موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيتان ( 15 - 16)

ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ

غريب الكلمات:


سُبُلَ السَّلَامِ: طُرُقَ السَّلامَة، أو طُرُقَ الجَنَّة، أو طُرُقَ الله، وهي دِينُه [436] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 275)، ((المفردات)) للرغب (ص: 396)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 80)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 149). .

المعنى الإجمالي:


يُوجِّه اللهُ الخِطابَ إلى أهْلِ الكتابِ منَ اليهودِ والنصارى مُبيِّنًا لهم أنَّه قد بعَث إليهم رَسُولَه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يَعرِفونَ أوصافَه في كتُبِهم، يُظْهِرُ كثيرًا ممَّا كانوا يُخْفُونه عن النَّاسِ، ويوضِّحُ ما حرَّفوا وبدَّلوا مِن كلامِ الله، ويَتْرُكُ كثيرًا ممَّا غيَّروه وكَتَموه ممَّا لا فائدةَ مِن بيانه وذِكْرِه، ثم ذَكَّرَهم تعالى بأنَّه قد جاءَهم من اللهِ كتابٌ عظيمٌ، وهو القرآنُ الكريمُ، وهو نورٌ يُستضاءُ به في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَواية، ويبيِّن للخَلْقِ كلَّ ما يحتاجونَه من أمورِ دِينِهم ودُنياهم، ويُرشِدُ اللهُ به مَن أرادَ الوصولَ إلى رِضاه جلَّ وعلا، فيوفِّقُهم لسُلُوكِ طُرُقِ النَّجاةِ والأمْن والسَّلامَةِ في الدُّنيا والآخِرَةِ، حتى يَبلُغوا الجَنَّةَ؛ دارَ السَّلامِ، ويُخرجُهم من ظُلُماتِ الكُفْرِ والمعاصي إلى نورِ الإيمانِ والطَّاعة بمشيئَتِه سبحانه، ويَهديهم إلى الطَّريقِ القَويمِ، وهو دِينُه الحَنيفُ.

تفسير الآيتين:


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى عن اليَهُودِ والنَّصارى نقْضَ العَهْدِ دَعاهم بعد ذلك إلى الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [437] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/258). فقال:
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا.
أي: يا أيُّها اليهودُ والنَّصارى- يا من تَعلمونَ مِن التَّوراةِ والإنجيلِ صِفاتِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وثُبوتَ بَعْثتِه- ها قد أتاكم مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [438] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/261-262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/206). .
يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ.
أي: جاءَكم يُظْهِرُ كثيرًا ممَّا كنتم تَكتُمونَه عن النَّاسِ، ويُوضِّحُ ما بدَّلْتُموه وحرَّفْتُموه وأوَّلْتُموه على غيرِ وَجْهِه المُرادِ.
وممَّا كانوا يُخفونَ مِنْ أَحْكامِ التَّوراةِ: رجْمُ الزَّاني المحصَن، ومِن ذلك: ما أخفاه اليهودُ من صِفاتِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في كتابِهم، وإنكارُهم أنَّهم يَعرفونَ أنَّه هو الرسولُ المُنتظَرُ، ومن ذلك: كتْمُ النَّصارى بِشارةَ عيسى ابنِ مريمَ لهم بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [439] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/262)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/78)، ((تفسير ابن كثير)) (3/67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/370-371)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/206-207). .
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
أي: ويَترُك ذِكرَ كثيرٍ ممَّا كَتَمْتموه وغيَّرْتُموه ممَّا لا فائدةَ في بيانِه، ولا ذِكْره [440] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/168)، ((تفسير ابن كثير)) (3/67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/150)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/207). .
قال تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: 91].
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ.
أي: قد جاءَكم- يا أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ- مِنَ اللهِ تعالى القرآنُ العظيمُ، الذي نزَل على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ نورٌ يُستضاءُ به في ظُلماتِ الجَهالة، وعَمَايَةِ الضَّلالة، ويُنيرُ لكم به معالمَ الهِدايَةِ، وهو نورٌ في قلوبِ أَهْلِه المتَّبِعِينَ له، ونورٌ في وُجُوههم، ونورٌ في قُبُورِهم، ونورٌ لهم يومَ القيامَةِ، وهو كتابٌ يُبيِّنُ للخَلْقِ كلَّ ما يحتاجونَ إليه من أُمُورِ دِينِهم ودُنياهم [441] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/68)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/207-208، 212-213). وذهَب ابنُ جريرٍ إلى أنَّ المرادَ بقوله: نُورٌ محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال به قتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/261)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (1/529). .
يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16).
يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ.
أي: يُرشِدُ اللهُ عزَّ وجلَّ ويُسدِّدُ بهذا القرآنِ العظيمِ، مَن ابتغى بلوغَ مَرْضاةِ الله تعالى فأَقْبَل عليه، وأسلمَ وآمَنَ بالله ربًّا، وبمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ نبيًّا، فيُرْشِدُه ويوفِّقُه إلى اتِّباع شرائعِ الإسلامِ، التي فيها النَّجاةُ والأمنُ والسَّلامةُ في الدُّنيا والآخِرة، حتى يَستقرَّ في الجَنَّةِ؛ دارِ السَّلامِ، المنزَّهةِ عن كلِّ آفةٍ، والمُؤمَّنَةِ مِن كلِّ مَخافةٍ [442] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/264-265)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/169)، ((تفسير ابن عطية)) (2/171)، ((تفسير القرطبي)) (6/118-119)، ((تفسير ابن كثير)) (3/68)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/370-371)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/208-209). .
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ.
أي: ويُخْرِجُ مَن اتَّبَعَ رِضوانَه، وهَدَاه سُبُلَ السَّلامِ، مِن ظُلُماتِ الكُفرِ والشِّركِ والمعاصِي، إلى نورِ الإيمانِ واليقينِ والطَّاعَةِ بمشيئةِ الله عزَّ وجلَّ [443] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/265)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/169)، ((تفسير ابن كثير)) (3/68)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/209-210). .
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أي: ويُرشِدُهم ويُسدِّدُهم إلى طريقٍ لا اعوجاجَ فيه، وهو دِينُ اللهِ القَويمُ [444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/266)، ((تفسير ابن كثير)) (3/68)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/210). .

الفوائد التربوية:


1- أنَّه كلَّما اتَّبَعَ الإنسانُ ما يُرْضي اللهَ، ازدادَ معرفةً بشريعةِ اللهِ؛ لِقَوْلِه: يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ، وعلى العَكْسِ؛ فمَن أعْرَضَ عن رِضوانِ الله، فإنَّه لا يُهدَى سُبُلَ الله؛ لأنَّه ليس أهلًا للهِدايةِ [445] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/215). .
2- يُستَفاد مِن قَوْلِه سبحانه: سُبُلَ السَّلَامِ أنَّ مَن سلكَ سَبيلَ الشريعةِ فقد سَلِم سلامةً مُطلَقةً؛ في عقيدَتِه، وأعمالِه، وجزائِه؛ لأنَّ هذا المسلكَ سيؤدِّي به إلى دارِ السَّلامِ التي يدعو اللهُ تعالى إليها؛ كما قال عزَّ وجلَّ: وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [446] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/218). [يونس: 25].
3- أنَّه كلَّما تمسَّكَ الإنسانُ بشريعةِ الله هداه اللهُ تعالى؛ لقوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ فالمعاصي سببٌ للزَّيْغِ، والطَّاعةُ والامتثالُ سببٌ للهِدايَةِ والرَّشَد، وهذا له أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ [448] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/221). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ عبَّر بالمضارِعِ في يُبَيِّنُ إشارةً إلى أنَّ دِينَه وبيانَه لا ينقَطِعُ أصلًا بحِفْظِ كِتابِه، فكلَّما دَرَسَتْ سُنَّةٌ قيَّضَ الله عالِمًا يردُّ النَّاسَ إليها بالكِتابِ المعْجِز القائِمِ أبدًا؛ فلذلك لا يحتاجُ الأمْرُ إلى نبيٍّ مجدِّدٍ إلَّا عند الفِتنَةِ التي لا يُطيقُها العلماءُ، وهي فتنةُ الدَّجَّالِ ويأجوجَ ومَأْجوجَ [449] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/70). ، وينزلُ عيسى عليه السَّلامُ حاكمًا بشريعةِ الإسلامِ، لا نبيًّا برسالةٍ مستقلةٍ، وشريعةٍ ناسخةٍ [450] ينظر: ((طرح التثريب)) للعراقي (7/265). .
2- قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ: هم اليهودُ والنَّصارى، أضافَهم اللهُ تعالى إلى الكِتابِ، وسمَّاهم أهلًا له؛ لإقامةِ الحُجَّةِ عليهم ونَفْيِ العُذْرِ؛ فعندهم علمُ معرفةٍ؛ ويعرِفونَ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم كما يعرِفون أبناءَهم [451] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/206). .
3- رِفْعةُ شأنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ وذلك لِقَوْلِه: رَسُولُنَا، فإنَّ إضافةَ رِسالَتِه إلى الله لا شكَّ أنَّها شَرَفٌ، وكلُّ ما يُضافُ إلى الله فهو شَرَفٌ [452] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/211). .
4- أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ مُرسَلٌ إلى أهلِ الكتابِ؛ لِقَوْلِه: قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا، وهو كذلك، فهو مُرْسَلٌ إليهم بالقرآنِ والسُّنةِ وإجماعِ المسلمين [453] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/211). .
5- أنَّ أهلَ الكتابِ أهلُ كِتمانٍ للعِلم؛ لقوله: كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ، وأنَّ مَن كتَم العِلْمَ مِن هذه الأمَّة ففيه شَبَهٌ باليهودِ والنَّصارى؛ لأنَّ هذا هو دَأْبُهم؛ فمَن كتَم فقد شابَههم في أَقْبَحِ خَصلة- والعياذُ بالله- وهي كتمانُ ما جاءَهم مِنَ العِلْم [454] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/212). .
6- قوْلُه تعالى: ممَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ... في هذه الآيَةِ دلالةٌ على صِحَّةِ نُبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ إعلامَه بما يُخفونَ مِن كِتابِهم- وقد أخْفَى النَّصارى التوحيدَ، وأخفى اليهودُ كثيرًا من أحكامِ الشَّريعةِ كرَجْمِ الزَّاني، وتحريمِ الرِّبا كافَّةً، كما أَخْفَوا جميعًا خبرَ بَعْثةِ النبيِّ الأميِّ- وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يَكتُب ولا يَصْحَبُ القرَّاءَ؛ دلالةٌ على أنَّه إنما يُعلِّمُه اللهُ تعالى [455] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 226)
7- قوله: سُبُلَ السَّلَامِ لم يَقُلْ: (سَبِيْلَ السَّلام)، مع أنَّ التعبيرَ الغالب أنه يُعبَّر عن طَريقِ الإسلامِ بالإفراد، وعن طُرُقِ الضلال بالجَمْع، لكن هنا لَمَّا قال: اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ تعيَّن أن يكونَ المرادُ بالسُّبُل هنا شرائعَ الإسلامِ؛ لأنَّه إذا كان متَّبِعًا لرضوان الله فقدِ اهتدى وأسلَمَ وآمَن، لكنَّ الإسلامَ له شرائعُ وله سُبلٌ؛ فلهذا قال: سُبُلَ السَّلَامِ، وإضافةُ السُّبل إلى السَّلام من بابِ إضافةِ الشيءِ إلى مُسبَّبِه؛ أي: السُّبلُ التي يَحصُل بها السَّلامُ، فالسَّلام مِن كل شيءٍ، والسَّلامُ من النَّار، والسَّلام من الزيغ، والسَّلام من الشُّبهات، يعني تشمَلُ كلَّ معنًى تحتمِلُه كلمة السَّلام، أمَّا الإسلامُ جملةً فهو سبيلٌ واحد [457] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/208، 218). .
8- إثباتُ الرِّضا لله تعالى؛ لقوله: يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ، فالرِّضوانُ بمعنى الرِّضا أو الرِّضا الكثيرِ، والرِّضا: صِفةٌ فعليَّة من صِفاتِ الله عزَّ وجلَّ، تتعلَّق بمشيئته ولها سببٌ، وسببُها عملُ العبدِ بتوفيقِ الله [458] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/215). .
9- قوله تعالى: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ فيه الردُّ على القَدَريَّة الذين يقولون: إنَّ اللهَ لا علاقةَ له بفِعل العَبْدِ [459] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/219). .
10- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ أنَّ الشَّريعةَ نورٌ، وهي كذلك؛ هي نورٌ لا شكَّ، ولا يُحِسُّ بذلك إلَّا مَن آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، وكلَّما كَمُل الإيمانُ ازدادَ الإنسانُ نورًا، وتَبيَّنَ له نورُ الشَّريعة [460] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/62)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/220). .
11- قوْلُه تعالى: وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لفظة صِرَاطٍ مُفرَدةٌ؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ لِذَاتِه، ومُتَّفِقٌ من جميعِ جِهاتِه، وأمَّا الباطِلُ ففيه كثرةٌ، وكلُّها مُعْوَجَّة [461] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/327). .

بلاغة الآيتين:


1- قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ: فيه التفاتٌ إلى خِطابِ الفَريقينِ- اليهودِ والنَّصارى [462] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/271)، ((تفسير أبي السعود)) (3/17). ، ووحَّد الكِتاب مع أنَّ لكلِّ فريقٍ كِتابًا؛ لأنَّه أراد جِنسَ الكِتابِ [463] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/118). .
2- قوله: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ: جملة مُستأنَفةٌ مسوقةٌ لبيانِ أنَّ فائدةَ مجيءِ الرَّسولِ ليستْ منحصرةً فيما ذُكِرَ [464] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/18). .
- وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ مِنَ اللهِ على الفاعِلِ نُورٌ للمُسارَعَةِ إلى بيانِ كَوْنِ المجيءِ من جِهته العاليةِ، والتَّشويق إلى الجائي، ولأنَّ فيه نَوعَ تطويلٍ يُخِلُّ تقديمُه بتجاوُبِ أطرافِ النَّظْم الكريمِ، وتنكيرُ نُورٌ؛ للتَّفْخيمِ [465] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/18)، ((تفسير الألوسي)) (3/269). .
- وجملة قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ بدلٌ مِن جملة قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا بدل اشتمالٍ؛ لأنَّ مَجيءَ الرسولِ اشتمَل على مجيءِ الهُدى والقرآنِ؛ ولذلك فُصِلتْ عنها-أي: لم تُعطَفْ عليها بالواو- وأُعيدَ حرفُ قَدْ الدَّاخِلِ على الجُملةِ المبدَلِ منها؛ زيادةً في تحقيقِ مَضْمونِ جُملةِ البَدل؛ لأنَّ تعلُّقَ بَدَلِ الاشتمالِ بالمُبْدَل منه أضْعَفُ من تَعَلُّقِ البَدَلِ المطابِق [466] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/151). .
3- قوله: يَهْدِي بِهِ اللهُ فيه: توحيدُ الضَّميرِ في قوله: بِهِ مع أنه عائِدٌ على نُورٌ وِكِتَابٌ مُبِينٌ؛ لأنَّ المرادَ بالنُّورِ والكِتابِ المبينِ واحدٌ: (القرآنُ)، أو لأنَّهما كواحدٍ في الحُكم؛ إذا كان النورُ غيرَ الكِتابِ المُبينِ [467] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/119). .
- وتقديمُ الجارِّ والمجرور (بِه)؛ للاهتمامِ، وإظهارِ لفظ الجلالةِ (الله) في موضِع الإضمارِ؛ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بأمْر الهِدايةِ [468] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/18). .