موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (11-14)

ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ

غريب الكلمات:


يُوصِيكُمُ اللَّهُ: الوصيةُ: التقدُّمُ إلى الغيرِ بما يَعملُ به مقترنًا بوعْظ، والوصيةُ مِن الله هي الأمرُ المؤكَّد، والتوصية تُعرِب عن تأكيدِ الأمرِ، والاعتناءِ بشأنِ المأمورِ به، وأصل (وصي): يدلُّ على وصْلِ شيء بشيء؛ يقال: وطِئْنَا أرضًا واصية، أي: إنَّ نَبْتها متَّصِلٌ قد امتلأت منه، ومنه الوصية، كأنَّه كلامٌ يُوصَى؛ أي: يُوصَل ينظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/116)، ((المفردات)) للراغب (ص: 873)، ((تفسير أبي حيان)) (4/688) ((تفسير الألوسي)) (13/22). .
حَظُّ: أي: نصيبٌ مقدَّر، وأصل (حظظ): النَّصيب والجِد ينظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/186)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/14)، ((المفردات)) للراغب (1/243)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/136). .
كَلَالَةً: الكَلالة: الذي يموتُ ولا ولدَ له ولا والدَ، مصْدَر مِن تكلَّله النَّسب, أي: أحاطَ به؛ فالابنُ والأبُ طرفانِ للرَّجُل, فإذا ماتَ ولم يُخلِّفْهما, فقد ماتَ عن ذَهاب طَرَفَيهِ, فسُمِّي من ذَهبَ طَرفاه كَلالةً [209] ينظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/121)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/390)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/121)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/136-  137). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللهِ:
فَرِيضَةً: منصوبةٌ على أنَّها مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجُملةِ السَّابقة مِن الوصيَّة؛ لأنَّ معنى يُوصِيكُمُ اللهُ فرَضَ اللهُ عليكم، فصار المعنى: (يُوصِيكُم اللهُ وصيةَ فَرْضٍ)، أو منصوبةٌ بفِعلٍ محذوفٍ مِن لفْظِها على أنَّها مَصدرٌ له، أي: فرَض اللهُ ذلِك فريضةً. وقيل: إنَّها حالٌ؛ لأنَّها ليستْ مصدرًا [210] ينظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/192)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/335)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/606). .
2- قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً
كَانَ: يجوزُ هنا أنْ تكونَ ناقصةً، ويكونُ رَجُلٌ مرفوعًا على أنه اسْمُها، ويُورَثُ خبرها في مَحلِّ نصْب، ويجوزُ جعْلُ كَانَ تامَّةً- فيُكْتَفى بالمرفوعِ، أي: وإنْ وُجِد أو وَقَع رجلٌ- وَرَجُلٌ فاعِلَها، وجملة يُوْرَثُ في محلِّ رفْعٍ صِفَةٌ لـ رَجُلٌ.
كَلالَةً منصوبةٌ على الحالِ من الضَّميرِ المُسْتَترِ في يُوْرَثُ، على نيَّةِ حَذْفِ مضافٍ: والتقدير: يُورَثُ ذا كَلالةٍ، والكلالةُ على هذا: اسمٌ للمَيِّتِ الذي لم يَتْرُكْ ولدًا ولا والدًا. وفي إعرابِ كَلَالَةً توجيهاتٌ إعرابيَّة أخرى بِحَسَب تفسيرها ومعانيها المختلِفة [211] ينظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/192)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/335-336)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/606-610). .
3- قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ:
 وَصِيَّةً مِنَ اللهِ: وَصِيَّةً: منصوبةٌ على أنَّها مصدرٌ مؤكِّد لفِعلٍ محذوفٍ؛ أي: وصَّى أو يُوصيكم اللهُ بذلك وصيةً، ودلَّ على المحذوفِ قولُه: غَيْرَ مُضَارٍّ، وعلى هذا الوجه فمفعولُ مُضَارٍّ محذوفٌ، والتقدير: غيرَ مضارٍّ ورثتَه بوصيةٍ. وقيل: إنَّ وَصِيَّةً منصوبةٌ باسمِ الفاعلِ مُضَارٍّ على أنَّه مفعولُه، وجُعلتِ المُضارَّةُ الواقعةُ بالورثةِ كأنَّها واقعةٌ بنفس الوصية؛ مبالغةً في ذلك، ويؤيِّد هذا التخريجَ قِراءةُ الحَسَن: (غَيْرَ مُضارِّ وَصِيَّةٍ) بإضافةِ اسمِ الفاعِل إليها، وأصله: غيرَ مضارٍّ في وصيةٍ من اللهِ، فاتُّسِعَ في هذا إلى أنْ عُدِّيَ بنفسِه من غيرِ واسطة؛ لِقَصْد المبالَغة. وقيل غيرُ ذلك [212] ينظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/192)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/337)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/613). .

المَعنَى الإجمالي:


يَعهَد اللهُ إليكم في شأنِ ميراثِ أولادِكم من بعدِ موتِكم أن يكون نصيبُ الذَّكر منهم في الميراث مِثلَ نصيب الأُنثيين. فإنْ كانتِ البناتُ زائداتٍ على اثنتينِ، وليس معهنَّ ذكَرٌ، فلهنَّ ثُلثَا ما ترَك المتوفَّى، وإنْ كانتْ واحدةً فقط فلها النِّصف، ولوالدَيِ الميِّت السُّدسُ من التَّرِكَة إذا كان له ولدٌ، سواء من الذُّكور أو الإناثِ، واحدًا أو جماعةً، فإنْ لم يترك الميِّتُ ولدًا، وكان أبوه وأمُّه وارثَيْهِ، فلأمِّه الثُّلُثُ، ولأبيه ما تبقَّى من مالِ التَّرِكة. وإنْ كان مع الأبوينِ الوارثينِ إخوةٌ للميِّت- أشِقَّاءُ، أو لأبٍ، أو لِأُمٍّ- فتستحقُّ الأمُّ في هذه الحال السُّدسَ من التَّرِكة، وما بقِي فللأب. هذه الفرائِض التي ذكَرها الله سبحانه وتعالى تُعطَى لأهلها مِن بعد أن تُنَفَّذ وصيةُ الميِّت، وتُقضى دُيونُه؛ إنَّكم لا تدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفعُ لكم، وأقربُ لحصولِ مقاصدِكم الدِّينيَّة والدنيويَّة، فلو رُدَّ تقديرُ الإرثِ إلى عقولِكم واختيارِكم، لحَصَل من الضَّرر ما اللهُ به عليمٌ؛ فهذا التقسيمُ المذكورُ فرَضَه اللهُ سبحانه على عِباده؛ فهو سبحانه العليمُ الحكيم.
ثم بيَّن اللهُ ميراثَ الزوجينِ؛ فأخبر أنَّ للأزواج النِّصفَ من تركة زوجاتِهم، إذا لم يكُن لهنَّ ولدٌ، سواءٌ من الذكور أو الإناث، واحدًا كان أو أكثر، وفي حالة وجودِ الولد فإنَّ الأزواجَ يستحقُّون الرُّبُعَ من ترِكة الزوجاتِ، من بعد استخراج الوصية التي أَوصينَ بها، وقضاءِ الدُّيون التي عليهنَّ، وللزَّوجاتِ الرُّبُعُ من ترِكة أزواجهنَّ إنْ لم يكُن لأزواجهِنَّ ولدٌ، فإنْ كان هناك ولد، فلهن الثُّمُنُ من الترِكة، من بعد الوصِيَّة وقضاء الدَّين، ثم أوضح الله تعالى حُكمَ مَن تُوفِّيَ بدون أن يترُكَ ولدًا ولا والدًا، وكان له أخٌ أو أخت من جِهة أمِّه؛ فإنَّ لكلٍّ من الأخِ أو الأخت في هذه الحال سُدسَ التركة، فإنْ كانوا أكثرَ من واحدٍ فإنَّ نصيبَهم الثُّلُثُ من التركة، يقتسمونه بينهم بالتَّساوي ذُكورًا وإناثًا، وذلك بعد إخراج الوصيَّة وقضاءِ دُيون المتوفَّى، على ألَّا تكون تلك الوصيةُ مقصودًا بها الإضرارُ بالوَرَثَة، هذه الأحكامُ التي ذُكرت هي عَهدٌ مِن الله، يجب التزامُه، فالله سبحانه وتعالى عليمٌ حليم.
ثم يُخبِر تعالى أنَّ ما شرَعه من الفرائض والمقادير هي حدودُه، التي يجب ألَّا يتجاوزَها العبادُ، ويُبيِّنُ جزاءَ مَن يطيعُ الله ورسوله أنَّ له جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ، ماكثينَ فيها على الدوامِ، وهذا هو الفلاحُ والرِّبحُ العظيم. وأمَّا مَن يَعصي اللهَ ورسوله، ويتجاوز حدودَ الله، فإنَّ الله سيُدْخِلُه نارًا يَمكُثُ فيها على الدَّوام، وله عذابٌ مُخْزٍ.

تفسير الآيات:


يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
 لَمَّا بيَّن الله تعالى الحُكْمَ في مال الأيتامِ، وما على الأولياء فيه، بيَّن كيف يَمْلِك هذا اليتيمُ المالَ بالإرث، ولم يكُن ذلك إلَّا ببيان جملة أحكام الميراث يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/509). .
وأيضًا لَمَّا أثبتَ اللهُ تعالى حُكمَ الميراثِ بالإجمالِ في قوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ [النساء: 7]، وأبْهَمَ المقدارَ ومَن يرِثُ- ذكر عَقيب ذلك المجمَل، هذا المفصَّل، فبيَّن المقاديرَ، ومَن يَرِثُ من الأقربينَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/509)، ((تفسير أبي حيان)) (3/533)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/255). .
سببُ النُّزولِ:
عن جابرٍ رضِي الله تعالى عنه، قال: ((عادَني النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، وأبو بكر في بني سَلِمة ماشِيَينِ، فوجدني النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم لا أعقِلُ، فدعا بماءٍ فتوضَّأ منه، ثم رشَّ عليَّ فأفقْتُ، فقلْتُ: ما تأمُرني أن أصنعَ في مالي يا رسولَ الله؟ فنَزَلَت يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)) رواه البخاري (4577) واللفظ له، ومسلم (1616). .
وعن جابرٍ رضِي اللهُ عنه، قال: ((جاءتِ امرأةُ سعدِ بنِ الرَّبيعِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بابنتَيها مِن سعدٍ، فقالت: يا رسولَ الله، هاتانِ ابنتَا سعدِ بنِ الرَّبيع، قُتِل أبوهُما معك في أُحدٍ شهيدًا، وإنَّ عمَّهما أخَذَ مالَهما، فلم يَدَعْ لهما مالًا، ولا يُنْكَحَان إلَّا ولهما مالٌ، قال: فقال: يَقضِي اللهُ في ذلك، قال: فنزلتْ آيةُ الميراثِ، فأرسلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى عَمِّهما، فقال: أعطِ ابنتَي سعدٍ الثُّلُثَينِ، وأُمَّهما الثُّمُنَ، وما بقِي فهو لك قال ابنُ كثير: (الظاهر أنَّ حديث جابر الأوَّل إنما نزل بسببه الآيةُ الأخيرة من هذه السورة... فإنَّه إنما كان له إذ ذاك أخواتٌ، ولم يكن له بنات، وإنما كان يُورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعًا للبخاري، رحمه الله، فإنَّه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبهُ بنزول هذه الآية، والله أعلم). ((تفسير ابن كثير)) (2/225). )) رواه أبو داود (2892)، والترمذيُّ (2092)، وابن ماجه (2720)، وأحمد (14840) واللفظ له. قال أبو داود: هذا أصح. وصححه الترمذيُّ، واحتجَّ به ابن حزم في ((المحلى)) (9/255)، وحسَّنه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (4/130)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2092). .
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ
أي: يَعهَدُ إليكم ربُّكم ويأمرُكم أمرًا مؤكَّدًا في شأنِ ميراثِ أولادِكم بالتَّسْويةِ بينهم، ذُكورًا وإناثًا في أصْلِ الاستحقاقِ من الميراثِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/456-457)، ((تفسير ابن كثير)) (2/225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/64). .
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بالتَّسويةِ بين الأولاد- من الذُّكور والإناثِ في أصلِ الميراثِ- فاوَتَ بين الصِّنفيْن، وذَكر كيفيَّةَ إرْثِهم يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 166). ، فقال:
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
أي: إذا اجتَمَع في أولادِ الميِّتِ ذكورٌ وإناثٌ، فإنَّنا نُعطي الذَّكَرَ ضِعْفَ ما تُعطَى الأنثى، (وذلك إنْ لم يكُن معهم صاحبُ فرضٍ، أو ما أَبقتِ الفروضُ يَقتسمونَه كذلك) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/457)، ((تفسير ابن كثير)) (2/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 166)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/64). وناسَب أن يُعطى الذَّكرُ ضِعْفي ما تأخُذه الأنثى لاحتياجِ الرجُل إلى مُؤنةِ النفقة والكُلْفة، ومعاناة التِّجارة والتكسُّب، وتجشُّم المشقَّة؛ فالرجُلُ باذلٌ، والمرأة آخِذةٌ، فهو مأمورٌ بالَّنفقة عليها، ويبذلُ لها المهر، وترثه إذا ماتَ، وليس من العدلِ التَّسويةُ بينهما. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/83). .
فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى حالةَ اجتماعِ الذُّكور والإناث، أتْبعَ ذلك بذِكر حالةِ انفرادِ الإناثِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 166). ، فقال:
فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ
أي: فإنْ كان بناتُ الميِّت أكثرَ في العدد من اثنتين- مهما بلغ عددُهن- فإنهنَّ يستحققْنَ ثُلُثيِ الترِكة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/460)، ((تفسير ابن كثير)) (2/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 166)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/65). قال الواحديُّ: (أجمعتِ الأمَّةُ على أنَّ للبنتين الثلثين، إلَّا ما رُوي عن ابن عبَّاس) ((التفسير الوسيط)) (2/19). وقال ابنُ عطيَّة: (قوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ معناه: اثنتين فما فوقهما، تَقتضي ذلك قوَّةُ الكلام، وأمَّا الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلثان لهما بالإجماع الذي مرَّت عليه الأمصارُ والأعصار، ولم يُحفظْ فيه خلافٌ، إلَّا ما رُوي عن عبد الله بن عباس: أنَّه يرى لهما النِّصف) ((تفسير ابن عطية)) (2/15). .
ولَمَّا بيَّن اللهُ تعالى ميراثَ البناتِ حالَ اجتماعِهنَّ، ذكَر ميراثَ البنتِ الواحدة، فقال:
وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
أي: وإنْ خلَّف الميِّتُ بنتًا واحدةً، فإنَّ لها نصفَ التَّرِكة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/461)، ((تفسير ابن كثير)) (2/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 166). .
ولَمَّا ذكَر اللهُ تعالى مِيراثَ الأولاد، انتقَلَ إلى ذِكر ميراث الأبوين، فقال:
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ
أي: إنَّ لكلٍّ من والد الميِّت ووالدته، السُّدسَ من التركة، إنْ كان للميِّت ولدٌ، ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو جماعةً يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/461-462)، ((تفسير ابن كثير)) (2/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 167)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/67-68). .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
أي: فإن لم يكن للميِّت ولدٌ، ذكرًا كان أو أنثى، وله أبٌ وأمٌّ، فإنَّ لأمِّه ثُلُثَ التَّركة، وللأبِ ما بَقيَ منها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/462-463)، ((تفسير ابن كثير)) (2/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 167)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/68-70). قال الشنقيطي: (قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، أي: ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعًا) ((أضواء البيان)) (2/56). وإنَّما كان حظُّ الوالدين من الإرث أقلَّ مِن حظ الأولاد مع عِظَم حقِّهما على الولد; لأنَّهما يكونان في الغالب أقلَّ حاجةً من الأولاد إمَّا لكبرهما، وقِلَّة ما بقِي من عمرهما، وإمَّا لاستقلالهما، وتمولهما، وإما لوجود مَن تجبُ عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء، وأمَّا الأولاد فإمَّا أن يكونوا صغارًا لا يَقدِرون على الكسب، وإمَّا أن يكونوا على كِبرهم محتاجين إلى نفقةِ الزواج، وتربيةِ الأطفال؛ فلهذا وذاك كان حظُّهم من الإرث أكثرَ من حظِّ الوالدين. ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (4/340). .
عن عبدِ الله بن عبَّاس رضِي اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فهو لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ )) رواه البخاري (6735)، ومسلم (1615). .
فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
أي: إذا وَرِث الميِّتَ أبواه، وكان له إخوةٌ، سواء كانوا أشقَّاءَ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وسواء كانوا اثنين أو أكثر، فإنَّ للأمِّ سدسَ الترِكة، وللأب ما بقي منها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/463-465)، ((تفسير ابن كثير)) (2/227-228)، ((تفسير السعدي)) (ص: 167)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/70-71). قال الواحديُّ: (أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ الأخوين يَحجُبان الأمَّ مِن الثُّلث إلى السُّدس، والأخ الواحد لا يَحجُب) ((التفسير الوسيط)) (2/20). .
عن عبد الله بن عبَّاس رضِي اللهُ عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فهو لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكرٍ )) رواه البخاري (6735)، ومسلم (1615). .
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ
أي: هذه المواريثُ التي ذَكَرها الله تعالى، إنَّما تُستَحقُّ لأهْلِها ممَّا تبقَّى من تركة الميِّت، بعد تنفيذ وصيَّتِه المشروعةِ الثابتة عنه (على ألَّا تتجاوزَ الوصيةُ ثُلُثَ مال الميِّت- إلَّا إذا أجاز الوَرَثةُ تلك الزِّيادةَ- ولا تكون لوارثٍ، ولا تكون لشيءٍ محرَّم)، وقضاء دُيونه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/469)، ((تفسير ابن كثير)) (2/228)، ((تفسير السعدي)) (ص: 167-168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/73-78). وحكى ابن جرير الإجماع على أنَّ قضاء الدَّيْن مقدَّمٌ على الوصية. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/469). .
عن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضِي اللهُ عنه قال: ((تشكَّيتُ بمكَّةَ شكوى شديدةً، فجاءني النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يعودُني، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إنِّي أتركُ مالًا، وإني لم أترُكْ إلا ابنةً واحدةً، فأُوصي بثُلُثَي مالي وأتركُ الثُلثَ؟ فقال: لا. قلتُ: فأُوصي بالنِّصفِ وأتركُ النصفَ؟ قال: لا، قلتُ: فأُوصي بالثُّلُثِ وأتركُ لها الثُلثين؟ قال: الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ )) رواه البخاري (5659) واللفظ له، ومسلم (1628). .
وعن أبي أُمامةَ الباهليِّ رضِي اللهُ عنه قال: ((سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في خُطبتهِ عامَ حجَّةِ الوداعِ: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى، قد أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصِيَّةَ لوارثٍ )) رواه أبو داود (2870)، والترمذيُّ (2120) واللفظ له، وابن ماجه (2713)، وأحمد (22348). حسَّنه الإمام أحمد كما في ((بلوغ المرام)) لابن حجر (286)، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح، وحسَّنه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (24/439)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (7/263)، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (2/315)، وصحَّحه الذهبي في ((تنقيح التحقيق)) (2/157). .
آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
قيل: لَمَّا قسَّم سبحانه الميراثَ على ما اقتضتْه حِكمتُه؛ قطَعَ خطَّ الاعتراضِ على هذه القِسمة بقوله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/78). :
آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا
أي: إنَّما فرَضَ اللهُ تعالى للآباء والأبناء نَصيبَهم من الميراث، كلٌّ بحسَبه؛ لأنَّ الإنسان قد يأتيه مِن أبيه النفعُ- دُنيويًّا كان أو أخرويًّا أو هما معًا- ما لا يأتيه من ابنِه، وقد يكون الأمرُ بالعكس؛ فلا ينبغي أن يُمنَع أحدٌ حقَّه من الإرث؛ فإنَّه لو رُدَّ تقديرُ الإرث إلى عقول الناس واختيارِهم لحَصَل مِنَ الضَّررِ ما اللهُ به عليمٌ؛ لنقصِ العُقولِ وعَدمِ مَعرفتِها بما هو اللائقُ الأحسن في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفعُ لهم، وأقربُ لحصول مقاصدِهم الدِّينيَّة والدنيويَّة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/471)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/78). .
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
أي: هذا التقسيم المقدَّر للميراث، فرْضٌ من الله تعالى وحده، قد حَكم به على عِبادِه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/79). .
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
أي: إنَّ الله تعالى عالمٌ بكلِّ شيء، ومن ذلك عِلمُه بمَن يستحقُّ الأخذَ من الميراث، ومقدارِ ما يستحقُّه كلُّ أحد، وهو الحكيمُ الحاكم على عِبادِه، الذي يَضعُ الأشياءَ في مواضعها اللائقة بها، ومِن ذلك: وضْعُه حقَّ الميراث في أهلِه المستحقِّين له، وتقديرُه ما يستحقُّه كلُّ أحدٍ منهم على أحسنِ تقديرٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/473)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/79). .
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى ميراثَ الفُروعِ من الأصول، وميراثَ الأصولِ من الفُروع، أخَذ في ذِكْر ميراث المتَّصلين بالسَّببِ لا بالنَّسَب، وهو للزوجيَّة هنا يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/544). ، فقال:
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ
أي: ولكم- أيُّها الأزواجُ- نصفُ ترِكة زوجاتكم بعد وفاتهنَّ، إذا مِتْنَ عن غيرِ ولدٍ، ذَكَرًا كان أو أُنثى، واحدًا أو أكثر يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/473)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/95). قال ابنُ عطيَّة: (الولد هاهنا بنو الصُّلب، وبنو ذكورهم وإن سَفُلوا، ذُكرانًا وإناثًا، واحدًا فما زاد، هذا بإجماعٍ من العلماء) ((تفسير ابن عطية)) (2/18). .
فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ
أي: فإنْ كان لزوجاتكم ولدٌ، من ذَكَر أو أنثى، واحد أو أكثر، فلكم- أيُّها الأزواج- رُبُع ترِكة زوجاتكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/473)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/95-96). .
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
أي: ذلك الفَرْض لكم- أيُّها الأزواج- تستحقُّونه ممَّا تبقَّى من ترِكة أزواجِكم، بعد تنفيذ وصيتهنَّ المشروعة الثابِتَةِ عنهنَّ، وقضاءِ ديونهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/473)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/96-97). .
وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ
أي: ولأزواجكم- أيُّها الأزواج- رُبُعُ ما تركتم بعد وفاتكم، إنْ لم يكُن لكم ولدٌ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/474)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/97). اتَّفقتِ الأمَّة على أنَّ الرجُلَ إذا كانتْ له زوجاتٌ: أنهنَّ يَشترِكْنَ في الرُّبُع أو في الثُّمُن من غير زيادة لهنَّ؛ لأنَّ تعدُّد الزوجاتِ بيد صاحبِ المال، فكان تعدُّدهنَّ وسيلةً لإدخال المضرَّة على الورثةِ الآخَرين بخِلاف تعدُّدِ البنات والأخوات، فإنَّه لا خيارَ فيه لربِّ المال. ((تفسير ابن عاشور)) (4/263). .
فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ
أي: فإنْ كان لكم- أيُّها الأزواج- ولدٌ، وأصابَكم الموتُ، فإنَّ لزوجاتِكم ثُمُنَ ما تركتُم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/474)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/97). .
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
أي: إنَّما يستحقُّ زوجاتكم ذلك النَّصيبَ ممَّا تبقَّى من ترِكتكم، بعد تنفيذ وصيَّتكم المشروعة الثابتة عنكم، وقضاء دُيونكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/474)، ((تفسير ابن كثير)) (2/229)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/97). .
وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
أي: إنْ كان المتوفَّى، رجلًا كان أو امرأةً، قد تُوفِّيَ عن غير ولدٍ ولا والدٍ، وله من جهة الأمِّ أخٌ أو أختٌ، فإنَّ لكلِّ واحدٍ منهما- أي الأخ أو الأخت- سُدُسَ التَّركةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/474-484)، ((تفسير ابن كثير)) (2/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/98-99). قال الواحديُّ: (قوله: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء: 12] يعني: من الأمِّ، بإجماع المفسِّرين) ((التفسير الوسيط)) (2/24). .
عن عبدِ اللهِ بن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: ((كنتُ آخرَ النَّاسِ عَهْدًا بعُمرَ، فسَمِعْتُهُ يقولُ: القَولُ ما قلتُ، قلتُ: وما قلتَ؟ قالَ: الكلالةُ من لا ولدَ لَهُ ولا والِدَ )) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (19188)، وابن أبي حاتم في التفسير (4933) واللفظ له. صححه ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (2/201)، وصحح إسناده أحمد شاكر في ((عمدة التفسير))(1/471). .
فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ
أي: فإنْ كان الإخوةُ والأخواتُ من جِهة أمِّ الميِّت الموروث كلالةً- رجلًا كان الميِّت أو امرأةً- أكثرَ من واحد يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/217-218). قال البغوي: (فيه إجماع أنَّ أولاد الأمِّ إذا كانوا اثنين فصاعدًا يشتركون في الثُّلث ذكرُهم وأُنثاهم)) ((تفسير البغوي)) (1/582). وقال ابن العربي: (اتَّفق العلماء على أنَّ التَّشريك يقتضي التَّسوية بين الذَّكر والأنثى) ((أحكام القرآن)) (1/452). ، فلهم جميعًا ثُلُثُ التركة، يقتسمونها ذُكورًا وإناثًا بينهم بالتَّساوي يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/484-485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 168)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/99). .
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ
أي: هذا الذي فرَضَه الله تعالى لأخي الميِّتِ الموروث كلالةً وأخته، أو لإخوته وأخواته، إنَّما يستحقُّونه مِن بعدِ تنفيذِ وصيَّته المشروعةِ الثابتةِ عنه وقضاءِ دُيونِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/485)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/99). .
غَيْرَ مُضَارٍّ
أي: غير مقصودٍ بها الإضرارُ بالوَرَثة بأيِّ وجهٍ من الوجوه، كأنْ يَحرِمَ بعضَ الورثة حقَّهم أو يَنقُصه، أو يزيدَ عليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/485)، ((تفسير ابن كثير)) (2/231)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/99-100). قال الرازيُّ: (واعلمْ أنَّ الضرار في الوصية يقع على وجوه: أحدها: أن يُوصِي بأكثرَ من الثلث. وثانيها: أن يُقِرَّ بكلِّ ماله أو ببعضه لأجنبي. وثالثها: أن يُقرَّ على نفْسه بدَين لا حقيقة له؛ دفعًا للميراث عن الورثة. ورابعها: أن يقرَّ بأنَّ الدَّين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه. وخامسها: أن يبيع شيئًا بثمن بخس، أو يشتري شيئًا بثمن غال، كل ذلك لغرض أنْ لا يصل المال إلى الورثة. وسادسها: أن يوصي بالثُّلُث لا لوجه الله، لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة، فهذا هو وجه الإضرار في الوصية) ((تفسير الرازي)) (9/524). .
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ
أي: هذا الذي ذَكَره الله تعالى من أحكامٍ فيما يجب من ميراثِ مَن مات منكم، عهدٌ مؤكَّدٌ من الله تعالى إليكم، وجَب عليكم أن تَلتزِموا به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/487-488)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/267)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/100). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
أي: إنَّ اللهَ تعالى ذو عِلمٍ بكلِّ شيء، ولا يَخفى عليه شيءٌ سبحانه، ومن ذلك: عِلمُه بمصالحِ خَلْقِه ومضارِّهم، وعِلمُه بمَن يستحقُّ أن يُعطى من الميراث، ومن يُحرَم، وعِلمُه بقدْر ما يستحقُّه كلُّ واحدٍ منهم، وهو سبحانه الحليمُ الذي لا يُعاجِل مَن عصاه بالعُقوبةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/488)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/100). .
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى سِهامَ المواريث، وقد كانوا في الجاهليَّةِ يَمنعون النِّساءَ والأطفالَ من الميراثِ، ذَكَر الوعدَ والوعيدَ ترغيبًا في الطَّاعةِ وترهيبًا عن المعصيةِ؛ لئلَّا يُغترَّ بوصْف الحَليم، فقال- مُعظِّمًا للأمْر بأداة البُعدِ تِلْكَ، ومشيرًا إلى جميعِ ما تقدَّم مِن أمْرِ المواريث وغيرها يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/525)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/213). -:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
أي: تِلك الفرائضُ والمقاديرُ التي جعَلها الله تعالى للوَرَثةِ، هي حدودُ اللهِ تعالى التي شرَعَها لعباده؛ فيجبُ الوقوفُ معها، وعدمُ تجاوُزِها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/489-490)، ((تفسير ابن كثير)) (2/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 170)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/108-109). .
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أي: ومَن يتَّبعْ أمْرَ اللهِ تعالى وأمْرَ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام، ويجتَنِبْ نَهْيَهما، ومِن ذلك ما يَتعلَّق بأحكامِ المواريث، فإنَّ الله تعالى يُدخِلُه جنَّاتٍ تجري من تحت أشجارِها وغُروسِها أنهارٌ متعدِّدةٌ، وهم في هذا النعيمِ ماكثونَ على الدَّوامِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/490)، ((تفسير ابن كثير)) (2/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 171)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/109-113). .
وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أي: إنَّ إدخالَ اللهِ تعالى لِمَن أطاعه وأطاعَ رسولَه جِنانَه التي وصَف شيئًا منها، لهُوَ ربحٌ كبير، وفلاحٌ منقطعُ النظيرِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 171)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/118-119). .
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
أي: إنَّ مَن يُخالفْ أمْرَ الله تعالى وأمر رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام، فيَترُكِ المأموراتِ، ويرتكِبِ المنهيَّاتِ، ويَتجاوزْ حدودَ ما شرَعه الله سبحانه، تغييرًا لما حكَم اللهُ به، ومضادةً للهِ في حُكمه، أو شكّا فيما فرَض الله على عبادِه، ومِن ذلك ما يَتعلَّق بأحكامِ المواريثِ؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُدخِلُه نارَ جهنَّمَ، ماكثًا فيها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/490)، ((تفسير ابن كثير)) (2/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 171)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/113-114). والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى، فيكون المراد بالخلود طُولِ الْمُدَّةِ. ينظر: ((تفسير القرطبي)) (5/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/268). قال السعديُّ: (يَدخُل في اسم المعصية الكُفر فما دونه من المعاصي؛ فلا يكون فيها شُبهة للخوارج القائلين بكُفر أهل المعاصي؛ فإنَّ الله تعالى رتَّب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتَّب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمَن أطاعه طاعةً تامَّةً، دخل الجنة بلا عذاب. ومَن عصى الله ورسوله معصيةً تامَّةً- يَدخُل فيها الشرك فما دونه- دخل النار وخُلِّد فيها، ومَن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسَب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلَّت النصوص المتواترة على أنَّ الموحِّدين الذين معهم طاعة التوحيد، غيرُ مخلَّدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها) ((تفسير السعدي)) (ص: 171). .
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ
أي: وله عذابٌ مُذِلٌّ يُخزيه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/491)، ((تفسير ابن كثير)) (2/232)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/119). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله تعالى: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، يتبيَّنُ لنا قصورُ عِلم الإنسانِ؛ فأقربُ الناسِ إلى الإنسانِ آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يَدري أيُّهم أقربُ نفعًا؛ فما بالُك بالبعيدِ؟! وهذا لا شكَّ يعود إلى قُصور عِلم الإنسان، وقد قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، فالرُّوح التي هي بين جَنبَيك لا تَعرِفُها؛ لأنَّك لم تُؤتَ من العِلم إلَّا القليلَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/88). .
2- أنَّه إذا كان الحديثُ عن النِّساء والرِّجال؛ فإنَّ الحكمةَ أن يُقدَّم الحديثُ عن الرِّجالِ؛ لأنَّه سبحانه بدأ بميراثِ الأزواجِ قبل ميراثِ الزَّوْجات، وهذا هو الموافِقُ للفِطرة، خلافًا لِمَن حرف اللهُ فطرتَه، وغيَّرَ سليقتَه، فصار يُقَدِّم النِّساءَ على الرجال في الذِّكْر، قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/104). .
3- في ختمِ آياتِ المواريثِ بقولِه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا... إشارةٌ إلى عِظَم أمرِ الميراثِ، ولزومِ الاحتياطِ والتحرِّي، وعدمِ الظلمِ فيه ((تفسير الألوسي)) (2/443). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- أنَّ الله أرحمُ بالإنسان من والدِيْه؛ لقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ؛ فالذي يوصيكَ بالشيءِ هو أرحمُ به منك، وأشدُّ عنايةً به منك يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/83). .
2- قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فيه اهتمامٌ بأحكامِ المواريثِ وما يَتعلَّق بها؛ لذا صدَّر تَشريعها بقوله: يُوصِيكُم؛ لِمَا في الوصيَّةِ من التأكيدِ والحِرص على اتِّباعها؛ لأنَّ الوصايةَ هي الأمرُ بما فيه نفْعُ المأمور، وفيه اهتمامُ الآمِرِ لشدَّة صلاحه؛ لذا عدَل من صيغةِ يأمُرُكم إلى يُوصِيكُم ((تفسير أبي حيان)) (3/551)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/256). .
3- بدأ الله تعالى بذِكر ميراثِ الأولاد، وإنما فعل ذلك؛ لأنَّ تعلُّقَ الإنسانِ بولده أشدُّ التعلُّقات، وهم أقربُ النَّاسِ إليه، فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/509)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/256). ، أو لأنَّ الأولاد بَضْعٌ من أبيهم أو أمِّهم؛ فلذلك قدَّم ذِكرَهم على الأبوينِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/85). .
4- قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ جعَلَ حظَّ الأنثيينِ هو المقدارَ الذي يقدَّر به حَظُّ الذَّكر، ولم يكُن قد تقدَّمَ تعيينُ حظٍّ للأنثيينِ حتى يُقدَّر به، فعُلِمَ أنَّ المرادَ تضعيفُ حظِّ الذَّكرِ من الأولادِ على حظِّ الأنثى منهم، وأوثِرَ هذا التعبيرُ لنُكتةٍ لطيفةٍ، وهي الإيماءُ إلى أنَّ حظَّ الأُنثى صارَ في اعتبارِ الشَّرْعِ أهمَّ من حظِّ الذَّكر؛ إذ كانت مهضومةَ الجانب عند أهل الجاهليَّة، فصار الإسلامُ يُنادي بحظِّها في أوَّل ما يَقرَع الأسماعَ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/257). .
5- في قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ دليلٌ على أنَّ المالَ كلَّه للذَّكرِ إذا لم يكُن معه أنثى؛ لأنَّه جعَل للذَّكر مثلَ ما للأنثيين، وقد جعَل للأنثى النِّصفَ إذا لم يكن معها ذكَرٌ بقوله: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ فدلَّ على أنَّ للذَّكَرِ حالةَ الانفرادِ مِثْلَيْ ذلك، وَمِثْلَا النِّصفِ هو الكلُّ يُنظر: ((تفسير أبي حيان))  (3/535). .
6- في قوله: مِمَّا تَرَكَ أنَّ الإرثَ شاملٌ لجميع الترِكةِ من عَقارٍ، ومنقول، وحيوان، ومنافع، وحقوق؛ فكلُّ ما ترك فهو داخلٌ في الإرث؛ ولهذا يجب التنبُّهُ لِمَن كان له وَرَثةٌ في غير البيت الذي هو فيه، فإنَّ من الناس مَن إذا مات ميِّتُهم وورِثَه آخرونَ خارجَ البيت، يتمتَّع بما في البيتِ مِن طعامٍ وغيره، ويَسكُن أيضًا، وهذا لا يجوزُ إلَّا بعدَ إِذن بقيَّة الورثة، وإلَّا فإنَّه يُخصَم مِن ميراثِه، وكذلك تُضرَبُ أُجرةٌ على هؤلاء الذين في البيت مِن حينِ موتِ الرَّجُل يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/85). .
7- وصْف الوصيَّة بأنَّها يُوصَى بِهَا لتأكيدِ أمرِها، والتَّحقُّقِ من نسبتها إلى الميِّت؛ لأنَّ الحقوقَ يجب التثبُّت فيها يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (4/343). ؛ ولئلَّا يُتَوهَّمَ أنَّ المراد الوصيَّةُ التي كانت مفروضةً قبل شَرْع الفرائض، وهي التي في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: 180] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/261). .
8- من الفوائد اللُّغَوِيَّة: أنَّ (كان) في قوله: كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا قد تُسْلَبُ دَلالتَها على الزَّمان؛ لأنَّها لو دلَّت على الزَّمانِ في قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، لكان الربُّ عزَّ وجلَّ الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، لكنَّها أحيانًا تُسلَب دَلالتَها على الزَّمان، ويكون مدلولُها مجرَّدَ الحدَثِ، أو مجرَّدَ الوَصْفِ إذا كان صِفةً يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/91). .
9- أُعْقِبَتْ فريضةُ الأزواج بِذِكْرِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ؛ لئلَّا يَتوهَّمَ متوهِّمٌ أنَّهنَّ ممنوعاتٌ من الإيصاءِ ومِن التَّداينِ كما كان الحال في زمان الجاهليَّة، وأمَّا ذِكْرُ تلك الجملةِ عَقِبَ ذِكر ميراثِ النِّساء من رجالهنَّ فجريًا على الأسلوبِ المتَّبَعِ في هذه الآيات، وهو أن يعقبَ كلَّ صِنفٍ من الفرائضِ بالتنبيه على أنَّه لا يُستَحَقُّ إلَّا بعد إخراجِ الوصيَّة وقضاءِ الدَّيْن يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/263). .
10- أَوْردَ اللهُ تعالى أقسامَ الوَرَثَة في هذه الآياتِ على أَحسنِ التَّرتيباتِ؛ وذلك لأنَّ الوارثَ إمَّا أنْ يكونَ متَّصلًا بالميِّت بغيرِ واسطةٍ أو بواسطةٍ، فإنِ اتَّصلَ به بغيرِ واسطةٍ فسببُ الاتِّصال إمَّا أن يكونَ هو النَّسبَ أو الزوجيَّةَ، فحصَل هاهنا أقسامٌ ثلاثةٌ؛ أشرفُها وأعلاها الاتِّصال الحاصلُ ابتداءً من جِهة النَّسب، وذلك هو قرابةُ الولاد، ويَدخُل فيها الأولادُ والوالدان؛ فاللهُ تعالى قدَّم حُكْمَ هذا القسم. وثانيها: الاتِّصالُ الحاصلُ ابتداءً من جِهة الزوجيَّة، وهذا القسمُ متأخِّر في الشَّرفِ عن القِسم الأوَّل؛ لأنَّ الأوَّل ذاتيٌّ، وهذا الثَّاني عَرَضيٌّ، والذاتيُّ أشرفُ من العَرَضيِّ. وثالثها: الاتِّصالُ الحاصلُ بواسطة الغير، وهو المسمَّى بالكلالة، وهذا القسمُ مُتأخِّرٌ عن القِسمينِ الأوَّلَينِ لوجوه؛ أحدها: أنَّ الأولادَ والوالدينِ والأزواجَ والزوجاتِ لا يَعْرِض لهم السُّقوطُ بالكليَّة، وأمَّا الكَلالةُ فقد يَعرِض لهم السُّقوطُ بالكليَّة. وثانيها: أنَّ القِسمَينِ الأوَّلينِ يُنسَبُ كلُّ واحدٍ منهما إلى الميِّت بغير واسطةٍ، والكلالةُ تُنسَب إلى الميِّت بواسطةٍ، والثَّابتُ ابتداءً أشرفُ مِن الثَّابتِ بواسطةٍ. وثالثها: أنَّ مخالطةَ الإنسانِ بالوالدين والأولاد والزَّوج والزَّوجة أكثرُ وأتمُّ من مخالطتِه بالكلالة. وكثرةُ المخالطةِ مَظِنَّةُ الأُلفة والشَّفقة، وذلك يُوجِبُ شدَّةَ الاهتمام بأحوالهم؛ فلهذه الأسبابِ الثلاثةِ وأشباهِها أخَّرَ الله تعالى ذِكْرَ مواريثِ الكلالةِ عن ذِكر القِسمَينِ الأَوَّلين؛ فما أحسنَ هذا الترتيبَ! وما أشدَّ انطباقَهُ على قوانينِ المعقولاتِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/520). !
11- في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ، ناسَبَ الخَتْمُ بالعذابِ المهين؛ لأنَّ العاصيَ المتعدِّيَ للحدود بَرَزَ في صورةِ مَنِ اغترَّ وتجاسرَ على معصيةِ الله، وقد تقلُّ المبالاةُ بالشَّدائد ما لم يَنضمَّ إليها الهوانُ؛ ولهذا قالوا: "المنِيَّة ولا الدَّنِيَّة" ((تفسير أبي حيان)) (3/551)، ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/232). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ... الآية: تفصيلٌ بعدَ الإجمالِ الذي في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ، وتَخصيصُ الذَّكَرِ بالتَّنصيصِ على حَظِّه والابتداءِ به؛ لإظهارِ مزِيَّتِه على الأُنثى؛ لأنَّ القصدَ إلى بيانِ فضْلِه، والتَّنبيهِ على أنَّ التَّضعيفَ كافٍ للتَّفضيلِ، فلا يُحْرَمْنَ بالكليَّةِ وقد اشتركَا في الجِهة، والمعنى للذَّكَرِ منهم، فحُذِفَ للعِلم به ((تفسير الزمخشري)) (1/480)، ((تفسير البيضاوي)) (2/63). .
- وإيثار اسمَيْ (الذَّكر) و(الأُنثى) على ما ذُكر أوَّلًا من (الرِّجال) و(النِّساء)؛ للتَّنصيصِ على استواءِ الكِبارِ والصِّغارِ من الفريقينِ في الاستحقاقِ من غَيرِ دخْلٍ للبلوغِ والكِبَر في ذلك أصلًا، كما هو زَعْمُ أهلِ الجاهليَّة؛ حيث كانوا لا يُورِّثون الأطفالَ كالنِّساءِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/149)، ((تفسير الزمخشري)) (1/481). .
- وقال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ دون أن يقولَ: (للأنثى نِصفُ الذَّكَر)؛ لأنَّ الحظَّ والنَّصيب فضلٌ وزيادة، والنِّصف نقص؛ فلهذا قال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ولم يقُلْ: للأنثى نِصفُ ما للذَّكر؛ لِمَا في كلمة (نِصْف) من النَّقْص، بخِلافِ حظِّ الأنثيين؛ فإنَّ فيه زيادةً، فهو أحسنُ تعبيرًا ممَّا لو قال: للأُنثى نِصفُ ما للذَّكَر يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/64) .
2- قوله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وقوله: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ: مِمَّا تَرَكَ: أي: ممَّا ترَكَ الميِّتُ الموروثُ؛ ففيه إعادةُ الضَّمير إلى غيرِ مذكورٍ قَبْلَه، وهو الضَّميرُ المستكِنُّ في الفِعل (ترَكَ)، أي: ترك هو؛ لقوَّةِ الدَّلالةِ على ذلك؛ لأنَّ الآيةَ لَمَّا كانتْ في الميراثِ، عُلِم أنَّ التارِكَ هو الميِّتُ الموروثُ يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/481)، ((تفسير أبي حيان)) (3/551). .
3- وقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ: فيه تكرار للوَصيَّةِ والإيصاء ((تفسير أبي حيان)) (3/552). ، وهو يُفيد التَّأكيدَ.
- وتقديمُ الوصيَّة على الدَّين مع أنَّها متأخِّرَة في الحُكم؛ لأنَّه لَمَّا كانت الوصيَّةُ مُشْبِهَةً للميراث في كونها مأخوذةً من غير عِوَضٍ، كان إخراجها مما يشقُّ على الوَرَثة ويتعاظَمُهم ولا تطيبُ أنفُسُهم بها، فكان أداؤها مَظِنَّةً للتفريطِ، بخلاف الدَّيْنِ فإنَّ نفوسَهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه؛ فلذلك قُدِّمَت على الدَّيْن بعثًا على وجوبِها، والمسارعةِ إلى إخراجِها مع الدَّيْن؛ ولذلك جِيءَ بكلمة (أو) للتَّسويةِ بينهما في الوجوب. وقيل: قُدِّمتِ الوصيةُ أيضًا؛ إذ هي حظُّ مساكينَ وضِعافٍ، وأُخِّر الدَّينُ إذ هو حظُّ غريمٍ يطلُبُه بقوَّة، وهو صاحبُ حقٍّ له فيه، ثم أكَّد ذلك ورغَّبَ فيه بقوله: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ..، أي: لا تدرونَ مَن أنفعُ لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتونَ ((تفسير الزمخشري)) (1/483-484)، ((تفسير البيضاوي)) (2/63)، ((تفسير أبي السعود)) (2/150) ((تفسير ابن عطية)) (2/17). ؟
4- قوله: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا: جملة اعتراضيَّة مؤكِّدة لوجوبِ تنفيذ الوصيَّة يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/150). .
5- وفي الآية: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ... قدَّم ذِكْر ميراث سببِ الزوجيَّة على ذِكْر الكلالةِ وإنْ كان بالنسب؛ لتواشُجِ ما بين الزوجين واتصالهما، واستغناءِ كلٍّ منهما بعِشْرَةِ صاحبه دون عِشْرَةِ الكَلَالة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/544). .
6- قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: فيه تَكرارٌ لاسم الجلالة ((تفسير أبي حيان)) (3/552). ، وإظهارُ الاسم الجليل في موضعِ الإضمار؛ لتربيةِ المهابة وإدخالِ الرَّوعةِ، والمبالغةِ في التهديدِ والتشديدِ في الوعيد يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/154). .
7- قوله: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، وقوله:يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا: فيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيثُ جمَع خَالِدِينَ في الطَّائعين، وأفرَد خَالِدًا في العاصين؛ قِيل: لأنَّ أهلَ الطاعةِ أهلُ الشَّفاعة، وإذا شفَع في غيرِه دَخَلَها؛ فلمَّا كانوا يَدْخُلون هم والمشفُوعُ لهم ناسَبَ ذلِك الجمْعَ، والعاصِي لا يَدخُل النارَ به غيرُه، فبَقِي وحيدًا؛ فناسَبَ ذلِك الإِفرادَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/551)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/616). .
وقيل: في هذِه الآية نوعٌ طريفٌ من أنواع البَلاغة يُطلَق عليه اسم (جمْع المختلفة والمؤتَلِفَة) جمْع المختلفة والمؤتلفة: هو عبارةٌ عن إرادة المتكلِّم التسويةَ بين ممدوحين، فيأتي بمعانٍ مؤتلفة في مدحهما، ثم يُريد بعد ذلك ترجيحَ أحدهما على الآخَر بما لا ينقُص من الآخر، فيأتي لأجْل ذلك الترجيح بمعانٍ تخالف معاني التسويةِ بحسَب تفاوت درَجاتهم، كقوله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: 78- 79]، فسوَّى بينهما في الحُكم والعلم، وزاد فَضْل سليمان عليه السَّلام بالفَهْم. ينظر: ((تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر)) لابن أبي الإصبع (1/66)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (ص: 423). ؛ فقد جمَعَ ضميرَ الخالدينَ في الجنة؛ لأنَّ كلَّ مَن دخل الجنَّة كان خالدًا فيها أبدًا، أمَّا أهلُ النار فعبَّر بالمفرَد (خالدًا)؛ إذ بينهم الخالِدون وغيرُ الخالِدِين من عُصاةِ المؤمنين؛ فساغَ الجمعُ هناك ولم يَسُغْ هنا ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (4/462)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/178). .
وقيل: لَعلَّ إيثارَ الإفراد في خَالِدًا فِيهَا- نظرًا إلى ظاهِر اللفظ- واختيارَ الجمْع في خَالِدِينَ فِيهَا- نظرًا إلى المعنى-؛ للإيذان بأنَّ الخلودَ في دار الثَّوابِ بصفة الاجتماعِ أجلَبُ للأنْسِ، ولأنَّ منادمةَ الإخوانِ مِن أعلَى نعيمِ الجنانِ، كما أنَّ الخلودَ في دار العذابِ بصفةِ الانفرادِ أشدُّ في استجلابِ الوَحْشةِ، وهذا الانفرادُ نوعٌ مِن أنواعِ العذابِ والهَوان يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/215)، ((تفسير أبي السعود)) (2/154)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (4/462)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/118-119). .
8- قوله: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فيه تفصيلٌ بعد إجمال؛ للتَّأكيد يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/63). .
9- قوله: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ: تنكيرُ لفظ وَصِيَّةً وتنوينُه؛ للتفخيم، ومِن متعلِّقة بمحذوف وقَع صفةً له مؤكِّدَةً لفخامته الذاتيَّة بالفخامة الإضافيَّة، أي: يوصيكم بذلك وصيَّةً كائنةً من الله يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/153). .
10- قوله: وَلَهُ، أي: للرجل، ففيه تأكيدٌ للإيذان المذكور؛ حيث لم يَتعرَّضْ للأنثى بعدَ جريانِ ذِكْرها أيضًا، وقيل: الضَّميرُ لكلٍّ منهما يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/152). .
11- قوله: وَذَلِكَ: إشارةٌ إلى ما مرَّ من دخولِ الجنَّات الموصوفة بما ذُكر على وجهِ الخُلود، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بكمالِ علوِّ درجتِهِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/154). .