موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيتان (24- 25)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ

غريبُ الكَلِمات:

وَالمُحْصَنَاتُ: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، والمحصَنات أيضًا: الحرائرُ، وإن لم يكُنَّ مزوَّجاتٍ، والعفائف، وأصلُ حصن: الحِفظ، والحِياطة، والحِرز يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123، 124)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 434)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)، ((المفردات)) للراغب (ص: 239)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 62)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 137)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 55). .
غَيْرَ مُسَافِحِينَ: أي: غيرَ زُناة، أو غيرَ مجاهرين بالزِّنا, والسِّفاحُ: الزِّنا، وأصلُه مِن سَفَحْتُ القِربةَ: إذا صبَبْتَها؛ فسُمِّي الزِّنا سِفاحًا؛ لأنَّ الرَّجل يصُبُّ النُّطفةَ وتصُبُّ المرأةُ النُّطفة، والمسافِحُ: الَّذي يصبُّ ماءَه حيث اتَّفق، وأصْل سفَح: يدلُّ على إراقةِ شيء يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/81)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 137)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877). .
أُجُورَهُنَّ: أي: مُهورَهنَّ يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123)، ((المفردات)) للراغب (ص: 64)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 52). .
طَوْلًا: أي: فضلًا وسَعةً، وأصل طول يدلُّ على فضلٍ وامتدادٍ في الشَّيء يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 124)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/433)، ((المفردات)) للراغب (ص: 533)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 138). .
أَخْدَانٍ: أي: زوانٍ سرًّا، أو أصدقاء، أو أخلَّاء في السِّرِّ، جمْعُ خِدن، أي: مصاحب، وأكثرُ استعمالِه فيمَن يُصاحبُ بشهوة؛ يُقال: خِدْن المرأة وخَدِينها، ويُطلق كذلك على الحبيبِ والرَّفيق، وأصل (خدن): المصاحَبة يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 124)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/163)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 138)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 65، 434). .
الْعَنَتَ: الفجور؛ يُقال: عَنَتَ فلان يَعْنَتُ عَنَتًا: إذا وقَع في أمرٍ يَخاف منه التَّلفَ، ويُطلَق العَنَت على: الضَّرَر والفساد، وأصْل (عنت): يَدُلُّ على مَشَقَّةٍ وما أَشْبَه ذلك يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 124)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/150)، ((المفردات)) للراغب (ص: 589). .

مشكل الإعراب:

1- قَوْله: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ:
كِتابَ: منصوبٌ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجُملة المتقدِّمة قبلَه، وهي قوله: حُرِّمَتْ، ونصبُه بفعل مُقدَّر، أي: كتَب الله ذلك عليكم كتابًا، وقيل: تَقديرُه: الْزموا كتابَ الله. ويكون قولُه: عَلَيْكُمْ اسمَ فِعل للإغراءِ، حُذِف مفعولُه للدَّلالة عليه، أي: (عليكم ذلك)؛ فيكون أكثرَ تأكيدًا.
وقيل: إنَّ كِتَابَ منصوبٌ على الإِغراء بـعَلَيْكُمْ، والتقدير: عليكم كِتابَ الله، أي: الْزموه، كقوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة: 105] ، وقيل غير ذلك يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/194)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/346)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/648-649). .
2- قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
فَرِيضَةً: منصوبةٌ على أنَّها حالٌ من أُجُورَهُنَّ، أي: مفروضةً، أو على أنَّها مصدر مُؤكِّد، أي: فرَض اللهُ ذلِك فريضةً، أو مَنصوبةٌ على أنَّها مصدرٌ غير الصَّدر، أي: مصدرٌ مِن مَعنى الفِعْلِ الأوَّلِ فَآتُوهُنَّ وليس مَصدرًا من لَفظِه؛ لأنَّه في معناه؛ إذ الإيتاءُ مَفروضٌ، فكأنَّه قيل: فآتوهنَّ أُجورَهنَّ إيتاءً مفروضًا يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/195)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/347). ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/653)، .
3- قولُه: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ:
طَوْلًا: طَوْلًا مفعولٌ به لـيَسْتَطِعْ.
أَنْ يَنْكِحَ: مصدَرٌ مؤَوَّلٌ، أي: نِكاح، وفي مَوْضِعِه الإعرابيِّ ثلاثةُ أوجُه؛ أحدُها: أنَّه في محلِّ نصبٍ، مفعولٌ به لـلمصدرِ المنَوَّنِ طَوْلًا، والتقديرُ: ومَن لم يَستَطِعْ أنْ ينالَ نِكاحَ المحصناتِ...إلخ. والثاني: أنَّه بدلُ كُلٍّ من كلٍّ مِن طَوْلًا؛ لأنَّ الطَّوْلَ هو القدرةُ أو الفَضْلُ، والنكاحُ قُدرةٌ وفَضْلٌ. الثالث: أنَّه في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على حَذْفِ حَرفِ الجرِّ (إلى) أو (اللام)، والتقديرُ: طَوْلًا إلى أنْ ينكحَ، أو: طولًا لأنْ يَنكِحَ. وقيل غير ذلك [431] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/348). ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/653-655)، .
فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ: الفاءُ رابطَةٌ في جوابِ (مَن) الشَّرطيَّة في قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ،  ومِنْ تَبعيضيَّةٌ، ومَا موصولةٌ، والجارُّ والمجرورُ (مِن ما) مُتعلِّقٌ بفِعلٍ مقَدَّرٍ حُذفَ مفعولُه، والتقديرُ: فلْيَنكِحِ امرأةً أو أَمَةً مِنَ النَّوْعِ الذي مَلَكَتْه أيمانُكم، وهو في الحقيقةِ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لذلك المفعولِ المحذوفِ؛ أي: فلْيَنكِحِ امرأةً كائنةً مِن ذلك النَّوعِ، والجملةُ كلُّها في مَحلِّ جزمٍ، جوابُ الشَّرْطِ. وقيل غيرُ ذلك [432] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/348-349 )، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/655-656)،  ((تفسير أبي السعود)) (2/166). .
وَاللهُ أَعْلَمُ: جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها مِن الإعراب، وبَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ جملةٌ في محلِّ نصبٍ، حالٌ مِن الضَّميرِ (كم) في أَيْمَانِكُمْ.
4- قَوْله: ذَلِكَ لِمَن خَشِي الْعَنَت مِنْكُمْ:
ذَلِك: مُبْتَدأ، وَمَا بعدَه لِمَن... جارٌّ ومجرور في محلِّ رفْع خَبر (ذلك)، أَي: الرُّخْصَة فِي نِكاحِ الإماءِ لِمَن خشِي العَنَت، أي: جائزٌ للخائِف مِنَ الزِّنا.
مِنكم: جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ نصْب، حالٌ من الضَّمير في (خشي)، أي: في حالِ كونِه مِنكم يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/195)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/350)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/658-659). .

المَعْنى الإجماليُّ :

يُخبِر تعالى أنَّه ممَّا يحرُمُ على الرِّجال نِكاحُهنَّ من النِّساء: المتزوِّجاتُ منهنَّ في حالة بقائهنَّ في ذمَّةِ أزواجهنَّ، إلَّا ما ملَكوهنَّ بالسَّبيِ في قتال الكفَّار، فإنَّه يحِلُّ لهم وطؤُهنَّ حتَّى وإن كنَّ متزوِّجاتٍ، لكن بعد استبرائِهنَّ، ثمَّ يخبِرُ تعالى أنَّ ما سبق تحريمُه في هذه الآيات هو فرضٌ فرَضَه فلْيلزموه، مبيِّنًا تعالى أنَّه أحلَّ لهم نكاحَ ما عدا المذكوراتِ في الآياتِ إذا طلَبوهنَّ بأموالهم؛ إمَّا بالزَّواجِ بمهرٍ معلومٍ، قاصدين العفافَ لهم ولأزواجِهم، وإمَّا بشراء السَّراريِّ، غيرَ مُريدينَ الوقوعَ في الزِّنا، فمن نكَحوهنَّ فجامَعوهنَّ فليُعطوهنَّ مهورَهنَّ مقابلَ ذلك الاستمتاعِ؛ وذلك فرضٌ فرَضه اللهُ تعالى، لا حرجَ على كلا الزَّوجينِ فيما تراضيَا به بعد فرضِ المهرِ من الزِّيادةِ عليه أو النُّقصانِ أو الإعفاءِ منه أو التَّأخيرِ له؛ إنَّ اللهَ كان عليمًا حكيمًا.
ومَن لم يكُنْ بمقدوره زواجُ الحرائرِ المؤمناتِ، فليتزوَّجْ من الإماءِ المؤمناتِ المملوكاتِ للمؤمنينَ، واللهُ تعالى يعلَمُ حقيقةَ إيمانِ مَن آمن منكم، جميعُكم من ذرِّيَّةِ آدمَ، وكلُّكم سواسِيَةٌ في البشريَّة، فلا تأنَفوا مِن تزوُّجِ الإماء عند الضَّرورةِ، فتَزوَّجوهنَّ برضا مَن يملِكونهنَّ، وأعطوهنَّ مهورَهنَّ بما شرَعه اللهُ دون بخسٍ منه، أو مماطلةٍ في دَفْعِه، على أن يكُنَّ عفيفاتٍ عن الزِّنا، غيرَ واقعاتٍ فيه علانيةً لا يمتنِعْنَ ممن أراد منهنَّ الفاحشةَ، كذلك غيرَ زوانٍ في السِّرِّ والخفيةِ باتِّخاذِهن أصدقاءَ وأخلَّاءَ يَزْنُونَ بهنَّ في الخفاء، فإذا أُحصِنَ الإماءُ بالزَّواج ثمَّ وقَعْنَ في الزِّنا فيجب عليهنَّ نصفُ الحدِّ الَّذي هو على الحرائرِ اللَّاتي يزنينَ قبل الإحصان بالزَّواج، فيُجلَدْنَ خمسينَ جلدة ، وتلك الرُّخصةُ بنكاحِ الإماءِ المؤمناتِ عند عدمِ القدرةِ على مهورِ الحرائرِ إنَّما هي لمن شقَّ عليه الصَّبرُ عن الجِماعِ، وخاف الوقوعَ في الزِّنا، ثمَّ يُرشِد اللهُ تعالى إلى أنَّ الصَّبرَ خيرٌ لهم من نكاحِ الإماء، واللهُ غفورٌ رحيم.

تفسير الآيتين:

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
سَببُ النُّزول:
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضِي اللهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يومَ حُنَينٍ بعَثَ جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا، فقاتَلوهم، فظهَروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ تحرَّجوا من غِشيانِهنَّ من أجلِ أزواجِهنَّ من المشركينَ، فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضَتْ عدَّتُهنَّ )) رواه مسلم (1456). .
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ
أي: وحُرِّمَ عليكم أيضًا- معشرَ الرِّجال- نكاحُ ذواتِ الأزواجِ، أي: ما دُمْنَ في ذمَّةِ أزواجِهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/197- 198). .
إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
أي: ما عدا مَن ملَكتموهنَّ بالسَّبيِ في قتال الكفَّارِ، فإذا سبَيْتم الكافرةَ ذاتَ الزَّوج، حلَّ لكم وَطْؤُها، لكن بعد أنْ تُستَبْرأَ الاستبراء: طلبُ براءة رَحِم المرأةِ من الحَمْل، وتبيُّن هل هي حاملٌ أو لا. ((النهاية)) لابن الأثير (1/111)، ((المصباح المنير)) للفيومي (ص 46). ، وعلى ألَّا تكونَ مِن النِّساء المحرَّماتِ السَّابقِ ذِكرُهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/198). .
كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
أي: هذا التَّحريمُ فَرضٌ قد فرَضه اللهُ تعالى عليكم، فالزَموه، ولا تَخرُجوا عن حدودِه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/199). .
وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ
أي: أباح اللهُ تعالى لكم- أيُّها الرِّجال- نكاحَ ما عدا مَن حرَّمهنَّ عليكم من النِّساء، سواءٌ كان بعقدٍ أو مِلكِ يمينٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/582)، ((تفسير ابن كثير)) (2/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/199-202). قال ابن عثيمين: (هنا أربعُ مُحرَّمات: العَمَّة من الرَّضاع، والخالة مِن الرَّضاع، والجمْعُ بين المرأة وعمَّتها، والجمْعُ بين المرأة وخالتها، وكل ذلك ممَّا جاءت به السُّنة، فيكون مُخصِّصًا لعموم قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/200). .
أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ
أي: حلالٌ عليكم- أيُّها الرِّجالُ- أن تطلُبوا بأموالِكم نكاحَ مَن سِوى المحرَّماتِ من النِّساء- إمَّا نكاحًا بصداقٍ معلومٍ، أو تسرِّيًا بشراءِ السَّراريِّ- والحال أنَّكم تريدون إعفافَ أنفسِكم وزوجاتِكم عن الحرامِ، غيرَ قاصدينَ الوقوعَ في الزِّنا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/583-584)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/35)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/202-203). .
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
أي: فمَن نكحتموهنَّ نكاحًا شرعيًّا دائمًا فاستمتعتم بجِماعهنَّ، فآتوهنَّ مهورهنَّ في مقابلِ تلك المتعةِ، وذلك فرضٌ فرَضه اللهُ تعالى عليكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/584، 588)، ((تفسير ابن كثير)) (2/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174). وذكَر السعديُّ معنًى آخَرَ لـفَرِيضَة، وهو: مُقدَّرة قد قدَّرتموها؛ فوجبتْ عليكم. .
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ
أي: ولا حرَجَ عليكم- أيُّها الأزواجُ والزَّوجاتُ- فيما تراضَيْتم به، من زيادةٍ على المهر أو نقصٍ، أو إعفاءٍ منه، أو تأخيرٍ له، من بعدِ فرضِ الصَّداقِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/591)، ((تفسير ابن كثير)) (2/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/204). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك علمُه بما يُصلِحُكم- أيُّها النَّاس- في مَناكحِكم، وهو سبحانه الَّذي يضعُ كلَّ شيءٍ في موضعِه اللَّائقِ به بلا خلَلٍ ولا زلَلٍ، ومِن ذلك: هذه الأحكامُ الَّتي شرَعها ممَّا يتعلَّقُ بأمورِ النِّكاح يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/591)، ((تفسير ابن كثير)) (2/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/204-205). .
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ سبحانه وتعالى مَن يحلُّ ومَن لا يحلُّ، بيَّن فيمن يحلُّ أنَّه متى يحلُّ، وعلى أيِّ وجهٍ يحلُّ، فعطف اللهُ تعالى قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء: 25] على قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: 24] تخصيصًا لعمومه بغيرِ الإماء، وتقييدًا لإطلاقِه باستطاعةِ الطَّولِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/46). ((تفسير ابن عاشور)) (5/12). .
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
أي: ومَن لم يكُنْ لَدَيهِ منكم- معشرَ الرِّجال- سَعةٌ وقدرةُ على تقديمِ مهرٍ كافٍ لنكاحِ الحرائرِ المؤمناتِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/594-595)، ((تفسير ابن كثير)) (2/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/216). .
فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
أي: فليتزوَّجْ مِن الإماءِ المؤمناتِ اللَّاتي يملِكُهنَّ سواهُ من المؤمنين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/595-601)، ((تفسير ابن كثير)) (2/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/216-217). .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ
أي: إنَّ اللهَ تعالى أعلمُ بإيمانِ مَن آمَن منكم، فيعلَمُ ما إذا كان أولئك الإماءُ اللَّاتي تريدون نكاحَهنَّ مؤمناتٍ حقًّا أم لا، وأمَّا أنتم فليس لكم إلَّا الظَّاهرُ، فَكِلُوا سرائرَهنَّ إلى الله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/601-602)، ((تفسير ابن كثير)) (2/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/217-218). قال ابنُ عطيَّة: (قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ معناه: أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله، وإنما هذا لئلا يستريب متحير بإيمان بعض الإماء، كالقريبة عهد بالسباء، أو كالخرساء وما أشبهه. وفي اللفظ أيضا تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض من الحرائر، أي: فلا تعجبوا بمعنى الحرية) ((تفسير ابن عطية)) (2/38). .
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي: إنَّ الجميعَ متساوونَ في البشريَّةِ، وكلُّهم بنو آدمَ؛ فالحرائرُ والإماءُ من هذه الجهة سواءٌ، فلا تأنَفوا من تزوُّجِ الإماءِ عند الضَّرورةِ يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/36)، ((تفسير ابن عطية)) (2/38)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/217-218). قال ابن عطية: (قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قالت طائفة: هو رفع على الابتداء والخبر، والمقصد بهذا الكلام أي إنكم أيها الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء، أكرمكم عند الله أتقاكم، فهذه توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها، أعلموا مع ذلك أن ذلك التهجين لا معنى له، وقال الطبري: هو رفع بفعل تقديره: فلينكح مما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير. وهذا قول ضعيف) ((تفسير ابن عطية)) (2/38). .
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
أي: فتَزوَّجوهنَّ بسماحِ ورضَا أسيادِهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/602)، ((تفسير ابن كثير)) (2/260-261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/218). .
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
أي: وأعطوهنَّ مهورَهنَّ بما شرَعه اللهُ تعالى، دون أن تبخَسوهنَّ شيئًا مِن مهورِهنَّ، أو تُماطِلوا في دَفعِه إليهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/602)، ((تفسير ابن كثير)) (2/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/218-219). قال النحاس في تفسير قوله تعالى: وآتوهن أجورهن: (فهذا باجماعٍ المهر) ((معاني القرآن)) (2/61). .
مُحْصَنَاتٍ
أي: فانكِحوهنَّ، والحالُ أنَّهنَّ عفيفاتٌ عن الزِّنا؛ فهذا شرطٌ من شروط نِكاحِهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/602)، ((تفسير ابن عطية)) (2/39)، ((تفسير ابن كثير)) (2/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174). .
غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ
أي: غيرَ الزَّانياتِ علانيةً، اللَّاتي لا يمتنِعْنَ مِن أحَدٍ أرادهنَّ بالفاحشةِ يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/39)، ((تفسير ابن كثير)) (2/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174). .
وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ
أي: ولا تنكِحوا أيضًا الزَّوانيَ المتستِّراتِ، اللَّاتي يتَّخِذْنَ أخلَّاءَ وأصدقاءَ لاقترافِ الزِّنا معهم خفيةً يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/602)، ((تفسير ابن عطية)) (2/39)، ((تفسير ابن كثير)) (2/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174). .
فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ
القِرَاءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ [النساء:25] قراءتان:
1- قِراءة (أَحْصَنَّ)- بفَتحِ الألِفِ والصَّادِ على البِناءِ للفاعلِ- على مَعنى: أنَّ الإماءَ إذا أسلَمْنَ أَحصَنَّ فُروجَهنَّ بالإسلام، أي: أعْفَفْنَها، وقيل: أَحصَنَّ أنفُسَهنَّ بالتزويجِ، بإسنادِ الفِعْلِ إليهنَّ قرأ بها حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 212).  ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 198)، ((الكشف)) لمكي (1/385). .
2- قِراءة (أُحْصِنَّ) على صِيغةِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه -والفاعِلُ هو الأزواجُ- على جَعْلِ الإماءِ مَفْعولاتٍ بإحْصانِ أزواجِهنَّ إيَّاهنَّ، وقيل: إنَّه بمعنى أسلمْنَ فأَحصَنَّ أنفُسَهنَّ بالإسلامِ قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 212).  ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 198)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/301). .
فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ
أي: فإن أُحصِنَ الإماءُ بالزواج، ثمَّ وقَعْنَ في الزِّنا واختار أن الإحصان هنا: الزواج: ابن كثير في ((تفسيره)) (2/262)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (5/16)، وابن عثيمين في ((تفسير سورة النساء)) (1/220-221). وقيل المراد: الإحصان بالإسلام أو بالنكاح، وهو اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (6/612)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 174). .
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ
أي: فعليهنَّ من الحدِّ نصفُ ما على الحرائرِ، اللَّاتي زَنَيْنَ قبل الإحصان بالزَّواجِ، فيكون على الإماءِ خمسونَ جَلدةً يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/612-613)، ((تفسير ابن كثير)) (2/262، 265)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/221). قال ابن عطيَّة: (الرجم لا يتنصَّف، فلم يردْ في الآية بإجماع) ((تفسير ابن عطية)) (2/39). .
ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
أي: ذلك الَّذي أباحَه اللهُ تعالى لكم- مَعشرَ الرِّجال- مِن نِكاحِ الإماءِ المؤمناتِ العفيفاتِ، إنَّما أباحه جلَّ وعلا لِمَن شقَّ عليه منكم الصَّبرُ عن الجِماعِ، فخاف الوقوعَ في الزِّنا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/614، 616)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/37)، ((تفسير ابن كثير)) (2/266)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/18). قال ابن جرير: (وقد عمَّ الله بقوله: لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء: 25] جميع معاني العنت, ويجمع جميع ذلك الزنا؛ لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا بما يعنت بدنه, ويكتسب به إثما ومضرة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهل التأويل الذي هم أهله, على أنَّ ذلك معناه) ((تفسير ابن جرير)) (6/616). وقال الرازي: (ولم يختلفوا في أن ذلك راجعٌ إلى نكاح الإماء) ((تفسير الرازي)) (10/53). .
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ
أي: وصبرُكم- أيُّها الرِّجالُ- عن نِكاحِ الإماء، إلى أن يتيسَّرَ لكم نكاحُ الحُرَّةِ، أفضلُ لكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/616-617)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/18)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/225). قال ابن عاشور معلِّلًا الأمر بالصبر: (لئلا يوقع أبناءه في ذل العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجه) ((تفسير ابن عاشور)) (5/18). .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي: إنَّ اللهَ تعالى غفورٌ لِمن تزوَّج الإماءَ؛ إذ تجاوَز عن الإثمِ، فأباح نكاحَهنَّ بشروطِه رفعًا للحَرَج، وهو الرَّحيمُ، الَّذي وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ، ومن ذلك تشريعُه لنكاحِ الإماءِ، فلم يُضيِّقْ على عبادِه، بل وسَّع عليهم غايةَ السَّعةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/616)، ((تفسير ابن عطية)) (2/39)، ((تفسير السعدي)) (ص: 175)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/18)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/225). .

الفوائد التربوية:

1- استعمالُ ما يكون سببًا لقَبولِ الحُكم، وهو ما يُمكنُ أن نُعبِّرَ عنه بتخفيفِ الأمر على المحكوم عليه؛ لقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؛ وذلك أنَّ العربَ كانوا يأنَفون أنَفةً كبيرة بالنسبةِ للأرقَّاء، ويرَوْن أنَّ مَن نكح رقيقةً فقد أتى شيئًا فاحشًا عظيمًا، ويقولون: الرَّقيقةُ مملوكةٌ، والبعيرُ مملوكٌ؛ ولهذا أرشَد الله إلى هذا الأمر بقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؛ لتهوينِ الأمرِ على النَّاس، فيؤخَذُ مِن هذا أنَّه ينبغي للمتكلِّمِ أن يخاطِبَ المخاطَبَ بما يهوِّنُ عليه الحُكمَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/231). .
2- قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ: الحكمةُ في ذِكرِ هذه الكلمة أنَّ العربَ كانوا يفتخرون بالأنسابِ، فأعلَمَ في ذِكر هذه الكلمةِ أنَّ اللهَ لا ينظُرُ ولا يلتفِتُ إليه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/49). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:

1- إثبات الرِّقِّ؛ لقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وهذا أمرٌ مجمَعٌ عليه بين المسلمين، ولا يمكن لأحدٍ الإنكارُ؛ لأنَّه في القرآن، وفي السُّنَّةِ، وبإجماعِ المسلمينَ، ولكنْ لا يجوز أن يُسْتَرَقَّ الإنسانُ لأيِّ سببٍ، بل لا بدَّ من سببٍ شرعيٍّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/205). .
2- صِحَّةُ إطلاقِ البعض على الكلِّ؛ لقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ؛ لأنَّ «أيمان» جمعُ «يمين» وهي اليدُ، والمِلك في الحقيقة مِلكٌ للإنسان كلِّه، لكن عبَّر باليمينِ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ الأخذَ والإعطاءَ يكونُ بها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/206). .
3- كتابُ الله سبحانه ينقسِمُ إلى قسمين: كتابٍ شرعيٍّ؛ كما في قوله تعالى في هذا الموضع: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وكما في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: 183] ، وكتابٍ كَوْنيٍّ؛ كما في قوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: 29] ، أي: الكتاب القدريَّ، وكما في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/206). .
4- أنَّ المحلَّلاتِ من النِّساء أكثرُ من المحرَّماتِ، ويُؤخَذُ من قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، ووجهُ ذلك: أنَّه حصَر المحرَّماتِ، وعمَّمَ في المُحلَّلاتِ؛ لذا فمَن ادَّعى تحريمَ امرأةٍ فعليه الدَّليلُ، فلو خطَب إنسانٌ امرأةً، فقال له بعضُ النَّاس: إنَّ هذه المرأةَ مِن المحرَّماتِ عليك، فلا بدَّ أن يُقيمَ دليلًا على ذلك؛ لأنَّ المحرَّماتِ محصوراتٌ، والمحلَّلاتِ الأمرُ فيهنَّ مُطلَقٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/206، 207). .
5- وجوبُ بذلِ المال في النِّكاح ؛ لقوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ وقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/207). .
6- تحريمُ المتعة؛ لقوله تعالى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وصاحبُ المتعةِ لا يريد الإحصانَ، بل إنَّه يريد السِّفاح؛ لأنَّ مَن أراد الإحصانَ فإنَّ الإحصانَ لا يحصُلُ إلَّا بالملازمةِ، وزواجُ المتعة إنَّما هو للسِّفاحِ فقط، أي: لسَفْحِ هذا الماءِ الَّذي ضيقَ عليه؛ ولذلك فلا يثبُتُ به شيءٌ من أحكام النِّكاحِ؛ فليس فيه طلاقٌ، ولا نسَبٌ، ولا عِدَّة، ولا إحصانٌ، فكلُّ أحكام النِّكاح لا تترتَّبُ عليه، حتَّى عند القائلين بجوازه، فدلَّ هذا على أنَّه سِفاحٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/209). .
7- في قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ تسميةُ المهرِ أجرًا، ووجهه: أنَّه عِوَضٌ في مقابلِ منفعةٍ، لا في مقابل عَينٍ، فلو كان في مقابل عينٍ لسُمِّي بيعًا، لكنَّه في مقابلِ المنفعة، وهو استمتاعُ الزَّوج بالزَّوجة، فصار مِثلَ الإجارة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/214). .
8- في قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أنَّ المهرَ لازمٌ كلزومِ الأُجرة على المستأجِر، ولكن إذا سمَح مَن له الحقُّ فإنَّه يسقُطُ؛ لقوله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: 237] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/214). .
9- وجوبُ إيتاءِ النِّساءِ مهورَهنَّ؛ لقوله: فَرِيضَةً أي: مفروضًا عليكم أن تؤتوهنَّ أجورَهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/215). .
10- أنَّه إذا تراضى الزَّوجُ والزَّوجة على زيادةٍ أو نَقْصٍ أو إسقاطٍ، فلا حرجَ؛ لقوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ، ونأخُذُ مِن ذلك قاعدةً مهمَّةً، وهي: (أنَّ ما أوجَبه اللهُ عزَّ وجلَّ لحقِّ الإنسانِ، وأسقَط هذا الإنسانُ- صاحبُ الحقِّ - حقَّه، فلا إثْمَ على مَن لم يقُمْ به) يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/215). .
11- الحثُّ على تزوُّجِ الحرائرِ المؤمناتِ، ووجهُ ذلك: أنَّ اللهَ لم يرخِّصْ في العدولِ عن نكاحِهنَّ إلَّا لحاجةٍ وعُذرٍ؛ لقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/227). .
12- يستفاد من قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ نقْصُ مرتبةِ الرِّقِّ عن مرتبة الحرِّيَّة، وهو كذلك؛ فإنَّ الرَّقيقَ مملوكٌ يُباعُ ويُشتَرى، ولا يملِكُ نفسَه، حتَّى إنَّه إذا قُتِل فإنَّ دِيَتَه قيمَتُه وليس دِيَةَ حُرٍّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/229). .
13- أنَّه لا يحِلُّ لِمَن لا يَجِدُ طَوْلَ الحُرَّةِ المؤمنةِ أنْ يَتزوَّجَ أمَةً كتابيَّةً، ويُؤخَذُ من قولِه: فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ، أي: فلا يحِلُّ أن يتزوَّجَ أمَةً كتابيَّة، وإذا لم يعجِزْ عن طَوْلِ الحُرَّة المؤمنةِ، فلا يتزوَّجُ أمَةً كتابيَّةً من بابِ أَوْلى، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ الأمَةَ الكتابيَّةَ لا يحِلُّ للمؤمِنِ تزوُّجُها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/229). .
14- في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... أمَر الله بنكاح الإماءِ عند العجزِ عن الحرائرِ، وكانوا في الجاهليَّةِ لا يرضَوْنَ بنكاحِ الأمَة وجعْلِها حَليلةً، ولكن يقضُون منهنَّ شهواتِهم بالبِغاءِ، فأراد الله إكرامَ الإماءِ المؤمناتِ، جزاءً على إيمانهنَّ، وإشعارًا بأنَّ وَحدةَ الإيمانَ قرَّبتِ الأحرارَ من العبيدِ، فلمَّا شرَعَ ذلك كلَّه ذيَّله بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ، أي: بقوَّتِه، فلمَّا كان الإيمانُ هو الَّذي رفَع المؤمنينَ عند الله درجاتٍ، كان إيمانُ الإماءِ مقنِعًا للأحرارِ بتركِ الاستنكافِ عن تزوُّجِهنَّ؛ ولأنَّه رُبَّ أمَةٍ يكونُ إيمانُها خيرًا من إيمانِ رجلٍ حرٍّ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/15). .
15- تحريم اتِّخاذِ الأخدان من الرِّجال؛ لقوله: وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ، وحتَّى لو لم يحصُلِ الزِّنا؛ فإنَّ اتخاذَ الأخدان- يعني: الأصحاب والأصدقاء- سببٌ للزِّنا؛ ولهذا نُهِيَ عن الخَلوة بالمرأة خوفًا من ذلك، ونُهِيَ أن تخضَعَ بالقولِ خوفًا من ذلك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/233). .
16- في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... أنَّه لا يجوز للحرِّ المُسلمِ نكاحُ أمَةٍ إلَّا بأربعةِ شروطٍ ذكَرها الله: إيمانهن- فلا يجوز التَّزوُّجُ بالأمَةِ الكتابيَّة، سواءٌ كان الزَّوجُ حرًّا أو عبدًا- والعفَّة ظاهرًا وباطنًا، وعدم استطاعة طَوْلِ الحُرَّة، وخوفُ العَنَتِ، فإذا تمَّتْ هذه الشُّروطُ جاز له نكاحُهنَّ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/49)، ((تفسير السعدي)) (ص: 174). .
17- الرُّجوعُ إلى العُرف، وتؤخَذُ من قوله: بِالْمَعْرُوفِ، وهذه قاعدةٌ للشَّيء الَّذي لم يحدِّدْه الشَّرع؛ أن نرجعَ فيه إلى العُرفِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/232). .
18- أنَّه لا حدَّ على الأمَةِ إلَّا بعد الإحصانِ؛ لقوله: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ، أي: فإن زنَتْ قبل الإحصانِ فلا حدَّ عليها، وإنَّما تُجلَدُ جَلدَ تعزيرٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/233). .
19- أنَّه لا رجْمَ على الأمَة إذا زنَتْ ولو بعد أن تتزوَّجَ، وجهُ ذلك: أنَّ الرَّجمَ لا يتنصَّفُ، والله عزَّ وجلَّ قال: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ؛ ولهذا اشترط العلماءُ للرَّجمِ أن تكونَ الزَّانيةُ حُرَّةً يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/234). .
20- في قوله تعالى: ... فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ... حُسْنُ التَّرتيبِ في سياق القرآن؛ لأنَّ اللهَ سبحانه ذكَر مسألة الزِّنا بين الشُّروطِ في نكاح الأمَةِ، للإشارةِ إلى أنَّ عند الأمَة مِن دنوِّ المنزلةِ ما لا يمنَعُها من الزِّنا، فهذا من حكمةِ النَّهيِ عن نكاحِ الإماءِ إلَّا بالشُّروطِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/235). .
21- الصَّبر عن نكاحِ الإماء أفضلُ؛ وهذا إذا أمكَن الصَّبرُ، فإن لم يمكِنِ الصَّبرُ عن المحرَّمِ إلَّا بنكاحِهنَّ وجَب ذلك؛ ولهذا قال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 174). .
22- قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.... وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ دالٌّ على التَّحذيرِ من نكاحِ الإماءِ، وأنَّه لا يجوزُ الإقدامُ عليه إلَّا عند الضَّرورةِ، وذلك لهذه الأسباب:
 السَّبب الأوَّل: أنَّ الولدَ يتبَعُ الأمَّ في الرِّقِّ والحرِّيَّة، فإذا كانت الأمُّ رقيقةً عُلِّقَ الولدُ رقيقًا، وذلك يوجِبُ النَّقصَ في حقِّ ذلك الإنسانِ وفي حقِّ ولدِه، والثَّاني: أنَّ الأمَة قد تكون تعوَّدت الخروجَ والبُروزَ والمخالطةَ بالرِّجال، وصارت في غايةِ الوقاحةِ، وربَّما تعوَّدت الفجورَ، وكلُّ ذلك ضررٌ على الأزواجِ، الثَّالث: أنَّ حقَّ المولى عليها أعظمُ مِن حقِّ الزَّوجِ، فمِثلُ هذه الزَّوجة لا تخلُصُ للزَّوج كخُلوصِ الحُرَّة، فربَّما احتاج الزَّوجُ إليها جدًّا ولا يجِدُ إليها سبيلًا؛ لأنَّ السَّيِّدَ يمنَعُها ويحبِسُها، الرَّابع: أنَّ المولى قد يبيعُها من إنسانٍ آخرَ، فعلى قولِ مَن يقولُ: بيعُ الأمَةِ طلاقُها، تصير مطلَّقةً، شاء الزَّوجُ أم أبى، وعلى قول مَن لا يرى ذلك فقد يسافِرُ المولى الثَّاني بها وبولدِها، وذلك مِن أعظمِ المضارِّ، الخامس: أنَّ مهرَها مِلكٌ لمولاها، فهي لا تقدِرُ على هِبةِ مهرِها من زوجها، ولا على إبرائِه عنه، بخلاف الحُرَّةِ؛ فلهذه الوجوهِ ما أذِن اللهُ في نكاح الأمَةِ إلَّا على سبيل الرُّخصةِ، واللهُ أعلم يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/48). .
23- أنَّ المباحَ قد يكون مستويَ الطَّرفينِ، كما هو الأصل، وقد يكون مرجوحًا، كما هنا؛ لأنَّ اللهَ تعالى أحلَّ لنا نكاحَ الإماء بالشَّرطينِ، لكن قال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/236). .
24- أنَّ الأمر بالشَّيء قد يُستفادُ من الثَّناءِ على فاعله؛ لقوله: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ، فكأنَّه قال: اصبِروا، لكنَّه جعله على وجهِ التَّرغيبِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/236). .
25- صيَّر الفقهاء هذه الآية فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة ٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ أصلًا في نُقصانِ حُكمِ العبدِ عن حُكمِ الحُرِّ في غير الحدِّ، وإن كان في الأمورِ ما لا يجبُ ذلك فيه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/53). .

بَلاغةُ الآيتين:

1- قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ: عطفٌ على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ... إلخ، وتوسيطُ قوله تعالى: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24] بينهما؛ للمبالغةِ في الحَمْلِ على المحافظةِ على المحرَّماتِ المذكورةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/164). .
- وعلى قِراءة (وأَحَلَّ لَكَمْ) بالبِناءِ للفاعل؛ فالضَّميرُ المستتِرُ عائدٌ إلى اسمِ الجلَالةِ من قوله: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فيكون فيه إسنادُ التَّحليلِ إلى اللهِ تعالى إظهارًا للمنَّةِ؛ ولذلك خالَف طريقةَ إسنادِ التَّحريم إلى المجهولِ في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ؛ لأنَّ التَّحريم مشقَّةٌ؛ فليس المقامُ فيه مقامَ منَّةٍ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/7). .
- قوله: مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ: إشارة إلى ما ذُكِرَ من المحرَّماتِ المعدودة، وفيه إيثارُ التَّعبيرِ باسمِ الإشارة ذَلِكُمْ على التَّعبيرِ بالضَّميرِ؛ حيث لم يقُل (مَا وَرَاءَهُ)، واسمُ الإشارةِ يدلُّ على ذاتِ المشارِ إليه ووَصْفِه، والضَّميرُ يدلُّ على الذَّات فقط؛ فلعَلَّ في هذا تَذكيرًا بما في كلِّ واحدةٍ مِنَ النِّساءِ المحرَّمات مِنَ الصِّفة التي عليها يَدورُ حُكمُ الحُرمةِ؛ فيُفهَم مشاركةُ مَن في مَعناهنَّ لهنَّ فيها بطَريقِ الدَّلالةِ؛ كحُرمةِ الجمْع بينَ المرأةِ وعمَّتها وبَينَها وبين خالتِها؛ فإنَّها ليستْ بطريقِ العِبارة، بل بطريقِ الدَّلالةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/164). .
2- قوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ: فيه طباقٌ؛ إذ المُحْصَن الَّذي يمنَعُ فَرْجَه، والمسافِحُ الَّذي يبذُله يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/607). ، وهو يُبرِز المعنى ويوضِّحه، مع ما فيه مِن التَّأكيدِ.
3- قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ في قوله: مِنَ النِّسَاءِ احتراسٌ؛ إذ المُحصَنات قد يُراد بها الأنفُس المحصَناتُ، فيدخُل تحتَها الرِّجالُ، فاحترز عن ذلِك بقوله: مِنَ النِّسَاءِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/607). .
- وفيه: إطلاقُ المُحصناتِ على النِّساء اللَّاتي يتزوَّجُهنَّ الرِّجال، باعتبار المآلِ الَّذي يُصار إليه، أي: اللَّائي يَصِرْن مُحْصَناتٍ بذلك النِّكاح يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/13). .
- وفيه وصفُ المُحَصنات بالمؤمناتِ؛ جريًا على الغالِبِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/13). .
4- قوله: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ الإضافة في قولِه: أَيْمَانُكُمْ وقوله: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ للتَّقريبِ وإزالةِ ما بقِيَ في نفوسِ العربِ من احتقارِ العبيدِ والإماءِ، والتَّرفُّعِ عن نكاحِهم وإنكاحِهم، وكذلك وصْفُ المؤمناتِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/14). .
- وقوله: الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، ومِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ فيه تَكرارُ لَفْظِ (المؤمنات) يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/606). ؛ للتَّأكيدِ على وصْف الإيمان.
5- قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ: جملةٌ مُعترِضة جيءَ بها لتأنيسِهم بنِكاحِ الإماء، واستنزالِهم مِن رُتبةِ الاستنكافِ منه، ببيان أنَّ مناطَ التَّفاضُل ومدارَ التفاخرِ هو الإيمانُ دون الأحسابِ والأنسابِ ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/500)، ((تفسير البيضاوي)) (2/69)، ((تفسير أبي حيان)) (3/607)، ((تفسير أبي السعود)) (2/167)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/15). .
6- قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ: تذييلٌ ثانٍ، أكَّد به المعنى الثَّانيَ المراد من قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/15). .
7- قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: جاءتْ خاتمةً للآية، وهذا كالمؤكِّد لِمَا ذكَره مِن أنَّ الْأَوْلى تركُ هذا النِّكاح، يعني: أنَّه وإنْ حصَلَ ما يَقتضي المنعَ مِن هذا الكلام، فإنَّه تعالى أباحه لكم؛ لاحتياجِكم إليه، فكان ذلك من بابِ المغفرةِ والرَّحمةِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/53)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/18). .
- وفيه مبالغةٌ في وصفِ المغفرةِ والرَّحمة يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/168). ، مع ما في الجملة الاسميَّة من التَّأكيدِ والدَّلالةِ على الثُّبوت والدَّوام، وما في إظهارِ الاسمِ الجَليل مكانَ الإضمارِ من تربية المَهابة.