موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (101-104)

ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ

غريب الكلمات:


تَقْصُرُوا: قَصرُ الصَّلاةِ: جَعْلُها قصيرةً بتركِ بعضِ أركانها تَرخيصًا، وأصلُ (قصر): النَّقصُ، وعدمُ بلوغِ الشَّيء مَدَاهُ ونهايتَه يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/96)، ((المفردات)) للراغب (ص: 672- 673)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 71). .
يَفْتِنَكُمُ: أي: يَقْتُلَكمْ أو يَأسِرَكُم، وتُطلَق الفِتْنةُ كذلك على: الشِّرْك والكُفر، والشَّرِّ والعذاب، وهي في الأصل: الاختِبارُ والابتلاء والامتِحان، مأخوذةٌ من الفَتْن: وهو إدخالُ الذَّهبِ النَّارَ؛ لتظهَرَ جَودتُه من رداءتِه يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 76، 101)، ((تفسير ابن جرير)) (7/404)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/472- 473)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 29، 139- 140)، ((المفردات)) للراغب (ص: 624)، ((الكليات)) (ص: 692). .
تَغْفُلُونَ: تَسْهُون، والغفلة: سهوٌ يَعتري الإنسانَ مِن قلَّة التَّحفُّظ والتَّيقُّظ، وأصل (غفل): تركُ الشَّيء سهوًا، وربَّما كان عن عَمْدٍ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/386)، ((المفردات)) للراغب (ص: 609). .
وَأَمْتِعَتِكُمْ: جَمْع مَتَاع، وهو كلُّ ما حصَل التَّمتُّع والانتفاعُ به على وجهٍ ما، وأصلُ المتاع والمُتعةِ ما يُنتَفَعُ به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ، بل ينقضي عن قريبٍ، وأيضًا: منفعةٌ وامتدادُ مدَّة في خيرٍ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/293)، ((الكليات)) (1/804). .
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ: أي: يتحامَلون عليكم، والمَيْل: العدولُ عن الوسَطِ إلى أحد الجانبين، وأصل ميل: انحرافٌ في الشَّيء إلى جانبٍ منه يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/290)، ((المفردات)) للراغب (ص: 783). .
مَوْقُوتًا: أي مفروضًا محدَّدًا موقَّتًا بوقت، يقال: وقَّته اللهُ عليهم ووَقَتَهُ، أي: جعَله لأوقاتٍ، والوقتُ: نهايةُ الزَّمانِ المفروض للعمل، وأصل وقت: يدلُّ على حدِّ شيءٍ وكُنْهِه في زمانٍ وغيرِه يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/131)، ((المفردات)) للراغب (ص: 879)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 71)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 143)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 875، 945). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى لعباده: إنَّهم إذا سافروا فلا حرَجَ عليهم ولا إثمَ في قَصْرِ صلاة الفرضِ إذا ما خافوا أن يصُدَّهم الكفَّارُ عن دِينهم بحَمْلِهم عليهم وهم في الصَّلاة؛ فإنَّ الكفَّارَ ذوُو عداوةٍ واضحةٍ لهم.
ثمَّ يخاطبُ الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه إذا كان في أصحابِه وشهِد معهم القتالَ وأراد أن يُقِيمَ لهم الصَّلاة، فليقسِمْ أصحابه قسمينِ، وبعد ذلك فلتقُمْ طائفةٌ منهم معه في الصَّلاةِ، والطَّائفةُ الأخرى تقفُ في وجه العدوِّ، ولْيَأخذوا أسلحتَهم، فإذا فرغت الطَّائفةُ الَّتي معه من صلاتِها، فلْيَكونوا مِن ورائِه ووراء الطَّائفةِ الَّتي لم تكُنْ صلَّتْ معه الرَّكعةَ الأولى وكانتْ في مقابِلِ العدوِّ، فإذا ما انصرَفَتِ الطَّائفةُ الأولى للحِراسَةِ، فلتأتِ الطَّائفةُ الَّتي كانت قبلَ ذلك في الحِراسةِ والَّتي لم تُصَلِّ بعدُ، فَليُصَلُّوا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما تبقَّى له من ركعة، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ؛ فقد تمنَّى الكفَّارُ لو غفَل المسلمون عن أسلحتِهم وأمتعتِهم فيَحمِلون عليهم ويَستأصلونَهم بضَربةٍ واحدةٍ.
ثمَّ رخَّص اللهُ لعباده أنْ يَضَعوا أسلحتَهم، نافيًا عنهم الحَرَجَ والإثمَ، إذا ما تأذَّوْا بمطَرٍ، أو كانوا مَرْضَى، لكن لا بدَّ أن يكونوا حَذِرينَ، ثمَّ أخبر تعالى أنَّه أعدَّ للكفَّار عذابًا مُخزيًا في الدَّارينِ.
ثمَّ أمَر اللهُ المسلِمين إذا ما انتهَوْا مِن أداء صلاةِ الخوفِ أنْ يَذكُروه قِيامًا أو قُعودًا أو مُضْطَجِعين على جنوبِهم، فإذا زال الخوفُ عنهم وأمِنوا فليُقِيموا الصَّلاةَ كاملةً، إنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنينَ فريضةً محدَّدةً بوقتٍ.
ثمَّ يوجِّهُ الله الخِطابَ إلى المسلمين ألَّا يكونوا ضُعفاءَ ولا كُسالى في طلبِهم للعدوِّ؛ فإنَّهم وإنْ كانوا يصيبُهم الألمُ، فإنَّ عدوَّهم أيضًا يتألَّمُ، فلا ينبغي أن يكونوا أضعفَ منهم، وهم مع ذلك يَرْجُون من الله ما لا يَرجو أولئك الكفَّارُ مِن النَّصرِ والثَّوابِ، وكان اللهُ عليمًا حكيمًا.

تفسير الآيات:


وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّـا أوجب اللهُ تعالى السَّفرَ للجهادِ والهجرة، وكان مُطلَقُ السَّفر مظِنَّةَ المشقَّة، فكيف بسفرِهما مع ما ينضمُّ إلى المشقَّة فيهما من خوفِ الأعداء، ولَمَّا كانت الصَّلاةُ فرضًا لازمًا في كلِّ حالٍ لا يسقُطُ في وقتِ القتال، ولا في أثناءِ الهجرةِ، ولا غيرِ الهجرةِ من أيَّام السَّفَرِ، ولكن قد تتعذَّرُ أو تتعسَّرُ في السَّفرِ وحالِ الحرب إقامتُها فرادَى وجماعةً، كما أمَر اللهُ- ناسَب في هذا المقام أن يبيِّنَ اللهُ تعالى ما يريد أن يرخِّصَ لعباده فيه من القَصْرِ من الصَّلاةِ في هاتينِ الحالَتينِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/199)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/377)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/296). فقال:
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
أي: إذا سافَرْتُم أيُّها المؤمنون يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/404)، ((تفسير ابن كثير)) (2/393)، ((تفسير السعدي)) (ص: 197). .
كما قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ... الآية [المزمل: 20].
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ
أي: فلا حرَجَ ولا إثمَ عليكم قال السعديُّ: (قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ؛ أي: لا حرَج ولا إثمَ عليكم في ذلك، ولا ينافي ذلك كونَ القصر هو الأفضلَ؛ لأنَّ نفيَ الحرج إزالةٌ لبعض الوهم الواقع في كثير من النُّفوس، بل ولا يُنافي الوجوبَ؛ كما تقدَّم ذلك في سورة البقرة في قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ إلى آخر الآية، وإزالةِ الوهم في هذا الموضع ظاهرةٌ؛ لأنَّ الصَّلاة قد تقرَّر عند المسلمين وجوبُها على هذه الصِّفة التَّامَّة، ولا يُزيل هذا عن نفوسِ أكثرِهم إلا بذِكرِ ما ينافيه) ((تفسير السعدي)) (ص: 197). في قَصْرِ كيفيَّةِ الصَّلاةِ المفروضةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/422-423)، ((تفسير ابن كثير)) (2/397)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/248، 253). قال الشِّنقيطيُّ: (ومعنى قصر كيفيَّتها أن يجوزَ فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن؛ كأن يصلِّيَ بعضُهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعضُ الآخر فيصلِّي معهم الرَّكعة الأخرى، وكصلاتهم إيماءً رِجالًا وركبًانا وغيرَ متوجِّهين إلى القِبلة؛ فكلُّ هذا من قَصْرِ كيفيَّتِها) ((أضواء البيان)) (1/248). وممَّن قال من السلف: إنَّ المقصود بالقصر هنا قصر كيفيَّة الصَّلاة: مجاهد، والضَّحاك، والسُّدِّيُّ؛ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/395). .
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي: إنْ خشِيتُم أنْ يصُدَّكم الكفَّارُ عن دِينكم، بقتالِهم إيَّاكم، وبحملِهم عليكم وأنتم في صلاتِكم، فيصدُّوكم عن إقامتِها وأدائِها، ويحُولوا بينكم وبين عبادةِ الله تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/404)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/265)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/131، 140). وقيل: إنَّ قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا متَّصل بما بعدَه مِن صلاةِ الخوفِ، منفصلٌ عمَّا قبلَه... ومثلُه في القرآنِ كثيرٌ؛ أن يجيءَ الخبرُ بتمامِه ثم ينسَّق عليه خبرٌ آخرُ، وهو في الظَّاهر كالمتَّصل به، وهو منفصلٌ عنه. ينظر: ((تفسير البغوي)) (1/689)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (1/309 وما بعدها)، قال الطبريُّ: (وهذا تأويلٌ في الآيةِ حسنٌ لو لم يكنْ في الكلامِ إِذَا). ((تفسير ابن جرير)) (7 /407). .
إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
أي: إنَّ عداوةَ جميع الكفَّارِ لكم- أيُّها المؤمنون- بيِّنةٌ واضحةٌ، قد أظهَروها لكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/404-405)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/140). .
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ حُكمَ القَصرِ في السَّفرِ عندَ الخوفِ، عقَّبه ببيانِ كيفيَّةِ صلاةِ الخوف يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/895). .
سببُ النُّزول:
عن مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ الزُّرَقيِّ قال: كنَّا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعُسْفانَ، فاستقبَلَنا المشرِكون عليهم خالدُ بن الوليد، وهم بيننا وبين القِبْلة، "فصلَّى بنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الظُّهر"، فقالوا: قد كانوا على حالٍ لو أصَبْنا غِرَّتَهم، ثمَّ قالوا: تأتي عليهم الآن صلاةٌ هي أحبُّ إليهم من أبنائِهم وأنفُسِهم، قال: "فنزل جبريلُ عليه السَّلام بهذه الآياتِ بين الظُّهرِ والعصرِ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، قال: فحضَرَتْ فأمَرهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخَذوا السِّلاحَ، قال: فصفَفْنا خَلْفَه صفَّيْنِ، قال: ثمَّ ركَع فركَعْنا جميعًا، ثمَّ رفع فرفعْنا جميعًا، ثمَّ سجَد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالصَّفِّ الَّذي يلِيه، والآخَرون قيامٌ يحرُسُونهم، فلمَّا سجَدوا وقاموا جلَس الآخَرون فسجدوا في مكانهم، ثمَّ تقدَّم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، قال: ثمَّ ركَع فركَعوا جميعًا، ثمَّ رفَع فرفعوا جميعًا، ثمَّ سجد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والصَّفُّ الَّذي يليه، والآخَرون قيامٌ يحرُسونهم، فلمَّا جلَس جلَس الآخَرون، فسجدوا ثمَّ سلَّم عليهم ثمَّ انصرَف، قال: فصلَّاها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّتينِ: مرَّةً بعُسْفانَ، ومرَّةً بأرضِ بني سُلَيمٍ" رواه أحمد (4/59) (16630)، وعبد الرزَّاق في ((المصنف)) (4237)، وابنُ أبي حاتم في ((تفسيره)) (5899)، والطبراني (5/213) (5132). صحَّحه الدارقطنيُّ في ((سننه)) (2/200)، وصحَّح إسناده ابن كثير في ((تفسيره)) (2/354). .
وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما، قال: خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلَقِي المشركين بعُسْفانَ، فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الظُّهرَ فرَأَوْه يَركعُ ويَسجُدُ هو وأصحابُه، قال بعضُهم لبعضٍ: كان هذا فُرصةً لكم، لو أَغَرْتُم عليهم ما عَلِموا بكم حتَّى تُواقِعُوهم، فقال قائلٌ منهم: فإنَّ لهم صلاةً أخرى هي أحبُّ إليهم مِن أهْلِيهم وأموالِهم، فاستَعِدُّوا حتَّى تُغِيروا عليهم فيها، فأنزلَ اللهُ تبارَك وتعالى على نبيِّه: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ إلى آخِرِ الآيةِ، وأَعْلَمَ ما ائْتَمَرَ به المشرِكون، وذَكَرَ صَلاةَ الخَوفِ رواه الطبري في ((تفسيره)) (9/156)، والحاكم (3/32). صحَّحه الطبريُّ، وقال ابنُ حجر في ((الكافي الشاف)) (92): أصله في مسلم. .
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ
أي: إذا كنتَ في أصحابِك- يا محمَّدُ- وأردتَ أن تُصلِّيَ بهم صلاةً كاملةً تُقِيمُها بحدودِها ورُكوعِها وسُجودِها، وتُتمُّ ما يجبُ فيها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/423-424)، ((تفسير ابن كثير)) (2/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/142). قال ابنُ عطيَّة: (قوله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [النساء: 102] الآية، قال جمهور الأمَّة: الآية خطاب للنبيِّ عليه السلام، وهو يتناول الأمراءَ بعده إلى يوم القيامة) ((تفسير ابن عطية)) (2/105). وقال ابنُ كثير: (وأما مَن استدلَّ بهذه الآية على أنَّ صلاة الخوف منسوخةٌ بعد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لقوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [النساء: 102]، فبَعْدَه تفُوتُ هذه الصِّفة- فإنَّه استدلالٌ ضعيف، ويُرَدُّ عليه مِثلَ قول مانعي الزَّكاة الذين احتجُّوا بقوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: 103]، قالوا: فنحن لا ندفع زكاتَنا بعده صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أحدٍ، بل نخرجها نحن بأيدينا على مَن نراه، ولا ندفعها إلى مَن صلاتُه، أي: دعاؤه، سكَنٌ لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابةُ، وأبَوْا عليهم هذا الاستدلالَ، وأجبَروهم على أداِء الزَّكاة، وقاتَلوا مَن منَعها منهم) ((تفسير ابن كثير)) (2/400). .
فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
أي: فلتقُمْ فِرقةٌ مِن أصحابك معك في صلاتك، وليكنْ بقيَّتُهم في وجه العدوِّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/185). .
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ
قيل: المأمورُ بأخْذِ الأسلحةِ هنا: الطَّائفةُ المُصلِّيَة يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (5/365)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/185)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/143). قال ابن عثيمين: (قوله: أَسْلِحَتَهُمْ: السِّلاح هو ما يقاتل به دفاعًا أو طلبًا، وينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف، ومتوسط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد: أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدِّفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغَلُهم عن الصلاة) ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/143). ، وقيل: بل الطَّائفةُ الأخرى الَّتي في وجه العدوِّ يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/110). قال ابنُ عطية: (اختلف مَن المأمور بأخذ الأسلحة هنا؟ فقيل: الطائفة المُصلِّيَة، وقيل: بل الحارسة، قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يتناول الكلَّ، ولكن سلاح المصلِّين ما خفَّ) ((تفسير ابن عطية)) (2/105)، ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/424). وممَّن قال بهذا القول من السلف: ابنُ عباس رضي الله عنهما، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/424). .
فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ
أي: فإذا فرغَتِ الطَّائفةُ الَّتي قامت معك- يا محمَّدُ- في الصَّلاة من صلاتها، فليتَّخِذْ أفرادُها موضعهم خلفَك وخلفَ الطَّائفةِ الأخرى الَّتي ستدخُلُ معك في صلاتِك ممَّن لم يُصَلِّ معك الرَّكعةَ الأولى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/442)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/143). .
وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
أي: لتأتِ الطَّائفةُ الَّتي كانت في مقابلِ العدوِّ ممَّن لم يُصلِّ معك الرَّكعةَ الأولى، وليُصلُّوا معك الرَّكعةَ الَّتي بقِيَتْ عليك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/442)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/144). قال ابنُ عاشور: (وقد أجمَلتِ الآيةُ ما تَصنَعُه كلُّ طائفةٍ في بقيَّة الصَّلاة، ولكنَّها أشارتْ إلى أنَّ صلاة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم واحدة؛ لأنَّه قال: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، فجعَلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذِنٌ بأنَّ صلاتَه واحدةٌ، ولو كان يُصلِّي بكلِّ طائفة صلاةً مستقلَّة، لقال تعالى: فلتصلِّ بهم) ((تفسير ابن عاشور)) (5/186). .
بعضُ الأحاديثِ الواردة في صلاة الخوف:
عن ابن عمرَ رضِي اللهُ عنهما قال: ((صلَّى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاةَ الخوفِ بإحدى الطَّائفتينِ ركعةً، والطَّائفةُ الأخرى مواجهةُ العدوِّ، ثمَّ انصَرَفوا وقاموا في مقامِ أصحابهم، مُقبِلين على العدوِّ، وجاء أولئك، ثمَّ صلَّى بهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ركعةً، ثمَّ سلَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قضى هؤلاء ركعةً، وهؤلاء ركعةً )) رواه البخاري (942)، ومسلم (839). .
وعن صالحِ بنِ خوَّاتِ بن جُبيرٍ، عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ ذاتِ الرِّقاعِ صلاةَ الخوفِ: ((أنَّ طائفةً صفَّت معه، وطائفةٌ وجاهَ العدوِّ، فصلَّى بالَّتي معه ركعةً، ثمَّ ثبَتَ قائمًا، وأتَمُّوا لأنفسِهم، ثمَّ انصَرَفوا فَصفُّوا وِجاهَ العدوِّ، وجاءتِ الطَّائفةُ الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعةَ الَّتي بقِيَت مِن صَلاتِه، ثمَّ ثبَت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثُمَّ سلَّمَ بهم )) رواه البخاري (4129)، ومسلم (842). .
وعن جابرٍ رضِي اللهُ عنه قال: ((شَهدتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صلاةَ الخوف، فصَفَّنا خَلْفَه صفَّيْنِ، والعدوُّ خَلْفَه بيننا وبين القِبْلة، فكبَّر صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكبَّرْنا جميعًا، ثمَّ ركَع وركعْنا، ثمَّ رفع رأسَه من الركوع، ورفَعْنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسُّجود والصَّفُّ الَّذي يليه، وقام الصَّفُّ المؤخَّرُ في نَحْر العدوِّ، فلمَّا قضَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السُّجودَ والصَّفُّ الَّذي يليه، انحدَرَ المؤخَّرُ بالسُّجود، وقاموا، ثمَّ تقدَّم الصَّفُّ المؤخَّر وتأخَّر الصَّفُّ المقدَّم، ثمَّ ركَع وركَعْنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الرُّكوع ورفعنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسُّجود والصَّفُّ الَّذي يليه، وقام الصَّفُّ المؤخَّر في نحر العدوِّ، فلمَّا قضى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السُّجودَ والصَّفُّ الَّذي يليه انحدَر المؤخَّرُ بالسُّجود وقاموا، ثمَّ تقدَّم الصَّفُّ المؤخَّر، وتأخَّر الصَّفُّ المقدَّم، ثمَّ ركع وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسَه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثمَّ انحدَر بالسُّجودِ والصَّفُّ الَّذي يليه الَّذي كان مؤخَّرًا في الرَّكعةِ الأُولى، وقام الصَّفُّ المؤخَّر في نحرِ العدوِّ، فلمَّا قضى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقام الصَّفُّ الَّذي يليه انحدر الصَّفُّ المؤخَّرُ بالسُّجود، وسجد، ثمَّ سلَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وسلَّمْنا جميعًا )) رواه مسلم 840 .
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
قيل: المأمورُ بأخْذ الأسلحةِ هنا: الطَّائفةُ المُصلِّيَة وهذا اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (7/440)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 198)، وابن عثيمين في ((تفسير سورة النساء)) (2/151). ، وقيل: بل الطَّائفةُ الأخرى الَّتي في وجْهِ العدوِّ الَّتي صلَّتْ أوَّلًا وهذا اختيار الواحدي في ((الوجيز)) (ص: 285). .
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
أي: تمنَّى الَّذين كفروا بالله لو تَنشغِلون بصلاتِكم عن أسلحتِكم الَّتي تُقاتلونهم بها، وعن أمتعتِكم الَّتي بها بَلاغُكم في أسفارِكم، فتَسهُون عنها؛ حرصًا منهم على الإيقاعِ بكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/444)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/144). .
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً
أي: فيَحملون عليكم جميعًا، حالَ غَفلتِكم بصلاتِكم عن أسلحتِكم وأمتعتِكم، فيُصيبون منكم غِرَّةً بذلك، ويُجهِزون عليكم بضربةٍ واحدة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/444)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/187)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/144-145، 152). .
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
ولَمَّـا كان الخطابُ عامًّا لجميع المحارِبين، وكان يعرِضُ لبعض الناسِ مِن العُذرِ ما يشُقُّ معه حملُ السِّلاح، عقَّبَ على العزيمةِ بالرُّخصةِ لصاحب العُذرِ فقال: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/305). .
سببُ النُّزول:
عن سعيدِ بن جُبَير، عن ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنه قال: نزلت إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى في عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ وكان جريحًا رواه البخاري (4599). .
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ
أي: لا حرجَ عليكم ولا إثمَ- إن نالكم أذًى بسبب مطرٍ تُمطَرُونه، أو أصابكم مرضٌ- في تركِ حملِ أسلحتكم إن ضعُفْتُم عن حملِها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/445)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 285)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/145). .
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
أي: ولكنْ إن وَضَعتُم أسلحتَكم من أذَى مطرٍ أو مرضٍ، فكونوا متيقِّظينَ، واحترِسوا مِن عدوِّكم أن يميلَ عليكم وأنتم عنه غافلون يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/445)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 285)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/145). .
إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
أي: إنَّ الله تعالى قد هيَّأ للكفَّارِ عذابًا مذِلًّا في الدُّنيا والآخرة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/445)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/145). .
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى بعضَ أحكام صلاة الخوفِ، وكان يقعُ فيها من التَّخفيفِ في أركانها، وغيرِ ذلك ممَّا لا يوجَد في غيرها، أعقَبَه بالأمرِ بذِكره؛ لشدَّةِ تأكُّدِه في هذا الموطنِ، كذلك فإنَّ ما هُم عليه من الخوف والحَذَر مع العدوِّ جديرٌ بالمواظَبةِ على ذِكر الله والتَّضرُّعِ إليه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير الرازي)) (11/208). فقال:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ
أي: فإذا فرَغْتم- أيُّها المؤمنون- من أداءِ صلاةِ الخوفِ، فاذكُروا اللهَ تعالى في جميعِ أحوالِكم وهيئاتكم؛ من قيامٍ وقعودٍ واضطجاعٍ على جنوبِكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/446)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 198). قال ابن كثير: (يأمر الله تعالى بكثرة الذِّكر عَقِيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعًا مرغَّبًا فيه أيضًا بعد غيرها، ولكن ها هنا آكَدُ؛ لِما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك، مما ليس يوجد في غيرها؛ كما قال تعالى في الأشهر الحرم: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36]، وإن كان هذا منهيًّا عنه في غيرها، ولكن فيها آكدُ لشدَّة حُرمتها وعِظَمها) ((تفسير ابن كثير)) (2/403). .
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
أي: فإذا أمِنْتم- أيُّها المؤمنون- وزال خوفُكم من عدوِّكم، فأتِمُّوا الصَّلاةَ على الوَجْهِ الأكملِ كما أُمِرْتُم، ظاهرًا وباطنًا، بحدودِها وأركانِها وشروطها، وجميعِ شؤونها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/448)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/155). .
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
أي: إنَّ الصَّلاةَ على المؤمنين فرضٌ مؤقَّتٌ بوقتٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/452)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/155). .
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كانت آياتُ الجهادِ في هذه السُّورة معلِّمةً للحَذَرِ خوفَ الضَّررِ، مُرشِدةً إلى إتقان المكائد للتَّخلُّصِ من الخطرِ، وكان ذلك مَظِنَّةً لمتابعة النَّفس والمبالغةِ فيها، وهو مظنَّةٌ للتَّواني في أمرِ الجهاد- أتبَع ذلك بما ينبِّهُ على الجِدِّ في أمره يُنظر: ((نظم الدرر)) (5/385-386). فقال:
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ
أي: لا تضعُفُوا ولا تَكسَلوا في طلب عدوِّكم، بل جِدُّوا في جهادِهم، وانشَطوا لقتالهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/452)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/160). .
ثمَّ ذكَر سبحانه ما يُقوِّي قلوبَ المؤمنينَ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 199). ، وبيَّن أنَّه لا وجهَ للوَهَنِ والضَّعفِ في تركِ طلبِهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/160). ، فقال تعالى:
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ
أي: إنْ كنتم- أيُّها المؤمنون- تتوجَّعون ممَّا ينالُكم من عدوِّكم من جِراحٍ وأذًى في الدُّنيا، فإنَّهم مِثلُكم؛ يتوجَّعون أيضًا ممَّا ينالُهم منكم من جِراحٍ وأذًى، فليس من المعقولِ أن تكونوا أضعفَ منهم، وأنتم وهُم قد تساوَيْتُم في ذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/452)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/160). .
كما قال تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: 140].
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ
أي: وأنتم- أيُّها المؤمنونَ- تطمَعون فيما عند الله تعالى من الثَّوابِ والنَّصرِ لدِينه، وهم لا يطمعونَ في شيء من ذلك؛ فأنتم أَولى بالقتالِ منهم، والصَّبرِ على حربِهم، وأشدُّ رغبةً في إعلاءِ كلمة الله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/453)، ((تفسير ابن كثير)) (2/403-404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/161). .
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى له كمالُ العِلم، فلا يخفى عليه شيءٌ مطلَقًا، ومن ذلك عِلمُه بمصالحِ عباده؛ فعرَّفهم عند حضورِ صلاتِهم ومواجَهةِ عدوِّهم كيفيَّةَ أداء فرضِ الله عليهم، مع السَّلامةِ من عدوِّهم، وله سبحانه كمالُ الحِكمة والحُكم؛ فهو الَّذي يُقدِّر ويُدبِّر كلَّ شيءٍ من أحكامه الكونيَّةِ والشَّرعيَّة، ويضعُ كلَّ شيءٍ منها في موضعه اللَّائقِ به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/456-457)، ((تفسير ابن كثير)) (2/404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/161-164). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- التَّنبيهُ على عظيم قدرِ الصَّلاة؛ قال تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ؛ فالسِّياقُ يُشير إلى شدَّة الاهتمامِ بشأن الصَّلاة، وأنَّه لا يُسقِطها عن المكلَّف شيءٌ، فلو أن فيها رخصةً بوجهٍ لوضَعَها اللهُ تعالى عن المسلمين في مثل هذه الحالة يُنظر: ((نظم الدرر)) (5/378). .
2- قول الله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ فيه تعليمُ المسلمين أنْ يطلُبوا المسبَّباتِ مِن أسبابها، أي: إن أخَذْتم حِذرَكم أمِنْتُم مِن عدوِّكم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/188)، ((نظم الدرر)) (5/383). .
3- الأمرُ بذِكر الله بعد انتهاء الصَّلاة؛ لقوله: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/155). .
4- إذا كنَّا مأمورين بالذِّكرِ على كلِّ حال نكونُ عليها في الحرب كما يُعطيه السِّياقُ، فأجدَرُ بنا أن نؤمَرَ بذلك في كلِّ حالٍ مِن أحوالِ السِّلم، كما يُعطيه الإطلاقُ على أنَّ المؤمنَ في حربٍ دائمةٍ وجهاد مستمرٍّ، تارةً يجاهدُ الأعداءَ، وتارةً يجاهدُ الأهواءَ، فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/312). .
5- قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ من فوائدِ تخصيصِ الذِّكر بعد صلاة الخوفِ: أنَّ الخوفَ يوجِبُ مِن قلقِ القلبِ وخوفِه ما هو مَظِنَّةٌ لضَعفِه، وإذا ضعُفَ القلبُ ضعُفَ البدنُ عن مقاومة العدوِّ، والذِّكرُ لله والإكثارُ منه مِن أعظمِ مقوِّيات القلبِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 198). ، ومنها: أن الذِّكرَ لله تعالى مع الصَّبرِ والثَّباتِ سببٌ للفلاح والظَّفَرِ بالأعداء؛ كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فأمَر بالإكثارِ منه في هذه الحالِ، إلى غيرِ ذلك من الحِكَم يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 199). .
6- المؤمِنون أَولى بالمصابَرة على القتالِ من المُشركين؛ لأنَّ المؤمنين مُقرُّون بالثَّوابِ والعقابِ، والحشرِ والنَّشر، والمشركين لا يقرُّون بذلك، نستفيدُ ذلك من قوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/210)، ((تفسير أبي حيان)) (4/55). .
7- أنَّه ينبغي للإنسان إذا عمِل العملَ الصَّالحَ أن يكون راجيًا؛ لقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، ويكون هذا الرَّجاءُ عند ابتغاء القومِ وطلَبِهم، وهكذا ينبغي للإنسانِ إذا وفَّقه اللهُ للعبادةِ أن يكون راجيًا، أي: راجيًا ثوابَها؛ لأنَّ مِن بشرى الإنسان أن يُوفَّق للعبادةِ؛ فمَن وُفِّق للعبادة على ما يُرضي اللهَ، فهي بُشرى بالقَبولِ، كما أنَّ مَن وُفِّق للدُّعاءِ فهو بشرى بالإجابة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/165). .
8- أنَّ بني آدمَ في الأمور البشريَّة على حدٍّ سواءٍ، فإذا كان الكافرُ يتألَّم فالمؤمنُ يتألَّم، حتَّى الأنبياءُ في الأمور البشريَّة كغيرِهم من النَّاسِ، لكنَّهم يختلفونَ عنهم في الصِّفات المعنويَّةِ؛ كالصَّبرِ، والتَّحمُّلِ، والإقدامِ، والعزيمةِ، وغيرِ ذلك، إِنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/165). .
9- أنَّه يجب علينا التَّفويضُ التَّامُّ فيما لا نعلم حكمتَه مِن أحكام الله الكونيَّة أو الشَّرعيَّة؛ وجهُ ذلك: أنَّه عليمٌ؛ فعنده من العِلمِ ما يخفى علينا، فيخفى به وجهُ الحِكمة بالنِّسبةِ إلينا؛ لأنَّ حكمةَ الله صادرةٌ عن عِلمٍ؛ قال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/170). .
10- قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ذكَر اللهُ تعالى في هذه الآيةِ شيئينِ يُقوِّيانِ قلوبَ المؤمنين:
 الأول: أنَّ ما يُصيبُهم من الألم والتَّعبِ والجراح ونحوِ ذلك؛ فإنَّه يصيبُ أعداءَهم، فليس من المروءةِ الإنسانيَّة والشَّهامةِ الإسلاميَّة أن يكونوا أضعفَ منهم، قد تساوَوْا هم وإيَّاهم فيما يوجِبُ ذلك؛ لأنَّ العادةَ الجاريَة ألَّا يضعُفَ إلَّا مَن توالَتْ عليه الآلامُ وانتصر عليه الأعداءُ على الدَّوامِ، لا مَن يُدالُ مَرَّةً، ويُدالُ عليه أخرى.
الأمر الثَّاني: أنَّهم يرجُون من الله ما لا يرجو الكَفَرةُ، فيرجون الفوزَ بثوابِه، والنَّجاةَ من عقابِه، بل خواصُّ المؤمنين لهم مقاصدُ عاليَة، وآمالٌ رفيعةٌ من نصر دِين الله، وإقامةِ شرعِه، واتِّساعِ دائرةِ الإسلام، وهدايةِ الضَّالِّين، وقمعِ أعداء الدِّين؛ فهذه الأمورُ توجِبُ للمؤمن المصدِّقَ زيادةَ القوة، وتضاعِفُ النَّشاطَ والشَّجاعة التَّامَّة؛ لأنَّ مَن يُقاتِلُ ويصبِرُ على نيل عِزِّه الدُّنيويِّ إن ناله، ليس كمَن يُقاتِلُ لنَيل السَّعادةِ الدُّنيويَّة والأُخرويَّة، والفوزِ برضوانِ الله وجنَّتِه يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 199). .

الفوائد العِلميَّة واللَّطائف:


1- هاتانِ الآيتان أصلٌ في رخصةِ القَصْرِ، وصلاةِ الخوف؛ يقول تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ، أي: في السَّفرِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 197). ، إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
 2- قول الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ يدلُّ على أنَّه تعالى جعل الضَّربَ في الأرض شرطًا لحصولِ هذه الرُّخصة، فلو كان الضَّربُ في الأرضِ اسمًا لمُطلَق الانتقالِ، لكان ذلك حاصلًا دائمًا؛ لأنَّ الإنسانَ لا ينفكُّ طولَ عمره من الانتقالِ من الدَّار إلى المسجدِ، ومِن المسجد إلى السُّوقِ، وإذا كان حاصلًا دائمًا، امتنع جعلُه شرطًا لثُبوتِ هذا الحُكم، فلمَّا جعَل الله الضَّرب في الأرض شرطًا لثُبوت هذا الحُكم علِمْنا أنَّه في مطلق السَّفرِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/201). .
3- أنَّ الخوفَ له أثرٌ في تغيير الأحكام؛ لقوله: أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/140). .
4- حِرصُ الكفَّار على فَتْنِ المُؤمنينَ حتَّى في العبادات؛ لقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/140). .
5- أنَّ جميعَ الكفَّار أعداءٌ لنا؛ لقوله: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وأنَّ عداوتَهم لنا بيِّنةٌ ظاهرةٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/140). .
6- قوله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ... هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ صلاةَ الجماعة فرضُ عينٍ مِن وجهينِ:
أحدهما: أنَّ اللهَ تعالى أمَر بها في هذه الحالة الشَّديدةِ، وقتَ اشتدادِ الخوفِ من الأعداءِ، وحَذَرِ مهاجمتِهم، فإذا أوجَبَها في هذه الحالة الشَّديدةِ، فإيجابُها في حالة الطُّمأنينَة والأمن مِن باب أَوْلَى وأحرى.
والثَّاني: أنَّ المصلِّين صلاةَ الخوف يتركون فيها كثيرًا من الشُّروط واللَّوازم، ويُعفَى فيها عن كثيرٍ من الأفعال المُبطِلة في غيرها، وما ذاك إلَّا لتأكُّدِ وجوبِ الجماعةِ؛ لأنَّه لا تعارُضَ بين واجبٍ ومستحبٍّ، فلولا وجوبُ الجماعة لم تُترَكْ هذه الأمورُ اللَّازمةُ لأجلِها يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 198). .
7- قوله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ...: تدلُّ الآيةُ الكريمة على أنَّ الأَولى والأفضلَ أن يصلُّوا بإمامٍ واحدٍ، ولو تضمَّن ذلك الإخلالَ بشيءٍ لا يُخَلُّ به لو صلَّوْها بعدَّةِ أئمَّةٍ؛ وذلك لأجلِ اجتماعِ كلمةِ المسلِمين، واتِّفاقِهم، وعدمِ تفرُّقِ كلمتِهم، وليكون ذلك أوقعَ هيبةً في قلوبِ أعدائِهم يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 198). .
8- قولُ الله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ مَحمَلُ هذا الشَّرطِ جارٍ على غالب أحوالهم يومَئذٍ من ملازمةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لغزواتهم وسراياهم إلَّا للضَّرورة، فليس المرادُ الاحترازَ عن كونِ غيرِه فيهم، ولكن التَّنويه بكون النَّبيِّ فيهم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/49)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/185). .
9- أنَّ الإمامَ مسؤولٌ عن صلاةِ المأموم، وتؤخَذُ من قوله: فَأَقَمْتَ لَهُمُ، كأنَّه يُقِيمُها لهم، وهذا يعني أنَّه يجبُ على الإمام أن يتَّبعَ السُّنَّةَ في صلاتِه، بينما لو كان يصلِّي وحده فله أن يخفِّفَ، وله أن يُثقِلَ حسَبَ ما يريد؛ لقول النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((وإذا صلَّى أحدُكم لنفسِه فليُطوِّلْ ما شاء )) يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/147). والحديث رواه البخاري (703)، ومسلم (467) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
10- وجوبُ صلاة الجماعةِ على الأعيانِ؛ لقوله: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، وقوله: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ؛ لأنَّها لو كانت فرضَ كفايةٍ لاكتَفَى بالطَّائفةِ الأُولى، فلمَّا أُمِرَتِ الطَّائفةُ الثَّانية بالصَّلاة جماعةً، دلَّ هذا على أنَّها واجبةٌ على الأعيانِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/147). قال ابن كثير: (وما أحسَنَ ما استدل به مَن ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة؛ حيث اغتُفِرَت أفعالٌ كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبةٌ لَمَا ساغ ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (2/400). .
11- قول الله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، خصَّ آخرَ الصَّلاة بزيادةِ الحذرِ، إشارةً إلى أنَّ العدوَّ في أوَّلِ الصَّلاة قلَّما يَفْطِنون لكونِهم في الصَّلاةِ، بخلاف الآخر؛ فلهذا خُصَّ بمزيد الحذَرِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/206)، ((نظم الدرر)) (5/382). .
12- في قوله تعالى: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ أنَّ السُّجودَ ركنٌ من أركانِ الصَّلاة؛ لأنَّه عبَّر به عن إتمامِ الصَّلاة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/149). .
13- في قوله تعالى: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَجوازُ انفرادِ الإنسانِ عن الإمام لعُذرٍ، وجهه: أنَّ الطَّائفةَ الأولى انفَردَت وأتمَّت صلاتَها، فإذا حصل للإنسان عذرٌ لا يستطيعُ معه إتمامَ صلاته؛ مِثلُ أن يطرأَ عليه حَقنٌ أو ما أشبهَ ذلك، فله أن ينفردَ ويُكمِلَ صلاتَه- إن كان يستفيدُ مِن هذا الانفرادِ- بحيث لا تكونُ صلاتُه مع الإمام أفضلَ من صلاتِه إذا انفردَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/150). .
14- في قوله تعالى: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ جوازُ إقامة جماعتينِ في مكان واحدٍ للحاجة، ومثال الحاجة: أن يكون المسجدُ ضيِّقًا؛ كالمساجدِ الَّتي تكون في السُّوقِ المزدَحِم بالباعة والمشتَرِين، فلا يسَعُهم أن يُصلُّوا، ولا يتمكَّنونَ من المتابعة في السُّوقِ، فنقول: لا بأسَ أن تصلِّي جماعةٌ أُولى، ثمَّ تأتي جماعةٌ أخرى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/151). .
15- وجوبُ أخْذ الأسلحةِ في هذه الصَّلاة؛ فقوله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أمرٌ، وظاهِرُ الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون أخذُ السِّلاحِ واجبًا يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/207)، ((تفسير أبي حيان)) (4/50). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/148). .
16- قول الله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ فيه رخصةٌ للخائفِ في الصَّلاة بأن يجعَلَ بعضَ فِكْرِه في غير الصَّلاة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/206). .
17- قال تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ أمَر تعالى بأخذِ السِّلاحِ والحذرِ في صلاة الخوفِ، وهذا وإن كان فيه حركةٌ واشتغالٌ عن بعض أحوال الصَّلاةِ، فإنَّ فيه مصلحةً راجحةً، وهي الجمعُ بين الصَّلاةِ والجهادِ، والحَذَرُ من الأعداء الحريصينِ غايةَ الحِرص على الإيقاعِ بالمسلمينَ، والميلِ عليهم وعلى أمتعتِهم؛ ولهذا قال تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 198). .
18- قول الله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُم يُرشدُ إلى وجوبِ الحَذَرِ مِن العدوِّ، وعن جميع المضارِّ المظنونةِ، ويُرشِد إلى إتقانِ المكائِد للتَّخلُّص مِن الخطر يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/207)، ((نظم الدرر)) (5/385). .
19- الرُّخصةُ في حَمْل النَّجاسة في هذه الحالة، وهذا يتوقَّفُ على القولِ بأنَّ الدَّمَ نجسٌ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ الأسلحة ولا سيما بعد القتالِ لا تخلو من دماءٍ؛ ولهذا قال العلماء: يجوز في هذه الحال أن يحملَ الإنسانُ سلاحًا نجسًا؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ لذلك، وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/148). .
20- يؤخذُ من الآيةِ الكريمة أنَّ الكفَّارَ يحرصونَ على عدم تسلُّحِ المسلمين، وهذا صحيحٌ؛ فالكفَّار يودُّون أن نغفُلَ عن أسلحتِنا، فكيف يُعْطوننا؟! وتدلُّ على شدَّةِ حَنَقِ الكفَّار بالنِّسبة للإغارةِ علينا؛ فإنَّ قوله: مَيْلَةً وَاحِدَةً يدلُّ على الحَنَقِ وشدَّةِ الغيظ، وأنَّهم مقبِلون بقوَّةٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/152). .
21- أنَّ أعداءَ المسلمين يحبُّون الإجهازَ على المسلمينَ بسُرعة، وتؤخذُ من قوله: فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً؛ فسياسةُ الكفَّار واحدةٌ مِن أوَّلِ الأمر إلى آخره، يريدونَ القضاءَ على المسلمينَ بسرعة، مرَّةً واحدة؛ لأنَّ التَّباطُؤَ يؤدِّي إلى فواتِ الفرصة عندهم، فيقولون: لا نفوِّتُ الفرصة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/152). .
22- قول الله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ خصَّ رفعَ الجُناح في وَضْع السِّلاحِ بهاتين الحالتين؛ وذلك يُوجِب أنَّ فيما وراء هاتين الحالتين يكونُ الإثمُ والجُناحُ حاصلًا بسبب وضعِ السِّلاح، وهذا يُفيد إيجابَ حملِها عند عدم العُذر يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/207)، ((تفسير الشربيني)) (1/329). .
23- قول الله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ رخصةٌ لهم في وضعِ الأسلحة عند المشقَّة، وقد صار ما هو أكملُ في أداء الصَّلاة رخصةً هنا؛ لأنَّ الأمورَ بمقاصدها، وما يحصُلُ عنها من المصالح والمفاسد؛ ولذلك قيَّد الرُّخصةَ مع أخذِ الحَذَرِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/187). .
24- قول الله تعالى: أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى، أي: متَّصفين بالمَرَض، وكأنَّ التَّعبيرَ بالوصف إشارةٌ إلى أنَّ أدنى شيءٍ منه لا يرخِّصُ في وضعِ السِّلاحِ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/383). .
25- التَّحذيرُ من الاغترار بما يُبديه الكافرُ من الموالاةِ، وجهُه: أنَّ العالِمَ بما في الصُّدورِ، والعالِمَ بكلِّ حالٍ- سبحانه وتعالى- أخبرنا بأنَّ الكافرين كانوا لنا عدوًّا مُبينًا، ولا أحدَ أعلمُ مِن الله بعبادِ الله: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/141). .
26- قول الله تعالى: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، إنَّما قال (عدوًّا) ولم يقُلْ (أعداء)؛ لأنَّ لفظ العدوَّ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/204). .
27- أنَّ الذِّكرَ بعد الصَّلاة لا يُشترط فيه أن يجلس الإنسانُ حتَّى ينهيَه، بل له أن يذكُرَ ولو كان قد انصرَفَ؛ لقوله: قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ، أي: على أيِّ حال يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/156). .
28- في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ أنَّ الذِّكر لا ينقُصُ إذا قعد الإنسانُ من قيامٍ، أو قام من قعودٍ أو اضطجع، وهذا هو الأصلُ؛ أنَّه لا ينقُصُ بكون الإنسان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، اللَّهمَّ إلَّا أن يترتَّب على ذلك أنَّه إذا كان قائمًا فهو أنشَطُ له، لكنَّ الغالب أن القاعدَ أخشَعُ؛ لأنَّ القائمَ لا يقوم ليقفَ، وإنَّما ليمشيَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/156). .
29- الصَّلواتُ الخمسُ إنَّما كانت مَوْقُوتةً؛ لتكون مذكِّرةً لجميعِ أفراد المؤمنين بربِّهم في الأوقاتِ المختلفة؛ لئلَّا تحمِلَهم الغفلةُ على الشَّرِّ، أو التَّقصيرِ في الخيرِ؛ قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/316). .
30- قوله سبحانه: مَوْقُوتًا فيه الإشارةُ إلى أنَّ الوقتَ مقدَّمٌ على جميعِ الشُّروط، وجهه: أنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَر صلاةَ الخوف ثمَّ صلاةَ الأمنِ بيَّن أنَّ هذا مِن أجل مراعاةِ الوقتِ، والأمرُ كذلك، أي: إنَّ الوقت مقدَّمٌ على جميعِ الشُّروط؛ ولهذا إذا لم تجِدْ ماءً فتيمَّمْ، حتَّى تصلِّيَ في الوقت، وإذا لم تجدْ ماءً ولا ترابًا صلِّ على حسَب حالِك، وإذا لم تجدْ ثوبًا تستُرُ به العورةَ صلِّ على حسَب حالك، ولا تنتظر حتَّى تحصُلَ على ثوبٍ؛ لأنَّ الوقتَ مقدَّمٌ على كلِّ شيءٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/158). .
31- قول الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ، الابتغاءُ مصدرُ (ابتغى) بمعنى (بغى) المتعدِّي، أي: الطَّلَب، والمراد به هنا: المبادَأَةُ بالغزو، وألَّا يتقاعَسوا، حتَّى يكونَ المشركونَ هم المبتدئينَ بالغزو، والمُبادِئُ بالغزوِ له رعبٌ في قلوبِ أعدائه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/190). .
32- في الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّه لا يُشهَدُ للشَّهيدِ بأنَّه في الجنَّة؛ وذلك في قوله تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، والرَّجاءُ قد يتحقَّقُ وقد لا يتحقَّق؛ ولهذا نُهِيَ أن نقولَ عن شخص معيَّنٍ بأنَّه شهيد، إلَّا مَن شهد له الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فمن شهِد له الرَّسولُ بالشَّهادة شهِدنا له، وكذلك مَن شهِد له القرآنُ؛ كما في غزوة أُحُدٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/166). .
33- قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لا يدلُّ على أنَّه كان فمضى؛ لأنَّ كَانَ هنا مسلوبةُ الزَّمان، وإنَّما أُتِيَ بها لتحقيقِ هذين الاسمينِ وما تضمَّناه من صفةٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/170). .
34- إثباتُ كمالِ الله عزَّ وجلَّ في حكمته تعالى؛ حيث قرَنَ بين العِلم والحكمةِ إشارةً إلى أنَّ حكمتَه صادرةٌ عن عِلمٍ، وليست عن صُدفة؛ لأنَّ الإنسانَ قد يفعل الفِعلَ ويكون مُحكَمًا مُتقَنًا لكن على غيرِ علمٍ، بل صدفةً؛ كما يقال: «رُبَّ رميةٍ مِن غير رامٍ»، لكنَّ حكمةَ الله عزَّ وجلَّ مقرونةٌ بالعِلْم مبنيَّةٌ عليه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/170). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا جملة مستأنَفةٌ استئنافًا بيَانيًّا مسُوقة لبيان أحكام قَصْرِ الصَّلاة يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/308). .
- وفيه انتقالٌ إلى تشريعٍ آخَرَ بمناسبةِ ذِكْرِ السَّفرِ للخروجِ مِن سُلطةِ الكفر، على عادةِ القرآنِ في تَفنينِ أغراضِه، والتماسِ مُناسباتِها يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/182). .
2- قوله: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا: تعليلٌ لِمَا قَبْله، باعتبارِ تعلُّلِه بما ذُكر، أو لِمَا يُفهَم مِن الكلامِ من كونِ فِتنتِهم متوقَّعةً؛ فإنَّ كمالَ عداوتِهم للمؤمنين من موجِبات التعرُّض لهم بسوء يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/226). .
3- قوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا ...الآية، فيها إيجازٌ بالحذفِ؛ فإنَّه لَمَّا قال: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ علم أنَّ ثمةَ طائفةً أخرى؛ فالضمير في قوله: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ للطَّائفةِ باعتبار أفرادها، وكذلك ضميرُ قوله: فَإِذَا سَجَدُوا للطَّائفةِ الَّتي مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/185). .
- وفي قوله: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ بيانٌ لِمَا قبله من النَّصِّ المُجمَلِ الواردِ في مشروعيَّة القَصرِ بطريق التَّفريعِ، وتصويرٌ لكيفيَّتِه عند الضَّرورةِ التَّامَّةِ، وتخصيصُ البيانِ بهذه الصُّورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبيان بطريق السُّنَّةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/226). .
- قوله: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ، وقوله: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ: فيه تَكرار يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/63). ، وهو يُفيدُ التَّأكيدَ.
- قوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ: لعلَّ زِيادةَ الأَمْرِ بالحذرِ في هذِه المرَّةِ؛ لكونِها مظِنَّةً لوقوفِ الكَفَرة على كونِ الطائفةِ القائمةِ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في شُغلٍ شاغلٍ، وأمَّا قبْلَها فربَّما يَظنُّونَهم قائِمينَ للحربِ، وتكليفُ كلٍّ مِن الطائفتينَ بما ذُكِر؛ لأنَّ الاشتغالَ بالصَّلاة مظنَّةٌ لإلقاءِ السِّلاحِ والإعراضِ عن غيرِها، ومظنَّةٌ كذلك لهجومِ العدوِّ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/227). .
4- قوله: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً الجملة استئنافيَّةٌ مسُوقةٌ لتعليل الأمرِ المذكورِ، وهو قوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، وفيها: التفاتٌ؛ إذ إنَّ الخِطابَ للفريقين بطريق الالتفاتِ، أي: تمنَّوْا أنْ ينالوا غِرَّةً، ويَنتهزوا فرصةً، فيشدُّوا عليكم شَدَّةً واحدةً يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/227). .
قوله: مَيْلَةً وَاحِدَةً: استُعمِلتْ صِيغة (المرَّة) هنا للكِناية عن القوَّة والشِّدَّة؛ وذلك أنَّ الفعل الشَّديدَ القويَّ يأتي بالغرَضِ منه سريعًا دون معاودةِ علاجٍ، فلا يتكرَّر الفعلُ لتَحصيلِ الغرض، وأكَّد معنى المرَّة المستفادَ من صِيغة (فَعْلة) بقوله: وَاحِدَةً؛ تَنبيهًا على قصْدِ معنى الكناية؛ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّ المصدرَ لمجرَّد التَّأكيدِ لقوله: فَيَمِيلُونَ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/383)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/187). .
- قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ، وقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ: فيه تَكرارٌ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/62). ، وهو يُفيدُ تأكيدَ نفْيِ الجُناح.
5- قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا: الجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مُقرِّر لِمَا قبلها؛ من أجْل تشجيعِ المسلمين؛ لأنَّه لَمَّا كرَّر الأمْرَ بأخْذِ السِّلاح والحَذَر، خِيفَ أن تثُورَ في نفوسِ المسلمين مَخافةٌ من العدوِّ من شدَّةِ التَّحذيرِ منه، فعقَّب ذلك بأنَّ اللهَ أعدَّ للكافرين عذابًا مُهِينًا، وهو عذابُ الهزيمةِ والقتلِ والأَسْر، ولِيعلموا أنَّ الأمرَ بالحَذرِ ليس لذلك، وإنَّما هو تعبُّد من اللهِ تعالى بتَعاطي الأسبابِ المشروعةِ يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/94)، ((تفسير أبي السعود)) (2/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/188). .
- وقيل: هو تعليلٌ للأمْر بأخْذِ الحذرِ؛ فإنَّه أعدَّ لهم عذابًا مُهِينًا بأنْ يخذُلَهم وينصُرَكم عليهم، فاهتمُّوا بأموركم ولا تُهمِلوا في مباشرة الأسباب؛ كي يحُلَّ بهم عذابُه بأيديكم، وليعلموا أنَّ الأمر بالحزم ليس لضعفِهم وغلَبةِ عدوِّهم، بل لأنَّ الواجبَ أن يُحافِظوا في الأمورِ على مراسم التَّيقُّظ والتَّدبُّر فيتوكَّلوا على الله سبحانه وتعالى يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/94)، ((تفسير أبي السعود)) (2/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/188). .
6- قوله تعالى: فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا تذييلٌ مسُوقٌ مساقَ التَّعليلِ؛ لوجوبِ المحافظةِ على الصَّلاة في أوقاتها حتَّى في وقتِ الخوفِ ولو مع القَصْرِ منها يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/313)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/189). .
- وقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ فيه إظهارٌ لِمَا كان الأصل فيه الإضمارُ- حيث قال: إِنَّ الصَّلَاةَ ولم يَقُل: (إِنَّها)-؛ تَنبيهًا على عَظيمِ قدْرِ الصَّلاةِ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/385). .
7- قوله: وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكيمًا جاءتْ لفظة (عليمًا) و(حَكيمًا) على صِيغة (فعيل)؛ للمبالغةِ في وصْف الله تعالى بالعِلم والحكمة؛ فإنَّه سبحانه يعلم كلَّ شيء، ويعلم الأعمالَ ويعلَمُ ما في الضمائر يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/228). ، وكذلك متَّصفٌ بالحِكمةِ في كلِّ أفعاله سبحانه، مع ما تُفِيدُه الجملةُ الاسميَّةُ من التَّأكيد.