موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (154-157)

ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ

غريب الكلمات :


سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ: أَي: سَكَنَ، وأَصْلُ (سكت): يَدُلُّ على خِلافِ الكَلامِ [1781] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 262)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/89)، ((المفردات)) للراغب (ص: 416)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 210). .
نُسْخَتِهَا: أي: المنسوخِ فيها، وهو المكتوبُ فيها مِن التوراةِ مِن كلامِ ربِّ العالمينَ، والنَّسْخُ: نَقْلُ ما في كتابٍ إلى كتابٍ آخَرَ، وأَصْلُ (نسخ): تحويلُ شيءٍ إلى شيءٍ [1782] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/424)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((تفسير القرطبي)) (7/293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190). .
يَرْهَبُونَ: يَخافونَ، وأَصْلُ الرَّهْبَةِ والرَّهَبِ: مَخافةٌ مع تَحَرُّزٍ واضْطِرابٍ [1783] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/447)، ((المفردات)) للراغب (1/366)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 70)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 79). .
السُّفَهَاءُ: جمْعُ سَفيهٍ، وهو الجاهلُ، والسَّفَهُ: الجَهْلُ، وخِفَّةُ العقلِ، والضَّعْفُ والحُمْقُ [1784] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/273)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/79)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/51). .
هُدْنَا: أي: تُبْنا، والهَودُ: الرُّجوعُ برفق، وأَصْلُ (هود): يَدُلُّ على إروادٍ (رفق) وسُكونٍ [1785] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 490)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/17)، ((المفردات)) للراغب (ص: 847)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 210). .
الْأُمِّيَّ: أي: الذي لا يكتبُ ولا يقرأُ مِن كتابٍ، قيل: هو منسوبٌ إلى الأُمَّةِ الَّذينَ لم يَكتُبوا؛ لِكَوْنِه على عادتِهم؛ مثل عامِّيٍّ؛ لكونِه على عادةِ العامَّةِ، وقيل: سُمِّيَ بذلك لنِسْبَتِه إلى أمِّ القُرَى، وقيل: نسبةً إلى الأُمِّ، والمعنَى أنَّه باقٍ على حالتِه التي وُلِد عليها لا يكتبُ ولا يقرأُ المكتوبَ، وأَصْلُ (أمم): الأَصْلُ والمَرجِعُ [1786] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 88)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/28)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 416)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 82)، ((تفسير الشوكاني)) (2/287)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 188).  .
الطَّيِّبَاتِ: الحلال، أو ما اسْتَطابَتْه العرَبُ ممَّا لم يُحَرَّمْ، وأصْلُ الطَّيِّبِ: ما تَستلِذُّه الحواسُّ، وما تَستلِذُّه النَّفسُ، وأَصْلُ (طيب): يَدُلُّ على خِلافِ الْخَبِيثِ [1787] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/435)، ((المفردات)) للراغب (ص: 527)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 79، 119). .
الْخَبَائِثَ: أي: الحرام، أو: ما لا يُوافِقُ النَّفسَ من المحظوراتِ، والخُبْثُ والخَبِيثُ: ما يُكْرَهُ رَداءَةً وخَساسَةً، محسوسًا كان أو معقولًا، وأصْلُه الرَّديءُ الجارِي مَجْرى خَبَثِ الحديدِ، وكذلك يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الطَّيِّبِ [1788] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/238)، ((المفردات)) للراغب (ص: 272)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119). .
إِصْرَهُمْ: أَي: مَا عُقِدَ مِن عَقْدٍ ثقيلٍ عليهم؛ مِثلُ: قتْلِ أنفُسِهم وما أشْبَهَ ذلك، وأصلُ (أصر): يدُلُّ على العَهْدِ، أو عَقْدِ الشَّيءِ، وحَبْسِه بقَهْرٍ [1789] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((المفردات)) للراغب (ص: 78)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 210)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 122). .
وَالْأَغْلَالَ: أي: والشَّدائِدَ، أو الفرائِضَ المانِعَةَ لهم مِنْ أشياءَ رُخِّصَ فيها لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، والغُلُّ مُخْتَصٌّ بما يُقيَّدُ به فَيُجْعَلُ الأعضاءُ وَسَطَه، وغُلَّ فلانٌ: قُيِّدَ به، وأَصْلُ (غلل): يَدُلُّ عَلَى تَخَلُّلِ شَيْءٍ، وثَباتِ شيءٍ [1790] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/375)، ((المفردات)) للراغب (ص: 610)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119). .
وَعَزَّرُوهُ: أي: وعَظَّموه ونصَروه، أو أعانوه، والتَّعزيرُ: التَّعظيمُ، أو النُّصرةُ مع التَّعظيمِ [1791] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 141، 173)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 332)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/311)، ((المفردات)) للراغب (ص: 564)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 149)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 661). .

مشكل الإعراب :


قولُه تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
اللَّامُ في قولِه: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ فيها أوجُهٌ؛ أحدُها: أنَّها زائدةٌ للتَّقويةِ [1792] لامُ التَّقويةِ: هي التي تجيءُ لِتقويةِ عاملٍ ضَعيفٍ؛ إما بسبَبِ تأخُّره عن معمولِه، نحو: قوله تعالى هُنا: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ، وقوله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ، وإمَّا بسبَبِ أنَّه فرعٌ مأخوذٌ مِن غيرِه- كالفُروعِ المشتقَّةِ- مثل قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وقوله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ؛ فأصلُ الكلامِ في الآيتَينِ الأُولَيَينِ: إن كنتُم تعبرونَ الرُّؤيا، يَرهبونَ ربَّهم، فلمَّا تقدَّم كلٌّ من المفعولينِ على فِعلِه، ضَعُفَ الفعلُ بسبَبِ تأخيرِه عن معمولِه «مَفعولِه»، فجاءت اللَّامُ لِتَقويتِه، وأصلُ الكلامِ في الآيتينِ الأخيرتينِ: فعَّالٌ ما يريدُ، مُصدِّقًا ما مَعهم، فكلمة: «فعَّالٌ» صيغةُ مبالغةٍ متعدِّيةٌ، تعمَلُ عمَلَ فِعلِها، ولكنَّها أضعَفُ منه، وكذلك كلمةُ: «مصدِّقًا» وهي اسمُ فاعلٍ. فجاءت اللَّامُ لتَقويتِهما. يُنظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 286-287)، ((النحو الوافي)) لعباس حسن (2/184)  و (2/475). - لأنَّ المعمولَ (ربهم) لَمَّا قُدِّمَ على عامِلِه يَرْهَبُونَ ضعُفَت تعديتُه إليه، فجِيءَ باللَّامِ لتقويةِ التَّعديةِ-، وعلى هذا فـ(ربهم) مجرورٌ لفظًا، منصوبٌ محلًّا، مفعولٌ به مقدَّمٌ لـيَرْهَبُونَ وقيل: إنَّ اللَّامَ في لِرَبِّهِمْ لامٌ أصليَّةٌ للعلَّةِ، ومَفعولُ يَرْهَبُونَ على هذا محذوفٌ؛ أي: يرهبونَ عِقابَه لأجلِه. وقيلَ غيرُ ذلك [1793] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/596)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/472- 473)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190-191)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (9/88).
قولُه تعالى: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
قَوْمَهُ: منصوبٌ على نَزْعِ الخافِضِ، وهو في رُتبةِ المَفعولِ الثَّاني- لأنَّ أصلَ الفِعلِ (اختَارَ) أنَّه يتعدَّى إلى مَفعولِه الثَّاني بـ(مِن)، فحُذِفَت (مِن)، فتعَدَّى الفعلُ إليه بنفسِه فنُصِبَ- والتقديرُ: واختارَ موسَى سبعينَ رجلًا مِن قَوْمِه، وسَبْعِينَ مَفعولٌ به منصوبٌ بالياءِ، ورَجُلًا تمييزٌ منصوبٌ لـسَبْعِينَ [1794] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/303)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/597)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/473-475)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/123). .

المعنى الإجمالي :


يُخبِرُ تعالى أنَّه لَمَّا سكَنَ غضَبُ موسى عليه السَّلامُ أخَذَ الألواحَ الَّتي كان أَلْقاها، وفي نُسْخَتِها هِدايةٌ من الضَّلالةِ، ورحمةٌ من العذابِ للَّذينَ هُمْ يخافون ربَّهم ويخشَوْنَه.
واختارَ موسى من قومِه سَبعينَ رجُلًا لِميقاتٍ وَقَّتَهُ اللهُ لهم، فلَمَّا أَخَذَتْ هؤلاءِ السَّبعينَ الزَّلزَلةُ الشَّديدةُ، قال موسى لربِّه: يا ربِّ، لو شِئْتَ لأَهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ، وأَهْلَكْتَني معهم، أَتُهْلِكُنا بما فَعَلَه السُّفهاءُ منَّا بعبادتِهم العِجلَ؟! وما عبادةُ هؤلاءِ السُّفهاءِ للعِجلِ إلَّا ابتلاءٌ منك لهم؛ تُضِلُّ بِه مَنْ تشاء، وتَهدي مَنْ تشاء، أنتَ ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمورِنا، فاغفِرْ لنا، وارحَمْنا، وأنتَ خيرُ مَنْ غَفَرَ، واكتُبْ لنا في الحياةِ الدُّنيا حالةً حسنةً، وفي الآخرةِ، إنَّا تُبْنا إليك.
قال تعالى مُجيبًا موسى عليه السَّلام: عَذابي في الدُّنيا أُصيبُ به مَنْ أشاء، ورَحمتي في الدُّنيا وَسِعَتْ كُلَّ خَلْقي، فسأكْتُبُها للَّذينَ يتَّقونَ، ويُعْطونَ الزَّكاةَ المفروضةَ عليهم، والَّذينَ يُؤمنون بآياتي، الَّذينَ يتَّبِعون مُحَمَّدًا الرَّسولَ النَّبيَّ، الَّذي لا يَقرأ ولا يَكتُبُ، الَّذي يَجِدونَه مذكورًا عِندهم في التَّوراةِ والإنجيلِ بصِفاتِه الواضحةِ، يأمُرُهم بالمعروفِ، ويَنْهاهم عَنِ المنكَرِ، ويُحِلُّ لهم الطَّيِّباتِ، ويُحَرِّمُ عليهم الخبائِثَ، ويُذهِبُ عنهم التَّكاليفَ الشَّاقَّةَ الَّتي كانت عليهم، فالَّذينَ آمَنوا به وعظَّموه ونصَروه، واتَّبَعوا القرآنَ الَّذي أنزَلَه اللهُ إليه، فأولئك هُمُ المفلِحونَ.

تفسير الآيات :


وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى ما كان من موسى عليه السَّلامُ مع الغَضَبِ، بَيَّنَ في هذه الآيةِ ما كان مِنه عِنْدَ سُكوتِ الغضَبِ [1795] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/374). ، فقال:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
أي: ولَمَّا سَكَنَ عن موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ غَضَبُه [1796] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/466)، ((تفسير ابن كثير)) (3/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/189). قال الشنقيطيُّ: (وذلك باعتذارِ أخيه حتَّى عرَف صِدقَ عُذرِه، وبتوبةِ الذين عبَدوا العِجلَ حتى قدَّموا أنفسَهم للموتِ طائعين؛ مَرضاةً لربِّهم). ((العذب النمير)) (4/189). .
أَخَذَ الْأَلْوَاحَ
أي: أخَذَ موسى الألواحَ الَّتي أَلْقاها [1797] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/466)، ((تفسير ابن كثير)) (3/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190). .
وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ 
أي: وفي المَكْتوبِ في الألواحِ وما نُقِلَ منها هُدًى من الضَّلالةِ، ورحمةٌ من العَذابِ [1798] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/467)، ((البسيط)) للواحدي (9/383)، ((تفسير القرطبي)) (7/293)، ((تفسير أبي حيان)) (5/186)، ((تفسير ابن كثير)) (3/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/122)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190). .
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ 
أي: فيها هُدًى ورحمةٌ للَّذينَ يخافون اللهَ سُبحانَه وتعالى ويخشَوْنَه، ويخضَعون له؛ فيعمَلون بما فيها [1799] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/467)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190). .
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا
أي: واختارَ مُوسى من قَومِه سَبعينَ رجُلًا لوقتٍ وقَّتَه اللهُ لهم؛ ليَحضُروا فيه إلى مكانٍ مُعيَّنٍ [1800] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/191- 195). ذهَب ابن جرير، والسعدي إلى أنَّ سَببَ اختيارِهم لهذا الميقاتِ هو التوبةُ من فِعل سُفهائِهم الذين عبَدوا العِجلَ، والاعتذارُ لقومِهم عند ربِّهم سُبحانَه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304). قال ابنُ الجوزي: (في هذا الميقاتِ أربعةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنَّه الميقاتُ الذي وقَّتَه اللهُ لموسى؛ ليأخذَ التوراةَ، أُمِرَ أن يأتيَ معه بسَبعين... والثاني: أنَّه ميقاتٌ وقَّته الله تعالى لموسى، وأَمَره أن يختارَ من قومه سبعين رجلًا؛ ليدعوا ربَّهم... والثالث: أنَّه ميقاتٌ وقَّته الله لموسى؛ لأنَّ بني إسرائيلَ قالوا له: إنَّ طائفةً تزعُم أن اللهَ لا يُكلِّمك، فخُذْ معك طائفةً منَّا؛ ليسمَعوا كلامَه، فيؤمنوا، فتَذهبَ التُّهمةُ... والرابع: أنَّه ميقاتٌ وقَّته الله لموسى ليلقاه في ناسٍ من بني إسرائيلَ، فيعتذِرَ إليه من فِعلِ عبَدَةِ العِجلِ). ((زاد المسير)) (2/158). وقال الشنقيطيُّ: (أقوالٌ كثيرةٌ من هذا النَّمَطِ لا دليلَ عليها... وعلى كلِّ حالٍ، فهُمْ سبعون رجُلًا من خِيَارِ الإسرائيليِّين، [اختارَهم] موسى لميقاتٍ وقَّتَه اللهُ له). ((العذب النمير)) (4/193). .
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي: فلمَّا أصابَتِ الزَّلزلةُ الشَّديدةُ السَّبعينَ الَّذينَ مع مُوسَى، فصَعِقوا أو ماتوا [1801] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/474)، ((تفسير ابن عطية)) (2/460)، ((تفسير القرطبي))(7/294)، ((تفسير أبي حيان)) (5/188)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/194). قال ابنُ الجوزي: (فأمَّا الرَّجفةُ فهي الحركة الشَّديدةُ، وفي سببِ أخذِها إيَّاهم أربعةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنه ادِّعاؤهم على موسى قتْلَ هارونَ... والثاني: اعتداؤهم في الدُّعاءِ... والثالث: أنهم لم يَنهَوْا عَبَدَةَ العِجلِ ولم يَرضَوا... والرابع: أنهم طلبوا سماعَ الكلامِ من اللهِ تعالى، فلمَّا سمِعوه قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55]). ((زاد المسير)) (2/158- 159). وقال الشنقيطيُّ بعْدَ حكايتِه عِدَّةَ أقوالٍ: (هذه أقوالُ المفسِّرين، وفيها غيرُ هذا، ولا شيءَ يقوم عليه الدَّليلُ القاطعُ منها، واللهُ تعالى أعلمُ). ((العذب النمير)) (4/194). .
قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
أي: قال موسى مُتَضَرِّعًا لربِّه: يا ربِّ، لو شِئْتَ إهلاكَ هؤلاءِ السَّبعينَ لأهْلَكْتَهم مِن قَبْلِ هذا الوقتِ، وأمَتَّني معهم، وذلك على مَرْأَى من قَومِنا؛ حتَّى لا يتَّهموني؛ فماذا أقولُ لبَني إسرائيلَ إذا لَقيتُهم وقد أَهْلَكْتَ خِيَارَهم؟! فإنَّ إهلاكَهم في هذا الوقتِ أَدْعى لاتِّهامِهم لي وإيذائي [1802] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (2/380)، ((تفسير القرطبي)) (7/294)، ((تفسير أبي حيان)) (5/188)، ((تفسير ابن كثير)) (3/480)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/195). .
أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا
أي: سَأَلَ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ربَّه سؤالَ استِعلامٍ مع تذلُّلٍ واستعطافٍ [1803] قال السعديُّ: (اعتَذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عُقولٌ كاملةٌ تَردَعُهم عمَّا قالوا وفَعلوا). ((تفسير السعدي)) (ص: 304). : أتُصيبُنا بالهلاكِ بسببِ ما فَعَلَه ضُعفاءُ العُقولِ منَّا بعِبادتِهم العِجلَ [1804] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/476- 477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/125)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/195- 196). واختارَ أن المرادَ بالسُّفهاءِ هنا هم عبَدَةُ العِجلِ: ابنُ جرير، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/476)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/126). وقال الشنقيطيُّ: (المرادُ بهم هنا: الذين فعلوا الموجِبَ الذي أخذتْهم الرَّجفةُ بسببِه، سواء قلنا: إنه قولُهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153] ، ولا سَفَهَ أكبرُ من ذلك، أو عبادتُهم العِجلَ، أو عدمُ نَهْيِهم مَنْ عبَدَ العجلَ، إلى غير ذلك). ((العذب النمير)) (4/195). ؟!
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
أي: قال موسى مُعْتَذِرًا لربِّه: ما عبادةُ قَومِي للعِجلِ إلَّا ابتِلاءٌ واختِبارٌ منك لهم، قدَّرْتَه عليهم؛ لِيَتَبَيَّنَ الضَّالُّ منهم مِن المُهتدي [1805] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/477)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/126)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/197). قال ابنُ تيمية: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ، أي: مِحنتُك واختبارُك وابتلاؤُك،كما ابتلَيْتَ عبادَك بالحسناتِ والسَّيِّئاتِ؛ ليتبيَّنَ الصَّبَّارُ الشَّكورُ مِن غيره، وابتليتهم بإرسال الرُّسلِ وإنزالِ الكُتبِ؛ ليتبيَّنَ المؤمنُ من الكافرِ، والصَّادقُ من الكاذبِ، والمنافقُ من المخلِصِ؛ فتَجعلَ ذلك سببًا لضلالةِ قومٍ، وهُدَى آخَرين). ((مجموع الفتاوى)) (7/182). .
كما قال تعالى: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه: 85] .
تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ
أي: قال موسى: تُضِلُّ بسَببِ هذه الفتنةِ مَنْ تشاءُ مِن عبادِك ممَّن خالَفَ الرُّسلَ، وتَهدي بها مَنْ تشاء ممَّن اتَّبَعَهم؛ فلا يَفتتِنونَ ولا يَضِلُّونَ [1806] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/477)، ((تفسير القرطبي)) (7/296)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (1/88)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير الشوكاني)) (2/287)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/127)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/197). .
كما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: 8] .
وقال سُبحانَه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26] .
وقال عزَّ وجلَّ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] .
وقال جلَّ جلالُه: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [الروم: 29] .
وقال تبارَك وتعالى: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23] .
أَنْتَ وَلِيُّنَا
أي: أنتَ وحْدَك- يا ربَّنا- ناصرُنا، ومُتولِّي أُمورِنا [1807] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/478)، ((تفسير الرازي)) (15/378)، ((تفسير الشوكاني)) (2/287)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/127)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/198). .
فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أي: فاستُرْ ذُنوبَنا، ولا تُعاقِبْنا عليها، وتَعطَّفْ علينا برحمتِكَ [1808] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/478)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/199). قال ابنُ كثير: (والرحمةُ إذا قُرِنَتْ مع الغَفْرِ يُرادُ بها: ألَّا يُوقِعَه في مِثْلِه في المستقبَلِ). ((تفسير ابن كثير)) (3/481). .
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ
أي: وأنتَ- يا ربَّنا- خيرُ مَنْ يَستُرُ الذُّنوبَ، ويَتجاوَزُ عن المؤاخَذةِ بالنَّقائِصِ والعُيوبِ [1809] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/199). قال الرازيُّ: (معناه: أنَّ كُلَّ مَن سِواكَ فإنَّما يتجاوَز عن الذَّنبِ إما طلبًا للثَّناء الجميلِ أو للثَّواب الجزيلِ... وبالجُملةِ فذلك الغُفرانُ يكون لطلبِ نفْعٍ أو لدفْعِ ضَررٍ، أمَّا أنت فتغفِرُ ذنوبَ عبادِك لا لطلبِ عِوَضٍ وغرضٍ، بل لمَحضِ الفضلِ والكرمِ؛ فوجَبَ القطْعُ بكونه خيرَ الغافرين). ((تفسير الرازي)) (15/378). .
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ
أي: دعا موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ربَّه لِبَني إسرائيلَ، فقال: واجعلْنا ممَّن كتبْتَ له وقدَّرْتَ له في الدُّنيا الحالةَ الحَسَنةَ؛ مِن العِلمِ النَّافعِ، والعملِ الصَّالِحِ، والرِّزقِ الواسِعِ، والتَّوفيقِ والعافيةِ، والحياةِ الطَّيِّبةِ، واكتُبْ لنا في الآخرةِ حسنةً؛ بمغفرةِ الذُّنوبِ والسَّيِّئاتِ، ودُخولِ الجنَّاتِ [1810] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/478)، ((تفسير ابن عطية)) (2/460)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/128)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/200). .
إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ
أي: إنَّا تُبْنا، ورَجَعْنا إليك، يا رَبَّنا [1811] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/479)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/129)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/200- 201). قال الواحديُّ: (قال جميع المفسِّرين وأهلِ المعاني: تُبْنا ورجَعْنا إليك بتوبتِنا). ((البسيط)) (9/392). وقال الخازن: (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، قال ابنُ عبَّاسٍ معناه: إنَّا تُبْنا إليك، وهذا قولُ جميعِ المفسِّرين). ((تفسير الخازن)) (2/256). .
قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ
أي: أجابَ اللهُ موسى فقال: عَذابي في الدُّنيا أُصيبُ به مَنْ أشاءُ ممَّنْ يَستحِقُّه مِن خَلْقي، كما أَصَبْتُ هؤلاءِ السَّبعينَ مِن قومِك بالرَّجفةِ [1812] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/483)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/129). .
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
أي: ورحمتي عمَّتْ في الدُّنيا جميعَ خَلْقي [1813] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/483)، ((تفسير ابن كثير)) (3/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/202). قال ابنُ جرير: (عن الحسن، وقَتادةَ، في قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قالا: وسعتْ في الدُّنيا البَرَّ والفاجرَ، وهي يومَ القيامةِ للذين اتَّقَوْا خاصَّةً). ((تفسير ابن جرير)) (10/486). .
كما قال اللهُ تعالى حاكيًا قولَ حَمَلَةِ العَرْشِ مِن الملائكةِ: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: 7] .
وعن أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ لله مِئةَ رحمةٍ، أنزَلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنسِ، والبهائمِ والهَوامِّ؛ فبها يتعاطَفون، وبها يتراحَمون، وبها تَعطِفُ الوَحْشُ على ولدِها، وأخَّرَ اللهُ تسعًا وتسعين رحمةً، يرحَمُ بها عبادَه يومَ القيامةِ )) [1814] رواه مسلم (2752). .
وعن سَلْمَانَ رضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ  يومَ خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ مِئةَ رحمةٍ، كُلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماءِ والأرضِ [1815]  طِباقُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ: أي: مِلءُ ما بَينَهما. ينظر: ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمناوي (1/253). ، فجعَلَ منها في الأرضِ رحمةً، فبها تَعطِفُ الوالدةُ على ولدِها، والوَحْشُ والطَّيْرُ بعضُها على بعضٍ، فإذا كان يومُ القيامةِ أَكْمَلَها بهذه الرَّحمةِ )) [1816] رواه مسلم (2753). .
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أَعْلَمَ اللهُ تعالى أنَّ رحمتَه واسعةٌ، وقُدرتَه شاملةٌ، وكان ذلك مُوَسِّعًا للطَّمَعِ؛ سَبَّبَ عن ذلك قولَه، ذاكِرًا شرْطَ إتمامِ تلك الرَّحمةِ؛ ترهيبًا لِمَنْ يَتَوانى عن تحصيلِ ذلك الشَّرطِ [1817] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/105). :
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
أي: فسأُوجِبُ حُصولَ رحْمتي الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ للَّذينَ يَمتثِلونَ ما أَمَرْتُ به، ويَجتنِبونَ ما نَهَيْتُ عنه [1818] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/487)، ((تفسير ابن كثير)) (3/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/202- 204). .
كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 54] .
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عنه، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يخلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رحمتي سَبَقَتْ غضَبي، فهو مكتوبٌ عِندَه فَوْقَ العَرْشِ )) [1819] رواه البخاري (7554) ومسلم (2751). .
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
أي: وأَجْعَلُ رحمتي للَّذينَ يُعْطونَ الزَّكاةَ المَفروضةَ في أموالِهم لِمُستحِقِّيها [1820] وتفسيرُ الزكاةِ هنا بزَكاةِ الأموالِ المفروضةِ هو اختيارُ ابنِ جريرٍ، وابنِ عطيةَ، والشوكانيِّ، والسعدي، ونسَبَه الشنقيطيُّ إلى أكثرِ العُلماء. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/487)، ((تفسير ابن عطية)) (2/461)، ((تفسير الشوكاني)) (2/287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/204). وقال ابنُ كثير: (قيل: زكاةُ النُّفوسِ. وقيل: زكاةُ الأموالِ. ويحتمِلُ أن تكونَ عامَّةً لهما؛ فإنَّ الآيةَ مَكِّيَّةٌ). ((تفسير ابن كثير)) (3/483). ويُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/204). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] .
وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
أي: وأَجْعَلُ رحمتي للَّذينَ يؤمِنون بآياتي، المُنزَّلةِ على رُسُلي [1821] خصَّ ابنُ عاشورٍ الآياتِ هنا بآياتِ القرآنِ الكريمِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/131). ، فيتَّبِعونها [1822] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/488)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/205). قال الشنقيطيُّ: (ويَشمَلُ ذلك عِند بعضِهم: بِآيَاتِنَا الكَونيَّةِ القَدَريَّةِ، كما نَصَبْنا من العلاماتِ على قُدْرتِنا، وأنِّي أنا المُستحِقُّ العبادةَ وحدَه، يُؤمنون بذلك؛ فيَعلمون أنَّها دالَّةٌ على رُبوبيَّةِ مَنْ نَصَبَها، واستحقاقِه للعبادةِ وحدَه). ((العذب النمير)) (4/205). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 57-58] .
وقال سُبحانَه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] .
وقال جلَّ جلالُه: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 3- 6] .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى أنَّ مِن صِفةِ مَنْ تُكتَبُ له الرَّحمةُ في الدُّنيا والآخرةِ: التَّقْوى، وإيتاءَ الزَّكاةِ، والإيمانَ بالآياتِ؛ ضَمَّ إلى ذلك أنْ يكونَ مِن صِفتِه اتِّباعُ النَّبيِّ الأُمِّيِّ الَّذي يَجِدونه مكتوبًا عِندهم في التَّوراةِ والإنجيلِ [1823] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/380). .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
أي: الَّذينَ كتبْتُ لهم رحمتي هُمُ الَّذينَ يتَّبِعونَ مُحَمَّدًا الرَّسولَ النَّبيَّ [1824] قال الخازن: (أَجْمَعَ المفسِّرون على أنَّ المرادَ بالرَّسولِ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وَصَفَه بكونِه رسولًا؛ لأنَّه الواسطةُ بين اللهِ وبين خَلْقِه، المُبلِّغُ رسالتَه وأوامرَه ونواهيَه وشرائعَه إليهم، ثم وصفه بكونه نبيًّا، وهذا أيضًا من أعلى المراتبِ وأشرفِها). ((تفسير الخازن)) (2/257). ، الَّذي لا يَقرأُ مِن كتابٍ ولا يَكتُبُ [1825] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/488)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/206). قال ابنُ جرير: (هُمْ أُمَّةُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ رسولٌ وُصِفَ بهذه الصِّفةِ- أعني الأمِّيَّ- غير نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). ((تفسير ابن جرير)) (10/488). وقال ابنُ عاشور: (هو إشارةٌ إلى اليهودِ والنَّصارى الكائنين في زَمنِ البَعثةِ وبعدَها؛ لقوله: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/131). .
كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: 48] .
وقال سُبحانَه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
أي: يَجِدونَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَذكورًا بصِفاتِه الواضحةِ في التَّوراةِ الَّتي أنزَلَها اللهُ على موسى، وفي الإنجيلِ الَّذي أنزَلَه اللهُ على عِيسى عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ [1826] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/491)، ((تفسير ابن كثير)) (3/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/207). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 146] .
وعن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: لَقيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ رضِيَ اللهُ عنهما، قلْتُ: أخبِرْني عن صِفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التَّوراةِ، قال: ((أَجَلْ، واللهِ إنَّه لموصوفٌ في التَّوراةِ ببعضِ صِفتِه في القرآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: 45] ، وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ [1827] وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ: أَي: حافِظًا لدِينِهم، والمرادُ العَرَبُ، وسُمُّوا بالأمِّيِّينَ؛ لأنَّ الكتابةَ كانت فيهم قليلةً. ينظر: ((عمدة القاري)) للعيني (11/243). ، أنتَ عَبْدي ورسولي، سمَّيْتُك المُتوكِّلَ، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ، ولا سخَّابٍ في الأسواقِ، ولا يدْفَعُ بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولكنْ يَعْفو ويَغفِرُ، ولنْ يَقبِضَه اللهُ حتَّى يُقيمَ به المِلَّةَ العوجاءَ، بأنْ يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويَفتَحَ بها أَعْيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا )) [1828] رواه البخاري (4838). .
وقد أخبَرَ اللهُ في القرآنِ بأنَّ عيسى عليه السَّلامُ بَشَّرَ بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 6] .
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
أي: يأمُرُهم الرَّسولُ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمعروفِ، وهو كلُّ خيرٍ أمَرَ به الشَّرعُ من الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، ويَنْهاهم عن المنكَرِ، وهو كلُّ شرٍّ أنكَرَه الشَّرعُ من الشِّركِ والمعاصِي [1829] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/493)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) لابن تيمية (ص: 191)، ((تفسير ابن كثير)) (3/487)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/209). قال ابنُ القيِّم: (أَمَرَهم بالمعروف الذي تَعرِفه العُقولُ وتُقِرُّ بحُسْنِه الفِطَرُ، فأَمَرَهم بما هو مَعْروفٌ في نفسه عِند كلِّ عقلٍ سليمٍ، ونهاهم عمَّا هو مُنْكَرٌ في الطِّباعِ والعقولِ، بحيث إذا عُرِضَ على العُقولِ السَّليمةِ أنكرتْه أشدَّ الإنكارِ، كما أنَّ ما أَمَرَ به إذا عُرِضَ على العقل السَّليمِ قَبِلَه أعظمَ قَبولٍ، وشهِد بحُسْنِه). ((مفتاح دار السعادة)) (2/6). .
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
أي: ويُحِلُّ لهم مُحَمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الأطعِمةَ والأشرِبةَ النَّافعةَ، الَّتي تَستطيبُها الأذْواقُ السَّليمةُ ممَّا حُرِّمَ على اليهودِ مِنْ قَبْلُ في التَّوراةِ، أو حرَّمَه العربُ على أنفُسِهم في جاهليَّتِهم [1830] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/493)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/381)، ((تفسير الرازي)) (15/381)، ((تفسير ابن كثير)) (3/488)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/135)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/209- 211). .
كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: 4- 5] .
وقال اللهُ سُبحانَه: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام: 145- 146] .
وقال عزَّ وجلَّ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160] .
وقال جلَّ جلالُه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103] .
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
أي: ويُحرِّمُ عليهم مُحَمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الأطعِمةَ والأشرِبةَ، والأفعالَ الضَّارَّةَ، الَّتي تَستخبِثُها النُّفوسُ السَّليمةُ ممَّا يَستحِلُّه بعضُ النَّاسِ؛ كلَحْمِ الخِنزيرِ، والمَيتةِ، والدَّمِ، والخمْرِ، والزِّنا، والرِّبا، والرِّشوةِ، وأكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ [1831] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/493)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 416)، ((تفسير البغوي)) (2/239)، ((تفسير ابن عطية)) (2/463)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/161)، ((تفسير الرازي)) (15/381)، ((تفسير ابن كثير)) (3/488)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ: (والخبائثُ نوعان: ما خُبْثُه لِعَيْنِه؛ لمعنًى قام به؛ كالدَّمِ والميتةِ ولحمِ الخنزيرِ، وما خُبْثُه لكَسْبِه؛ كالمأخوذِ ظُلمًا أو بعَقْدٍ مُحرَّمٍ؛ كالرِّبا والميسِرِ). ((مجموع الفتاوى)) (20/334). .
كما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 3] .
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90-91] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء: 74] .
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
أي: ويُبطِلُ مُحَمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُزيلُ عن الَّذين يتَّبِعونَه من أهلِ الكتابِ العَهْدَ الثَّقيلَ، الَّذي أخَذَه اللهُ عليهم؛ مِن العَملِ بما في التَّوراةِ من الواجباتِ الثَّقيلةِ، والمُحرَّماتِ الشَّديدةِ، الَّتي كانتْ كالقُيودِ على أعناقِهم [1832] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/496)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/381)، ((تفسير ابن عطية)) (2/463)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 95)، ((تفسير ابن كثير)) (3/488- 489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/136)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/212). قال القرطبيُّ: (الأغلالُ عِبارةٌ مُستعارةٌ لتلك الأثقالِ، ومن الأثقالِ ترْكُ الاشتِغالِ يومَ السبَّتِ... ولم يكن فيهم الدِّيَةُ، وإنما كان القِصاصُ، وأُمِروا بقَتْل أنفسِهم علامةً لتوبتِهم، إلى غير ذلك، فشُبِّهَ ذلك بالأغلالِ). ((تفسير القرطبي)) (7/300). وقال ابنُ تيميَّة: (الآصاُر: ترجِعُ إلى الإيجاباتِ الشَّديدةِ، والأغلالُ: هي التَّحريماتُ الشَّديدةُ؛ فإنَّ الإصْرَ: هو الثِّقْلُ والشِّدَّةُ، وهذا شأنُ ما وَجَبَ، والغُلُّ: يَمنَعُ المغلولَ من الانطِلاقِ، وهذا شأنُ المحظورِ). ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/324). .
كما قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] .
وقال سُبحانَه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] .
وقال عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: 286] .
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: 284] ، قال: دخَلَ قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخُلْ قلوبَهم من شيءٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قولوا: سمِعْنا وأطعْنا وسلَّمْنا، قال: فأَلْقى اللهُ الإيمانَ في قلوبِهم، فأنزَلَ اللهُ تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286] ، قال: قدْ فَعَلْتُ. رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا [البقرة: 286] قال: قدْ فَعَلْتُ. وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا [البقرة: 286] قال: قدْ فَعَلْتُ)) [1833] رواه مسلم (126). .
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ تجاوَزَ عن أُمَّتي ما حدَّثَتْ به أنفُسَها، ما لم تعمَلْ أو تتكلَّمْ )) [1834] رواه البخاري (5269) ومسلم (127). .
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
أي: فالَّذينَ صدَّقوا وأقرُّوا بأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، وعظَّموه، وأَعانوه على أعدائِه، الَّذينَ ظَلَموه وكذَّبوه [1835] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/497)، ((تفسير ابن كثير)) (3/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/138)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/213- 214). وممَّن اختار أنَّ عَزَّرُوهُ بمعنى عظَّموه وبجَّلوه ووقَّروه: ابنُ كثير، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305). وممن رُوي عنه ذلك مِن السَّلف: ابنُ عبَّاس. يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/583). وقال ابنُ جرير: وقَّروه وعظَّموه، وحَمَوْه مِن النَّاس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/497). واختار ابنُ عاشورٍ أنَّ المراد بـ(عَزَّرُوهُ): أيَّدوه وقَوَّوْهُ؛ قال ابنُ عاشور: (معنى عَزَّرُوهُ أيَّدوه وقَوَّوْهُ، وذلك بإظهارِ ما تضمَّنَتْه كُتبُهم من البِشارةِ بصفاتِه، وصفاتِ شريعتِه، وإعلانِ ذلك بين النَّاسِ، وذلك شيءٌ زائدٌ على الإيمانِ به، كما فَعَلَ عبدُ اللهِ بن سَلَامٍ، وكقولِ ورقة بن نوفل: «هذا النَّاموسُ الذي أُنْزِلَ على موسى»، وهو أيضًا مُغايِرٌ للنَّصرِ؛ لأنَّ النَّصرَ هو الإعانةُ في الحربِ بالسِّلاحِ؛ ومِن أجْلِ ذلك عُطِفَ عليه: وَنَصَرُوهُ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/138). .
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
أي: واتَّبَعوا القرآنَ الَّذي أنزَلَه اللهُ على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع نُبوَّتِه [1836] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/497)، ((تفسير أبي حيان)) (5/196)، ((تفسير ابن كثير)) (3/489)، ((تفسير الشوكاني)) (2/288)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/214). قال أبو السُّعود: (أُنْزِلَ مَعَهُ، أي: مع نُبوَّتِه، وهو القرآنُ، عُبِّرَ عنه بالنُّورِ المُنبِئِ عن كونِه ظاهرًا بنفسِه، ومُظهِرًا لغيره، أو مُظهِرًا للحقائقِ، كاشِفًا عنها). ((تفسير أبي السعود)) (3/280). .
كما قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16] .
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: 174-175] .
وقال جلَّ جلالُه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52] .
وقال عزَّ وجلَّ: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا [التغابن: 8] .
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أي: فالَّذينَ آمَنوا بالرَّسولِ وعظَّموه ونصَروه واتَّبعوا القرآنَ الَّذي أُنْزِلَ معه هُمْ وَحْدَهم الفائِزونَ، الظَّافِرونَ بالخيراتِ والخُلودِ في الجنَّاتِ، والنَّاجونَ من الشُّرورِ والمكروهاتِ [1837] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/497)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (19/97)، ((تفسير الشوكاني)) (2/288)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/216- 217). .

الفوائد التربوية :


1- ما مِن مُسلمٍ ولا كافرٍ ولا مُطيعٍ ولا عاصٍ في الدُّنيا إلَّا وهو مُتقلِّبٌ في نِعمةِ اللهِ تعالى؛ يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ فرحمةُ اللهِ أَوْسَعُ من ذلك الكَوْنِ الهائلِ الَّذي خَلَقَه، والَّذي لا يُدرِكُ البشَرُ مَداه [1838] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/522).
2- أَصْلُ كلِّ خيرٍ في الدُّنيا والآخرةِ الخوفُ من اللهِ تعالى، يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ؛ فليس كُلُّ أَحَدٍ يَقْبَلُ هُدى اللهِ ورحمتَه، وإنَّما يَقبَلُ ذلك ويَنقادُ له، ويَتلقَّاه بالقَبولِ الَّذينَ يَخافونَ من اللهِ تعالى ويخشَوْنَه، وأمَّا مَنْ لم يَخَفِ اللهَ، ولا المُقامَ بين يدَيْه، فإنَّه لا يَزدادُ بها إلا عُتُوًّا ونُفورًا، وتقوم عليه حُجَّةُ اللهِ فيها [1839] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/20)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303). .
3- لا سعادةَ ولا فلاحَ إلَّا باتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظاهرًا وباطنًا في أصولِ الدِّينِ وفُروعِه؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [1840] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (19/97)، ((منهاج السنة)) لابن تيمية (2/445). .
4- لا بُدَّ أنْ يُفتَنَ النَّاسُ، فيَمتحِنَهم اللهُ تعالى ويَبتليَهم ويَختبِرَهم؛ يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [1841] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/182).
5- قوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فيه تَعليمٌ لكيفيَّةِ اتِّباعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبيانٌ لعُلوِّ رُتبةِ مُتَّبعيهِ، واغتنامِهم مَغانمَ الرَّحمةِ الواسعةِ في الدَّارينِ إثرَ بيانِ نُعوتِه الجليلةِ، والإشارةُ إلى إرشادِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ إيَّاهُم بالأمْرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكرِ، وإحلالِ الطيباتِ، وتَحريمِ الخبائِثِ، أي: فالَّذين آمنوا بنُبوَّتِه وأطاعوه في أوامرِه ونواهِيه [1842] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/280). .

الفوائد العلمية واللطائف :


قولُه تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ خَصَّهم بالذِّكرِ؛ لأنَّهم هُمُ المُنتفِعونَ به، وجَرَتِ العادةُ في القرآنِ أنَّ اللهَ يَخُصُّ المنتفعين، كما قال: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: 11] ، وهو مُنْذِرٌ للأسودِ والأحمرِ، إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [النازعات: 45]، وهو مُنذِرٌ للجميعِ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45] ، وهو مذكِّرٌ لِمَنْ يخاف ومَنْ لا يخاف كما هو معلومٌ [1843] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/190). .
قولُ اللهِ تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ المرادُ منه الألواحُ المذكورةُ سابقًا في قولِه تعالى: وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ، وظاهرُ هذا يدُلُّ على أنَّ شيئًا منها لم يَنكسِرْ ولم يَبْطُلْ [1844] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/374). .
قولُ اللهِ تعالى: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا، الاختيارُ يكونُ من فاعِلٍ مُخْتارٍ، وشيءٍ مختارٍ منه، فيتعدَّى للثَّاني بـ(من)، وكأنَّ نُكْتَةَ حَذْفِ (من): الإشارةُ إلى كَوْنِ أولئك السَّبعينَ خِيَارَ قومِه كلِّهم لا طائفةً منهم [1845] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/186). .
قال اللهُ تعالى: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، السُّفهاءُ هم الَّذينَ عبَدوا العِجلَ، وسُمِّيَ شِركُهم سَفَهًا؛ لأنَّه شِرْكٌ مَشوبٌ بِخِسَّةِ عقلٍ؛ إذ جعلوا صورةً صَنَعوها بأنفُسِهم إلهًا لهم [1846] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/125). .
قولُ اللهِ تعالى: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، كأنَّ موسى عليه السَّلامُ عبَّرَ بهذه العِبارةِ المُقْتَضِيَةِ لإهلاكِ الجميعِ؛ لأنَّه جوَّزَ أنَّه كما أَهْلَكَ هؤلاءِ يُهْلِكُ غيرَهم لتقصيرٍ آخَرَ بسببِ ذلك؛ كعدمِ الجهادِ- مثلًا- حتَّى يَعُمَّهم الهلاكُ [1847] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/102). .
قولُ اللهِ تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ، من الحُجَجِ الظَّاهرةِ على القَدَريَّةِ الَّتي لا يَبقى لهم معها عُذْرٌ [1848] يُنظر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (9/391)، ((تفسير الرازي)) (15/377)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص:44). .
قال اللهُ تعالى على لسانِ موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ الَّذي جرَّأَ موسى على أنْ يُضيفَ الفِتنةَ إلى اللهِ هو أنَّ اللهَ قال له: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه: 85] ؛ فأَسْنَدَ اللهُ هذه الفتنةَ لنفسِه بقولِه: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ، فجرَّأَ ذلك موسى على أنْ يقولَ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [1849] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/197). .
القَصْدُ من جُملةِ: أَنْتَ وَلِيُّنَا الاعتِرافُ بالانقطاعِ لعِبادةِ اللهِ تعالى؛ تمهيدًا لِمَطْلَبِ المغفرةِ والرَّحمةِ؛ لأنَّ شأنَ الوَلِيِّ أنْ يَرحَمَ مَوْلاه وينصُرَه [1850] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/127). .
قولُ اللهِ تعالى: أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، عَطَفَ جُملةَ: وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ؛ لأنَّه خبرٌ في معنى طلبِ المغفرةِ العظيمةِ، فعُطِفَ على الدُّعاءِ، كأنَّه قيل: (فاغفِرْ لنا وارحمْنا واغفِرْ لنا جميعَ ذُنوبِنا)؛ لأنَّ الزِّيادةَ في المغفرةِ من آثارِ الرَّحمةِ [1851] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/128). .
قولُ اللهِ تعالى: فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ فيه إشارةٌ إلى أنَّ دفْعَ الضَّررِ مُقدَّمٌ على تحصيلِ النَّفعِ؛ إذ بدأ بطَلَبِ دَفْعِ الضَّررِ، وهو قولُه: فَاغْفِرْ لَنَا، ثمَّ أَتْبَعَه بطَلبِ تحصيلِ النَّفعِ [1852] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/378)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/103). .
قولُ اللهِ تعالى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أي: قد كان مِنْ سَبْقِ رحمتي غضَبي: أنْ أَجْعلَ عذابي خاصًّا؛ أُصيبُ به مَنْ أشاء من الكفَّارِ والعُصاةِ المجرمين، وأمَّا رحمتي فقدْ وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ من العالَمينَ؛ فهي من صِفاتي القديمةِ الأَزَليَّةِ الَّتي قام بها أمْرُ العالَمِ مُنْذُ خَلَقْتُه، والعذابُ ليس من صِفاتي، بل من أفعالي المترتِّبةِ على صِفة العَدْلِ؛ ولهذا عبَّرَ عن التَّعذيبِ بالفِعْلِ المضارِعِ، وعن تعلُّقِ الرَّحمةِ بالفعلِ الماضي [1853] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/192). .
قولُ اللهِ تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، خَصَّ الزَّكاةَ بالذِّكْرِ دونَ الصَّلاةِ وما دونَها من الطَّاعاتِ؛ لأنَّ فتنةَ حُبِّ المالِ تقتضي- بنظَرِ العقلِ والاختبارِ بالفعلِ- أنْ يكونَ المانِعونَ للزَّكاةِ أكثَرَ من التَّاركينَ لغيرِها من الفرائضِ، وفيه إشارةٌ إلى شِدَّةِ حُبِّ اليهودِ للدُّنيا، وافتِتانِهم بجَمْعِ المالِ، ومَنْعِ بَذْلِه في سبيلِ اللهِ [1854] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/193). .
قولُ اللهِ تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، الرَّسولُ- في اصْطِلاحِ الشَّرعِ- أَخَصُّ من النَّبيِّ، فكُلُّ رسولٍ نَبِيٌّ، وما كُلُّ نبيٍّ رسولٌ؛ ولذلك جَعَلَ بعضُ المفسِّرين نُكْتَةَ تقديمِ الرَّسولِ على النَّبيِّ هنا كَوْنَه أَهَمَّ وأَشْرَفَ، أو أنَّهما ذُكِرا هنا بمعناهما اللُّغويِّ [1855] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/194). والفرقُ بينَ النبيِّ والرسولِ، أنَّ النبيَّ هو الذي ينبِّئه الله، وهو ينبِّئُ بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسِل مع ذلك إلى مَن خالَف أمرَ الله؛ ليبلغَه رسالةً مِن الله إليه؛ فهو رسولٌ، وليس مِن شرطِ الرسولِ أن يأتيَ بشريعةٍ جديدةٍ، وأمَّا إذا كان إنما يعملُ بشريعةِ مَن قبلَه، ولم يُرسل هو إلى أحدٍ يبلغُه عن الله رسالةً؛ فهو نبيٌّ، وليس برسولٍ، فالأنبياءُ يأتيهم وحيٌ مِن الله بما يفعلونه، ويأمرون به مَن آمَن بهم، وقيل: الرسول: مَن أُنزل إليه كتابٌ مستقلٌّ، كمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وموسى عليه السلامُ، والنبيُّ: مَن أُمِر بأن يتعبَّد بكتابٍ منزَّلٍ على غيرِه، كأنبياءِ بني إسرائيلَ الذين يُؤمرون بالتعبُّدِ بما في التوراةِ. يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (2/714)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/205). .
قال تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ، المرادُ من الطَّيِّباتِ الأشياءُ المُستطابةُ بحسَبِ الطَّبْعِ؛ وذلك لأنَّ تناوُلَها يُفيدُ اللَّذَّةَ، والأَصْلُ في المنافعِ الحِلُّ؛ فكانتْ هذه الآيةُ دالَّةً على أنَّ الأصلَ في كلِّ ما تَستطيبُه النَّفسُ ويَستلِذُّه الطَّبْعُ: الحِلُّ، إلَّا لدليلٍ مُنفصِلٍ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ كُلُّ ما يَستخبِثُه الطَّبْعُ وتَستقذِرُه النَّفسُ كان تناولُه سببًا للألمِ، والأصْلُ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فكان مُقتضاه أنَّ كلَّ ما يَستخبِثُه الطَّبْعُ فالأصْلُ فيه الحُرْمَةُ إلَّا لدليلٍ مُنفصِلٍ [1856] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/381). .
قولُ اللهِ تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ يدُلُّ على أنَّ الأصلَ في المَضارِّ ألَّا تكونَ مشروعةً؛ لأنَّ كلَّ ما كان ضررًا كان إِصْرًا وغُلًّا، وظاهرُ هذا النَّصِّ يَقتضي عدمَ المشروعيَّةِ [1857] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/382). .
دِينُ الإسلامِ سَهْلٌ سَمْحٌ مُيَسَّرٌ، لا إِصْرَ فيه ولا أغلالَ، ولا مَشقَّاتِ ولا تَكاليفَ ثِقالٌ، يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [1858] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:305). .
قولُ اللهِ تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فيه تنويهٌ بعَظيمِ فَضْلِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورضِيَ اللهُ عنهم، ويَلْحَقُ بهم مَنْ نصَرَ دينَه بعْدَهم [1859] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/139). .

بلاغة الآيات :


قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ فيه تنزيلُ الغَضبِ الحاملِ له عَلَى ما صَدَرَ عنْهُ من الفعل والقول مَنزلةَ الآمِرِ بذلك، المُغرِي عليه بالتحكُّمِ والتشديدِ؛ حتَّى عبَّر عن سُكونِه بالسُّكوتِ؛ فشُبِّهَ ثَوَرانُ الغضبِ في نفْسِ موسى عليه السَّلامُ المُنشِئُ خواطِرَ العقوبةِ لأخيه ولقومِه، وإلْقاءَ الألواحِ، بكلامِ شخص يُغريه بذلك، وحَسَّن هذا التَّشبيهَ أنَّ الغضبانَ يجيش في نفْسه حديثٌ للنَّفسِ يَدفَعُه إلى أفعالٍ يُطفئ بها ثورانَ غضبه، فإذا سَكَن غضبُه وهدأتْ نفْسُه كان ذلك بمنزلةِ سُكوتِ المغري؛ فلذلك أَطلقَ عليه السُّكوتَ، وهذا يَستلزمُ تشبيهَ الغضبِ بالناطقِ المغري على طريقةِ المكنيَّة [1860] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/163)، ((تفسير البيضاوي)) (3/36)، ((تفسير أبي السعود)) (3/276)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/122). .
قوله: قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ
قوله: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ تمهيدٌ للتعريضِ بطَلبِ العفوِ عنهم الآن، وهو المقصودُ مِن قولِه: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، أي: إنَّك لم تشأْ إهلاكَهم حين تَلبَّسوا بعِبادةِ العِجل، فلا تُهلِكْهم الآن [1861] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/126). .
والاستفهامُ في قوله: أَتُهْلِكُنَا مُستعمَلٌ في التفجُّع، أي: أخشَى ذلك؛ لأنَّ القَومَ استحقُّوا العذابَ، ويُخشَى أنْ يَشملَ عذابُ اللهِ مَن كان مع القومِ المستحقِّين، وإنْ لم يُشارِكهْم في سببِ العذابِ، وجملة: أَتُهْلِكُنَا مُستأنفةٌ على طريقةِ تقطيعِ كلامِ الحزينِ الخائِفِ السَّائِل [1862] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/126- 127).
قولُه: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ
الخبرُ في وقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ... الآيةَ، مُستعمَلٌ في إنشاءِ التَّمجيدِ بسَعَةِ العِلمِ والقُدرةِ، والتعريضِ بطَلبِ استبقائِهم وهِدايتِهم [1864] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/126-127). .
وقولُه: فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، في التَّذييلِ بقولِه: وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ حَذَفَ ذِكْرَ الرَّحمةِ؛ استِغناءً عنه بذِكْرِ المغفرةِ؛ فإنَّ ترتيبَ التَّذييلِ في الثَّناءِ عليه تعالى على طَلَبِ مغفرتِه ورحمتِه معًا يَقتضي أنْ يكونَ هذا الثَّناءُ بهما معًا، فاكْتَفى بذِكْرِ الأُوَلى؛ لدَلالتِها على الثَّانيةِ قطْعًا، فهو مِن الإيجازِ المُسَمَّى في عِلمِ البديعِ (الاكتِفاءَ) [1865] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/189). .
قولُه: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قوله: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليلِ الدُّعاءِ وطَلَبِ الْغُفْرَانِ والحَسَنَةِ؛ لأنَّ التوبةَ والإنابةَ والرُّجوعَ إليه من الأسبابِ الَّتي يكتُبُ اللهُ بها حسنةَ الدُّنيا وحسنةَ الآخِرةِ، وتَصديرُها بحرْف التَّحقيقِ؛ لإظهارِ كمالِ النَّشاطِ والرَّغبةِ في التوبةِ [1866] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/190)، ((تفسير أبي السعود)) (3/278)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/201). .
قوله: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
قوله: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ... استئنافٌ وَقَع جوابًا عن سؤال ينساقُ إليهِ الكلامُ، كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالى عند دعاءِ مُوسى عليه السَّلامُ؟ فقيل: قال: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ [1867] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/278). .
وقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مقابلُ قولِ مُوسَى: فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وهو وعدُ تعريضٍ بحُصولِ الرَّحمةِ المسؤولةِ له، ولِمَن مَعَه مِن المُختارِين؛ لأنَّها لَمَّا وَسِعتْ كلَّ شيءٍ، فهُمْ أرْجى الناسِ بها، وأنَّ العاصِين هم أيضًا مَغمورونَ بالرَّحمةِ؛ فمنها رحمةُ الإمهالِ والرَّزْقِ، ولكنْ رحمةُ اللهِ عبادَه ذاتُ مَراتِبَ متفاوتةٍ [1868] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/129).  .
وقولُه: فَسَأَكْتُبُهَا تفريعٌ على سَعةِ الرَّحمةِ؛ لأنَّها لَمَّا وَسِعتْ كلَّ شيءٍ كان منها ما يُكتَب، أي: يُعطَى في المستقبَلِ للذين أُجرِيتْ عليهم الصِّفاتُ، ويَتضمَّنُ ذلك وعدًا لموسى ولصُلحاءِ قومِه؛ لتحقُّقِ تِلك الصِّفاتِ فيهم [1869] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/130). .
وقوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ فيه تَكريرُ الموصولِ (الَّذين)، مع أنَّ المرادَ به عينُ ما أُريدَ بالموصولِ الأوَّلِ في قوله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ- دون أنْ يُقالَ: (يُؤمنون بآياتنا) عَطْفًا على يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ كما عُطِفَ يُؤْتُونَ على يَتَّقُونَ للقَصْرِ بتَقديمِ الجارِّ والمجرورِ؛ أي: هُم بجميعِ آياتِنا يُؤمِنونَ لا ببَعضِها دُون بَعضٍ [1870] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/278). .
وقيل: نُكتةُ إعادةِ الموصولِ (الذين) مع الضَّمير (هم)؛ إمَّا جَعْلُ الموصولِ الأوَّلِ عامًّا لقومِه الَّذينَ دعا لهم- مَن استمرُّوا على التزامِ التَّقوى، وأداءِ الزَّكاةِ منهم-، وجَعْلُ الثَّاني خاصًّا بمَنْ يُدرِكونَ بَعْثَةَ خاتَمِ الرُّسلِ عليه السَّلامُ ويتَّبِعونَه، كما يُعْلَمُ ممَّا بعْدَه، وإمَّا لِبيانِ الفَصْلِ بين مَفهومِ الإسلامِ ومفهومِ الإيمانِ، والتَّعريضِ بأنَّ الَّذينَ طَلَبوا من موسى أنْ يجعَلَ لهم آلهةً، والَّذينَ عبَدوا العِجلَ، والَّذينَ قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] ، لم يكونوا مؤمِنين بآياتِ اللهِ العامَّةِ ولا الخاصَّةِ الَّتي جاء بها نبيُّهم؛ إذْ لم يكونوا يَعقِلونها، بل كانوا مُتَّبِعينَ له؛ لإنقاذِهم مِن ظُلمِ المِصْرِيِّينَ، وبيانِ أنَّ كتابةَ الرَّحمةِ الخاصَّةِ إنَّما تكون لِمَنْ جَمَعوا بين الإسلامِ- وهو اتِّباعُ الرُّسلِ بالفِعْلِ- والإيمانِ الصَّحيحِ بالآياتِ الإلهيَّةِ المفيدةِ لليقينِ المانعِ من العودةِ إلى الشِّركِ بمِثْلِ عبادةِ العِجلِ، والمُقْتَضِي لاتِّباعِ مَنْ يأتي مِنَ الرُّسلِ بمِثْلِ هذه الآياتِ [1871] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/193). .
وأيضًا في قولِه: وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ تَعريضٌ بهم وبكُفرِهم بالآياتِ العِظامِ التي جاءَ بها موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبما سيَجيءُ بعدَ ذلك مِنَ الآياتِ البيِّناتِ، كتَظليلِ الغمامِ، وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى، وغيرِ ذلك [1872] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/278). .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
قوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فيه تقديمُ وصْفِ الرَّسولِ؛ لأنَّه الوصفُ الأخصُّ الأهمُّ، ولأنَّ في تقديمِه زِيادةَ تَسجيلٍ لتحريفِ أهلِ الكِتاب، حيثُ حَذَفوا هذا الوصفَ؛ ليصيرَ كلامُ التوراةِ صادِقًا بمَن أتَى بعدَ مُوسَى من أنبياءِ بَنِي إسرائيلَ [1873] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/133). .
وفي قولهِ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لم يَعْطِفْ؛ لئلَّا يُوهِمَ تَعدادَ الموصوفِ [1874] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/106). .
وجاءَ بقولِه: عِندَهُمُ لزِيادةِ التقريرِ، وأنَّ شأنَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضرٌ عِندَهم لا يَغيبُ عنهم أصلًا [1875] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/279). .
قولُه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فيه تشبيهُ حالِ المُزالِ عنه ما يُحرِجُه مِن التَّكاليفِ، بحالِ مَن كان مُحمَّلًا بثِقلٍ فأُزِيلَ عن ظَهرِه ثِقلُه [1876] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/136). .
قوله: وَاتَّبَعُوا النَّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فيه تَشبيهُ حالِ المُقتَدِي بهَدْي القرآنِ، بحالِ السَّاري في اللَّيلِ إذا رَأى نُورًا يَلوحُ له اتَّبعَه؛ لعِلمِه بأنَّه يجِدُ عِندَه مَنجاةً مِن المخاوفِ، وأضرارِ السَّيرِ [1877] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/138). .
وقوله: أولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الإتيانُ باسمِ الإشارةِ أولَئِكَ وما فيه مِن مَعْنى البُعدِ؛ للإيذانِ بعُلوِّ دَرجتِهم، وسُموِّ طبقتِهم في الفضلِ والشَّرفِ، أي: أولئك المنعوتُون بتِلك النُّعوتِ الجليلةِ هُمُ المُفْلِحُونَ، لا غيرُهم مِن الأُمم، ففيه تنويهٌ بشَأنِهم، ودَلالةٌ على أنَّ المُشارَ إليهم بتِلك الأَوصافِ صارُوا أحرياءَ بما يُخبَرُ به عنهم بعدَ اسمِ الإشارةِ [1878] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/280)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/138). .
والقصرُ المستفادُ مِن تَعريفِ المُسنَد الْمُفْلِحُونَ ومِن ضَمير الفَصلِ هُمْ قَصرٌ إضافيٌّ، أي: هُم الذين أفلحوا، أي: دُونَ مَن كَفَر به، بقَرينةِ المقامِ، ويجوزُ أنْ يكونَ القصرُ ادعائيًّا دالًّا على معنى كمالِ صِفةِ الفلاحِ للَّذينَ يتَّبعونَ النبيَّ الأُمِّيَّ؛ ففلاحُ غيرِهم من الأُممِ المفلِحين الذين سَبَقوهم كلا فَلاحٍ إذا نُسِب إلى فلاحِهم [1879] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/138). .