موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيتان (24-25)

ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ

غريب الكلمات:


زُخْرُفَهَا: أي: حُسنَها وبَهاءَها، وزينَتَها بالنَّباتِ، وأصلُ الزخرف: الذَّهَبُ والزِّينةُ المُزَوَّقةُ [347] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 195)، ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 255)، ((المفردات)) للراغب (ص: 379). .
حَصِيدًا: أي: محصودةً، ومقطوعةً مِن أصولِها. وأصلُ (حصد): يدلُّ على قَطعِ الشَّيءِ [348] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/71)، ((المفردات)) للراغب (ص: 238)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 152). .
لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ: أي: لم تَكُنْ عامِرةً، مِن: غَنِيَ في المكانِ: إذا أقامَ فيه وعَمَّره، ومِنه المَغاني: المَنازِلُ التي يَعمُرُها النَّاسُ. وأصلُ (غني): يدلُّ على الكِفايةِ [349] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 195)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 390)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/397)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 152)، ((تفسير القرطبي)) (8/328). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ مَثَلَ زينةِ الحياةِ الدُّنيا، في سُرعةِ زَوالِها، كمَثَلِ مَطَرٍ أنزَلَه اللهُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، فنبَتَ به أنواعٌ مِن نباتِ الأرضِ، اختلط بعضُها ببعضٍ، ممَّا يأكُلُه النَّاسُ والأنعامُ، حتى إذا ظهر حُسنُ الأرضِ بألوانِ النَّباتِ المُختَلِفةِ، وتزَيَّنَت بأنواعِ الحُبوبِ والثِّمارِ، والأزهارِ المتعَدِّدةِ الألوانِ والأشكالِ، وأيقنَ أهلُها أنَّهم قادِرونَ على حَصدِ زَرْعِها، وقَطْفِ ثِمارِها؛ أتاها قضاءُ اللهِ بإهلاكِ نَباتِها، فصَيَّرَ تعالى النَّباتَ مَقلوعًا هالِكًا، كأنْ لم يكُنْ قائمًا على ظَهرِ الأرضِ مِن قَبلُ، كذلك يُفصِّلُ اللهُ الآياتِ لِقَومٍ يتفَكَّرونَ.
ويُبيِّنُ تعالى أنَّه يدعو عِبادَه لِدُخولِ جَنَّتِه، السَّالِمةِ مِن جميعِ الآفاتِ، ويُرشِدُ ويُوفِّقُ من يشاءُ مِن عِبادِه لسُلوكِ الطَّريقِ المُستقيمِ، المُوصِل إلى الجنَّةِ، وهو الإسلامُ.

تفسير الآيتين:


إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وكان سبَبُ ما ذُكِرَ مِن البَغيِ هو الإفراطَ في حبِّ التمتُّعِ بما في الدُّنيا من الزِّينةِ واللَّذَّاتِ؛ ضرَبَ مثلًا بَليغًا عَجيبًا للحياةِ الدُّنيا، يُذَكِّرُ من يبغي فيها على سُرعةِ زَوالِها وانقضائِها، ويَصرِفُ العاقِلَ عن الغُرورِ بها، ويهديه إلى القَصدِ والاعتدالِ فيها، واجتنابِ التوسُّلِ إليها بالبَغيِ والظُّلمِ، وحُبِّ العُلُوِّ والفَسادِ في الأرضِ، وأنَّها بحالِ ما تُعِزُّ وتُسِرُّ، تَضمَحِلُّ ويَؤُولُ أمرُها إلى الفَناءِ [350] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/36)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/284). .
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء.
أي: إنَّما مَثَلُ زِينةِ الحياةِ الدُّنيا في سُرعةِ زَوالِها، كمَثَلِ مَطرٍ أنزلناه من السَّماءِ إلى الأرضِ [351] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((البسيط)) للواحدي (11/163)، ((تفسير ابن عطية)) (3/114)، ((تفسير القرطبي)) (8/327)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260). .
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ.
أي: فنَبَتَ بذلك المطَرِ أنواعٌ مِن نَباتِ الأرضِ مُتداخِلٌ بعضُها في بعضٍ [352] ممَّن اختار هذا المعنى لقوله تعالى: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((البسيط)) للواحدي (11/163). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (6/1941). قال الشوكاني: (والباءُ في: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ للسببيةِ، أي: فاختلَط بسببِه نباتُ الأرضِ، بأن اشتَبك بعضُه ببعضٍ حتى بلَغ إلى حدِّ الكمالِ). ((تفسير الشوكاني)) (2/497). وقيل: المرادُ: امتزجَ الماءُ بالنَّباتِ لِسَرَيانِه فيه. وممَّن اختار هذا المعنَى: القاسمي، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/17)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/142). ممَّا يأكُلُه النَّاسُ من الحُبوبِ والثِّمارِ والبُقولِ، وممَّا تأكُلُه الأنعامُ مِن الكَلأِ والعُشبِ [353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((البسيط)) للواحدي (11/163)، ((تفسير القرطبي)) (8/327)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260)، ((تفسير القاسمي)) (6/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). .
حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ.
أي: حتَّى إذا ظهَرَ حُسنُ الأرضِ بألوانِ النَّباتِ المُختَلفةِ، وتزيَّنَت بأنواعِ الحُبوبِ والثِّمارِ والأزهارِ المتعدِّدةِ الأشكالِ والألوانِ [354] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((تفسير ابن عطية)) (3/114)، ((تفسير القرطبي)) (8/327)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260)، ((تفسير القاسمي)) (6/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). .
كما قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5].
وقال سُبحانه: وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ *وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: 7 - 10].
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ.
أي: وأيقَنَ أهلُ الأرضِ- الذين زَرَعوها وغَرَسوها- أنَّهم قادِرونَ على حَصدِ زَرعِها، وقَطْفِ ثِمارِها [355] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150)، ((تفسير الرازي)) (17/237، 238)، ((تفسير القرطبي)) (8/327، 328)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260). .
أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ.
أي: جاء الأرضَ قضاؤُنا بإهلاكِ نَباتِها فجأةً؛ إمَّا ليلًا أو نهارًا، فصيَّرْنا النَّباتَ مَقلوعًا هالِكًا، كأنْ لم يكُنْ قائمًا على ظَهرِ الأرضِ يُزَيِّنُها بجمالِه مِن قَبلُ [356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/150، 151)، ((تفسير ابن عطية)) (3/114، 115)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/284، 285)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/142، 144). !
كما قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف: 45].
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
أي: كما بيَّنَّا لكم- أيُّها النَّاسُ- مَثَلَ الدُّنيا بهذا المِثالِ، وعرَّفناكم أمْرَها؛ نُبَيِّنُ ونُوضِّحُ- بمِثلِ ذلك التَّفصيلِ البديعِ- الآياتِ لقومٍ يتفكَّرونَ ويعتبرونَ، فلا يغترُّونَ بالدُّنيا الفانيةِ [357] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/151)، ((البسيط)) للواحدي (11/166، 167)، ((تفسير ابن عطية)) (3/115)، ((تفسير الرازي)) (17/238)، ((تفسير القرطبي)) (8/328)، ((تفسير ابن كثير)) (4/260)، ((تفسير أبي السعود)) (4/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 362). .
كما قال سُبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر: 21].
وقال عزَّ وجلَّ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد: 20].
وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى الدُّنيا، وسُرعةَ عَطَبِها وزَوالِها، ونَفَّرَ عن المَيلِ إليها بالمَثَلِ السَّابقِ؛ رغَّبَ في الآخرةِ، ودعا إلى الجنَّةِ [358] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/238)، ((تفسير ابن كثير)) (4/261). ، فقال:
وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ.
أي: واللهُ يدعو عِبادَه إلى دُخولِ جَنَّتِه السَّالِمةِ مِن جميعِ الآفاتِ، فاطلُبوها بِطاعَتِه، ولا تطلُبوا الدُّنيا وزينَتَها؛ فإنَّها مليئةٌ بالآفاتِ والنَّكَباتِ، ومصيرُها إلى زوالٍ وفَناءٍ [359] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/153)، ((تفسير القرطبي)) (8/328)، ((تفسير ابن كثير)) (4/261)، ((تفسير أبي السعود)) (4/137)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/286)، ((تفسير السعدي)) (ص: 362). قال الخازن: (قال قتادة: اللهُ هو السَّلامُ ودارُه الجنَّةُ، فعلى هذا، السَّلامُ اسمٌ مِن أسماءِ الله عزَّ وجَلَّ، ومعناه: أنَّه سبحانه وتعالى سَلِمَ مِن جميعِ النَّقائِصِ والعُيوبِ والفناء... وقيل: إنَّه سبحانه وتعالى يُوصَفُ بالسَّلامِ؛ لأنَّ الخَلقَ سَلِموا مِن ظُلمِه. وقيل: إنَّه تعالى يُوصَفُ بالسَّلامِ، بمعنى: ذي السَّلامِ، أي: لا يقدِرُ على تخليصِ العاجِزينَ مِن المكارِهِ والآفاتِ إلَّا هو. وقيل: دارُ السَّلامِ اسمٌ للجنَّةِ، وهو جمعُ سلامةٍ. والمعنى: أنَّ مَن دخَلَها فقد سَلِم من جميعِ الآفات، كالمَوتِ والمَرَض والمصائبِ، والحُزنِ والغَمِّ والتَّعَب والنَّكَد. وقيل: سُمِّيَت الجنَّةُ دارَ السَّلامِ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يُسلِّمُ على أهلِها، أو تُسلِّمُ الملائكةُ عليهم). ((تفسير الخازن)) (2/438). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/167، 168)، ((تفسير أبي السعود)) (4/137، 138). .
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو نائِمٌ، فقال بعضُهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العَينَ نائِمةٌ، والقلبَ يَقظانُ، فقالوا: إنَّ لِصاحِبِكم هذا مَثلًا، فاضرِبوا له مَثلًا، فقال بعضُهم: إنَّه نائِمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العَينَ نائمةٌ، والقَلبَ يَقظانُ، فقالوا: مَثَلُه كمَثَلِ رَجُلٍ بنى دارًا، وجعل فيها مأدُبةً [360] المَأدُبة: الطعامُ يُصنَعُ، ويُدعا إليه الناسُ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (10/153). ، وبعثَ داعيًا، فمن أجابَ الدَّاعيَ دخل الدَّارَ، وأكلَ مِن المَأدُبةِ، ومَن لم يُجِبِ الدَّاعيَ لم يدخُلِ الدَّارَ، ولم يأكلْ من المأدُبة، فقالوا: أوِّلُوها له يَفْقَهْها، فقال بعضُهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العَينَ نائمةٌ، والقَلبَ يَقظانُ، فقالوا: فالدَّارُ الجنَّةُ، والدَّاعي مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمن أطاع محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقد أطاعَ الله، ومَن عصى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقد عصى اللهَ، ومُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم فَرْقٌ [361] فَرْقٌ: أي: فارِقٌ بين النَّاجي والهالِك مِن النَّاسِ. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (10/154). بين النَّاسِ)) [362] رواه البخاري (7281). .
وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
أي: واللهُ يُرشِدُ ويوفِّقُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِه إلى الإسلامِ، وهو الطَّريقُ المُستَقيمُ المُوصِلُ مَن سلَكَه إلى الجنَّةِ [363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/153)، ((تفسير السمعاني)) (2/378)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/286، 287). قال السعدي: (خَصَّ بالهدايةِ مَن شاء استخلاصَه واصطفاءَه، فهذا فَضلُه وإحسانُه، واللهُ يختَصُّ برَحمتِه من يشاءُ، وذلك عَدلُه وحِكمتُه، وليس لأحدٍ عليه حُجَّةٌ بعد البيانِ والرُّسُلِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 362). .

الفوائد التربوية:


.

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ شَبَّه الحياةَ الدُّنيا بماءِ السَّماءِ دونَ ماءِ الأرضِ؛ لأنَّ ماءَ السَّماءِ- وهو المطَرُ- لا تأثيرَ لِكَسبِ العَبدِ فيه بزيادةٍ أو نقصٍ، أو لأنَّه يستوي فيه جميعُ الخلائِقِ، بخلافِ ماءِ الأرضِ، فكان تشبيهُ الحياةِ به أنسَبَ [365] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:245-246). .
2- الأمرُ المذكورُ في قَولِه تعالى: أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا هو الأمْرُ الكونيُّ، ويقابلُه: الأمْرُ الدينيُّ، كما في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [366] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/267). [النحل: 90].
3- الإرادةُ نوعان: إرادةٌ كونيَّةٌ قَدَريَّةٌ، وهي المشيئةُ، ولا مُلازمةَ بينها وبين المحبَّةِ والرِّضا، بل يدخُلُ فيها الكُفرُ والإيمانُ، والطَّاعاتُ والعِصيانُ، والمَرضِيُّ والمحبوبُ والمكروهُ وضِدُّه، وإرادةٌ دينيَّةٌ شَرعيَّةٌ مختَصَّةٌ بمراضي اللهِ ومَحابِّه، وعلى مقتضاها أمَرَ عِبادَه ونهاهم، وتجتَمِعُ الإرادةُ الكونيَّةُ والشَّرعيَّةُ في حَقِّ المُؤمِنِ الطائعِ، وتنفَرِدُ الكونيَّةُ في حقِّ الفاجِرِ العاصي؛ فالله سبحانه دعا عبادَه عامَّةً إلى مرضاتِه، وهدى لإجابتِه من شاء منهم، كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فعمَّمَ سُبحانه الدَّعوةَ، وخَصَّ الهدايةَ بمَن شاء [367] يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) للحكمي (ص: 88)، وينظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/425). .
4- قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ أي: يدعو النَّاسَ جميعًا إلى دارِ السَّلامةِ عن كُلِّ مَكروهٍ وآفةٍ، وهي الجنَّةُ، وإنَّما ذُكِرَت بهذا الاسمِ لذِكْرِ الدُّنيا بما يُقابِلُه مِن كَونِها مَعرِضًا للآفاتِ [368] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/137-138). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ عَمَّ سبحانَه وتعالى بالدَّعوةِ أوَّلًا؛ إظهارًا للحُجَّةِ، وخَصَّ بالهدايةِ ثانيًا؛ استغناءً عن خَلْقِه، وإظهارًا للقُدرةِ، لأنَّ الحُكمَ له في خَلْقِه [369] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/329)، ((تفسير الشربيني)) (2/15). ، وقيل أيضًا: عمَّ بالدَّعوةِ إلى دارِ السَّلامِ، وخَصَّ بالهدايةِ مَن يشاءُ، فذاك عَدلُه، وهذا فَضلُه [370] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/118). .
6- قال اللهُ تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هذه الآيةُ بَيِّنةُ الحُجَّةِ في الرَّدِّ على القَدَريَّةِ؛ لأنَّهم قالوا: هَدى اللهُ الخَلقَ كُلَّهم إلى صراطٍ مُستقيمٍ، واللهُ قال: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فردُّوا على اللهِ نُصوصَ القُرآنِ [371] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/329). .
7- في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ حثٌّ مِن الله تعالى لعبادِه على إجابةِ هذه الدَّعوةِ، والمبادرةِ إليها، والمُسارعةِ في الإجابةِ [372] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/79). .

بلاغة الآيتين:


1- قَولُه تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
- قولُه: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ... فيه تشبيهٌ، وهو مِن التَّشبيهِ المركَّبِ؛ شُبِّهَت حالُ الدُّنيا في سُرعةِ تَقَضِّيها، وانقِراضِ نَعيمِها بعدَ الإقبالِ، بحالِ نَباتِ الأرضِ في جَفافِه وذَهابِه حُطامًا بعدَما الْتَفَّ وتَكاثَفَ، وزيَّن الأرضَ بخُضرتِه ورَفيفِه [373] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/340)، ((تفسير أبي حيان)) (6/36). والرَّفيفُ: النَّباتُ الذي يهتزُّ خُضرةً وتَلألُؤًا مِن نضارتِه. يُنظر: ((العين)) للخليل (8/255)، ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (1/124). ، وهذه الآيةُ تتَنزَّلُ مَنزِلةَ البيانِ لقَولِه: مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا المؤذِنةِ بأنَّ تَمتُّعَهم بالدُّنيا ما هو إلَّا لمدَّةٍ قصيرةٍ، فبيَّنَت هذه الآيةُ أنَّ التَّمتُّعَ صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأطنَبَت فشبَّهَت هيئةَ التَّمتُّعِ بالدُّنيا لأصحابِها بهيئةِ الزَّرعِ في نَضارتِه، ثمَّ في مَصيرِه إلى الحَصْدِ [374] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/141). .
وفي هذه الآيةِ عَشْرُ جُمَلٍ وقَع التَّركيبُ مِن مَجموعِها، بحيث لو سقَط مِنها شيءٌ اختَلَّ التَّشبيهُ، قيل: وجهُ تشبيهِ الدُّنيا بالماءِ أمْرانِ؛ أحَدُهما: أنَّ الماءَ إذا أخَذتَ مِنه فوقَ حاجَتِك تضَرَّرتَ، وإن أخذتَ قدْرَ الحاجةِ انتفعتَ به، فكَذِلك الدُّنيا. والثَّاني: أنَّ الماءَ إذا طبَّقتَ عليه كفَّك لِتَحفَظَه لم يَحصُلْ فيه شيءٌ فكذلك الدُّنيا [375] يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (4/1538). .
- وصيغةُ القَصرِ إِنَّمَا هنا لِتَأكيدِ المقصودِ مِن التَّشبيهِ، وهو سُرعةُ الانقِضاءِ، ولِتَنزيلِ السَّامِعين مَنزلةَ مَن يَحسَبُ دَوامَ بهجةِ الحياةِ الدُّنيا؛ لأنَّ حالَهم في الانكِبابِ على نَعيمِ الدُّنيا كحالِ مَن يَحسَبُ دَوامَه، ويُنكِرُ أن يَكونَ له انقِضاءٌ سريعٌ ومُفاجئٌ، والمعنى: قَصرُ حالةِ الحياةِ الدُّنيا على مُشابهةِ حالةِ النَّباتِ الموصوفِ؛ فالقصرُ قَصْرُ قَلبٍ، بُنِيَ على تنزيلِ المُخاطَبينَ منزلةَ مَن يَعتقِدُ عَكسَ تِلك الحالةِ؛ شُبِّهتْ حالةُ الحياةِ في سُرعةِ تَقضِّيها، وزوالِ نَعيمِها بعدَ البهجةِ به، وتَزايُدِ نَضارتِها بحالِ نباتِ الأرضِ في ذَهابِه حُطامًا، ومَصيرِه حَصيدًا، ومِن بديعِ هذا التَّشبيهِ: تَضمُّنُه لتشبيهاتٍ مُفرَّقةٍ من أطوارِ الحالينِ المتشابهَينِ بحيثُ يَصلُحُ كلُّ جزءٍ مِن هذا التشبيهِ المركَّبِ لتشبيهِ جُزءٍ مِن الحالينِ المتشابِهينِ؛ ولذلك أَطْنَبَ وصْفَ الحالينِ مِن ابتدائِه [376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/141)، ويُنظَر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/340). .
- قولُه: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ... كلامٌ فصيحٌ بديعُ اللَّفظِ، حيث جُعِلَت الأرضُ آخِذةً زُخرُفَها على التَّمثيلِ بالعَروسِ، إذا أخَذَت الثِّيابَ الفاخِرةَ مِن كلِّ لونٍ، فاكْتَسَتها وتزَيَّنَت بغيرِها مِن ألوانِ الزِّيَنِ [377] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1061)، ((تفسير أبي حيان)) (6/38). .
- قولُه: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ فيه مُبالَغةٌ في التَّلَفِ والهلاكِ، حتَّى كأنَّها لم تُوجَدْ قَبلُ، ولم يَقُمْ بالأرضِ بهجةٌ خَضِرةٌ نضِرةٌ تَسُرُّ أهلَها [378] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/39). .
- قولُه: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تذييلٌ جامعٌ؛ أي مِثْلَ هذا التَّفصيلِ نُفصِّلُ، أي: نُبيِّنُ الدَّلالاتِ كلَّها الدَّالَّةَ على عُمومِ العلمِ والقدرةِ، وإتقانِ الصُّنعِ [379] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/144). ، وفيه تعريضٌ بأنَّ الذين لم ينتَفِعوا بالآياتِ، ليسوا مِن أهلِ التفَكُّرِ، ولا كان تفصيلُ الآياتِ لأجْلِهم [380] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/144). .
- وفي قولِه: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ خَصَّ (الْمُتَفَكِّرِينَ) بالذِّكرِ؛ تَشريفًا للمنزلةِ، ولِيَقعَ التَّسابُقُ إلى هذه الرُّتبةِ [381] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/115). ، ولأنَّهم هم المنتَفِعون بتَفصيلِ الآياتِ [382] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/110). .
2- قولُه تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
- قولُه: دَارِ السَّلَامِ فيه إضافةُ الدَّارِ إلى اسمِه سُبحانَه؛ تَعظيمًا وتَشريفًا لها [383] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/341)، ((تفسير أبي حيان)) (6/40). ، وذلك على أحدِ أوجهِ التأويلِ.
- وفي قولِه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مناسَبةٌ حسَنةٌ؛ فإنَّه لَمَّا كان الدُّعاءُ عامًّا لم يتَقيَّدْ بالمشيئةِ، ولَمَّا كانت الهدايةُ خاصَّةً تقيَّدَت بالمشيئةِ، فقال: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [384] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/40). .