موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (233 - 242)

ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ

غريب الكلمات:


حَوْلَيْنِ: مثنَّى حَوْل، وهو العام، وأصله: تحرُّك في دَور، وقيل للعام: حولٌ؛ لأنَّه يَحولُ، أي: يدور [2152] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/121)، ((المفردات)) للراغب (ص: 267)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 110). .
وُسْعَهَا: أي: طاقتها، وقُدرتها [2153] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 89)، ((المفردات)) للراغب (ص: 870). .
فِصَالًا: فطامًا، وهو التَّفريق بين الصَّبيِّ والرَّضاع؛ يقال: فَصَلتُ الصبيَّ؛ إذا فطمته، ومنه قِيل لولد الناقة إذا قُطِع عن الرَّضاع: فصيل؛ لأنه فُصِل عن أمِّه. وأصل الفَصْل: التفريق، وإبانةُ أحدِ الشَّيئين من الآخَر حتى يكون بينهما فُرجة [2154] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 89)، ((المفردات)) للراغب (ص: 638)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 34). .
عَرَّضْتُمْ: التَّعْرِيضُ: الإيماءُ والتَّلويح، من غير كَشْفٍ ولا تصريح [2155] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/274)، ((المفردات)) للراغب (ص: 560)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 34)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 132). .
أَكْنَنْتُمْ: سترتُم، وأَضْمَرتُم، مِن أكننتُ الشيء، أي: سترتُه وصُنته [2156] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 726)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 34)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 132). .
تَعْزِمُوا: أي: تُوَاقِعوا وتُمضوا، مِن العَزْم والعَزيمة: وهو عقْد القلْب على إمضاء الأمْر [2157] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 90)، ((المفردات)) للراغب (ص: 565). .
عُقْدَة: اسم لِمَا يُعقد من نِكاح أو يمين أو غيرهما، وعقْدة كلِّ أمْر: إيجابه وتوثيقه. وأصلُه: الشَّدُّ، وشِدَّة الوثوق [2158] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/86)، ((المفردات)) للراغب (ص: 577)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 111). .
قَانِتِينَ: مُداومين على الطاعة، والقنوت: دوام الطَّاعة، ولزومها مع الخضوع؛ وأصل قنَت: يدلُّ على طاعةٍ وخيرٍ في دِين [2159] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 382)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 378)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/31)، ((المفردات)) للراغب (ص: 684)، ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/5 وما بعدها)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 702). .
فَرِجَالًا: أي: مُشَاةً؛ جمْع رَاجِل، اشتُقَّ من الرِّجْل للماشي برِجْله [2160] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92)، ((المفردات)) للراغب (ص: 344). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: لا تُضارَّ والدةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ:
لا تُضارَّ: على قراءة فتح الراء مع التَّشديد؛ فـ(لا) ناهية جازمة، و(تضار) مضارع مجزوم، وسُكِّنت الراء الأخيرة للجزم، وقبلها راء ساكنة مُدغمة فيها، فالْتقى ساكنان؛ فحُرِّكت الثانية بالفتح؛ لأجْل الألفِ قبلها. وعلى قراءة رفْع الراء مشدَّدة: فـ(لا) نافية لا عَملَ لها، و(تضارُّ) فعل مضارع مرفوع؛ لأنَّه لم يدخلْ عليه ناصب ولا جازم.
وأصل (تضارَّ): تضارر، ويحتمل في الرَّاء الأولى منه الفتح (تُضارَر) فيكون الفعل مبنيًّا للمفعول، وتكون (والدةٌ) مفعولًا لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، وحذف الفاعل للعلم به. ويحتمل أن تكون الراء مكسورة (تُضارِر) فيكون الفعل مبنيًّا للفاعل، وتكون (والدةٌ) حينئذٍ فاعلًا، والمفعول على هذا الاحتمال: محذوف، تقديره: لا تُضارِر والدةٌ زوجَها بسبب ولدِها. ولا يُضارِر مولودٌ له زوجتَه بسببِ ولده [2161] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/130)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/185)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/467-468). .
2- قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ... مَتَاعًا: متاعًا: منصوب على أنَّه اسم مصدر لفِعلٍ محذوف دلَّ عليه ما قبله (متعوهن)، والتقدير: متعوهنَّ متاعًا. واسم المصدر (متاعًا) جرى مجرَى المصدر (تَمتيع).
ويجوزُ نصبُه على أنه حالٌ من الضَّمير المستكنِّ في (على الموسِع)، والتقدير: قدرُ الموسع يستقرُّ عليه في حالِ كونه متاعًا [2162] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/132)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/189)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/490). .
3- قوله: فنِصفُ مَا فَرضتُم:
فنِصفُ: الفاء رابطة لجواب الشَّرط. ونِصف: مرفوعةٌ مبتدأ، والخبرُ محذوف، والتقدير: فعليكم نصفُ ما فرضتم. أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالواجبُ نصفُ...إلخ. وقُرئ بالنَّصب، على أنَّه مفعول به لفِعل محذوف، أي: فأدُّوا نِصفَ ما فرضتُم [2163] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/132)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/189)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/491). .
4- قوله: غيرَ إخراجٍ:
غيرَ: منصوب، على أنه نعت لـمَتَاعًا أو بدلٌ منه. أو منصوب على أنَّه حال من الزَّوجات، أو على أنَّه حال من الموصِين، والتقدير: غيرَ مخرجاتٍ، أو: غير مُخرِجين لهم. وقيل غير ذلك [2164] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/132)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/192)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/504). .

المعنى الإجمالي :


يُرشِد الله تعالى الأُمَّهات إلى أن يقُمنَ بإرضاع أولادهنَّ عامين تامَّيْن، إن اتفَّق مطلوب الأب والأمِّ، أو رغب أحدهما في إكمال الرَّضاعة، وفي حال قيامهنَّ بذلك فعلى الأب أن يُقدِّم للأمِّ ما يقوتها من طعام، وما يكسوها من ملبسٍ، بما يتَعارَف النَّاس عليه، ومن غير سرفٍ ولا إقتارٍ، فلا يُوجِب اللهُ على أحدٍ إلا ما أطاقه، وحرَّم اللهُ على الأمِّ أن ترفض إرضاعَ ولدها، أو تطلب أكثر من أُجرة مثلها إضرارًا بأبيه، وحرَّم كذلك على الأب أن يمنعها من إرضاع ولدها إضرارًا بها. وأوجب سبحانه على وارثِ الطفل الذي تُوُفِّي أبوه مثل ما على الأب من النَّفقة والكُسوة لوالدته وعدم الإضرار بها. وأباح الله للوالدين فطامَ المولود قبل انتهاء العامينِ إذا وقع ذلك عَقب تراضٍ منها على فطامِه وتشاورٍ، بحثًا عن مصلحة المولود. كما أباح الله تعالى للآباء أن يبتَغوا لأولادِهم مُرضعات غير أُمَّهاتهم إن كان لا يقصد الإضرار بهنَّ، وإنما لوجود سببٍ يقتضي ذلك، فلا حرج حينئذٍ في هذا الأمر إذا دفَع الوالد أُجرةَ المرضعة، وأوفاها حقَّها تامًّا غيرَ مماطل فيه. ثم يأمر تعالى بتقواه؛ بامتِثال أمْرِه، واجتناب نهيه، وأن يتيقَّنوا أنَّه لا يَخفى عليه شيء سبحانه.
وإذا تُوُفِّي الزَّوجُ فقد أوجب الله سبحانه على زوجتِه أن تعتدَّ من بعدِه، وذلك بحبْسها نفسَها عن الزواج والطيب والزينة والخروج من البيت لغير ضرورة، لمدَّة أربعة أشهر وعشرة أيام- وهذا لغير الحامل فإن عدَّتها تنتهي بوضعها للحمل- فإذا انقضَت هذه المدَّة فلا حرج حينها على أولياء المعتدَّة فيما تفعله في نفسِها من زينة وطيب، ونكاح حلال ونحوه مما أباحه الله تعالى لها. والله تعالى عالمٌ بالسرائر؛ فالتزموا بأحكامه ولا تخالفوها؛ فإنَّه مجازيكم على ذلك.
ولوجوبِ حبْس المعتدَّات أنفسَهنَّ عن النكاح فترة العدَّة لا يجوز للرجال التَّصريح لهنَّ بالنكاح، لكن لا حرجَ من التَّلميح لهنَّ من غير تصريحٍ بالرغبة في الزواج منهنَّ، كما أنَّه لا حرج أيضًا فيما انطوت عليه أنفسُ الرجالِ من العزم على نكاح المعتدَّات بعد انقضاءِ زمن عدَّتِهنَّ. فقد علِم الله أنَّهم سيذكرون لمن هنَّ في العدَّة رغبتهم في الزواج بهنَّ علانيةً، أو سيُضمِرون تلك الرغبة في أنفسهم، فرفَع الله الحرج عنهم في ذلك. ونهى الله عن إجراء عقد النكاح على المعتدَّات حتى تنتهي العدَّة، وحذَّر سبحانه مَن يخالفُ أمره مبيِّنًا أنَّه يعلم ما تُضمِره أنفسهم من الرغبة في نكاح المعتدَّات، فليحذروا إضمار نيَّةٍ مخالفة لأمره تعالى خوفًا من عقابه، ورغبةً في ثوابه. وليكونوا على يقين أيضًا من أن الله يستر ذنوبَ عباده ويتجاوز عنها، ولا يسارع بإيقاع العقوبات عليهم لذنوبهم مع قدرته على ذلك بل يمهلهم سبحانه، فلا يَيئسوا ولا يقنَطوا في حال مخالفتهم لِمَا يُرضي ربَّهم، بل عليهم أن يطلبوا منه سبحانه المغفرة.
ولا حرجَ ولا إثمَ على الرجال في طلاق النِّساء بعد العقد عليهنَّ، وقبل جماعِهنَّ والحال أنهم لم يوجبوا لهنَّ مهرًا محدَّدًا، لكن على الأزواج أن يعطوهنَّ ما يتمتَّعن به من أموالهم بحسب قدرتهم، وعلى ما يتعارف عليه النَّاس، جاعلًا سبحانه هذا الأمر أكثر تأكيدًا على مَن تحلَّى بالإحسان إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أنَّه لا حرجَ على الرِّجال إنْ طلَّقوا النساء قبلَ جِماعنَّ وقد حدَّدوا لهنَّ مهرًا، وبذلك يكون للمُطلَّقات نِصفُ المهر المحدَّد، إلَّا إذا تنازلْنَ عنه لأزواجهنَّ، أو عفا الأزواج عن النصف الآخر لهن، وأعطوهنَّ المهر كاملًا. ورغَّب الله تعالى كِلا الزوجين في التنازل، مخبرًا أنَّ مَن عفا عن نصيبه كان هو الأقربَ للتقوى. كما نهى سبحانه وتعالى الزوجين عن الغفلةِ عن الفضلِ والإحسان، وذلك بإعطاء أحدهما للآخر زيادةً على الحقِّ الواجب له من المهر؛ فإنَّ الله مطَّلعٌ على كلِّ أعمال البَشر، فمَن عفا منهم، فله أجرُه، وسيجزيه الله سبحانه على إحسانه بفضلِه وكرمه.
ثم أمَر سبحانه بالحفاظ على الصَّلواتِ المكتوبة عمومًا بالمداومة على أدائها في أوقاتها، والاهتمام بتأديتِها بشروطها وأركانها، وخصَّ بمزيد تأكيدِ صلاة العصر. آمرًا سبحانه أن يُداوِموا في صلواتِهم على الخشوعِ والطُّمأنينة وترك الكلام في غير ما أمر الله تعالى به فيها من الذِّكر والقرآن.
واستثناءً من الأمر بالقيام بخشوعٍ وطُمأنينة وتركٍ للكلام، ذكر سبحانه حُكم الصَّلاة حال الخوف، ففي هذه الحال عليهم أداء الصَّلاة على أيِّ حالٍ كانوا، سواء ماشينَ على أقدامهم أو راكبينَ على دوابِّهم، مستقبلي القبلةِ أو غير مستقبليها. فإذا زال عنهم الخوف فلْيُقِيموا الصَّلاة على صفتِها التامَّة التي علَّمهم الله إيَّاها من قبلُ، فإن تعليمَه سبحانه لهم ما لم يكونوا يعرفونه من قبل نعمةٌ تستحقُّ أن يُقابِلوها بالشكر، ومنه ذكره سبحانه في الصَّلاة وغيرها.
ثم ذكَر الله تعالى أنَّ على الأزواج أن يُوصُوا قبل وفاتهم إلى ورثتِهم بأن تمكث الزَّوجات في بيوت أزواجهن المتوفَّين مدَّة عام كامل يُمتَّعن فيها بالنفقة والسكنى في منازلهم، دون أن يخرجهنَّ أحدٌ منها. ولا حرج على أولياء الميت إن خرجن وتركنَ الحداد على أزواجهنَّ بأن تجمَّلنَ وتطيَّبنَ ورغِبنَ في النكاح وغير ذلك ممَّا لا يخرج عن حدود الشَّرع والعُرْف. والله عزيزٌ؛ لا يمنعه شيء من انتقامه ممَّن خالف أمره وارتكب نهيه، وحكيم جلَّ وعلا؛ فكلُّ ما شرعه من أحكامٍ في غاية الإتقان.
وهذه الآية منسوخةٌ حُكمًا عند الجمهور بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقيل: النفقة المذكورة هنا منسوخة بآية المواريث.
ثم أوجبَ الله تعالى على الأزواجِ أن يُعطوا مطلَّقاتهم ما يتمتَّعن به من كسوةٍ أو غيرها، بما يتعارَف عليه النَّاس وبما لا يخالف شرعَ الله عزَّ وجلَّ، وهذا أمرٌ ثابت على كل مَن طلَّق زوجته، وكما بيَّن الله ما سبق من الأحكام بوضوحٍ، يُبيِّن أيضًا باقي آياته وأحكامه بوضوح حتى يفهمها النَّاس ويعملوا بها.

تفسير الآيات:


وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233).
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.
أي: أَرْشدَ اللهُ عزَّ وجلَّ الوالدات المطلَّقاتِ إلى أن يرضعنَ أولادهنَّ؛ ذكورًا كانوا أو إناثًا، مدَّة سنتيْنِ تامَّتيْن، إنْ كان كلٌّ من الأب والأم، أو أحدهما يَنشُد كمالَ الرَّضاعة [2165] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/199-201، 210)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/430-431)، ويُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (34/63-68). وممن قال من بأنَّ المقصود بالوالدات هنا، المطلَّقات منهنَّ: مجاهد، والزهري، والربيع بن أنس، وسعيد بن جبير، والسدي، والضحاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/206)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/428)، وهو قول جمهور السلف. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/430-431). .
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا.
أي: على الوالدِ أن يدفعَ لأُمِّ أولاده ما يَقوتُها من الطَّعام، وما يكسوها من الملبسِ بما يجب لمثلِها على مِثله، ومن غير إسرافٍ أو إقتار، والله تعالى يعلم الغَنيَّ والفقير ومُتوسِّط الحال من خلقِه، ولا يُوجِب على الرِّجال من النفقة إلَّا ما أطاقوه ووجدوا إليه سبيلًا [2166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/211-213)، ((تفسير ابن كثير)) (1/634)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/144). .
قال تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: 6-7].
لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: لَا تُضَارَّ قراءتان:
1- لَا تُضَارُّ على أنَّها خبرٌ يُفيد النهيَ المتقرِّر، وهو أبلغُ من مجرَّد النهي [2167] قرأ بها ابنُ كثير، وأبو عمرو، ويعقوب. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/227). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/205)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 136)، ((الكشف)) لمكي (1/296). .
2- لَا تُضَارَّ أي على أنَّها نهي [2168] قرأ بها الباقون لَا تُضَارَّ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/227). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/205)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 136)، ((الكشف)) لمكي (1/296). .
لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا.
أي: يحرُمُ على الأُمِّ الإضرار بالأب، كأنْ تأبى إرْضاعَ مولودها، أو تطلُبَ أكثرَ من أجْرِ مِثلِها، ولا يَحِلُّ للأب أيضًا الإضرارُ بالأُمِّ، كأنْ يَنزِعَ الولدَ من أمِّه، مع رغبتِها في إرضاعه [2169] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/215-221)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/341-342)، ((تفسير القرطبي)) (3/167)، ((تفسير ابن كثير)) (1/634)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/433). .
وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ.
أي: ويحرُمُ على الأب أيضًا الإضرارُ بالأُمِّ، كأنْ ينزِعَ الولدَ من أمِّه، مع رغبتها في إرضاعه، ولا يَحِلُّ للأمِّ أيضًا الإضرارُ بالأب، كأنْ تأبى إرْضاعَ مولودها، أو تطلُبَ أكثرَ من أجْرِ مِثلِها [2170] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/215-221)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/341-342)، ((تفسير القرطبي)) (3/167)، ((تفسير ابن كثير)) (1/634)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/433). وقال الماورديُّ: (قال تعالى: وَلَا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وهو الأب في قول جميعهم، لا يَنزِع الولدَ من أمِّه؛ إضرارًا بها) ((تفسير الماوردي)) (1/300). .
وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ.
أي: إنَّ على وارث الطِّفل الذي مات أبوه، مِثلَ ما على الأبِ من النَّفقة والكُسوة لوالدته، وعدم الإضرار بها [2171] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/342)، ((تفسير ابن كثير)) (1/635)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/145). .
فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا.
أي: إذا أراد والدُ المولودِ ووالدتُه فِطامَه عن الرَّضاعة، إذا رَأَيَا ذلك قبل انقضاء نهايةِ عامَيِ الرَّضاعة وبعد وقوع تَراضٍ منهما وتشاورٍ ونظَر؛ هل في ذلك مصلحةٌ لمولودهما أم لا- فلا حرجَ حينئذٍ في ذلك ولا إثم [2172] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/235-240)، ((تفسير ابن كثير)) (1/635)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/145). .
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.
أي: إذا أردتم أن تطلُبوا لأولادكم مرضعاتٍ غيرَ أمهاِتهم، على غير قصْد الإضرار بهنَّ، وإنَّما لأسبابٍ تدعو لذلك، كأن تعترضَ الأمُّ على أجرة إرضاع ولدها، ويمتنع الرجلُ من دفْع ما تطلبه، فتمتنع من إرضاعه، فلا حرجَ حينئذٍ ولا إثم على الوالدين في ذلك، إذا دفَع الوالد أجرةَ الرَّضاعة المتَّفقَ عليها للمرضعةِ فأوفاها حقَّها من غير نقصٍ ولا مماطلة [2173] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/240-246)، ((تفسير ابن كثير)) (1/635)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/440)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/149-150)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/146). .
وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
أي: امتثِلوا ما أمَرَكم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك تلك الحقوق المذكورة في الآيات السَّابقة المتعلِّقة بالأزواج وأولادهم؛ وليكن معلومًا لديكم، علمًا يقينيًّا أنَّ الله تعالى لا يَخفى عليه شيء، فهو يراكم وينظُر ماذا تعملون، فيحفظ أعمالَكم ويُجازيكم عليها؛ فلْيَحذَر العبدُ من أن يراه ربُّه ومولاه حيث نهاه، أو يفقده حيثُ أمره ووصَّاه [2174] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/246)، ((تفسير ابن كثير)) (1/635)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/146). .
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا بيَّن الله تعالى عدَّة الطلاق وما اتَّصل بذلك من أحكام الإرضاع عقبَ الطَّلاق، أردفَ ذلك ببيان عدَّة الوفاة، فقال سبحانه [2175] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/441). :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
أي: إذا تُوفِّي الزَّوج، فيجبُ على زوجته أن تَعتدَّ من بعده، فتَمكُثَ حابسةً نفْسَها عن الزَّواج مُدَّةَ أربعة أشهر وعَشرةَ أيَّام [2176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/247-248)، ((تفسير ابن كثير)) (1/635-636)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/150-151)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/153-155). ويُخَصُّ من عموم حُكم هذه الآية: الحامل؛ فعِدَّتُها بوضع حملِها كما في قوله تعالى في سورة الطلاق: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ولو كان وضعها قبل تمام الأربعة الأشهر وعشرة أيَّام. .
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
أي: إذا انقضت مدَّة عدَّة المرأة المتوفَّى عنها زوجها، فلا حرج على أوليائها فيما تفعله في نفسها من تزيُّن وتطيُّب ونِكاح حلال، وغير ذلك ممَّا أباحه الله تعالى لها [2177] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/259)، ((تفسير ابن كثير)) (1/637-638)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/155). .
وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى عالِمٌ  ببواطنكم، ومطَّلعٌ على حقائق أعمالكم؛ فأقِيمُوا أحكامه ولا تخالفوها، فإنَّه مجازيكم عليها [2178] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 104)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/155). .
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا تضمَّنتِ الآياتُ السابقة أحكامَ عِدَّة الطلاق وعِدَّة الوفاة، وعُلِم من الآيات أنَّ التزوُّج في مدة الأجَل حرام، ولَمَّا كان التحدُّث في التزوُّج إنما يَقصد منه المتحدِّث حصولُ الزَّواج، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خِطبة المعتدة ومواعدتها؛ حرصًا على الاستئثار بها بعد انقضاء العدة، فبيَّنت الشريعة لهم تحريمَ ذلك، ورخَّصت في شيء منه؛ ولذلك قال تعالى [2179] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/450). :
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ.
أي: لا حرَج عليكم- أيُّها الرِّجالُ- أن تَذكُروا للنِّساء المعتدَّات من وفاة أزواجهنَّ في كلامِكم ما يُشير ويُلمِّح لهنَّ من غير تصريحٍ إلى الرغبة في الزواج بهنَّ، ولا حرجَ عليكم كذلك فيما انطوت عليه قلوبُكم أثناءَ عدَّتهنَّ، من عزم نكاحهنَّ [2180] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/261-271)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 174)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 173)، ((تفسير ابن كثير)) (1/639)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/159). .
عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا.
أي: علِم الله أنَّكم ستذكرون للمعتدَّات رغبتَكم في الزواج بهنَّ علانيةً بألسنتكم، أو تُضمِرون ذلك في أنفسكم؛ فأذِن لكم بذلك، ورفَع الحرج عنكم فيه، ونهى الله سبحانه عن التَّصريحِ لهنَّ بالرَّغبة في نِكاحهنَّ، ولكن أحلَّ لهم أن يُلمِّحوا إليهنَّ ويُشيروا فحسْبُ برغبتهم في نكاحهنَّ [2181] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 174)، ((تفسير ابن عطية)) (1/316)، ((تفسير القرطبي)) (3/190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/453-454)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/160،  163). .
وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
أي: لا تقوموا بإجراء عقد النِّكاح على المعتدَّات حتى تنتهي عِدَّتهنَّ [2182] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/284)، ((تفسير ابن كثير)) (1/640)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/454)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/160-161). وقال القرطبيُّ: (حرَّم الله تعالى عقْد النِّكاح في العِدَّة بقوله تعالى: وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وهذا من المُحكَم المُجمَع على تأويله، أنَّ بلوغ أجْلِه انقضاءُ العِدَّة) ((تفسير القرطبي)) (3/193). .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ.
أي: ليكن معلومًا لديكم أنَّ الله عزَّ وجلَّ يعلم ما في أنفسكم من هواهنَّ، والرغبة في نكاحهنَّ، وغير ذلك، فكونوا على حيطةٍ من أن تخالفوا أحكامه في ذلك؛ فإنَّه مطَّلعٌ على ما في نفوسكم فلا تُضمِروا فيها نيَّة مخالفة لأمره تعالى، خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه [2183] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/286)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 174)، ((تفسير ابن كثير)) (1/641)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/161). .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
أي: وليكن معلومًا لديكم كذلك بأنَّكم إن أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه سبحانه فلا تيئسوا ولا تقنطوا، فإنَّ لديكم طريقًا لتصحيحِ الأمر، وهو طلب المغفرة منه سبحانه، فهو الذي يستر ذنوبَ عباده ويتجاوز عنها، ولا يعاجل عبادَه بالعقوبات على ذُنوبهم مع قدرته على ذلك، بل يمهلهم جلَّ وعلا [2184] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/286)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 174)، ((تفسير ابن كثير)) (1/641)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/162). .
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا جرَى الكلامُ في الآيات السَّابقةِ على الطلاقِ الذي تجِب فيه العِدَّة، وهو طلاقُ المدخول بهنَّ، عرَّج هنا على الطَّلاق الواقِع قبل الدُّخول، فقال سبحانه [2185] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/457). :
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.
أي: لا حرجَ عليكم في طلاقِكم النساءَ بعد العقدِ عليهنَّ، وقبل أن تُجامعوهنَّ، وقبل أن تُوجِبوا لهنَّ مهرًا محدَّدًا [2186] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/286-289)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/347)، ((تفسير ابن كثير)) (1/641)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/151)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/167). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ المسَّ هنا بمعنى الجِماع: ابن عبَّاس، وطاوس، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/286)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/422). وممَّن قال: إنَّ فَرِيضَةً هنا تعني المَهرَ: ابن عبَّاس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/289)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/442). .
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا كان في طلاقهنَّ قبل جِماعهنَّ، وقبلَ فرْض المهرِ لهنَّ، انكسارٌ لقلوبهنَّ، أمر الله تعالى أزواجهنَّ بتعويضهنَّ بشيءٍ يجبُر خواطرَهنَّ، فقال تعالى [2187] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 105). :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
أي: أَعطوهنَّ- أيُّها الأزواجُ- ما يَتمتعْنَ به من أموالِكم، كلٌّ بحسَب قُدرته وأحوالِه غِنًى أو فقرًا، وبحسَب ما يتعارَف عليه الناس، من غيرِ أن تَظلموهنَّ، وجَعَل الله تعالى هذا الأمرَ أكثرَ تأكيدًا على المتَّصفين بالإحسان إلى أنفسهم وإلى الآخَرين [2188] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/289-309)، ((تفسير ابن كثير)) (1/641)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/462)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/167-169). .
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237).
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ.
أي: لا حرجَ ولا إثمَ عليكم- أيُّها النَّاس- إنْ طلَّقتُمُ النِّساء قَبلَ جماعِهنَّ وقَدْ قدَّرتُم لهنَّ مهرًا، ولهنَّ في هذه الحالِ نِصفُ هذا المهر [2189] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/311)، ((تفسير ابن كثير)) (1/642-643)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/171). وقال القرطبيُّ: (قوله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي: فالواجب نصفُ ما فرضتم، أي: من المهر، فالنِّصف للزَّوج، والنِّصف للمرأة بإجماع) ((تفسير القرطبي)) (3/204). .
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
أي: للنِّساءِ نِصفُ المهر في تلك الحال، إلَّا إذا عفونَ عنه لأزواجِهنَّ، فيكون لهم المهر كاملًا، (وذلك إنْ كُنَّ ممن يصحُّ عفوهنَّ) أو أنْ يعفوَ أزواجُهنَّ عن نِصف المهرِ الآخَر لنِسائهِم، فيكون لهنَّ المهرُ كاملًا، ورغَّب الله تعالى كلًّا من الأزواج والزَّوجات في العفو، بأنَّ مَن يعفو أقربُ للتقوى من الآخَر؛ لأنَّ مَن يعفو قد آثَر فِعل ما ندَبه الله تعالى إليه على هوى نَفْسِه، فهو لِمَا أوجبه الله عزَّ وجلَّ عليه أشدُّ امتثالًا، وِلِمَا نهاه أشد تجنُّبًا، وذلك هو القُرب من التَّقوى التي تَعني فِعلَ المأمور، واجتنابَ المحظور [2190] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/311-312، 332-338)، ((تفسير ابن كثير)) (1/643)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/172). واختار أنَّ المراد بالذي بيده عقدة النكاح: الزوج: ابن جرير في ((تفسيره)) (4/332)، والواحدي ((الوجيز)) للواحدي (ص: 175)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 105)، وابن عثيمين في ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (3/172). وممَّن قال في قوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ: إنَّه الزَّوج: عليُّ بن أبي طالب، وابن عبَّاس-في إحدى الرِّوايات عنه-وجُبَير بن مُطعِم، وسعيد بن جُبَير، وسعيد بن المسيَّب، وشُرَيح، ومجاهد، والشَّعْبي، وعِكْرمة، ونافع، ومحمَّد بن سِيرين، والضَّحَّاك، ومحمَّد بن كَعب القُرظي، وجابر بن زيد، وأبو مِجلز، والرَّبيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول، ومقاتل بن حَيَّان، وسفيان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/324)، و ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/445). وممن قال أنه ولي المرأة: القرطبي في ((تفسيره)) (3/207)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (2/463). وممَّن قال بهذا القول من السلف: ابن عباس-في رواية أخرى-وعلقمة، والأسود بن يَزيد، والحسن، وعطاء، وطاوس، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، والشعبي-في رواية عنه-وأبو صالح، وابن زيد، وإبراهيم النخعي، والسُّدِّي، وغيرهم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/317)، و ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/445). .
وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
أي: لا ينبغي أن يترك الزوجانِ الإحسانَ إلى بعضِهم البعض، بإعطاءِ أحدهما للآخَر زيادةً على الحقِّ الواجب له، وذلك بالعفوِ والتسامُحِ عن بقيَّة المهر، فإنَّ الله تعالى يرى كلَّ عمل يصدُر من الناس، فمَن عفا فله أجره، والله تعالى يحفظ عملَه، ويُجازيه على إحسانه بفضله [2191] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/338-341)، ((تفسير ابن كثير)) (1/644-645)، ((تفسير السعدي)) (ص: 105-106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/173). .
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238).
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
أي: يأمر الله تعالى بتعاهُد الصَّلوات المفروضة عمومًا بالمحافظة على مواظبة أدائها في أوقاتها، وحِفظ حدودها، والعناية بأدائها بشروطها وأركانها، وخصَّ الله تعالى من بينها بمزيدِ تأكيد، صلاة العصر [2192] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/342، 372، 375)، ((تفسير ابن كثير)) (1/645، 647، 654)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/467)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/177-178). وممَّن نصَّ على أنَّ الصلواتِ المقصودةَ هي المكتوباتُ: ابن عبَّاس، والضَّحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/447). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ المقصود بالصَّلاة الوُسطى صلاةُ العصر: عليُّ بن أبي طالب، وابن عبَّاس، وأبو هريرة، وابنُ عُمر، وأبو سعيد الخُدريُّ، وعائشةُ، وأبو أيُّوب، والحسن، وإبراهيم، وسعيد بن جُبَير، وزِرُّ بن حُبَيش، وقَتادة، والضَّحَّاك، ومجاهد، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/342)، ((تفسير ابن كثير)) (1/648). .
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا كان يومُ الأحزابِ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ملَأ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا، شغَلونا عنِ الصَّلاةِ الوُسطى حتى غابَتِ الشمسُ )) [2193] رواه البخاري (2931). .
وعن عبدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قال: ((حَبسَ المشركونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن صلاةِ العصرِ. حتى احمرَّتِ الشمسُ أوِ اصفرَّتْ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: شغلونا عن الصَّلاةِ الوُسطى صلاةِ العصرِ. ملأ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا أو قال حشا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا )) [2194] رواه مسلم (628). .
وعن البَراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((نزلت هذه الآيةُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. فقرأناها ما شاء اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ، فنزلت: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فقال رجلٌ كان جالسًا عند شقيقٍ له: هي إذنْ صلاةُ العصرِ. فقال البراءُ: قد أخبرتُك كيف نزلتْ، وكيف نَسخَها اللهُ، واللهُ أعلمُ )) [2195] رواه مسلم (630). .
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
أي: أقيموا الصَّلاة، مواظبين على ذلك، ومداومين فيها على الخُشوع والطُّمأنينة والسُّكوت التامِّ عن سوى ما أمر الله تعالى به فيها من الذِّكر والقرآن [2196] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/383-384)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (2/547-549)، ((تفسير ابن كثير)) (1/654-655)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/178-179). وعن زَيد بن أَرقمَ رضي الله عنه، قال: ((كنَّا نَتكلَّم في الصَّلاة؛ يُكلِّم أحدُنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فأُمِرْنا بالسُّكوت)) رواه البخاري (4534)، ومسلم (539). لكن قال ابنُ كثير معلِّقًا على هذا الأثر: (قد أَشكل هذا الحديثُ على جماعةٍ من العلماء، حيث ثبَت عندهم أنَّ تحريم الكلام في الصَّلاة كان بمكَّةَ، قبل الهجرة إلى المدينة، وبعد الهجرة إلى أرض الحبَشة، كما دلَّ على ذلك حديثُ ابن مسعود الذي في الصَّحيح، قال: كنَّا نُسلِّم على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن نُهاجر إلى الحبشة وهو في الصَّلاة، فيردُّ علينا، قال: فلمَّا قدِمنا سلمتُ عليه، فلم يردَّ عليَّ، فأخَذَني ما قَرُب وما بَعُد! فلمَّا سلَّم قال: ((إنِّي لم أردَّ عليك إلَّا أني كنتُ في الصَّلاة، وإنَّ الله يُحدِث من أمْره ما يشاء، وإنَّ ممَّا أحْدث ألَّا تَكلَّموا في الصَّلاة)). وقد كان ابن مسعود ممَّن أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدِم منها إلى مكَّةَ مع مَن قدِم، فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ مدنيَّة بلا خلاف، فقال قائلون: إنَّما أراد زيد بن أرقم بقوله: «كان الرجل يكلِّم أخاه في حاجته في الصَّلاة» الإخبار عن جنس الناس، واستدلَّ على تحريم ذلك بهذه الآية بحسَب ما فهِمه منها، والله أعلم. وقال آخَرون: إنَّما أراد أنَّ ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أُبيح مرَّتين، وحرِّم مرتين، كما اختار ذلك قومٌ من أصحابنا وغيرهم، والأوَّل أظهر. والله أيضًا أعلم) ((تفسير ابن كثير)) (1/655)، ويُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (6/362-367). .
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا أمَرَ الله تعالى عبادَه بالمحافظة على الصَّلوات، والقيام بحدودِها، والمداومة عليها، ذَكَر الحال التي يَنشغلُ فيها المرءُ عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال الخوف، ولكنَّها ليست عذرًا في ترْك المحافظة على الصَّلوات، فقال سبحانه [2197] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/655)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/469).   :
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا.
أي: إنْ خِفْتُم أن تُؤدُّوا صلاتَكم على تِلك الصِّفةِ الكاملة، فصَلُّوها على أيِّ حالٍ كنتم، سواء ماشينَ على أقدامِكم أو راكبين على دوابِّكم- ويلزم من ذلك أن يكونوا مستقبلي القِبلة وغير مستقبليها- فإنَّ ذلك يجزيكم حينئذٍ عن القيام قانتينَ [2198] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/384-393)، ((تفسير ابن كثير)) (1/655-656)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106). .
فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
أي: فإذا زال عنكم الخوف، فأقيموا صلاتكم على الصِّفة الكاملة كما علمكم الله من قبلُ، وتعليمُه إيَّاكم ما ينفعكم في دُنياكم وأُخراكم- ومن ذلك إقامة الصَّلاة بتمامها- نعمةٌ عظيمة تقتضي شُكرها بذكره سبحانه في الصَّلاة وغيرها [2199] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/395-396)، ((تفسير ابن كثير)) (1/657)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/248)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/179-180). .
قال سبحانه وتعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [النساء: 103].
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240).
الناسخ والمنسوخ:
جمهور المفسِّرين على أنَّ هذه الآية منسوخةٌ حكمًا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقيل النفقة كذلك منسوخةٌ بآية المواريث [2200] يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 239)، ((الناسخ والمنسوخ)) لابن حزم (ص: 29)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 176)، ((تفسير ابن كثير)) (1/658-659)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106). قال ابن أبي حاتم أيضًا: (عن ابن عبَّاس، في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فكان الرَّجُل إذا مات وترك امرأته، اعتدَّت سَنةً في بيته، يُنفَق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فهذه عِدَّة المتوفَّى عنها [زوْجُها] إلَّا أن تكون حاملًا، فعِدَّتها أن تضع ما في بطنها، وقال : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [النساء: 12]، فبيَّن الله ميراثَ المرأة، وترك الوصية والنفقة-ورُوي عن مجاهد، والحسن وعِكْرمة، وقَتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع بن أنس، ومقاتل بن حَيَّان، قالوا : نسختْها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (تفسير ابن أبي حاتم)) (2/452). .
فعن عبد الله بن الزُّبَير رضي الله عنهما، قال: ((قُلْتُ لعثمانَ بن عفَّان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. قد نسخَتْها الآيةُ الأخرَى، فَلِمَ تَكْتُبُها؟ أَوْ تَدَعُها؟ قال: يا ابنَ أخي، لا أُغَيِّرُ شيئًا منه من مكانِه )) [2201] رواه البخاري (4530). .
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ.
أي: إنَّ الأزواج الذين يموتون ويتركون وراءهم زوجاتٍ، فعليهم أن يعهَدوا قبل وفاتهم لورثتهم بأن تمكث زوجاتهم في بيوتهم (أي بيوت الأزواج المتوفَّين) مدَّة عام كامل، يتمتَّعن فيه بالنفقة من أموالهم، والسُّكنى في منازلهم، دون أن يُخرِجَهنَّ أحدٌ منها [2202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/397-399، 406-407)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 176)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/449). .
فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ.
أي: لا حرَج على أولياء الميِّت في خروجهنَّ وتركهنَّ الحدادَ على أزواجهنَّ بالتجمُّل والتطيُّب والتشوُّف للنكاح والتزوُّج، وغير ذلك ممَّا لا يخرج عن حدود الشَّرْع والعُرف [2203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/408-409)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/353)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/185). .
وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
أي: إنَّ الله تعالى لا يمنعُه شيءٌ من انتقامه ممَّن خالف أمْره وارتكب نهيه، ومن ذلك إخراج المتوفَّى عنها زوجُها من بيته قبل انقِضاء عامٍ، وهي راغبةٌ في المُكْثِ فيه، كما أنَّ ما شرَعه من أحكام في غاية الإتقان، وهي أحكام صادرة عن عزَّته، وحِكمته، فجعل لكلِّ أمر حُكمَه اللائق به [2204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/409)، ((تفسير ابن عطية)) (1/326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 951). .
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى متاعَ المتوفَّى عنهنَّ عقَّبه بذِكر متاعِ المطلَّقات؛ تأكيدًا للحُكم بالتكرير، وتعميمًا بعد تخصيصِ بعض أفراده، فقال تعالى [2205] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/383). :
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241).
أي: يجِب على الأزواج أن يُعطوا لمطلَّقاتهم ما يتمتَّعن به من كُسوة أو غيرها، بما يتعارف عليه النَّاس، من غير مخالفة لحدود الله تعالى، وهذا الأمر حقٌّ لهنَّ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على كل مطلِّقٍ لزوجته؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يجبُ عليه أن يكون متَّقيًا لله تعالى بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى [2206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/409، 412، 413)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (32/27)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/151-152)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/189-191). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ لكلِّ مطلقةٍ متعةً: أبو العالية، وعطاء، والزُّهري. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/454). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242).
أي: كما بيَّن الله عزَّ وجلَّ ما سبق من أحكام ووضَّحها غاية الإيضاح، يبيِّن لكم أيضًا سائر آياته وأحكامه بوضوحٍ تامٍّ حتى لا يبقى فيها خفاءٌ أو لبسٌ؛ لتفهموها وتعملوا بها [2207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/413)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/354)، ((تفسير ابن كثير)) (1/660)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/192). .

الفوائد التربويَّة :


1- أنَّه يَنبغي استعطافُ المخاطَب بما يَقتضي عطفَه على الشَّيء؛ لقوله تعالى: يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حيث أضاف الأولاد إلى المرضعاتِ [2208] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/147). .
2- أنَّ وساوس القلوب لا يُؤاخَذ بها؛ لأنَّها ليست من الأعمال؛ لقوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [2209] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/153). .
3- مراعاة الأحوال في الأحكام؛ فيثبت في كل حال ما يناسبها؛ لقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [2210] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/170). .
4- أنَّ الأعمال تتفاضل؛ لقوله تعالى: أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [2211] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/176). ، ويلزم منه أنَّ النَّاس يتفاضلون في الإيمان؛ لأنَّ تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ والأعمال من الإيمان [2212] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/176). .
5- أنَّه ينبغي للإنسانِ ألَّا ينسى الفضلَ مع إخوانه في معاملته؛ لقوله تعالى: وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [2213] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/176). .
6- سَعة رحمة الله عزَّ وجلَّ، وأن هذا الدين يسر؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا؛ لأنَّ هذا من التيسير على العباد [2214] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/182). .
7- بيان نقْص الإنسان؛ لكون الأصل فيه الجَهل؛ حيث قال تعالى: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ؛ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يُعلِّمه الله عزَّ وجلَّ [2215] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/183). .
8- أنَّه ينبغي تأكيدُ الحقوق التي قد يتهاون النَّاس بها؛ لقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2216] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/191). .
9- أنَّه ينبغي ذِكرُ الأوصاف التي تحمل الإنسان على الامتثال فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور؛ لقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ؛ لأنَّ عدم القيام به مخالف للتقوى؛ والقيام به من التقوى [2217] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/191). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- يُؤخذ من قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، ومن قوله سبحانه: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15]  أنَّ أقلَّ مدَّةٍ للحمل سِتَّة أشهر، وأنَّه يمكن وجود الولد بها [2218] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 104). .
2- أنَّ الله عزَّ وجلَّ أرحمُ بخلقِه من الوالدة بولدها؛ لأنَّه أمرها أن ترضعَ مع أنَّ فطرتها، وما جُبِلت عليه تستلزم الإرضاعَ؛ وهذا لأنَّ رحمة الله أعظمُ من رحمة الأمِّ بولدها، ومثله قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: 11]؛ فلأنَّ الله أرحمُ بأولادنا منَّا، أوصانا فيهم [2219] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/147). .
3- عناية الله عزَّ وجلَّ بالرُّضَّع؛ لأنَّه لم يُبِح فطامَهم قبل الحولينِ إلَّا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور؛ قال الله تعالى: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [2220] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/151). .
4- امتناع التكليف بما لا يُطاق؛ لقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ؛ وهذه القاعدة دلَّ عليها القرآن في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286] [2221] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/170). .
5- في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ جاء في الأمن بـ(إذا)- التي تكون لِمَا يقَع غالبًا، وفي الخوف بـ(إنْ)- التي تكون لِمَا لا يقع غالبًا؛ بشارة للمسلمين بأنَّهم سيكون لهم النصر والأمن [2222] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/470). .
6- أنَّ المسؤولين عن النِّساء هم الرِّجال؛ لقوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [2223] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/188). .
7- الردُّ على المفوِّضة- أهل التجهيل؛ وعلى أهل التحريف- الذين يسمُّون أنفسهم بأهل التأويل؛ لقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ؛ لأنَّ أهل التفويض يقولون: إن الله لم يُبيِّن ما أراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وأنها بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها؛ وأهل التحريف يقولون: إنَّ الله لم يبيِّن المعنى المراد في آيات الصِّفات، وأحاديثها؛ وإنَّما وكَل ذلك إلى عقولنا؛ وإنَّما البيان بما ندركه نحن بعقولنا؛ فنقول: لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله سبحانه وتعالى يبيِّنه؛ فلما لم يبيِّن ما قلتم علم أنَّه ليس بمراد [2224] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/193). .
8- أنَّه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكمٌ غير مبيَّن؛ لقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ [2225] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/193). .
9- الثَّناء على العقل، حيث جعله الله غاية لأمر محمود- وهو تبيين الآيات؛ والمراد عقل الرشد السالم من الشبهات، والشهوات، أي: الإرادات السيِّئة؛ لقوله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2226] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/193). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ
- خبَر في معنى الأمْر المؤكَّد؛ للمبالغة، وكامِلَيْنِ توكيدٌ كقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ؛ وإنَّما ذكر الكمال؛ لرفْع التوهُّم من أنَّه على مِثل قولهم: أقام فلان بمكانِ كذا حَولَينِ، وإنَّما أقام حولًا وبعضَ الآخَر؛ وذلك لقطع التنازُعِ بين الزوجين إذا تنازعَا في مدَّة الرَّضاع [2227] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/278)، ((تفسير الرازي)) (6/459)، ((تفسير البيضاوي)) (1/144)، ((تفسير أبي حيان)) (2/510)، ((تفسير أبي السعود)) (1/230)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/431). .
- وفي قوله: أَوْلَادَهُنَّ تصريحٌ بالمفعول مع كونه معلومًا؛ إيماءً إلى أحقيَّة الوالدات بذلك، وإلى ترغيبهنَّ فيه؛ لأنَّ فيه تذكيرًا لهنَّ بداعي الحَنان والشَّفقة [2228] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/430). .
2- في قوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ المولودُ له هو الوالد، وإنَّما عبَّر عنه بهذا ولم يعبِّر بلفظ الوالد، ولا بلفظ الأب؛ ليُعلم أنَّ الوالدات إنما وَلَدْنَ لهم؛ فالأولاد للآباء، يُنسَبون إليهم لا إلى الأُمَّهات؛ فكان عليهم أن يرزقوهنَّ ويكسوهنَّ إذا أرضعْنَ ولدهم، وللتنبيه على أنَّ الولدَ إنَّما يَلتحِقُ بالوالدِ؛ لكونه مولودًا على فِراشه، ولِمَا في ذلك من إعلامِ الأب ما منَحَ الله له وأعطاه، إذ اللام في (له)، معناها شبه التمليك [2229] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/279)، ((تفسير الرازي)) (6/460-461)، ((تفسير البيضاوي)) (1/144)، ((تفسير أبي حيان)) (2/500)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/433). .
3- في قوله: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ بناء الفِعل للمَفعولِ، وحذْف الفاعل؛ فيُفيد حذفُه عمومَ الفاعلين، كما يُفيد تنكيرُ نَفْس  في سِياق النَّفْي عُمومَ المفعول الأوَّل لفِعل تُكَلَّفُ: وهو الأنفس المكلَّفة [2230] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/433-434). .
4- قوله: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ
- في قوله: فَإِنْ أَرَادَا  وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا الْتِفات؛ فإنَّه خروجٌ من ضمير الغَيبة إلى الخطاب؛ لهزِّهم إلى الامتثال بما أمروا به. وفيه تكوين في الضمائر؛ فإنَّ  أَرَادَا ضميرُ تثنية، و أَرَدْتُمْ ضمير جمْع، والمرادُ بهما الآباءُ والأمهاتُ أيضًا، وكأنَّه رَجَعَ بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولودِ له، ولكنَّه غَلَّب المذكَّرَ وهو المولودُ له، وإنْ كان مفردًا لفظًا [2231] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/508، 510)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/474)، ((تفسير أبي السعود)) (1/231). .
- فِصَالًا: التنكيرُ للإيذان بأنَّه فصالٌ غير معتاد [2232] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/231). .
5- وفي هذه الجُمل الماضية أنواعٌ من عِلم البيان [2233] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/504-505)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/470 -471)، ((تفسير أبي السعود)) (1/230)، ((تفسير القاسمي)) (2/154- 155). :
- فمنه: الفَصْل والوَصْل [2234] الوَصْل: من مباحث عِلم المعاني؛ ومعناه العطفُ. وهذا البحث خاصٌّ بعطف الجُمل بالواو فقط، وهو مقابل للفصل الذي هو عدم العَطْف، ولكلٍّ من الفصل والوصل مواضِعه الواجبة والجائزة. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 249 وما بعدها)، ((البلاغة الواضحة)) لعلي الجارم وأحمد أمين (ص: 228). وقد سبَق تعريفُ الفصل (ص: 72). : أمَّا الفَصْل- وهو عدَم العطف- بين قوله: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ وقولِه: لَا تُضَارَّ؛ فلأن قوله: لا تضارَّ كالشَّرح للجملة قبلها؛ لأنَّه إذا لم تكلف النفس إلَّا طاقتها لم يقع ضرر، لا للوالدة ولا للمولود له. وكذلك أيضًا لم يعطف لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ على ما قبلها؛ لأنَّها مع ما بعدها تفسير لقوله بِالْمَعْرُوفِ.
وأمَّا الوصلُ -وهو العطفُ- بين قوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ وقولِه: وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ؛ فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٍّ منهما حُكمٌ ليس في الأخرى.
- والجملة الأولى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ: أبرزت في صورة المبتدأ والخبر، وجعل الخبر فعلًا؛ لأنَّ الإرضاع ممَّا يتجدَّد دائمًا.
- والجملة الثانية وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ..: أبرزت أيضًا في صورة المبتدأ والخبر، وجعل الخبر جارًّا ومجرورًا بلفظ: عَلَى الدالة على الاستعلاء والوجوب، فأكَّد بذلك مضمونَ الجُملة؛ لأنَّ من عادة المرء منْعَ ما في يده من المال، وإهمالَ ما يجب عليه من الحقوق، فأكَّد ذلك.
- وقدَّم الخَبر على سبيل الاعتناء به، وجاء الرِّزق مقدَّمًا على الكُسوة؛ لأنَّه الأهمُّ في بقاء الحياة، والمتكرِّر في كلِّ يومٍ.
- والجملة الثالثة لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا: أبرزت في صُورة الفِعل ومرفوعه، وأتَى بمرفوعه نكرةً؛ لأنَّه في سياق النفي، فيعم، ويتناول أولًا ما سِيق لأجله: وهو حُكم الوالدات في الإرضاع، وحكم المولود له في الرزق والكسوة اللَّذينِ للوالدات.
- والجملة الرابعة لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا: كالثالثة؛ لأنَّها في سياق النفي، فتعمُّ أيضًا، وهي كالشرح للجملة قبلها؛ لأنَّ النَّفْس إذا لم تُكلف إلَّا طاقتها لا يقع ضررٌ لا للوالدة ولا للمولود له، ولَمَّا كان تكليف النفس فوق الطاقة، ومضارَّة أحد الزوجين الآخَر ممَّا يَتجدَّد كلَّ وقت، أتى بالجملتين فعليتين. ونبَّه على محلِّ الشفقة بقوله: بِوَلَدِهَا، فأضاف الولد إليها، وبقوله: بِوَلَدِهِ، فأضاف الولد إليه؛ وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق.
6- قوله: وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيه إظهار في موضع الإضمار حيث كرَّر اسم اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لكونِه من جُملتين، فتكريره أفخمُ، وترديدُه في النُّفوس أعظمُ [2235] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/145)، ((تفسير أبي حيان)) (2/492)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/440). .
7- قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ... جاءت الآية بصيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وُجِد وتمَّ؛ لتأكيد التربُّص؛ مُراعاةً لحقِّ الأزواج، وحِفظًا لقلوب الأقارب، واحتياطًا للنِّكاح [2236] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/341). .
8- قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ
- فائدة عطْف الإكنان على التعريض في نفْي الجناح: أنَّ المراد التنبيه على أن العزم أمرٌ لا يمكن دفعُه ولا النهيُ عنه، ولأنَّ تكلم العازم بما عزَم عليه جِبلَّةٌ في البشر، لضَّعْف الصبر على الكتمان- بيَّن الله موضعَ الرُّخصة أنَّه الرحمة بالناس، مع الإبقاء على احترام حالة العِدَّة، وبيان عِلة هذا الترخيص، وأنه يرجِع إلى نفي الحرج [2237] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/452-453). .
- وأخَّر الإكنانَ في الذِّكر؛ للتنبيه على أنَّه أفضلُ وأبقَى، على ما للعِدَّة من حُرمة، مع التنبيه على أنَّه نادرٌ وقوعه، وخُولِف مقتضى الظاهر، حيث عطَف أَكْنَنتُمْ على عَرَّضْتُمْ وليس العكس؛ ليعلم السامع أنَّ هذه المخالفةَ ترمي إلى غرَض، فحصَل بتأخير ذِكر أَوْ أَكْنَنتُمْ فائدةٌ أخرى، وهي التمهيدُ لقوله: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ، وجاء النَّظمُ بَديعًا مُعجِزًا [2238] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/452-453). .
9- قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ فيه تأكيد بذِكر العزم؛ مبالغةً في النَّهي عن عُقدة النِّكاح في العِدَّة؛ لأنَّ العَزم على الفِعل يتقدَّمه، فإذا نهى عنه كان عن الفِعل أشد نهيًا [2239] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/284)، ((تفسير الرازي)) (6/472-473)، ((تفسير القاسمي)) (2/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/454-455). .
10- قوله: مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فيه كنايةٌ لطيفةٌ حسنة؛ حيث كنَّى تعالى بقوله: تَمَسُّوهُنَّ عن المجامعة، وفي هذا تأديبٌ للعِباد في اختيار أحسنِ الألفاظ فيما يَتخاطَبون به [2240] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/161). .
11- قوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيه تأكيدُ النهي بالتعبير بالنِّسيان؛ إذ النِّسيان ليس في الوُسع حتى يُنهى عنه، فالمقصود منه التَّرك [2241] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/162). .
12- في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتين
- النَّقل مِن صِيغة افعلوا (احْفَظُوا) إلى صِيغة فاعِلوا (حَافِظُوا) الدالَّة على غاية العزيمة؛ للمبالغة في رِعاية العمل علمًا وهيئةً، ووقتًا وإقامة، بجميع ما يحصُل به أصلُه، ويتمُّ به عمله [2242] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/555)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/498)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/359-361)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/466). .
- قوله: وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى: فيه ذِكر الخاص بعدَ العامِّ؛ للتَّنبيه على فَضْلِ الخاصِّ على غيره من أفراد العام، وللتأكيد على المحافظة عليه خصوصًا [2243] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/498)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/364). فائدة في وجهُ ذِكر المحافظةِ على الصَّلاةِ فيما بين حُكْمَيِ الطَّلاقِ والعِدَّة: (أنَّ اللهَ تعالى لا يُخلي شيئًا يَذكرُه ممَّا تعلَّق بالأحكامِ الدُّنيويَّة إلَّا ويقرنُه بحُكمٍ أُخرويٍّ؛ لينبِّههم إلى مُراعاة الآخرةِ في جميعِ أحوالهم وأعمالهم، وأنَّها هي المقصودةُ بالقَصدِ الأوَّل، وسائر ما يُتحرَّى فلأجلها؛ ولأنَّه لَمَّا حثَّهم على العفوِ، ورغَّبهم في المحافظةِ على الفضلِ، عرَّفهم أنَّ السُّلوك إلى التَّخصيص بذلك هو المحافظةُ على الصَّلواتِ في كلِّ حالٍ؛ فإنَّ الصَّلاةَ هي الآمرةُ بالمعروفِ، والنَّاهيةُ عن المنكَرِ، كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، ثمَّ صرَف الكلامَ إلى ذِكرِ ما كان بصَددِه، فتمَّمه). ((تفسير الراغب)) باختصار (1/494). .
13- قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
في الآية تفريع على قوله: وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ؛ للتنبيه على أنَّ حالة الخوف لا تكون عذرًا في ترك المحافظة على الصلوات، ولكنَّها عذر في ترك القيام لله قانتين، فأفاد هذا التفريع غرضين: أحدهما بصريح لفظه، والآخر بلازم معناه [2244] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/469). .
وفيه: إيراد الشرطيَّة الأولى بكلمة (إن) المفيدة لمشكوكية وقوع الخوف ونُدرته، وتصدير الشرطيَّة الثانية بكلمة (إذا) المنبئة عن تحقيق وقوع الأمْن وكثرته، مع الإيجاز في جواب الأُولى، والإطناب في جواب الثانية، وفيه مِن الجزالة ولُطف الاعتبار ما فيه؛ عِبرةً لأولي الأبصار [2245] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/236). .
14- قوله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ
اللام في قوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ لام الاستحقاق، والتعريف في (المطلَّقات) يُفيد الاستغراق، ويجوز أن تكون اللامُ للعهد [2246] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/474). فعلى القول الأوَّل فالآية عامَّة للمُطلَّقات كلهنَّ، والمسألة فيها خلاف. ينظر ((تفسير ابن كثير)) (1/641). .