موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيتان (4 - 5)

ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ

غريب الكلمات:


الْجَوَارِحِ: أي: الصَّوائِدِ أو الكَواسِبِ- كالكِلابِ والفُهودِ، والصُّقورِ وأشباهِها- وهي ما صِيدَ به من سِباعِ البَهائِمِ والطَّير، أو كِلابِ الصَّيد، وأصلُ الاجتراح: الاكتسابُ [146] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 191)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 148)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 357). .
مُكَلِّبِينَ: أي: أصحابَ ضَوارٍ وكلابٍ، وَالمُكَلِّبُ: الذي يعلِّم الكلبَ، ويُقال: رجلٌ مُكلِّبٌ وكَلَّابٌ، أي: صاحبُ صيدٍ بالكِلابِ [147] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 141)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 437)، ((المفردات)) للراغب (ص: 721)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 148)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 875). .
الْمُحْصَنَاتُ: ذواتُ الأزواجِ، والمحصناتُ أيضًا: الحرائرُ وإنْ لم يَكُنَّ مزوَّجاتٍ، والعفائفُ، فهي مُحْصَنَة، إما بعفَّتها، أو تزوُّجها، أو بمانِعٍ مِن شَرَفِها وحُرِّيَّتِها، وأصلُ الحِصن: الحِفظُ والحياطةُ والحِرز [148] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123، 124)، ((غريب القرآن)) للسجستاني = = (1/434)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)، ((المفردات)) للراغب (ص: 239)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/62)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 137)، ((الكليات)) للكفوي (1/55). .
مُحْصِنِينَ: أي: متزوِّجين وأعفَّاءَ بالنِّكاحِ، وأصلُ الحِصن: الحِفظُ والحِياطةُ والحِرز [149] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123)، (ص: 877)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 62)، ((الكليات)) للكفوي (1/55). .
مُسَافِحِينَ: جمْعُ مسافِح، وهو الزَّاني، أو المجاهِر بالزِّنا، الذي يَصبُّ ماءَه حيث اتُّفِقَ، مِن سَفَحْتُ القِربةَ: إذا صَببْتَها، وسُمِّي الزِّنا سفاحًا؛ لأنَّه يُسافَحُ فيه، أي: يَصُبُّ الرَّجلُ النُّطفةَ وتَصُبُّ المرأةُ النُّطفةَ، وأصل (سفح): يدلُّ على إراقةِ شيءٍ [150] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/81)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 137)، ((الكليات)) للكفوي (1/877). .
أَخْدَانٍ: جمْع خِدْن، وهو الزَّاني سرًّا، أو مُصاحِبٌ وصَديق، أو خليلٌ في السِّرِّ، ويُطلَقُ كذلك على الحبيبِ والرَّفيق، وأكثرُ ذلك يُستعملُ فيمَن يصاحبُ بشهوةٍ؛ يُقال: خِدْنُ المرأةِ وخَدينُها، وأصل (خدن): المصاحَبة [151] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 124)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/163)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 138)، ((الكليات)) للكفوي (1/65، 434). .
حَبِطَ: أي: بطَلَ؛ فالحَبَط: البُطلانُ والألَم، وأصلُه: أن تُكثِرَ الدابَّةُ أكلًا حتى يَنتفخَ بطنُها فتموتَ [152] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 82)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 186)، ((المفردات)) للراغب (ص: 216)، ((النهاية)) لابن الأثير (1/331)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106). .

مشكل الإعراب:


مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ.
مُكَلِّبِينَ: منصوبةٌ، حالٌ مِن فاعل عَلَّمْتُمْ، والتَّقدير: علَّمتُم الجَورِاحَ حالَ كونِكم مُؤدِّبينَ ومدرِّبين ومُعوِّدينَ لها على كيفيَّة الصَّيدِ.
تُعَلِّمُونَهُنَّ: فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، والجملةُ مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، أو تكون في محلِّ نَصْبٍ، على أنها حالٌ ثانيةٌ من فاعِل عَلَّمْتُمْ، أو حالٌ من الضَّميرِ المستترِ في مُكَلِّبِينَ فتكونُ حالًا من حالٍ، وتُسمَّى المتداخِلَةَ، وعلى كلا التقديرينِ فهي حالٌ مؤكِّدةٌ؛ لأنَّ معناها مفهومٌ مِن عَلَّمْتُمْ ومِن مُكَلِّبِينَ [153] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/219)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/420)، ((تفسير ابن كثير)) (2/34)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/202- 203)، ((إعراب القرآن الكريم)) للدعَّاس (1/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/58). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّ أصحابَك يسألونَك عمَّا يُباحُ لهم أكْلُه من الأطعمةِ، ثم أمَرَه أن يُجيبَهم: أنَّ اللهَ أحلَّ لهم أكْلَ الطيِّباتِ، وأباحَ لهم أكْلَ ما اصطادوه عن طريقِ ما يَصيدُ بِنابِه أو مِخلَبِه من السِّباعِ والطُّيورِ، كالكِلاب والصُّقورِ، إذا عَلَّموها ودَرَّبوها على طريقةِ الصَّيد، يُعلِّمونها ممَّا امتنَّ اللهُ عليهم من العِلم بآدابِ الصَّيد، فلْيَأكلوا ممَّا أمسكْنَه لأجْلِهم؛ ولْيَذكروا اسمَ الله عليها عندَ إرسالها للصَّيد، ولْيتَّقوا اللهَ؛ فإنَّه سريعُ الحسابِ. ثم أخبَرَ تعالى عن بعضِ مظاهرِ إسباغِ نِعمِه وإكمالِ دِينه، وتيسيرِ شَرعِه، ومن ذلك أنَّه سبحانه أحل لأهلِ الكِتاب من اليهودِ والنَّصارى ذبائِحَ المسلمين؛ فلهم أن يطْعِموهم مِنها وأحلَّ للمسلمين التمتُّعَ بالطيِّباتِ، وأحلَّ لهم أكْلَ ذبائِحِ أهلِ الكِتاب من اليهودِ والنَّصارى ونِكاحَ الحرائرِ العفيفاتِ من المؤمناتِ، والحرائر العفيفاتِ من الكتابيَّات، إذا أعْطَوهُنَّ مُهورَهنَّ، في حالِ كون الأزواجِ أعِفَّاء بالنكاح، غير مُعلِنين بالزِّنا، ولا متَّخذين عشيقاتٍ يزنون بهن في السرِّ، فكما شرط العفة عن الزنا في النساء كذلك شرطها في الرجال، وأَخْبَر الله تعالى أنَّ مَن كفَر به، وكَفَر بما يجبُ الإيمانُ به؛ فقد حَبِطَ عمَلُه، وتوعَّده بأنَّه في الآخِرة من الهالِكينَ

تفسير الآيتين:


يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4).
مُناسبةُ الآية لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر تعالى ما حرَّمه في الآيةِ المتقدِّمةِ من الخبائثِ الضارَّة لمُتناوِلِها- إمَّا في بدَنِه، أو في دِينه، أو فيهما- واستثنى ما استَثْناه في حالةِ الضرورةِ [154] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/31). - شرَع في بيانِ ما أحلَّه لهم [155] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/16). ، فقال تعالى:
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ.
أي: يسألُكَ أصحابُك- يا محمَّد- ما الذي أُبيحَ لهم أكْلُه من الأطعِمَةِ [156] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/99)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/55). ؟
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ.
أي: قلْ يا محمَّدُ: أُبيحَ لكم أكْلُ الطيِّباتِ، وهي الحلالُ الذي أَذِنَ لكم ربُّكم في أكْلِه من كلِّ ما فيه نفعٌ أو لذَّة، من غيرِ ضَررٍ بالبدنِ ولا بالعَقلِ [157] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/99)، ((تفسير ابن كثير)) (2/32)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ.
أي: وأُبيحَ لكم أيضًا أكْلُ ما اصطادَه لكم سِباعُ البَهائِم والطَّيرِ-كالكِلاب والصُّقور وغيرها- التي علَّمتموها؛ مُؤدِّبينَ لها ومُدرِّبين إيَّاها على كيفيَّةِ اقتناصِ الصَّيدِ [158] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/99، 100، 106)، ((تفسير الواحدي)) (2/156)، ((تفسير ابن عطية)) (2/157)، ((تفسير ابن كثير)) (2/32-34)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/114)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/57-58). .
تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ.
أي: تُؤدِّبون الجوارحَ، وتُدَرِّبونَهنَّ على طلبِ الصَّيدِ لكم، ممَّا منَّ الله تعالى به عليكم من العِلم بآدابِ الصَّيدِ، وذلك كأنْ يسترْسِلَ الجارحُ إذا أُرْسِلَ، ويَنزجرَ إذا زُجِرَ [159] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/107، 120)، ((تفسير ابن كثير)) (2/32-34)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/114)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/58). قال القرطبيُّ: (لا خِلافَ بين العلماء في شَرطينِ في التَّعليم، وهما: أن يأتمرَ إذا أُمِر، ويَنزجِر إذا زُجر، لا خلافَ في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سِباع الوحوش، واختُلِفَ فيما يُصادُ به من الطَّير، فالمشهور أنَّ ذلك مَشترَطٌ فيها عند الجمهور) ((تفسير القرطبي)) (6/69). .
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ.
أي: فكُلوا- أيُّها الناس- ممَّا أمسكتْ جوارحُكم من الصَّيدِ لأجلِكم [160] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/128)، ((تفسير ابن كثير)) (2/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/58). قال ابنُ كثيرٍ: (تلك الآيةُ: فكلوا مما أمسكن عليكم ليستْ على عمومِها بالإجماعِ، بل مخصوصةٌ بما صِدْن من الحيوانِ المأكولِ، وخرَج مِن عمومِ لفظِها الحيوانُ غيرُ المأكولِ = = بالاتِّفاقِ) ((تفسير ابن كثير)) (3/20).  قال ابنُ عاشور: (وحرفُ (على) في قوله: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ بمعنى لام التعليل، كما تقول: سُجن على الاعتداء، وضُرب الصبيُّ على الكذبِ) ((تفسير ابن عاشور)) (6/116). .
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ.
أي: واذكُروا اسمَ الله عندَ إرسالِ الجارِح [161] يُنظر: ((تفسير الواحدي)) (2/157)، ((تفسير ابن كثير)) (2/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/118). الهاء في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنَّها تعودُ على (مَا عَلَّمْتُمْ)، أي: اذكروا اسمَ الله على الجوارحِ عندَ إرسالِها على الصَّيدِ، ودلَّت عليه السُّنَّة. والثاني: أنَّها عائدةٌ على المصدرِ المفهومِ من الفعلِ، وهو الأكلُ، كأنَّه قيل: واذكروا اسمَ الله على الأكلِ. والثالثُ: أنَّها تعودُ على (ما أَمْسَكْنَ) أي: اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكته عليكم الجوارح.  يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/209)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/61). .
عن عَدِيِّ بن حاتمٍ الطائيِّ رضي لله عنه، أنه قال: ((يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُرسِلُ كَلبي وأُسَمِّي، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إذا أَرْسَلْتَ كلَبَك وسمَّيتَ، فأخَذ فقتَل فأكَل فلا تأكُلْ، فإنَّما أمسَك على نَفْسِه، قُلتُ: إني أُرْسِلُ كلبي فأجِدُ معَه كلبًا آخَرَ، لا أدري أيُّهما أخَذَه؟ فقال: لا تأكُلْ؛ فإنَّما سمَّيْتَ على كلبِكَ ولم تُسَمِّ على غيرِه )) [162] رواه البخاري (5486) واللفظ له، ومسلم (1929). .
وَاتَّقُوا اللهَ.
أي: امتثِلوا ما أمَرَكم اللهُ تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه [163] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/128)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/59). .
إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
أي: إنَّ الله سبحانه سريعُ الإحْصاءِ لأعمالِ عبادِه، سريعُ المجازاةِ لهم، يُحاسِبُ الخلائقَ يومَ القيامةِ على أعمالِهم في مدَّةٍ وجيزٍة جدًّا، وإن حسابَه عزَّ وجلَّ قريبٌ؛ لسرعةِ انقضاءِ الدُّنيا [164] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/129)، ((تفسير ابن عطية)) (2/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/59). .
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أخبَرَ الله تعالى في الآيَةِ المتقدِّمةِ أنَّه أحلَّ الطيِّباتِ، وكان المقصودُ من ذِكره الإخبارَ عن هذا الحُكم، ثم أعاد ذِكرَه في هذه الآيةِ، والغَرضُ من ذِكره أنَّه قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فبَيَّن أنَّه كما أكملَ الدِّين وأتَمَّ النِّعمةَ في كلِّ ما يَتعلَّق بالدِّين، فكذلك أتمَّ النِّعمةَ في كلِّ ما يتعلَّق بالدُّنيا [165] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/293). .
وأيضًا لَمَّا كان أهلُ الكتابِ في الأصل أهلَ توحيدٍ، ثم سَرَتْ إليهم نزَغَاتُ الشِّركِ ممَّن دخَل في دِينهم من المشركين، ولم يُشدِّدوا في الفصلِ بينهم وبين ماضيهم، وكان هذا مَظِنَّةَ التشديدِ في مُؤاكلةِ أهلِ الكتابِ ومُناكَحَتِهم، كما شدَّد في أكْلِ ذَبائحِ مشركي العربِ ونِكاح نسائِهم- بيَّن اللهُ في هذه الآيةِ ألَّا نُعامِلَ أهلَ الكتابِ معاملةَ المشركينَ في ذلك، فأحلَّ لنا مؤاكلتَهم، ونِكاحَ نسائِهم [166] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/147). ، فقال:
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ.
أي: اليومَ أباح اللهُ تعالى لكم- أيُّها المؤمنون- الحلالَ من الذَّبائِحِ والأطعمةِ ممَّا ليس بضارٍّ ولا مُستقذَرٍ، دون الخبيثِ منها [167] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/129)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/112-113)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/65-66). .
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ.
أي: وذبائحُ أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنَّصارى حلالٌ لكم- أيُّها المؤمنون- أكْلُها [168] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/129، 134)، ((تفسير ابن كثير)) (2/40)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/66-67). قال ابنُ جزي: (وأما الطعامُ، فهو على ثلاثةِ أقسامٍ أحدُها: الذبائحُ، وقد اتَّفق العلماءُ على أنها مرادةٌ في الآيةِ) ((تفسير ابن جزي)) (1/223). والدليلُ على أنَّ المرادَ بطعامِهم ذبائحُهم، أنَّ الطعامَ الذي ليس مِن الذَّبائحِ كالحبوبِ والثِّمارِ ليس لأهلِ الكتابِ فيه خصوصيَّة، بل يُباحُ ذلك ولو كان من طعامِ غيرِهم، وأيضًا فإنَّه أضافَ الطعامَ إليهم. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 221) .
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ.
أي: وذبائِحُكم- أيُّها المؤمنونَ- حلالٌ لليهودِ والنَّصارى؛ فلكم أن تُطْعِموهم مِن ذبائحِكم [169] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/138)، ((تفسير ابن كثير)) (2/41)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/67). .
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ.
أي: وأحلَّ لكم- أيُّها المؤمنون- نِكاحَ الحرائرِ العفيفاتِ من النِّساءِ المؤمناتِ [170] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/138)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (32/121-122)، ((تفسير ابن كثير)) (2/42)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
أي: وأحلَّ لكم- أيُّها المؤمنون- أيضًا نِكاحَ الحرائرِ العفيفاتِ من نِساء اليهودِ والنَّصارى [171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/138-139، 146-147)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (32/121-122)، ((تفسير ابن كثير)) (2/42)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221-222). .
إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.
أي: إذا أعطيتُم مَن نَكحتُم- من مُحصناتِكم ومُحصناتِهم- مُهورَهنَّ [172] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/139، 147-148)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (32/121 - 122)، ((تفسير ابن كثير)) (2/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222). .
مُحْصِنِينَ.
أي: حالةَ كونِكم مُحْصِنِينَ لنِسائكم؛ بسببِ حفِظكم لفروجِكم عن غَيرِهنَّ، وعفَّتِكم عن الزِّنا [173] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/148)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (32/123)، ((تفسير ابن كثير)) (2/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/68). .
غَيْرَ مُسَافِحِينَ.
أي: ولستُم كذلك بالزُّناة المُعلِنين بالزِّنا، الذين يَزنون بأيِّ امرأةٍ كانت، ولا يردُّون أنفُسَهم عمَّن جاءَهم [174] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/148)، ((تفسير ابن كثير)) (2/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/69). .
وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ.
أي: ولا مِن ذوي العَشيقاتِ الذين لا يَفعلون الفاحشةَ إلَّا خُفيَةً معهنَّ [175] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/69). .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ.
أي: ومَن كفَر بالله تعالى وما يجبُ الإيمانُ به، فقد بطَلَ ثوابُ عملِه الذي كان يَعملُه في الدُّنيا، إنْ مات على كُفرِه [176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/148-152)، ((تفسير ابن كثير)) (2/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222)، ((تفسير ابن عاشور)) (63/125)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/69). .
كما قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 217].
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
أي: وهو في الآخِرةِ من الهالِكين، الذين خَسِروا أنفُسَهم وأموالَهم وأهليهم يومَ القيامَةِ، وحصَلوا على الشَّقاوةِ الأبديَّة [177] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 222)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/70). .

الفوائد التربوية:


1- حِرصُ الصَّحابة رضي الله عنهم على العِلم؛ لقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ، ومِن هنا نَعرفُ أنَّ ما لم يَسألِ الصحابةُ عنه ممَّا يرِدُ السؤال عنه في عصرِنا من أمورِ الغيبِ، فالسؤال عنه بدعةٌ؛ لأنَّنا نعلم أنه لو كان هناك خيرٌ في العلم به لأَلْهَم الله الصحابةَ أن يسألوا عنه؛ حتى يَتبيَّنَ الأمرُ [178] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/59). .
2- قولُ الله تعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ (تعلمونهنَّ) المقصود منه المبالغةُ في اشتراطِ التَّعليمِ، أي: أن يكون مَن يُعلِّم الجوارحَ نِحريرًا في عِلمه، مُدرَّبًا فيه، فقيهًا عالِمًا بالشَّرائط المعتبرَة في الشَّرع لحِلِّ الصيد، ففيه فائدةٌ جليلةٌ، وهي أنَّ على كلِّ طالبٍ لشيءٍ ألَّا يأخذَه إلَّا مِن أجَلِّ العلماءِ به، وأشدِّهم درايةً له، وأغوصِهم على لَطائِفِه [179] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/292)، ((تفسير أبي حيان)) (4/181)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/22)، ((تفسير الشربيني)) (1/355). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ أنَّ التَّحليلَ والتحريمَ ليس إلى العِباد، بل هو إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد حذَّرَنا اللهُ عزَّ وجلَّ من أن نُحلِّل أو نحرِّم بأهوائِنا، فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ [النحل: 116]، وأنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لا يستقلُّ بالتحليلِ أو التَّحريمِ، وجه ذلك: أنَّ الرسولَ لم يُجِبْهم، ولكنَّ الله تعالى أجابَهم، فقال: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [181] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/60-70). .
2- أنَّ كلَّ ما أحلَّه اللهُ تعالى فهو طيِّب؛ نافعٌ للبَدَن ونافعٌ للقلب، ونافعٌ للفَرْد ونافعٌ للمجتمع؛ لقوله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وأيضًا نأخُذ من المفهومِ أنَّ كلَّ ما حرَّمه الله تعالى فهو خبيثٌ [182] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/60). .
3- قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ نصَّ في هذه الآيةِ ونظائِرِها على إباحةِ المستلذَّات والطيِّبات، فصار هذا أصلًا كبيرًا، وقانونًا مرجوعًا إليه في معرفةِ ما يَحِلُّ ويَحرُم من الأطعمةِ؛ فالطيِّباتُ وصفٌ للأطعمة قُرِن به حُكمُ التحليلِ؛ فدلَّ على أنَّ الطيِّبَ علَّةُ التحليلِ، وأفاد أنَّ الحرامَ ضدُّه، وهو الخبائثُ [183] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/290)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/111). .
4- في قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ لُطْفُ اللهِ بعباده ورَحمتُه بهم؛ حيث وسَّعَ عليهم طُرُقَ الحلالِ [184] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
5- جوازُ اقتناءِ كَلب الصَّيدِ، مع أنَّ اقتناءَ الكلب مُحرَّمٌ؛ لأنَّ مِن لازِمِ إباحةِ صَيده وتَعليمِه جوازَ اقتنائِه، وطهارةَ ما أصابه فمُ الكلْبِ من الصَّيد؛ لأنَّ الله أباحه ولم يذكُرْ له غَسلًا؛ فدلَّ على طهارَتِه؛ قال تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ [185] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
6- في قوله تعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ فضيلةُ العِلم، وأنَّ الجارِحَ المـُعلَّم- بسبب العِلم- يُباحُ صيدُه، والجاهل بالتَّعليمِ لا يُباح صيدُه [186] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/55)، ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
7- أنَّ الاشتغالَ بتعليمِ الكلبِ أو الطَّيرِ أو نحوهما، ليس مذمومًا، وليس من العبَثِ والباطِلِ، بل هو أمرٌ مقصودٌ؛ لأنَّه وسيلةٌ لحِلِّ صيدِه والانتفاعِ به، يُؤخَذ ذلك مِنْ قَوْلِه تعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ [187] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
8- قوله: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ الجوارحُ يَدخُل فيها كلُّ ما يُمكنُ الاصطيادُ به، كالفهدِ والسِّباعِ والعُقابِ والصَّقرِ وغيرها؛ فهذه كلُّها جوارحُ، وإنَّما عبَّر بقوله: مُكَلِّبِينَ؛ لأنَّ المكلِّبَ هو مُؤدِّبُ الجوارحِ ومُعلِّمُها أنْ تصطادَ لصاحبِها، وأصلُ (كلب) يدلُّ على تَعلُّقِ الشَّيءِ بالشَّيءِ في شِدَّةٍ وشِدَّةِ جَذْبٍ، ومِن ذلك: الكَلْبُ. وإنما اشتُقَّ اسمُ (مُكلِّبِين) مِن الكَلْبِ؛ لأنَّ التأديبَ أكثرُ ما يكونُ في الكِلاب؛ فاشتُقَّ منه هذا اللفظُ لكثرتِه في جِنسِه. وأيضًا لأنَّ كلَّ سَبُع فإنَّه يُسمَّى كلبًا. أو يكون قوله: مُكَلِّبِينَ مأخوذًا مِن الكَلَب الذي هو بمعنى الضَّراوةِ والحِرص على الشيء، ولو فُرِض أنَّ المذكور في هذه الآية إباحةُ الصيدِ بالكلْبِ فقط؛ فتخصيصُه بالذِّكرِ لا يَنفي حِلَّ غيره؛ بدليلِ أنَّ الاصطيادَ بالرَّمْي ووضْعِ الشَّبكةِ جائزٌ، وهو غيرُ مذكورٍ في الآيةِ [188] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/291)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/202- 203)، ((تفسير ابن عادل)) (7/205)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/141). وينظر أيضًا: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/133- 134). .
9- قطعُ ما يُوجِبُ الإعجابَ بالنَّفْس؛ لأنَّ قوله: تُعَلِّمُونَهُنَّ فيه إسنادُ التعليمِ إلى البَشرِ، فقدْ يُزهَى الإنسانُ بنفْسِه ويغترُّ ويُعجَب؛ فلهذا قال الله عزَّ وجلَّ: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ؛ إشارةً إلى أنَّ عِلمَك الذي تُعلِّمه إيَّاهنَّ مَصدُره مِن عندِ الله عزَّ وجلَّ [189] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/62). .
10- قوله: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ، فيه توسعةُ الله عزَّ وجلَّ على عبادِه في أسبابِ الرِّزقِ، فقد رَخَّص في الصيد بالجارحةِ؛ لأنَّه يشقُّ على الإنسانِ أن يصطادَ الصيدَ بنفسِه في كلِّ وقتٍ وحينٍ؛ لأنَّ المصيدَ ربَّما يكون مَثلًا في جبالٍ أو في سهولٍ أو في أوديةٍ، ولا يستطيعُ أن يَصيدَه بنفسِه [190] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/63). .
11- أنَّه يجوزُ أكْلُ ما صادَه الجارحُ، سواء قتَلَه الجارحُ أم لا، قال سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وإنْ أدركَه صاحِبُه، وفيه حياةٌ مستقرَّة، فإنَّه لا يُباحُ إلَّا بتذكيتِه [191] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 221). .
12- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أنَّ الأصلَ في الأطعمَةِ الحِلُّ، ومن الأدلَّة أيضًا قولُه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]، فالأصلُ الحِلُّ، ومَن ادَّعى في شيءٍ التحريمَ لزِمَه الدليلُ على ذلك [193] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/66). .
13- أنَّ مَن سِوى اليهودِ والنَّصارى لا تَحِلُّ ذَبيحتُهم؛ كالمجوسِ والوثنيِّين والشيوعيِّين والمشركينَ ومَن أشبَهَهم؛ يُؤخَذُ ذلِك من مفهومِ قولِه: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [194] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/153)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/71). .
14- حِلُّ المحصَنات من أهلِ الكتابِ كحِلِّ المحصَناتِ من المؤمنات؛ لأنَّ الله قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ؛ فالله يُبيِّن أنَّ المحْصَناتِ من المؤمناتِ والمحصناتِ من الذين أُوتُوا الكتابَ سواءٌ في الحِلِّ، ولكنْ لا يلزَمْ من تساويهنَّ في الحِلِّ أن يتساوَيْنَ في الإقدامِ عليهنَّ، قد يكون الشيءُ حلالًا، ولكن نقول: الأفضلُ ألَّا تُقْدِمَ عليه [195] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/154)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/77). والإحصانُ قيدٌ لازمٌ، وتحقُّقه لاسيَّما في المجتمعاتِ الغربيةِ الكافرةِ عسيرٌ؛ لما عُلم مِن حالِهم، وشيوعِ الفاحشةِ فيهم. .
15- أنَّ المهرَ بمنزلةِ الأُجرةِ؛ لقوله: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [196] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/80). ، وتقييدُ الحِلِّ بإيتاءِ الأُجورِ؛ لتأكيدِ وُجوبها، والحثِّ على ما هُوَ الأَوْلى [197] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/115)، ((تفسير أبي السعود)) (3/9). .
16- أنَّ المقصودَ الأعظمَ من النِّكاح هو الإحصانُ؛ لقوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [198] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/81). .
17- الإشارةُ إلى أنَّه يَنبغي إعلانُ النِّكاحِ؛ لأنَّه قال: غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ، والأَخدانُ الأخلَّاءُ في السِّرِّ [199] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/81). .
18- أنَّ الاستمتاعَ بالنِّساءِ ينقسِمُ إلى أقسامٍ في قوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ: تحصين، وسِفاح، واتِّخاذ أخدان، والفرقُ بينها: أنَّ الأوَّل: عَقْد شرعيٌّ، والثاني: زِنًا مُعلَن، والثالث: زِنًا سِرِّيٌّ [200] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/214)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/81). .
19- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ، ومِنْ قَوْلِه: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ طهارةُ بدَنِ الكافر؛ لأنَّه لا بدَّ أن يلامسَ الطَّعامَ، وأيضًا في النِّكاحِ لا بدَّ أن يكونَ مِنَ الزَّوجِ مع زوجته الكتابيَّة ما يَقتضي التنجيسَ لو كانت نجِسةً، وفي الآيةِ أيضًا دليلٌ على أنَّ آنيتَهم طاهرةٌ، إلَّا ما عُلِم نجاستُه منها؛ كأواني المسلمينَ [201] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/82). .
20- أنَّ الإماءَ مِن أهل الكتابِ لا يُبَاح للمسلمِ الزواجُ بهنَّ ولو خاف العنَتَ؛ دليله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، أمَّا الإماءُ من المؤمنات فيحلُّ للمسلمِ الزواجُ بهنَّ عند الضَّرورةِ على حسَب ما ورد في سورة النساءِ مِنْ قَوْلِه: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [202] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/212)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/83). [النساء: 25].
21- قول الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ جملةٌ معترِضَةٌ بين الجُمل، والمقصود التنبيهُ على أنَّ إباحةَ تزوُّجِ نِساءِ أهلِ الكتابِ لا يَقتضي تزكيةً لحالِهم [203] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/124). .
22- قولُ الله تعالى: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ تسميةُ المهرِ بالأجْرِ يدلُّ على أنَّ الصَّداقَ لا يَتقدَّرُ، كما أنَّ أقلَّ الأجرِ لا يتقدَّر في الإجاراتِ [204] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/295)، ((تفسير أبي حيان)) (4/186). .
23- ذَكَر الله تعالى حِلَّ المُحصَنات من المؤمناتِ في أثناءِ إباحةِ طعامِ أهلِ الكتاب وإباحةِ تزوُّجِ نسائهم فقال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ؛ إيماءً إلى أنهنَّ أَوْلى بالمؤمنينَ من مُحصَناتِ أهلِ الكِتاب [205] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/123). .

بلاغة الآيتين:


1- قوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ: عبَّر بالمضارِعِ في قوله: يَسْأَلُونَكَ؛ للدَّلالةِ على تجدُّد السُّؤالِ، أي: تكرُّره، أو توقُّع تكرُّره [206] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/110). .
2- قوله: وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ:
- تذييلٌ عامٌّ خُتمت به آية الصَّيد، وهو عامُّ المناسَبةِ [207] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/118). .
- وقوله: إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ جملة خبريَّة مؤكَّدة بـإِنَّ، والغرضُ منها التخويفُ من اجتنابِ التقوى، وأنَّ مَن لم يتَّقِ الله، فـإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ أي: إنَّ الله تعالى سيُحاسِبكم على أعمالِكم، وقوله: سَرِيعُ الْحِسَابِ يتضمَّن سُرعةَ التنفيذِ من وجهٍ، وسرعةَ الوقتِ من وجهٍ آخَرَ [208] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/147)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/59). .
- وإظهارُ الاسمِ الجليلِ (الله) في موقعِ الإضمار؛ لتربيةِ المهابة، وتعليلِ الحُكمِ [209] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/8). .
3- قوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ: فيه تَكرارُ (اليوم) للتأكيدِ، وهذا بناءً على أنَّ المرادَ بالأيَّامِ الثلاثةِ وقتٌ واحدٌ [210] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/9)، ((تفسير أبي حيان)) (4/182). ، وفائدةُ إعادةِ ذِكر إحلالِ الطيِّباتِ: التنبيهُ بإتمامِ النِّعمةِ فيما يَتعلَّق بالدُّنيا [211] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/9)، ((تفسير أبي حيان)) (4/182). .