موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآية (158)

ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ

المعنى الإجمالي:


يأمرُ اللهُ نَبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ للنَّاسِ جَميعِهم: يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي رسولُ اللهِ إليكم كُلِّكم، الذي له وحدَه مُلكُ السَّمواتِ والأرضِ وما فيهما، لا معبودَ بِحقٍّ إلَّا هو وحدَه، بِيَدِه وحدَه إحياءُ الخَلقِ وإماتَتُهم، فآمِنوا- أيُّها النَّاسُ- باللهِ ورَسولِه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، النَّبيِّ الأمِّيِّ، الذي يؤمِنُ باللهِ وكَلِماتِه، واتَّبعوه؛ لعلَّكم تهتدونَ.

تفسير الآية:


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكر اللهُ تعالى لموسى- عليه السلام- صفةَ مُحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأخبَرَ أنَّ مَن أدرَكَه وآمَنَ به، أفلح- أمَرَ تعالى نبيَّه بإشهارِ دَعوَتِه ورسالَتِه إلى النَّاسِ كافَّةً، والدُّعاءِ إلى الإيمانِ باللهِ ورسولِه وكَلِماتِه، واتِّباعِه [1880] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/383)، ((تفسير أبي حيان)) (5/196). .
وأيضًا لَمَّا دعا أهلَ التَّوراةِ مِن بني إسرائيلَ إلى اتِّباعِه، وكان ربَّما توهَّم مُتَوهِّمٌ أنَّ الحُكمَ مَقصورٌ عليهم- أتى بما يدلُّ على العُمومِ [1881] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:305). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ الرَّسولَ الأمِّيَّ، استطرَدَ بتذكيرِ بني إسرائيلَ بما وعَدَ اللهُ به موسى عليه السَّلام، وإيقاظًا لأفهامِهم بأنَّ محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو مِصداقُ الصِّفاتِ التي عَلَّمَها اللهُ موسى [1882] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/139). .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
أي: قلُ- يا مُحمَّدُ- للنَّاسِ كُلِّهم: يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي مُرسَلٌ مِن اللهِ إلى جَميعِكم؛ مِن العَرَب وغَيرِهم، ولم أُرسَلْ إلى بعضِكم دونَ بَعضٍ [1883] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/498)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (34/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/218). قال ابنُ كثيرٍ: (هذا خطابٌ للأحمَرِ والأسوَدِ، والعربيِّ والعَجَميِّ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا أي: جميعِكم، وهذا مِن شَرَفِه وعَظَمَتِه؛ أنَّه خاتَم النبيِّينَ، وأنَّه مبعوثٌ إلى النَّاسِ كافةً، .. وهو معلومٌ مِن دِينِ الإسلامِ ضرورةً؛ أنَّه- صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه- رسولُ اللهِ إلى النَّاسِ كُلِّهم). ((تفسير ابن كثير)) (3/489). .
كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: 28].
وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].
وقال عزَّ وجلَّ: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1].
وقال تبارك وتعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ [آل عمران: 20].
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ مِنَ الأنبياءِ قَبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ، وجُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، وأيُّما رجلٍ مِن أمَّتي أدركَتْه الصَّلاةُ فلْيُصَلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائِمُ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قَومِه خاصَّةً، وبُعِثتُ إلى النَّاسِ كافَّةً، وأُعطِيتُ الشَّفاعةَ )) [1884] رواه البخاري (438) ومسلم (521). .
وعن أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((والذي نَفسُ محمَّدٍ بِيَدِه، لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمَّةِ؛ يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النَّارِ )) [1885] رواه مسلم (153). .
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أي: إنِّي رسولُ مَن له وَحدَه سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ وما فيهِما، وله وَحدَه تدبيرُ ذلك، والقيامُ بتَصريفِه [1886] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/498)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/140)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/219). .
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 17].
وقال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: 1].
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
أي: لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، وحدَه دونَ ما سواه [1887] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/498 - 499)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/219). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62].
يُحْيِي وَيُمِيتُ
أي: هو وَحدَه الذي بيَدِه إحياءُ الخَلقِ وإماتَتُهم [1888] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/219 - 220). .
كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: 2].
وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر: 68].
وقال عزَّ وجلَّ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: 33].
وقال جلَّ جلالُه: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: 36 -40].
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا صَدَّرَ الأمرَ بخطابِ جَميعِ البَشَرِ، وكان فيهم مَن لا يؤمنُ بالله، وفيهم مَن يؤمِنُ باللهِ ولا يؤمِنُ بالنَّبيِّ الأمِّيِّ- جمعَ بين الإيمانِ باللهِ والإيمانِ بالنَّبيِّ الأمِّيِّ في طَلَبٍ واحدٍ؛ ليكونَ هذا الطَّلبُ مُتوجِّهًا للفِرَق كُلِّهم، ليجمَعوا في إيمانِهم بين الإيمانِ باللهِ والنبيِّ الأمِّيِّ، مع قضاءِ حَقِّ التأدُّبِ مع الله بجَعلِ الإيمانِ به مُقَدَّمًا على طلَبِ الإيمانِ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ للإشارةِ إلى أنَّ الإيمانَ بالرَّسولِ إنَّما هو لأجْلِ الإيمانِ بالله [1889] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/140). ، فقال تعالى:
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
أي: فآمِنُوا- أيُّها النَّاسُ- باللهِ تعالى، الذي تلك صِفَتُه، وآمِنوا برَسولِه محمَّدٍ النَّبيِّ الذي لا يكتُبُ ولا يقرأُ مِن كتابٍ [1890] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/436)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير الشوكاني)) (2/287)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/219 - 220). .
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
أي: الذي يؤمِنُ بالله، ويوحِّدُه في عبادَتِه، ويؤمِنُ بكَلِماتِ اللهِ، التي منها جميعُ كُتُبِه التي أنزَلَها على رُسُلِه صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليهم [1891] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/499 - 500)، ((تفسير البغوي)) (2/240)، ((تفسير ابن عطية)) (2/465)، ((تفسير القرطبي)) (7/302)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/141)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/221). قال الشِّنقيطي: (والتحقيقُ: أنَّ كَلِماتِ اللهِ أعَمُّ مِن كُتُبِه، وأنَّها لا يُحصِيها إلَّا هو جَلَّ وعلا، كما نوَّه عنها في أُخرَياتِ الكَهفِ وأُخرياتِ لُقمانَ، في قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109]، وقال: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: 27]، وكلماتُ اللهِ لا يعلَمُها إلَّا اللهُ جلَّ وعلا، ولو كانت البُحورُ مِدادًا لكلماتِه لنَفِدَت البُحورُ وتلاشَت، قبل أن تنفَدَ كلماتُه جلَّ وعلا). ((العذب النمير)) (4/239). .
كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285].
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أي: واقتَدُوا- أيُّها النَّاسُ- بهذا الرَّسولِ، وأطيعوه؛ لأجلِ أن تهتَدُوا إلى الحَقِّ [1892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/500)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/222). قال الرَّازي: (المتابعةُ تتناوَلُ المتابعةَ في القَولِ وفي الفِعلِ؛ أمَّا المتابعةُ في القَولِ فهو أن يمتثِلَ المكَلَّفُ كُلَّ ما يقولُه في طرفَي الأمرِ والنَّهي، والتَّرغيب والتَّرهيب. وأمَّا المتابعةُ في الفِعلِ فهي عبارةٌ عن الإتيانِ بمِثلِ ما أتى المتبوعُ به، سواءٌ كان في طَرَف الفِعلِ أو في طَرَف التَّركِ، فثبت أنَّ لَفظَ وَاتَّبِعُوهُ يتناوَلُ القِسمينِ). ((تفسير الرازي)) (15/386). قال الشِّنقيطي: (ومعنى اتِّباعه: هو الاقتداءُ به فيما جاء به مِن عقائِدَ وأفعالٍ وأقوالٍ). ((العذب النمير)) (4/222). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 31-32].
وقال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54].
وقال عزَّ وجلَّ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].

الفوائد التربوية:


1- قال تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ مَن كان يحيي ويميتُ، فهو الذي يُخافُ منه غايةَ الخَوفِ؛ لأنَّه لا يقَعُ على الإنسانِ في هذه الدَّارِ الدُّنيا حادِثٌ أعظَمُ مِن الموتِ، الذي يقطَعُه عن كُلِّ شيءٍ، ولا شيءَ أعظَمُ- مِن التصَرُّفات- مِن إحياءِ الإنسانِ بعدَ مَوتِه، والإتيانِ به حيًّا بعد أن صار عِظامًا رَميمًا- سبحانَ رَبِّنا وخالِقِنا، ما أعظَمَه! وما أعظَمَ قُدرَتَه جلَّ وعلا! وما أظهَرَ براهينَ تَوحيدِه [1893] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/220). !
2- على الخلقِ كلِّهم اتباعُ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم فلا يعبدونَ إلا الله، ويعبدونَه بشريعةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم لا بغيرِها، قال تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [1896]  يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (18/318). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ المقصودُ مِن ذِكرِ هذه الأوصافِ الثَّلاثة: تذكيرُ اليَهودِ، ووَعظُهم؛ حيث جحَدوا نبوَّةَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وزعموا أنَّه لا رسولَ بعد موسى، واستعظَموا دعوةَ مُحمَّدٍ، فكانوا يعتقدونَ أنَّ موسى لا يُشبِهُه رَسولٌ، فذُكِّروا بأنَّ اللهَ مالِكُ السَّمواتِ والأرضِ، وهو واهِبُ الفَضائِلِ، فلا يُستعظَمُ أن يُرسِلَ رَسولًا، ثم يُرسِلَ رَسولًا آخَرَ؛ لأنَّ المُلكَ بِيَدِه، وبأنَّ اللهَ هو الذي لا يُشابِهُه أحدٌ في ألوهِيَّتِه، فلا يكونُ إلَهانِ للخَلقِ، وأمَّا مَرتبةُ الرِّسالةِ فهي قابلةٌ للتعَدُّدِ، وبأنَّ اللهَ يحيي ويُميتُ، فكذلك هو يُميتُ شريعةً ويُحيي شريعةً أخرى، وإحياءُ الشَّريعةِ إيجادُها بعد أنْ لم تكُنْ؛ لأنَّ الإحياءَ حَقيقَتُه إيجادُ الحياةِ في الموجودِ، ثم يحصُلُ مِن هذه الصِّفاتِ إبطالُ عقيدةِ المُشركينَ بتعَدُّدِ الآلهةِ وبإنكارِ الحَشرِ [1897] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/140). .
قوله تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ دلَّ على أنَّه لا يُشرِّعُ للخلقِ، ويأمرُهم وينهاهم، ويحرِّم عليهم إلا الملكُ، الذي هو نافذُ التصرُّفِ نفوذًا مطلقًا، وله الكلمةُ العليا، وهو فوقَ كلِّ شيءٍ [1898] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/228). .
قولُ اللهِ تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ لَمَّا أثبَتَ تعالى هذه الأصولَ المذكورةَ بهذه الدَّلائِلِ المذكورةِ في هذه الآيةِ، ذكَرَ بَعدَه قولَه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وهذا التَّرتيبُ في غايةِ الحُسنِ؛ وذلك لأنَّه لَمَّا بيَّنَ أوَّلًا أنَّ القَولَ ببَعثةِ الأنبياءِ والرُّسُل- عليهم السَّلامُ- أمرٌ جائِزٌ مُمكِنٌ، أردَفَه بذِكرِ أنَّ مُحمَّدًا رسولٌ حَقٌّ مِن عندِ الله؛ لأنَّ مَن حاولَ إثباتَ مَطلوبٍ، وجبَ عليه أن يُبيِّنَ جوازَه أوَّلًا، ثمَّ حصولَه ثانيًا [1899] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/385). .
قولُ اللهِ تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ لَمَّا كان الإيمانُ باللهِ هو الأصلَ يتفَرَّعُ عنه الإيمانُ بالرَّسولِ والنبيِّ، بدأ به، ثم أتبَعَه بالإيمانِ بالرَّسولِ، ثم أتبَعَ ذلك بالإشارةِ إلى المُعجِزِ الدَّالِّ على نبوَّتِه، وهو كونُه أميًّا، وظهر عنه من المُعجِزاتِ في ذاتِه ما ظهَرَ مِن القُرآنِ الجامِع لعُلومِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، مع نشأتِه في بلدٍ عارٍ مِن أهلِ العِلمِ، لم يقرأْ كتابًا ولم يخُطَّ، ولم يصحَبْ عالِمًا، ولا غابَ عن مكَّةَ غَيبةً تقتضي تعلُّمًا [1900] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/197). .
قولُ اللهِ تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الإيمانُ باللهِ: الإيمانُ بأعظَمِ صِفاتِه، وهي الإلهيَّةُ المتضمِّنُ إيَّاها اسمُ الذَّاتِ، والإيمانُ بالرَّسولِ: الإيمانُ بأخَصِّ صِفاتِه، وهو الرِّسالةُ، وذلك معلومٌ مِن إناطةِ الإيمانِ بوَصفِ الرَّسولِ دونَ اسمِه العَلَم [1901] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/141). .
قال الله تعالى: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ كلماتُ اللهِ تشمَلُ كُتُبَه ووحيَه للرُّسُلِ، وأوثِرَ هنا التعبيرُ بكَلِماتِه، دون كُتُبِه؛ لأنَّ المَقصودَ الإيماءُ إلى إيمانِ الرَّسولِ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بأنَّ عيسى كَلِمةُ الله، أي: أثَرُ كَلِمَتِه، وهي أمرُ التَّكوينِ؛ إذ كان تكَوُّنُ عيسى عن غيرِ سَببِ التكَوُّنِ المُعتادِ، بل كان تكَوُّنُه بِقَولِ اللهِ: كُن، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59]، فاقتضى أنَّ الرَّسولَ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- يُؤمِنُ بعيسى، أي: بِكَونِه رَسولًا مِن الله، وذلك قَطعٌ لِمَعذرةِ النَّصارى في التردُّدِ في الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واقتضى أنَّ الرَّسولَ يُؤمِنُ بأنَّ عيسى كلمةُ الله، وليس ابنَ اللهِ، وفي ذلك بيانٌ للإيمانِ الحَقِّ، ورَدٌّ على اليهودِ فيما نسَبُوه إليه، ورَدٌّ على النَّصارى فيما غَلَوْا فيه [1902] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/141). .

بلاغة الآية:


قولُه تعالى: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا تأكيدُ الخَبَرِ بـ (إنَّ) باعتبارِ أنَّ في جملةِ المُخاطَبينَ مُنكِرينَ ومُتَردِّدينَ، استقصاءً في إبلاغِ الدَّعوةِ إليهم [1903] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/139). .
وتأكيدُ ضَميرِ المُخاطبينَ في (إليكم) بوَصْفِ جميعًا الدَّالِّ نصًّا على العُمومِ؛ لرَفعِ احتمالِ تَخصيصِ رِسالَتِه بغيرِ بني إسرائيلَ؛ فإنَّ مِن اليهودِ فريقًا كانوا يزعمونَ أنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيٌّ، ويزعمونَ أنَّه نبيُّ العَرَبِ خاصَّةً [1904] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/139). .
وتقديمُ المَجرورِ لَهُ في قَولِه: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ للقَصرِ، أي: لا لِغَيرِه ممَّا يعبُدُه المُشركون، فهو قَصرٌ إضافيٌّ؛ للرَّدِّ على المُشركينَ [1905] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/139). .
قَولُه: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حالٌ مِن اسمِ الجلالةِ، في قُوَّةِ (مُتفَرِّدًا بالإلهيَّةِ)، وهذا قَصرٌ حَقيقيٌّ؛ لتحقيقِ صِفةِ الوَحدانيَّةِ، لا لقَصدِ الرَّدِّ على المُشركينَ [1906] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/140) . .
قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ... فيه التفاتٌ؛ حيث عَدَل عن الضَّميرِ- فلم يقُل (فآمِنُوا باللهِ وبي)- إلى الاسمِ الظَّاهِر؛ لتجريَ عليه الصِّفاتُ التي أُجرِيَت عليه، ولِما في طريقةِ الالتفاتِ من البلاغةِ، ولِيُعلِمَ أنَّ الذي يجِبُ الإِيمانُ به، واتِّباعُه، هو هذا الشَّخصُ المُستقلُّ بأنَّه النبيُّ الأميُّ، الذي يؤمِنُ باللهِ وكلماتِه كائنًا مَنْ كان، أنا أو غيري؛ إظهارًا للنَّصَفةِ، وتفاديًا مِنَ العصبيَّةِ لِنَفسِه [1907] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/197)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/484). .