موسوعة التفسير

سُورةُ الأحقافِ
الآيات (33-35)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ

غريب الكلمات:

يَعْيَ: أي: يَعجِزْ، والعِيُّ: عَدَمُ الاهتِداءِ إلى جهةٍ، ومنه العِيُّ في الكلامِ؛ مِنْ عَيِيَ بالأمرِ: إذا لم يَهتَدِ لِوَجهِ عمَلِه. يُقالُ: عَيِيتَ بالأمرِ: إذا لم تَعرِفْ وَجْهَه. وأصلُ (عيى): يدُلُّ على العَجزِ [564] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 600)، ((تفسير القرطبي)) (16/218) و (17/8)، ((تفسير البيضاوي)) (5/140)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/680)، ((تفسير الألوسي)) (13/190). .
الْعَزْمِ: أي: الحَزمِ والصَّبرِ، وأصلُ (عزم): يدُلُّ على القَطعِ [565] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 95)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/308)، ((المفردات)) للراغب (ص: 565)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 354). .
بَلَاغٌ : أي: تبليغٌ وعِظةٌ، وأصلُ (بلغ): وُصولٌ إلى الشَّيءِ [566] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/301)، ((المفردات)) للراغب (ص: 144)، ((تفسير القرطبي)) (9/385). .

مشكل الإعراب:

قَولُه تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قَولُه: وَلَمْ يَعْيَ: يَعْيَ: مُضارِعُ (عَيِيَ) بالكَسرِ (يَعْيَا) بالفَتحِ، فلمَّا دَخَلَ الجازمُ (لَمْ) حُذِفَت الألِفُ فصار يَعْيَ؛ فهو فِعلٌ مُضارعٌ مَجزومٌ، وعلامةُ جَزمِه حَذفُ حَرفِ العلَّةِ، وهو الألِفُ.
قَولُه: بِقَادِرٍ: خبَرُ أَنَّ مَرفوعٌ محَلًّا، مجرورٌ لَفظًا، والباءُ: زائِدةٌ مُؤكِّدةٌ، وحَسَّن زيادتَها هنا كَوْنُ ما قَبْلَها -أنَّ مع ما في حَيِّزِها- في حيِّزِ النَّفيِ (لَمْ)، فكأنَّه قيل: أوَلَيسَ اللهُ بقادِرٍ على أن يُحييَ المَوتى؟ ولذلك أُجيبَ عنه بقَولِه تعالى: بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ولولاه ما زِيدَت الباءُ في الخبَرِ؛ لو قُلتَ: ظَننتُ أنَّ زيدًا بقائمٍ، لم يَجُزْ. ولو قُلتَ: ما ظَننتُ أنَّ زيدًا بقائمٍ، جاز؛ لدُخولِ (ما) النَّافيةِ [567] يُنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) للفارسي (1/195)، ((البسيط)) للواحدي (20/202)، ((تفسير أبي حيان)) (9/451)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/680)، ((تفسير الألوسي)) (13/190). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ تعالى موبِّخًا المشركينَ، ومُستَدِلًّا على الإعادةِ بعدَ الموتِ: أوَلَمْ يَرَ المُنكِرونَ للبَعثِ يومَ القيامةِ أنَّ اللهَ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ ولم يَعجِزْ عن خَلْقِهنَّ بقادرٍ على إحياءِ الموتى؟! بلى قادِرٌ سُبحانَه على ذلك؛ إنَّه على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
ثمَّ يخبِرُ تعالى عن حالِ المشركينَ عندَ عَرْضِهم على النَّارِ، متوعِّدًا لهم، فيقولُ: واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ يُعرَضُ الَّذين كَفَروا باللهِ على النَّارِ، ويُقالُ لهم تَوبيخًا: أليس هذا العذابُ حقًّا واقِعًا؟! قالوا: بلى هو حَقٌّ ورَبِّنا! قال اللهُ لهم: فذُوقُوا العذابَ؛ بسَبَبِ كُفرِكم بالحَقِّ في الدُّنيا.
ثمَّ يأمُرُ اللهُ تعالى رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَصبِرَ على أذَى المكذِّبينَ، فيقولُ: فاصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يُصيبُك كما صبَرَ على ذلك أصحابُ العَزمِ والجِدِّ مِن الرُّسُلِ السَّابِقينَ، ولا تَستعجِلْ وُقوعَ العذابِ على المُشرِكينَ؛ فهم مُعَذَّبونَ لا مَحالةَ! كأنَّهم يومَ يَرَونَ عذابَ اللهِ لم يَلبَثوا في الدُّنيا إلَّا ساعةً واحِدةً مِن ساعاتِ النَّهارِ!
هذا القُرآنُ بَلاغٌ مِن اللهِ لِعِبادِه، وما يُهلَكُ بعدَ هذا البَلاغِ إلَّا القَومُ الفاسِقونَ.

تفسير الآيات:

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا تَمَّ الكَلامُ في التَّوحيدِ وفي النُّبُوَّةِ؛ ذكَرَ عَقِيبَهما تقريرَ مَسألةِ المَعادِ [568] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/29). .
وأيضًا لَمَّا أتَمَّ اللهُ سُبحانَه وتعالى ما اقتَضاه مَقصودُ هذه السُّورةِ مِن أُصولِ الدِّينِ وفُروعِه، والتَّحذيرِ مِن سَطَواتِه بذِكرِ بَعضِ مَثُلاتِه، وخَتَم بضَلالِ مَن لم يُجِبِ الدَّاعيَ- نَبَّه على أنَّ أوضَحَ الأدِلَّةِ على إحاطتِه بالجَلالِ والجَمالِ، وقُدرتِه على الأجَلِ المُسَمَّى الَّذي خَلَق الخَلْقَ مِن أجْلِه: ما جَلَّى به مَطلَعَ السُّورةِ مِن إبداعِ الخافِقَينِ، وما فيهما مِن الآياتِ الظَّاهِرةِ للأُذُنِ والعَينِ [569] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/185). .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى.
أي: أوَلَمْ يَرَ المُنكِرونَ للبَعثِ، المُستَبعِدونَ لقِيامِ الأجسادِ يومَ القيامةِ: أنَّ اللهَ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، ولم يَعجِزْ عن خَلْقِهنَّ -على عَظَمتِهنَّ وسَعَتِهنَّ وإتقانِ خَلْقِهنَّ- أنَّه لا يُعجِزُه إعادةُ النَّاسِ أحياءً بعدَ مَوتِهم، وأنَّه قادِرٌ على ذلك قُدرةً عَظيمةً تامَّةً [570] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/173، 174)، ((تفسير القرطبي)) (16/218)، ((تفسير ابن كثير)) (7/304)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/185-187)، ((تفسير السعدي)) (ص: 783). ؟!
كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [الإسراء: 99] .
وقال سُبحانَه وتعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: 57] .
بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: قد رأى المُنكِرونَ للبَعثِ وعَلِموا أنَّه قادِرٌ على ذلك؛ إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ، لا يُعجِزُه سُبحانَه شَيءٌ [571] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/175)، ((تفسير ابن عطية)) (5/106)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/187)، ((تفسير الشوكاني)) (5/32). .
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أقام اللهُ تعالى الدَّلالةَ على صِحَّةِ القَولِ بالحَشرِ والنَّشرِ؛ ذكَرَ بَعضَ أحوالِ الكُفَّارِ [572] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/30). ، وذكَّرَ ببَعضِ ما يَحصُلُ في يومِ القيامةِ مِن الأهوالِ؛ تحذيرًا منه [573] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/187). ، فقال:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ.
أي: واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ يُعرَضُ الَّذين كَفَروا باللهِ وكَذَّبوا بالبَعثِ على النَّارِ، ويُقالُ لهم تَوبيخًا: أليس هذا العذابُ -الَّذي تَحضُرونَه وتُشاهِدونَه الآنَ، وقد كُنتُم تُكَذِّبونَ به في الدُّنيا- أمرًا ثابتًا واقِعًا [574] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/176)، ((تفسير الزمخشري)) (4/313)، ((تفسير القرطبي)) (16/219)، ((تفسير ابن كثير)) (7/305)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/187، 188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 784). ؟!
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا.
أي: قال الكُفَّارُ المُكَذِّبونَ بالبَعثِ: بلى، هذا العَذابُ حَقٌّ ثابتٌ وواقِعٌ، ونُقسِمُ على ذلك برَبِّنا [575] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/176)، ((تفسير السمرقندي)) (3/294)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/188، 189)، ((تفسير الشوكاني)) (5/32)، ((تفسير السعدي)) (ص: 784). .
كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام: 30] .
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي: قال اللهُ لهم: فذُوقُوا هذا العذابَ؛ بسَبَبِ كُفرِكم بالحَقِّ في الدُّنيا [576] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/176)، ((تفسير القرطبي)) (16/219)، ((تفسير الشوكاني)) (5/32). .
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا قَرَّرَ المطالِبَ الثَّلاثةَ، وهي: التَّوحيدُ، والنُّبُوَّةُ، والمَعادُ، وأجاب عن الشُّبُهاتِ؛ أردَفَه بما يَجري مَجرَى الوَعظِ والنَّصيحةِ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وذلك لأنَّ الكُفَّارِ كانوا يُؤذُونَه [577] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/30). .
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
أي: فاصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يُصيبُك في اللهِ مِن الأذى والشَّدائِدِ كما صبَرَ على ذلك أصحابُ العَزمِ والجِدِّ والهِمَّةِ العاليةِ مِن الرُّسُلِ السَّابِقينَ [578] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/176، 177)، ((تفسير ابن كثير)) (7/305)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/189، 190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 784). قال ابنُ عاشور: (أُولُو الْعَزْمِ: أصحابُ العَزمِ، أي: المتَّصِفونَ به، والعَزمُ: نيَّةٌ مُحقَّقةٌ على عَمَلٍ أو قَولٍ دونَ تردُّدٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (26/67). وقال شِهابُ الدِّين الخفاجي: (وأولُو العَزمِ: إمَّا الرُّسُلُ مُطلَقًا، فـ «مِن» بيانيَّةٌ، وهذا أحَدُ الأقوالِ فيه، أو طائِفةٌ مَخصوصةٌ منهم، فـ «مِن» تَبعيضيَّةٌ، وفي تَعيينِهم أقوالٌ). ((حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي)) (8/37). وقال ابنُ كثير: (وأشهَرُها [أي: هذه الأقوالِ] أنَّهم: نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى، وخاتمُ الأنبياءِ كُلِّهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، قد نصَّ اللهُ على أسمائِهم مِن بيْنِ الأنبياءِ في آيتَينِ مِن سُورتَيِ الأحزابِ والشُّورى). ((تفسير ابن كثير)) (7/305). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/30، 31). وقال ابن تيميَّة: (أُولو العزمِ الَّذين خصَّهم اللهُ بالذِّكرِ في قولِه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7] ، وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] ، وهم يومَ القيامةِ الَّذين تَطلُبُ منهم الأُمَمُ الشَّفاعةَ، وبهم أُمِر خاتمُ الرُّسلِ أن يَقتديَ في الصَّبرِ، فقيل له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ). ((مجموع الفتاوى)) (17/ 32). وقال الشنقيطي: (فالرُّسُلُ الَّذين أُمِرَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَصبِرَ كما صَبَروا: أربَعةٌ، فصار هو صلَّى الله عليه وسلَّم خامِسَهم. واعلَمْ أنَّ القَولَ بأنَّ المرادَ بأُولي العَزمِ جَميعُ الرُّسُلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ لَفظةَ «مِن» في قَولِه: مِنَ الرُّسُلِ بَيانيَّةٌ: يَظهَرُ أنَّه خِلافُ التَّحقيقِ، كما دَلَّ على ذلك بَعضُ الآياتِ القُرآنيَّةِ، كقَولِه تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم: 48] ، فأمَرَ اللهُ جَلَّ وعلا نَبيَّه في آيةِ «القلم» هذه بالصَّبرِ، ونهاه عن أن يكونَ مِثلَ يُونُسَ؛ لأنَّه هو صاحِبُ الحُوتِ، وكقَولِه: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: 115] ؛ فآيةُ «القلم» وآيةُ «طه» المذكورتانِ: كِلْتاهما تدُلُّ على أنَّ أُولي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذين أُمِرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يَصبِرَ كصَبْرِهم لَيسوا جميعَ الرُّسُلِ). ((أضواء البيان)) (7/241). ونَسَب السَّمْعانيُّ هذا القَولَ -أي أنَّهم أربعةٌ- إلى أكثَرِ المُفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/164). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جزي)) (2/279)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/190). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وعَطاءٌ، وقَتادةُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/177)، ((تفسير الماوردي)) (5/288)، ((البسيط)) للواحدي (20/204). وممَّن اختارَ أنَّ «مِنْ» بيانيَّةٌ: ابنُ الأنباري -كما نسَبَه ابنُ الجوزي إليه- والبيضاويُّ، وجلال الدين المحلي، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (4/114)، ((تفسير البيضاوي)) (5/117)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 672)، ((تفسير الألوسي)) (13/ 191). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ زَيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/177). .
كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: 7] .
وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] .
وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا أمَرَه بالصَّبرِ الَّذي هو مِن أعلى الفَضائِلِ؛ نهاه عن العَجَلةِ الَّتي هي مِن أُمَّاتِ الرَّذائِلِ؛ لِيَصِحَّ التَّحَلِّي بفَضيلةِ الصَّبرِ، الضَّامِنةِ للفَوزِ والنَّصرِ [579] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/191). ، فقال:
وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ.
أي: ولا تَطلُبْ -يا محمَّدُ- تَعجيلَ وُقوعِ العذابِ على المُشرِكينَ؛ فهم مُعَذَّبونَ لا مَحالةَ في الوَقتِ الَّذي قدَّره اللهُ لهلاكِهم [580] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/177، 178)، ((تفسير الزمخشري)) (4/313)، ((تفسير ابن كثير)) (7/305)، ((تفسير السعدي)) (ص: 784)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/67)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/241، 242). .
كما قال تعالى: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم: 84] .
وقال سُبحانَه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل: 10، 11].
وقال تبارك وتعالى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: 17].
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
أي: كأنَّهم يومَ يَرَونَ عذابَ اللهِ لم يَلبَثوا في الدُّنيا إلَّا ساعةً واحِدةً مِن ساعاتِ النَّهارِ، ويَنسَونَ طُولَ لُبثِهم في الدُّنيا [581] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/178)، ((الوسيط)) للواحدي (4/117)، ((تفسير ابن كثير)) (7/305)، ((تفسير الشوكاني)) (5/33). قال البقاعي: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ أي: في الدُّنيا عندَ الموتِ مَثلًا، أو في الآخرةِ وقتَ العَرضِ والحِسابِ والهَولِ الأعظَمِ الأكبَرِ). ((نظم الدرر)) (18/191). وقال الرازي: (أُخْبِر [النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم] أنَّ ذلك العذابَ منهم قريبٌ، وأنَّه نازِلٌ بهم لا مَحالةَ وإنْ تأخَّر، وعندَ نزولِ ذلك العذابِ بهم يَسْتَقْصِرونَ مُدَّةَ لُبْثِهم في الدُّنيا، حتَّى يَحْسِبونَها ساعةً مِن نهارٍ، والمعنَى أنَّهم إذا عايَنوا العذابَ صار طولُ لُبْثِهم في الدُّنيا والبَرزخِ كأنَّه ساعةٌ مِن النَّهارِ، أو كأنْ لم يَكُنْ؛ لِهَوْلِ ما عايَنوا، أو لأنَّ الشَّيءَ إذا مضَى صارَ كأنَّه لم يَكُنْ، وإنْ كانَ طويلًا). ((تفسير الرازي)) (28/31). !
كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس: 45].
وقال الله سُبحانَه وتعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون: 112 - 114] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الروم: 55، 56].
وقال تبارك وتعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: 46].
بَلَاغٌ.
أي: هذا القُرآنُ بَلاغٌ مِن اللهِ لِعِبادِه [582] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/178)، ((الوسيط)) للواحدي (4/117)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/114)، ((تفسير القرطبي)) (16/222)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/68)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/242). وممَّن قال بأنَّ المرادَ أنَّ القُرآنَ بلاغٌ: الثعلبيُّ، والواحدي، والسمعاني، والقرطبي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (9/26)، ((الوسيط)) للواحدي (4/117)، ((تفسير السمعاني)) (5/165)، ((تفسير القرطبي)) (16/222)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/242). قال ابن الجوزي: (وفي معنى وَصفِ القرآنِ بالبَلاغِ قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ البلاغَ بمعنى التَّبليغِ. والثَّاني: أنَّ معناه الكِفايةُ، فيكونُ المعنى: ما أخبَرْناهم به لهم فيه كفايةٌ وغِنًى). ((تفسير ابن الجوزي)) (4/114). وذكر ابنُ جريرٍ وَجهًا آخَرَ، وهو أنَّ المعنى: لم يَلبَثوا إلَّا ساعةً مِن نهارٍ، ذلك لُبْثُ بَلاغٍ، أي: ذلك بلاغٌ لهم في الدُّنيا إلى آجالِهم، ثمَّ حُذِفَت «ذلك لُبْثُ»؛ اكتِفاءً بدَلالةِ ما ذُكِرَ في الكلامِ عليها. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/178). وقال السعدي: (أي: هذه الدُّنيا مَتاعُها وشَهوتُها ولَذَّاتُها بُلغةٌ مُنغَّصةٌ، ودَفعُ وَقتٍ حاضرٍ قَليلٍ. أو: هذا القرآنُ العَظيمُ الَّذي بيَّنَّا لكم فيه البيانَ التَّامَّ بلاغٌ لكم، وزادٌ إلى الدَّارِ الآخرةِ، ونِعْمَ الزَّادُ والبُلغةُ زادٌ يُوصِلُ إلى دارِ النَّعيمِ، ويَعصِمُ مِن العذابِ الأليمِ؛ فهو أفضَلُ زادٍ يتزَوَّدُه الخلائِقُ، وأجَلُّ نِعمةٍ أنعَمَ اللهُ بها عليهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 784). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/107، 108). .
كما قال تعالى: هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم: 52] .
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.
أي: فهل يُهلَكُ بالعذابِ بعدَ هذا البَلاغِ إلَّا القَومُ الَّذين خَرَجوا عن طاعةِ اللهِ تعالى، وكَفَروا به، وخالَفوا أوامِرَه؛ فاستحَقُّوا عَذابَه [583] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/178)، ((تفسير الماوردي)) (5/289)، ((تفسير القرطبي)) (16/222)، ((تفسير ابن كثير)) (7/305). قال ابن عاشور: (والمرادُ بالفِسْقِ هنا: الفِسقُ عن الإيمانِ، وهو فِسقُ الإشراكِ). ((تفسير ابن عاشور)) (26/69). ؟

الفوائد التربوية:

1- في القُرآنِ مِن قصصِ المُرسَلينَ الَّتي فيها تَسليةٌ وتَثبيتٌ؛ لِيُتأسَّى بهم في الصَّبرِ على ما كُذِّبوا وأُوذُوا، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام: 34] ، وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: 111] ، وقال: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت: 43] ، وقال: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [584] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/179). .
2- مَن قَوِيَت عَزيمتُه، وكَمَلَ عِلمُه، وقَوِيَ إيمانُه؛ لم يَطمَعْ فيه عَدُوُّه، وكان أفضَلَ، ومَن ضَعُفَ عِلمُه وضَعُفَت عَزيمتُه، طَمِعَ فيه عَدُوُّه؛ قال اللهُ تعالى في حَقِّ آدَمَ: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: 115] ، وقال في حَقِّ غَيرِه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [585] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/305). .
3- قال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فأمَرَ بالصَّبرِ، ونَهى عَمَّا يُضادُّه، فقال: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، وقال أيضًا: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا [آل عمران: 139] ، وقال: وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم: 48] ، وبالجُملةِ فكُلُّ ما نهَى عنه فإنَّه يُضادُّ الصَّبرَ المأمورَ به [586] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 72). .
4- على قَدْرِ رَغبةِ العَبدِ في الدُّنيا ورِضاه بها يكونُ تَثاقُلُه عن طاعةِ اللهِ، وطَلَبِ الآخِرةِ، ويَكفي في الزُّهدِ في الدُّنيا قَولُه تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ، وقَولُه تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: 205- 207] ، وقَولُه تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس: 45] ، وقَولُه تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: 42 - 46]، وقَولُه تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم: 55] ، وقَولُه تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون: 112-114] ، وقَولُه تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [587] يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 96). [طه: 102 - 104] .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قَولُ الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا استِدلالٌ منه تعالى على الإعادةِ بعدَ الموتِ بما هو أبلَغُ منها، وهو: أنَّه الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ على عِظَمِهما وسَعتِهما، وإتقانِ خَلْقِهما، مِن دونِ أن يكتَرِثَ بذلك، ولم يَعْيَ بخَلقِهنَّ، فكيف تُعجِزُه إعادتُكم بعدَ مَوتِكم وهو على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ [588] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 783). ؟!
2- في قَولِه تعالى: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ تَنبيهٌ على ثُبوتِ الأُمورِ الَّتي تُوجِبُ وَصْفَ خالقِ السَّمواتِ والأرضِ بصِفاتِ الكَمالِ، وبإحداثِ الأفعالِ، وذلك هو الَّذي يَستلزِمُ قُدرتَه عزَّ وجلَّ على إحياءِ الموتى [589] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/386). .
3- قَولُ الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اختِيرَ فِعلُ يَرَوْا مِن بيْنِ أفعالِ العِلمِ هنا؛ لأنَّ هذا العِلمَ عليه حُجَّةٌ بَيِّنةٌ مُشاهَدةٌ، وهي دَلالةُ خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ مِن عَدَمٍ، وذلك مِن شأنِه أن يَفرِضَ بالعَقلِ إلى أنَّ اللهَ كامِلُ القُدرةِ على ما هو دونَ ذلك مِن إحياءِ الأمواتِ [590] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/63). .
4- في قَولِه تعالى: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أنَّ (الذَّوقَ) لا يَختَصُّ بحاسَّةِ الفَمِ في لغةِ القُرآنِ، بل ولا في لُغةِ العرَبِ [591] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/86). .
5- في قَولِه تعالى: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إثباتُ الأسبابِ [592] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 155). .
6- قَولُ الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يَقتَضي أنَّ مُحمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم مِن أُولي العَزمِ؛ لأنَّ تَشبيهَ الصَّبرِ الَّذي أُمِرَ به بصَبرِ أُولي العَزمِ مِن الرُّسُلِ يَقتَضي أنَّه مِثلُهم؛ لأنَّه مُمتَثِلٌ أمْرَ رَبِّه، فصَبرُه مَثيلٌ لصَبرِهم، ومَن صبَرَ صَبْرَهم كان منهم لا مَحالةَ [593] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/67). .
7- في قَولِه تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أنَّ الزَّمَنَ قصيرٌ؛ مهما طالَ بالإنسانِ العُمُرُ فهو قَليلٌ [594] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفاتحة والبقرة)) (2/53). !
8- قَولُ الله تعالى: بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ قيل: ما في الرَّجاءِ لرَحمةِ اللهِ شَيءٌ أقوى مِن هذه الآيةِ [595] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/448). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَودٌ إلى الاسْتِدلالِ على إمكانِ البَعثِ؛ فهو مُتَّصلٌ بقَولِه: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي إلى قولِه: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف: 17، 18]، وهو انتِقالٌ مِن المَوعظةِ بمَصيرِ أمْثالِهم مِن الأُمَمِ إلى الاستِدلالِ على إبطالِ ضَلالِهم في شِرْكِهم؛ وهو الضَّلالُ الَّذي جَرَّأَهم على إحالةِ البَعثِ، بعْدَ أنْ أُطِيلَ في إبطالِ تَعدُّدِ الآلهةِ، وفي إبطالِ تَكذيبِهم بالقُرآنِ، وتَكذيبِهم النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا عَودٌ على بَدْءٌ؛ فقدِ ابْتُدِئَت السُّورةُ بالاحتِجاجِ على البَعثِ بقَولِه تعالَى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الأحقاف: 3]، ويتَّصِلُ بقَولِه: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ إلى قَولِه: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [596] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/63). [الأحقاف: 17] .
- والهمزةُ في قَولِه: أَوَلَمْ يَرَوْا للاستِفهامِ الإنكاريِّ، والرُّؤيةُ هنا عِلْميَّةٌ [597] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/89)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/63). .
- وقولُه: وَلَمْ يَعْيَ العِيُّ هو العجْزُ عن العمَلِ أو عن الكلامِ، ومنه العِيِّ في الكلامِ، أي: عُسرُ الإبانةِ. وتَعديةُ الفِعلِ يَعْيَ بالباءِ بلاغةٌ؛ لِيُفِيدَ انتِفاءَ عَجْزِه عن صُنْعِها، وانتفاءَ عجْزِه في تَدْبيرِ مَقاديرِها ومُناسباتِها؛ فكانت باءُ المُلابَسةِ صالحةً لِتَعليقِ الخلْقِ بالعِيِّ بمَعْنيَيْه [598] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/64). .
- وأيضًا العِيُّ يُطلَقُ على التَّعَبِ وعلى عجْزِ الرَّأيِ وعَجْزِ الحِيلِة. وقيل: العِيُّ خاصٌّ بالعجْزِ في الحِيلةِ والرَّأيِ، وأمَّا الإعياءُ فهو التَّعَبُ مِن المشْيِ ونَحْوِه، وفِعلُه: أعْيا، وقيل: إنَّ (أعْيا) لا يكونُ إلَّا مُتعدِّيًا، أي: هَمْزتُه هَمْزةُ تَعديةٍ، وزُعِمَ أنَّ مِثلَه مَقصورٌ على السَّماعِ، وهو راجعٌ إلى تَنازُعِ العاملينِ، وعلى هذا الرَّأيِ يكونُ قَولُه تعالى هنا: وَلَمْ يَعْيَ دَالًّا على سَعةِ عِلْمِه تعالى بدَقائقِ ما يَقْتضيهِ نِظامُ السَّمواتِ والأرضِ؛ لِيُوجِدَهما وافيَينِ به، وتكونُ دَلالتُه على أنَّه قَديرٌ على إيجادِهما بدَلالةِ الفَحْوى [599] وفَحْوى الخِطابِ -ويُسَمَّى تنبيهَ الخِطابِ، ومفهومَ الموافَقةِ-: هو إثباتُ حُكمِ المنطوقِ به للمَسكوتِ عنه بطَريقِ الأَولى، وهو نَوعانِ: الأوَّلُ: تَنبيهٌ بالأقَلِّ على الأكثَرِ، كقَولِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23]؛ فإنَّه نَبَّه بالنَّهيِ عن قَولِ أُفٍّ على النَّهيِ عن الشَّتمِ والضَّربِ وغيرِ ذلك. الثَّاني: تنبيهٌ بالأكثَرِ على الأقَلِّ، كقَولِه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75]. يُنظر: ((تقريب الوصول إلى علم الأصول)) لابن جُزَي (ص: 163). ، أو يكونُ إيكالُ أمْرِ قُدْرتِه على خَلْقِهما إلى عِلْمِ المُخاطَبينَ؛ لأنَّهم لم يُنكِروا ذلك، وقُصِدَ تَنْبيهُهم إلى ما في نِظامِ خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ مِن الدَّقائقِ والحِكَمِ، ومِن جُمْلتِها لُزومُ الجزاءِ على عَمَلِ الصَّالحاتِ والسَّيِّئاتِ [600] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/64، 65). .
- قولُه: بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى الباءُ صِلةٌ لِتَأكيدِ النَّفيِ؛ فإنَّه مُشتمِلٌ على (أَنَّ) وما في حَيِّزِها؛ ولذلك أجابَ عنه بقَولِه: بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ تَقْريرًا لِلقُدْرةِ على وَجْهٍ عامٍّ يَكونُ كالبُرهانِ على المَقصودِ، كأنَّه لَمَّا صَدَّرَ السُّورةَ بتَحقيقِ المَبْدأِ، أرادَ ختْمَها بإثباتِ المَعادِ [601] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/313)، ((تفسير البيضاوي)) (5/117)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/316)، ((تفسير أبي حيان)) (9/451)، ((تفسير أبي السعود)) (8/89). .
- قولُه: بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَوقعُ الجوابِ بحَرْفِ (بلى) هو جَوابٌ لِمَحذوفٍ دلَّ عليه التَّعجيبُ مِن ظَنِّهم أنَّ اللهَ غيرُ قادرٍ على أنْ يُحيِيَ الموتَى؛ فإنَّ ذلك يَتضمَّنُ حِكايةً عنهم أنَّ اللهَ لا يُحْيي المَوتَى، فأُجِيبَ بقَولِه: بَلَى؛ تَعليمًا لِلمسلمينَ، وتَلقينًا لِمَا يُجِيبونَهم به، وحَرْفُ (بلى) لَمَّا كان جَوابًا، كان قائمًا مَقامَ جُملةٍ، تَقديرُها: هو قادرٌ على أنْ يُحيِيَ المَوتى [602] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/64). .
- وجُملةُ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَذْييلٌ لِجُملةِ بَلَى؛ لأنَّ هذه تُفِيدُ القُدْرةَ على خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، وإحياءِ المَوتَى، وغيرِ ذلك مِن المَوجوداتِ الخارجةِ عن السَّمواتِ والأرضِ [603] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/65). .
- وتَأْكيدُ الكَلامِ بحرْفِ (إنَّ)؛ لِرَدِّ إنْكارِهم أنْ يُمكِنَ إحياءُ اللهِ المَوتى؛ لأنَّهم لَمَّا أحالُوا ذلك فقد أنْكَروا عُمومَ قُدْرتِه تعالَى على كلِّ شَيءٍ، ولهذه النُّكتةِ جِيءَ في القُدْرةِ على إحياءِ المَوتَى بوَصفِ (بِقَادِرٍ)، وفي القُدْرةِ على كلِّ شَيءٍ بوَصفِ (قَدِيرٍ) الَّذي هو أكثَرُ دَلالةً على القُدْرةِ مِن وَصْفِ (قادِرٍ) [604] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/65). .
2- قولُه تعالَى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ مَوقِعُ هذا الكلامِ: أنَّ عَرْضَ المُشرِكين على النَّارِ مِن آثارِ الجَزاءِ الواقِعِ بعْدَ البَعثِ؛ فلمَّا ذُكِرَ في الآيةِ الَّتي قبْلَها الاسْتِدلالُ على إمكانِ البَعثِ، أُعقِبَ بما يَحصُلُ لهم يَومَ البَعثِ، جمْعًا بيْنَ الاسْتِدلالِ والإنذارِ، وذُكِرَ مِن ذلك ما يُقالُ لهم ممَّا لا مَنْدوحةَ لهم عن الاعتِرافِ بخَطئِهم، جمْعًا بيْن ما رُدَّ به في الدُّنيا مِن قَولِه: بَلَى [الأحقاف: 33] ، وما يردُّون في عِلْمِ أنفُسِهم يَومَ الجَزاءِ بقَولِهم: بَلَى وَرَبِّنَا . والجُملةُ عطْفٌ على جُملةِ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... [الأحقاف: 33] إلخ. وأوَّلُ الجُملةِ المَعطوفةِ قَولُه: أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ؛ لأنَّه مَقولُ فِعلِ قَولٍ مَحذوفٍ، تَقديرُه: ويُقال لِلَّذين كَفَروا يومَ يُعرَضون على النَّارِ [605] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/65، 66). .
- قولُه: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ فيه تَقديمُ الظَّرْفِ وَيَوْمَ على عامِلِه يُعْرَضُ؛ لِلاهتمامِ بذِكرِ ذلك اليومِ؛ لِزِيادةِ تَقريرِه في الأذهانِ [606] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/66). .
- وذِكرُ الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضمارِ؛ للإيماءِ بالمَوصولِ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخبَرِ، أي: يُقالُ لهم ذلك؛ لأنَّهم كَفَروا [607] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/66). .
- والاسْتِفهامُ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ تَقْريريٌّ، وتَنْديمٌ على ما كانوا يَزْعُمون أنَّ الجزاءَ باطلٌ وكذِبٌ. وفيه تهكُّمٌ بهم، وتوبيخٌ لهم على اسْتِهزائِهم بوَعْدِ اللهِ ووَعيدِه، حيثُ قالوا: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [608] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/90)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/66)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (9/194). [الصافات: 59] .
- والإشارةُ في قولِه: أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ إلى ما يُشاهِدونَه حينَ العَرضِ مِن حيثُ هو، مِن غَيرِ أنْ يَخطُرَ بالبالِ لَفظٌ يدُلُّ عليهِ، فضْلًا عن تَذكيرِه وتأْنيثِه؛ إذ هُو اللَّائقُ بتَهْويلهِ وتَفْخيمِه. وقيل: الإشارةُ إلى العذابِ، بقرينةِ التَّصريحِ به بعدُ [609] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/90)، ((تفسير الألوسي)) (13/190). .
- قولُه: قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا إنَّما أقْسَموا على كَلامِهم بقَسمِ وَرَبِّنَا قَسَمًا مُستعمَلًا في النَّدامةِ، والتَّغليطِ لِأنفُسِهم، وجَعَلوا المُقسَمَ به بعُنوانِ الرَّبِّ؛ تَحنُّنًا وتَخضُّعًا [610] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/66). .
- وأُكِّدَ جَوابُهم بالقسَمِ كأنَّهم يَطْمَعونَ في الخَلاصِ بالاعتِرافِ بحقيَّةِ ذلك، كما في الدُّنيا، وأنَّى لهُم ذلكَ [611] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/90)، ((تفسير الألوسي)) (13/190). ؟!
- والأمْرُ في قَولِه: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فيه مَعنى الإهانةِ بهم، والتَّوبيخِ لهم [612] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/313)، ((تفسير البيضاوي)) (5/117)، ((تفسير أبي السعود)) (8/90)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/66). .
3- قولُه تعالَى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ
- قولُه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ تَفريعٌ على ما سبَقَ في هذه السُّورةِ مِن تَكذيبِ المُشرِكين رِسالةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم بجَعْلِهم القُرآنَ مُفْترًى، واسْتِهزائِهم به وبما جاء به مِن البَعثِ، ابتِداءً مِن قَولِه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: 7] ، وما اتَّصَلَ به مِن ضَرْبِ المَثَلِ لهم بعادٍ؛ فأُمِرَ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصَّبرِ على ما لَقِيَه منْهم مِن أذًى، وضُرِب له المَثَلُ بالرُّسلِ أُولي العزْمِ. ويَجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ فَصيحةً، والتَّقديرُ: فإذا عَلِمْتَ ما كان مِن الأُمَمِ السَّابقةِ، وعَلِمْتَ كيف انْتَقَمْنا منهم، وانتَصَرْنا لِرُسُلِنا؛ فاصْبِرْ كما صَبَروا [613] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/66، 67). .
- قولُه: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أُعقِبَ أمْرُه بالصَّبرِ بنَهْيِه عن الاسْتِعجالِ لِلمُشرِكين، أي: الاسْتِعجالِ لهم بالعَذابِ، أي: لا تَطلُبْ منَّا تَعجيلَه لهم؛ وذلك لأنَّ الاستِعجالَ يُنافي العزْمَ، ولأنَّ في تأْخيرِ العَذابِ تَطْويلًا لِمُدَّةِ صَبْرِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم بكَسْبِ عَزْمِه قُوَّةً [614] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/67). .
- ومَفعولُ تَسْتَعْجِلْ مَحذوفٌ دلَّ عليه المَقامُ، تَقديرُه: العذاب أو الهلاك. واللَّامُ في لَهُمْ لامُ تَعديةِ فِعلِ الاسْتِعجالِ إلى المَفعولِ لِأجْلِه، أي: لا تَستعجِلْ لِأجْلِهم، والكلامُ على حَذْفٍ مُضافٍ؛ إذِ التَّقديرُ: لا تَستعجِلْ لِهلاكِهِم [615] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/67). .
- وجُملةُ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ تَعليلٌ لِلنَّهيِ عن الاستِعجالِ لهم بالعَذابِ؛ بأنَّ العَذابَ واقِعٌ بهم، فلا يُؤثِّرُ في وُقوعِه تَطويلُ أجَلِه ولا تَعجيلُه، وهمْ عِندَ حُلولِه مُنذُ طُولِ المُدَّةِ يُشْبِهُ حالُهم حالَ عَدَمِ المُهلةِ إلَّا ساعةً قَليلةً [616] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/67، 68). .
- قولُه: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَصْفُ السَّاعةِ وتَخصيصُها بهذا الوَصْفِ مِنْ نَهَارٍ؛ لأنَّ ساعةَ النَّهارِ تَبْدو للنَّاسِ قَصيرةً؛ لِما للنَّاسِ في النَّهارِ مِن الشَّواغِلِ، بخِلافِ ساعةِ اللَّيلِ تَطولُ؛ إذ لا يَجِدُ السَّاهرُ شَيئًا يَشغَلُه؛ فالتَّنكيرُ للتَّقليلِ [617] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/68). .
- وقولُه: بَلَاغٌ فَذْلَكةٌ [618] الفَذْلَكةُ: مِن فَذْلَكَ حِسابَه فَذْلَكَةً، أي: أَنْهاهُ وفَرَغَ منه، وذكَر مُجمَلَ ما فُصِّل أوَّلًا وخُلاصتَه. و(الفَذْلَكةُ) كلمةٌ منحوتةٌ كـ (البَسملة) و(الحولقة)، مِن قولِهم: (فذَلِكَ كذا وكذا عددًا). ويُرادُ بالفَذْلَكةِ: النَّتيجةُ لِمَا سبَق مِن الكلامِ، والتَّفريعُ عليه، ومنها فَذْلَكةُ الحسابِ، أي: مُجمَلُ تفاصيلِه، وإنهاؤُه، والفراغُ منه، كقولِه تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ بعْدَ قولِه: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196] . يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (27/ 293)، ((كناشة النوادر)) لعبد السلام هارون (ص: 17)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 638، 639). لِمَا تَقدَّمَ بأنَّه بَلاغٌ للنَّاسِ؛ مُؤمِنِهم وكافِرِهم؛ لِيَعلَمَ كلٌّ حَظَّه مِن ذلك؛ فقولُه: بَلَاغٌ خَبرُ مُبتدَأٍ مَحذوفٍ، تَقديرُه: هذا بلاغٌ، على طَريقةِ العُنوانِ والطَّالِعِ. والجُملةُ مُستأْنَفةٌ استِئنافًا ابتِدائيًّا على طَريقةِ الفَذْلكةِ والتَّحصيلِ [619] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/68). .
وقيل: بَلَاغٌ مُبتدأٌ، والخبَرُ: لَهُمْ، وما بيْنَهما اعتِراضٌ، أي: لهم وقْتٌ يَبلُغون إليه، كأنَّهم إذا بَلَغوه ورَأَوا ما فيه، اسْتَقْصَروا مُدَّةَ عُمرِه [620] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/117)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/318). .
- وفُرِّعَ على جُملةِ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ إلى مِنْ نَهَارٍ، قولُه: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ، أي: فلا يُصِيبُ العذابُ إلَّا المُشرِكين أمْثالَهم. والاسْتِفهامُ مُستعمَلٌ في النَّفْيِ، ومَعنى التَّفريعِ أنَّه قدِ اتَّضَحَ ممَّا سمِعْتَ أنَّه لا يُهلَكُ إلَّا القومُ الفاسِقون [621] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/69). .
- وتَعريفُ الْقَوْمُ تَعريفُ الجِنسِ، وهو مُفِيدٌ العُمومَ، أي: كلُّ القَومِ الفاسِقينَ؛ فيَعُمُّ مُشْرِكي مكَّةَ الَّذين عَناهم القُرآنُ، فكان لهذا التَّفريعِ مَعنى التَّذييلِ. والتَّعبيرُ بالمُضارِعِ في قَولِه: فَهَلْ يُهْلَكُ على هذا الوجْهِ؛ لِتَغليبِ إهْلاكِ المُشرِكين الَّذي لَمَّا يقَعْ على إهلاكِ الأُمَمِ الَّذين قبْلَهم. ويجوزُ جعْلُ التَّعريفِ تَعريفَ العهْدِ، أي: القومُ المُتحدَّثُ عنهم في قَولِه: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ الآيةَ؛ فيَكونُ إظْهارًا في مَقامِ الإضمارِ؛ لِلْإيماءِ إلى سَببِ إهْلاكِهم أنَّه الإشراكُ [622] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/69). .
- وهذه الآيةُ كالخاتمةِ للسُّورةِ، والفَذْلَكةِ لِمَا اشْتَمَلَت عليه [623] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/318). .