُ عن معانيها، ويتعَبَّدُ له بها؛ قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). ((تفسير السعدي)) (ص: 502). وقال ابنُ عاشور: (قولُه: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى... أي: لا لغَيرِه؛ لأنَّ غيرَه إمَّا أنْ يكون اسمُه مُجرَّدًا من المعاني المدلولةِ للأسماءِ، مثلَ الأصنامِ، وإمَّا أنْ تكون حقائِقُها فيه غيرَ بالغةٍ مُنتهى كَمالِ حَقيقتِها، كاتِّصافِ البَشَرِ بالرَّحمةِ والمُلكِ، وإمَّا أنْ يكونَ الاتِّصافُ بها كَذِبًا لا حَقيقةً، كاتِّصافِ البَشَرِ بالكِبر؛ إذ ليس أهلًا للكِبرِ والجَبَروتِ والعِزَّةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/192). .
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180].
وقال سُبحانَه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110].
وقال عزَّ وجلَّ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: 22 - 24].

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى فليس المقصودُ بالوحيِ، وإنزالِ القُرآنِ عليك، وشَرعِ الشَّريعةِ: أنْ تشقَى بذلك، ويكونَ في الشَّريعةِ تكليفٌ يشُقُّ على المكَلَّفينَ، وتعجِزُ عنه قوى العامِلينَ، وإنما الوحيُ والقرآنُ والشَّرعُ، شَرَعه الرحيمُ الرَّحمنُ، وجعله موصِلًا للسَّعادةِ والفلاحِ والفوزِ، وسهَّله غايةَ التَّسهيلِ، ويسَّرَ كُلَّ طُرقِه وأبوابِه، وجعلَه غِذاءً للقلوب والأرواحِ، وراحةً للأبدان، فتلَقَّتْه الفِطَرُ السَّليمةُ والعقولُ المستقيمةُ بالقَبولِ والإذعانِ؛ لعِلمِها بما احتوى عليه مِن الخيرِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ ولهذا قال تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [34] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 501). .
2- آياتُ اللهِ الإيمانيةُ القرآنيةُ إنما يَنتَفِعُ بها أهلُ التَّقوى والخشيةِ والإنابةِ ومَن كان قَصدُه اتِّبَاعَ رضوانِه؛ وأنها يَتذَكَّرُ بها مَن يخشاه سُبحانَه، قال تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [35] يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 131). .
3- قولُ الله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى فيه حَثٌّ على مُراقَبةِ الله تعالى، والإخلاصِ له [36] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (١٢/٢٦٩). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَولِه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى جَمَعَ الله لنبيِّه سُبحانَه بينَ إنزالِ القرآنِ عليه وبين نَفْيِ الشَّقاءِ عنه، كما قال في آخِرِها- في حقِّ أتبَاعِه: فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]؛ فالهُدى والفَضلُ والنِّعمةُ والرَّحمةُ مُتلازِماتٌ لا يَنْفَكُّ بعضُها عن بعضٍ، كما أنَّ الضَّلالَ والشَّقاءَ متلازمانِ لا يَنفَكُّ أحدُهما عن الآخَرِ [37] يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 134). .
2- كثيرًا ما يُقرَنُ بينَ الخلقِ والأمرِ، كما في قوله: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا وقَولِه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وقَولِه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ وذلك أنَّه الخالقُ الآمرُ الناهي، فكما أنَّه لا خالقَ سواه، فليس على الخلقِ إلزامٌ ولا أمرٌ ولا نهيٌ إلَّا مِن خالقِهم، وأيضًا فإنَّ خلقَه للخلقِ فيه التدبيرُ القدريُّ الكونيُّ، وأمرَه فيه التدبيرُ الشرعيُّ الدينيُّ، فكما أنَّ الخلقَ لا يخرجُ عن الحكمةِ، فلم يخلقْ شيئًا عبثًا، فكذلك لا يأمرُ ولا ينهَى إلا بما هو عدلٌ وحكمةٌ وإحسانٌ [38] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 502). .
3- قولُ الله تعالى: وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا فائِدةُ وَصفِ السَّمواتِ بالعُلا: الدَّلالةُ على عِظَمِ قُدرةِ مَن يخلُقُ مِثلَها في عُلُوِّها، وبُعدِ مُرتقاها [39] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/8). ؛ إذ لا يُمكِنُ وُجودُ مثْلِها في عُلوِّها مِن غيرِه تعالى [40] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/51)، ((تفسير أبي حيان)) (7/312)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/186). .
4- قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى في ذِكرِ الرَّحْمَنُ إشارةٌ إلى أنَّه مع عُلُوِّه وعظمَتِه مَوصوفٌ بالرَّحمةِ [41] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/383). .
5- لما كان خطابُ الناسِ لا يتأتَّى إلا بالجهرِ بالكلام، جاء الشرطُ بالجهرِ، فقال: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ، وعلَّق على الجهرِ علمَه بالسرِّ، فقال: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى؛ لأنَّ علمَه بالسرِّ يتضمَّنُ علمَه بالجهرِ، أي: إذا كان يعلمُ السرَّ فأحرَى أنْ يعلمَ الجهرَ، والسِّرُّ مقابِلٌ للجهرِ، كما قال: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [42] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (٧/٣١٣). [الأنعام: 3].

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى استئنافٌ مَسوقٌ؛ لتَسليتِه صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا كان يَعْتريه من جِهَةِ المُشرِكين من التَّعبِ؛ فإنَّ الشَّقاءَ شائعٌ في ذلك المَعنى، ولعلَّه عبَّرَ بـ لِتَشْقَى بدلًا من (لِتَتْعَبَ)؛ للإشْعارِ بأنَّه أُنزِلَ عليه لِيسعَدَ. وقيل: إنَّه رَدٌّ وتَكذيبٌ للكَفرةِ؛ فإنَّهم لمَّا رأَوا كثرةَ عبادتِه، قالوا: إنَّك لَتَشقَى بترْكِ دِينِنا، وإنَّ القُرآنَ أُنزِلَ عليك لِتَشقى به؛ ففيه تَعريضٌ بأنَّهمُ الأشقياءُ [43] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/22)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/121)، ((تفسير أبي السعود)) (6/3). .
- قولُه: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى وُقوعُ فِعْلِ أَنْزَلْنَا في سياقِ النَّفيِ يَقْتضي عُمومَ مَدْلولِه، وعُمومُ الفعْلِ يَستلزِمُ عُمومَ مُتعلِّقاتِه مِن مفعولٍ ومَجرورٍ؛ فيعُمُّ نفْيَ جميعِ كلِّ إنزالٍ للقُرآنِ فيه شَقاءٌ له، ونفْيَ كلِّ شَقاءٍ يتعلَّقُ بذلك الإنزالِ، أي: جميعِ أنواعِ الشَّقاءِ؛ فلا يكونُ إنزالُ القُرآنِ سببًا في شَيءٍ من الشَّقاءِ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم [44] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/184-185). .
2- قولُه تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى
- قولُه: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى خُصَّ مَن يَخْشى مع عُمومِ التَّذكرةِ والتَّبليغِ؛ لأنَّهم المُنتفِعون بها [45] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/125)، ((تفسير أبي السعود)) (6/4). ، وفيه: تَنويهٌ بشأْنِ المُؤمِنين الَّذين آمنوا بأنَّهم كانوا من أهْلِ الخشيةِ، ولولا ذلك لَمَا تَذكَّروا بالقُرآنِ [46] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/184). .
3- قوله تعالى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا
- قولُه: تَنْزِيلًا حالٌ ثانيةٌ، والمقصودُ منها التَّنويهُ بالقُرآنِ، والعِنايةُ به؛ لِيَنتقِلَ مِن ذلك إلى الكِنايةِ بأنَّ الَّذي أنزَلَه عليك بهذه المَثابةِ لا يَترُكُ نصْرَك وتأْييدَك [47] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/186). . وفي قولِه: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا تَفخيمٌ وتعظيمٌ لشأْنِ القُرآنِ؛ إذ هو منسوبٌ تَنزيلُه إلى مَن هذه أفعالُه وصِفاتُه، وتَحقيرٌ لمَعبوداتِهم، وتَحريضٌ للنُّفوسِ على الفِكْرِ والنَّظرِ [48] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/311). ، فإنَّه تعظُمُ الرِّسالةُ بتعظيمِ حالِ المُرسِلِ؛ ليكونَ المُرسَلُ إليه أقرَبَ إلى الامتِثالِ [49] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/7-8). .
- أشار بالمصدَرِ الجاري على غيرِ الفِعْلِ في قولِه: تَنْزِيلًا، إلى أنَّه يتمهَّلُ عليهم ترفُّقًا بهم، ولا يُنزِلُ هذا القُرآنَ إلَّا تدريجًا؛ إزالةً لشُبَهِهم، وشرْحًا لصُدورِهم، وتَسكينًا لنُفوسِهم، ومَدًّا لمُدَّةِ البركةِ فيهم بتَردُّدِ الملائكةِ الكِرامِ إليهم، كما أنَّه لم يُهْلِكْهم بمَعاصيهم؛ اكتفاءً ببيِّنةِ ما في الصُّحفِ الأُولى، بل أرسَلَ إليهم رسولًا [50] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/267). .
- وفي قولِه: مِمَّنْ خَلَقَ الْتِفاتٌ؛ إذ فيها الخُروجُ من ضَميرِ التَّكلُّمِ -وهو في مَا أَنْزَلْنَا- إلى الغَيبةِ، وفيه عادةُ التَّفنُّنِ في الكلامِ، وهو ممَّا يَحسُنُ؛ إذ لا يَبْقَى على نظامٍ واحدٍ، وجَريانُ هذه الصِّفاتِ على لفْظِ الغَيبةِ والتَّفخيمِ بإسنادِ الإنزالِ إلى ضَميرِ الواحدِ المُعظِّمِ نفْسَه، ثمَّ إسنادُه إلى مَن اخْتُصَّ بصفاتِ العظمةِ الَّتي لم يُشارِكْه فيها أحدٌ، فحصَلَ التَّعظيمُ من الوجهينِ؛ فهو مَسوقٌ لتَعظيمِ شأْنِ المُنزِّلِ عَزَّ وجَلَّ المُستَتْبِعِ لتَعظيمِ شأْنِ المُنزَّلِ، الدَّاعي إلى تَربيةِ المَهابةِ، وإدخالِ الرَّوعةِ المُؤدِّيةِ إلى استنزالِ المُتمرِّدينَ عن رُتْبةِ العُتوِّ والطُّغيانِ، واستمالتِهم نحوَ الخشيةِ المُفْضِيةِ إلى التَّذكرةِ والإيمانِ [51] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/51)، ((تفسير البيضاوي)) (4/23)، ((تفسير أبي حيان)) (7/311)، ((تفسير أبي السعود)) (6/4). .
- والعُدولُ عن اسمِ الجَلالةِ أو عن ضَميرِه إلى الموصوليَّةِ مِمَّنْ خَلَقَ؛ لِمَا تُؤذِنُ به الصِّلةُ من تحتُّمِ إفرادِه بالعبادةِ؛ لأنَّه خالقُ المُخاطَبين بالقُرآنِ وغيرِهم ممَّا هو أعظَمُ منهم خلْقًا [52] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/186). .
- وتَخصيصُ خلْقِه السَّمواتِ والأرضَ بالذِّكرِ -مع أنَّ المُرادَ خلْقُهما بجميعِ ما يتعلَّقُ بهما-؛ لأصالتِهما، واستتباعِهما لِمَا عداهما. وتَقديمُ الأرضِ؛ لكونِها أقرَبَ إلى الحسِّ، وأظهَرَ عنده من السَّمواتِ العُلى [53] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/23)، ((تفسير أبي السعود)) (6/4). .
4- قولُه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فيه وصْفُه بالرَّحمانيَّةِ بعدَ وصْفِه بخالِقيَّةِ السَّمواتِ والأرضِ؛ للإشعارِ بأنَّ خلْقَهما من آثارِ رحْمتِه تعالى، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ تَنزيلَ القُرآنِ أيضًا مِن أحكامِ رَحمتِه تعالى، كما يُنبِئُ عنه قولُه تعالى: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ [54] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). [الرحمن: 1-2]. وأيضًا اختِيرَ وصْفُ (الرَّحمن) لتَعليمِ النَّاسِ به؛ لأنَّ المُشرِكين أنْكَروا تَسميتَه تعالى الرَّحمنَ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: 60]. وفي ذِكْرِه هنا، وكثرةِ التَّذكيرِ به في القُرآنِ: بعْثٌ على إفرادِه بالعبادةِ؛ شُكْرًا على إحسانِه بالرَّحمةِ البالغةِ [55] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/186). .
- وعَلَى مُتعلِّقةٌ بـ اسْتَوَى؛ قُدِّمَت عليه لمُراعاةِ الفواصلِ [56] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). ؛ ولإفادةِ الحصرِ والتخصيصِ، وبيانِ أنَّه سُبحانَه وتعالى لم يستوِ على شيءٍ سوى العَرشِ [57] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/383). .
- واختيارُ اسمِ (الرَّحمن) هنا دونَ (الرَّحيم)؛ لِمَا في وزْنِ (فَعْلان) من سَعَةِ هذا الوصْفِ، وثُبوتِ جَميعِ معناهُ الموصوفِ به؛ ولهذا يَقْرِنُ استواءَه على العرْشِ بهذا الاسمِ كثيرًا؛ فاستوى على عَرْشِه باسْمِ الرَّحمنِ؛ لأنَّ العرْشَ مُحيطٌ بالمخلوقاتِ قد وسِعَها، والرَّحمةُ مُحيطةٌ بالخلْقِ واسعةٌ لهم؛ فاسْتَوى على أوسَعِ المخلوقاتِ بأوسَعِ الصِّفاتِ؛ فلذلِكَ وسِعَت رَحمتُه كلَّ شَيءٍ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [58] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/57). [الأعراف: 156].
5- قولُه تعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى
- تَقديمُ المجرورِ في قولِه: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ للقصْرِ؛ رَدًّا على زعْمِ المُشرِكين أنَّ لآلهتِهم تَصرُّفاتٍ في الأرضِ، وأنَّ للجنِّ اطِّلاعًا على الغيبِ، ولتَقريرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنحاءُ الكائناتِ؛ وهي السَّمواتُ والأرضُ، وما بينهما، وما تحْتَ الثَّرى [59] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/188). .
- وذِكرُ ما تحْتَ الثَّرى مع دُخولِه تحتَ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ لزِيادةِ التَّقريرِ [60] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
6- قولُه تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى عطْفٌ على جُملةِ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ لدَلالةِ هذه الجُملةِ على سَعَةِ عِلْمِه تعالى، كما دلَّتِ الجُملةُ المعطوفُ عليها على عَظِيمِ سُلْطانِه وقُدرتِه، وأصْلُ النَّظمِ: ويعلَمُ السِّرَّ وأخْفى إنْ تَجهَرْ بالقولِ؛ فموقِعُ قولِه: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ مَوقِعُ الاعتراضِ بين جُملةِ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وجُملةِ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ فَصِيغَ النَّظمُ في قالِبِ الشَّرطِ والجَزاءِ؛ زِيادةً في تَحقيقِ حُصولِه على طَريقةِ ما يُسمَّى بالمذهبِ الكلاميِّ، وهو سَوقُ الخبرِ في صِيغَةِ الدَّليلِ على وُقوعِه؛ تَحقيقًا له [61] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/188-189). .
- وطابَقَ الجَزاءُ الشَّرطَ؛ لأنَّ معناهُ: وإنْ تجهَرْ بذِكْرِ اللهِ من دُعاءٍ أو غيرِه، فاعْلَمْ أنَّه غَنِيٌّ عن جَهْرِك؛ فإمَّا أنْ يكونَ نهْيًا عن الجَهْرِ، كقولِه تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف: 205]، وإمَّا تعليمًا للعِبادِ أنَّ الجَهْرَ ليس لإسماعِ اللهِ، وإنَّما هو لغرضٍ آخرَ [62] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/52)، ((تفسير البيضاوي)) (4/23)، ((تفسير أبي حيان)) (7/313)، ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
- واختِيرَ في إثباتِ سَعَةِ عِلْمِ اللهِ تعالى خُصوصُ عِلْمِه بالمسموعاتِ؛ لأنَّ السِّرَّ أخْفى الأشياءِ عن عِلْمِ النَّاسِ في العادةِ، و(أَخْفَى) اسمُ تَفضيلٍ، وحُذِفَ المُفضَّلُ عليه؛ لدَلالةِ المَقامِ عليه، أي: وأخْفى منَ السِّرِّ [63] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/190- 191). ، وتَنكيرُه؛ للمُبالغةِ في الخَفاءِ [64] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
7- قولُه تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى استئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ من صِفاتِ الكَمالِ مَوصوفُها ذلك المعبودُ بالحقِّ، أي: ذلك المَنْعوتُ بما ذُكِرَ منَ النُّعوتِ الجليلةِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ. وقولُه تعالَى: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تَحقيقٌ للحقِّ، وتَصريحٌ بما تضمَّنَه ما قبْلَه مِن اختصاصِ الأُلوهيَّةِ به سُبحانه؛ فإنَّ ما أُسنِدَ إليه تعالى مِن خلْقِ جميعِ الموجوداتِ، والرَّحمانيَّةِ، والمالكيَّةِ للكلِّ، والعلْمِ الشَّاملِ: ممَّا يَقْتضيه اقتضاءً بَيِّنًا [65] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
- وهو تَذييلٌ لِمَا قبْلَه؛ لأنَّ ما قبْلَه تضمَّنَ صِفاتٍ من فِعْلِ اللهِ تعالى، ومن خلْقِه، ومِن عَظَمَتِه؛ فجاء هذا التَّذييلُ بما يَجمَعُ صِفاتِه [66] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/191). .
- وقولُه: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى بَيانٌ لكونِ ما ذُكِرَ من الخالقيَّةِ والرَّحمانيةِ والمالكيَّةِ والعالِميَّةِ أسماءَه وصِفاتِه، من غيرِ تعدُّدٍ في ذاتِه تعالى [67] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/5). .
- وتَقديمُ المجرورِ في قولِه: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى؛ للاختصاصِ، أي: لا لغيرِه. ووصْفُ الأسماءِ بالحُسْنى؛ لأنَّها دالَّةٌ على حقائقَ كاملةٍ بالنِّسبةِ إلى المُسمَّى بها، تعالى وتقدَّسَ [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/192). .