موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (104-111)

ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ

غريب الكلمات:


طَبَعَ: أي: ختَم، والطَّبعُ: تصويرُ الشَّيءِ بصورةٍ ما، وهو مَثَلٌ على نهايةٍ ينتهي إليها الشَّيءُ، حتَّى يُختمَ عندَها [1250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/204)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 316)، ((المفردات)) للراغب (ص: 515)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/438). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
مَنْ اسمُ شرطٍ جازِمٌ مبنيٌّ في محلِّ رفعٍ مُبتدأٌ، وجوابُه محذوفٌ، تقديرُه: (فعليهم غضَبٌ)، ودلَّ عليه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ الآتي بعد مَنْ الثَّانية في قولِه: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا...، والشَّرطُ وجوابُه المحذوفُ في محلِّ رَفعٍ خَبَرُ مَنْ، والجملةُ كلُّها: مَنْ كَفَرَ... لا محلَّ لها مِن الإعرابِ، استئنافيَّةٌ لا تعَلُّقَ لها بما قَبلَها. إِلَّا أداةُ استِثناءٍ. مَنْ اسمٌ مَوصولٌ مبنيٌّ في محلِّ نصبٍ على الاستِثناءِ، وجملةُ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ حاليَّةٌ مِن الضَّميرِ في أُكْرِهَ، وجُملةُ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ الواو عاطِفةٌ. (لَكِنْ) حرفُ استدراكٍ. مَنْ اسمٌ مَوصولٌ مَبنيٌّ في محلِّ رفعٍ مُبتدأٌ. صَدْرًا مَفعولٌ به، أو تمييزٌ على تَضمينِ شَرَحَ معنى (طاب)، وجملةُ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ في محَلِّ رفعٍ خبَرُ المبتدأِ مَنْ، والفاءُ فيها زائدةٌ تَشبيهًا للمَوصولِ بالشَّرطِ. والجُملةُ كُلُّها لا محَلَّ لها من الإعرابِ، مَعطوفةٌ على الجُملةِ الاستِئنافيَّةِ مَنْ كَفَرَ. وقيل غَيرُ ذلك [1251] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/207)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/807)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/288)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (14/394)، ((المجتبى)) لأحمد الخراط (2/598). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ الله تعالى أنَّ الكُفَّارَ الذين لا يُؤمِنونَ بِآياتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ على وحدانيَّتِه سبحانَه، وعلى صِدقِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يبلِّغُه عنه؛ لا يُوَفِّقُهم اللهُ للإيمانِ واتباعِ الحَقِّ، ولهم في الآخرةِ عَذابٌ مُؤلِمٌ.
إنَّما يختلقُ الكَذِبَ مَن لا يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ، وأولئك هم الكاذِبونَ.
ثمَّ بيَّن تعالى حُكمَ مَن أُكْرِه على النُّطقِ بكلمةِ الكفرِ، وحكمَ مَن استحبَّ الكفرَ على الإيمانِ، فقال: مَن نطَقَ بكَلِمةِ الكُفرِ وارتدَّ بعد إيمانِه، فعليهم غضَبٌ مِن اللهِ، إلَّا مَن أُكرِه على النُّطقِ بالكُفرِ، فنطَقَ به خَوفًا من الهلاكِ، وقَلبُه ثابِتٌ على الإيمانِ، لكِنْ مَن نطَقَ بالكُفرِ، وانشرَح صدرُه به، فعليهم غَضَبٌ شَديدٌ مِن اللهِ، ولهم عَذابٌ عَظيمٌ؛ وذلك بسبَبِ إيثارِهم الدُّنيا وزِينتَها على الآخرةِ، وأنَّ اللهَ لا يهدي الكافرينَ، أولئك هم الذينَ ختَمَ اللهُ على قُلوبِهم وسَمعِهم وأبصارِهم، وأولئك هم الغافِلونَ، حقًّا أنَّهم في الآخرةِ هم الخاسِرونَ.
ثمَّ ذكَر الله تعالى جانبًا مِن لطفِه وإحسانِه لقومٍ هاجروا في سبيلِه، فقال: ثمَّ إنَّ رَبَّك للمُستضعَفينَ الذين عذَّبَهم المُشرِكون وفَتَنوهم، حتى وافَقوهم على ما هم عليه ظاهِرًا، وقلوبُهم ثابِتةٌ على الإيمانِ، ثمَّ هاجروا وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ، وصَبَروا على البلاءِ والأذى طلبًا لرضا الله تعالى- إنَّ رَبَّك مِن بعدِها لَغَفورٌ لهم رحيمٌ بهم.
ثم قال تعالى: يومَ تأتي كُلُّ نَفسٍ تُخاصِمُ وتدافِعُ عن نفسِها، وتعتَذِرُ بكُلِّ المعاذيرِ، وفي هذا اليوم تُعطَى كلُّ نفسٍ جزاءَ عَمَلِها وافيًا غيرَ منقوصٍ، ولا يُظلَمونَ بزيادةٍ في سَيِّئاتِهم، ولا بنَقصِ شَيءٍ مِن حَسَناتِهم.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى نِسبةَ الكافرينَ الافتراءَ إلى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ ما أتَى به مِن عندِ اللهِ إنَّما يُعَلِّمُه إيَّاه بَشَرٌ؛ كان ذلك تَسجيلًا عليهم بانتِفاءِ الإيمانِ، فأخبَرَ تعالى عنهم أنَّهم لا يَهديهم اللهُ أبدًا؛ إذ كانوا جاحِدينَ بآياتِ اللهِ، وهو ما أتَى به الرَّسولُ مِن المُعجِزاتِ وخُصوصًا القُرآنَ، فمَن بالَغَ في جَحدِ آياتِ اللهِ، سَدَّ اللهُ عليه بابَ الهِدايةِ، وذكَرَ تعالى وَعيدَه بالعذابِ الأليمِ لهم [1252] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/597). .
وأيضًا لَمَّا ذَكَر سبحانَه جوابَهم وبَّخَهم وهدَّدَهم [1253] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/233). فقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ.
أي: إنَّ الذينَ لا يُؤمِنونَ بحُجَجِ اللهِ وأدِلَّتِه، وما أنزَله على رسولِه، لا يُوَفِّقُهم اللهُ للإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ؛ عُقوبةً لهم على رَدِّهم الهُدى [1254] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/604)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: ولهم في الآخرةِ عَذابٌ مُوجِعٌ [1255] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/604)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا زَيَّفَ اللهُ تعالى شُبَهَ الكافرينَ، أثبَتَ لهم ما قَذَفوا به النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو بَريءٌ منه، مقصورًا عليهم [1256] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/257). .
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ.
أي: إنَّما يَختَلِقُ الكَذِبَ على اللهِ الذينَ لا يُؤمِنونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [1257] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/371)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/219)، ((تفسير ابن كثير)) (4/604)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ .
أي: والذينَ لا يُؤمِنونَ بآياتِ اللهِ، هم المُعتادونَ للكَذِبِ، وهو مُنحَصِرٌ فيهم [1258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/371)، ((البسيط)) للواحدي (13/206)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا عَظَّمَ تهديدَ الكافرينَ، ذكَرَ في هذه الآيةِ تَفصيلًا في بيانِ مَن يَكفُرُ بلِسانِه لا بقَلبِه، ومَن يَكفُرُ بلِسانِه وقَلبِه معًا [1259] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/273). .
وأيضًا فإنه لَمَّا سبَقَ التَّحذيرُ مِن نَقضِ عَهدِ الله الذي عاهَدوه، وألَّا يَغُرَّهم ما لأمَّةِ المُشرِكينَ مِن السَّعةِ والرُّبُوِّ، والتَّحذيرُ مِن زَلَلِ القَدَمِ بعدَ ثُبوتِها، وبُشِّروا بالوَعدِ بحَياةٍ طَيِّبةٍ، وجزاءِ أعمالِهم الصَّالحةِ مِن الإشارةِ إلى التَّمَسُّكِ بالقُرآنِ، والاهتداءِ به، وألَّا تَغُرَّهم شُبَهُ المُشرِكينَ وفُتونُهم في تكذيبِ القُرآنِ- عَقَّبَ ذلك بالوَعيدِ على الكُفرِ بعدَ الإيمانِ [1260] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/292). .
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106).
أي: مَن [1261] ممن ذهب إلى أنَّ قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ابتداءُ كلامٍ، وخبرُه في قولِه: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ : ابنُ جرير، والواحدي، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/373)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 620)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605). قال ابنُ كثير: (أخبر تعالى عمَّن كفر به بعدَ الإيمانِ والتبصُّرِ، وشرَح صدرَه بالكُفرِ واطمأنَّ به: أنه قد غَضِبَ عليه؛ لعِلمِهم بالإيمانِ ثمَّ عدولِهم عنه). ((تفسير ابن كثير)) (4/ 605). كفَرَ باللهِ بعد أنْ كان مُؤمِنًا مُهتَديًا، فعَلَيهم غَضَبٌ مِن اللهِ، إلَّا مَن أُكرِهَ على الكُفرِ، والحالُ أنَّ قَلْبَه مُوقِنٌ بحَقيقةِ الإيمانِ، لم يتغيَّرِ اعتقادُه الصَّحيحُ [1262] قال البَغَوي: (أجمع العُلَماءُ على أنَّ مَن أُكرِهَ على كَلِمةِ الكُفرِ يجوزُ له أن يقولَ بلِسانِه، وإذا قال بلسانِه غيرَ مُعتَقِدٍ، لا يكونُ كُفرًا، وإنْ أبى أن يقولَه حتى يُقتَلَ كان أفضَلَ). ((تفسير البغوي)) (3/99). ، ولكِنْ مَن اتَّسَعَ صَدرُه لِقَبولِ الكُفرِ واعتَقَده، واختارَه على الإيمانِ، وطابَت به نَفسُه، واطمأنَّت إليه؛ فعَلَيهم غَضَبٌ شديدٌ مِن الله، ولهم عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ [1263] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/375)، ((البسيط)) للواحدي (13/207-208)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605)، ((تفسير الشوكاني)) (3/235)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
عن مُحمَّدِ بنِ عَمَّارِ بنِ ياسرٍ، عن أبيه رضي الله عنه، قال: ((أخذَ المُشرِكونَ عَمَّارَ بنَ ياسرٍ، فلم يَترُكوه حتى سَبَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذكَرَ آلهَتَهم بخَيرٍ، ثمَّ تَرَكوه، فلمَّا أتَى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ما وراءَك؟ قال: شَرٌّ يا رسولَ اللهِ؛ ما تُرِكْتُ حتى نِلتُ منك، وذكَرْتُ آلهتَهم بخيرٍ، قال: كيف تَجِدُ قَلْبَك؟ قال: مُطمَئِنًّا بالإيمانِ، قال: إنْ عادوا فعُدْ)) [1264] أخرجه الحاكم (3362)، وأبو نُعيم في ((حلية الأولياء)) (1/140)، والبيهقي (17350). صحَّحه الحاكمُ على شرط البخاري ومسلم، وصحَّح إسنادَه ابنُ كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/295) وقال: (وزاد بعضُهم: وفي هذا أُنزِلَت: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ... الآيةَ)، وقال ابنُ حجر في ((الدراية)) (2/197): (إسنادُه صحيحٌ إن كان محمَّدُ بنُ عمَّارٍ سَمِعَه من أبيه). .
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107).
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ.
أي: ذلك الغَضَبُ مِن اللهِ والعذابُ الأُخرويُّ العَظيمُ بسَبَبِ أنَّ الذين كَفَروا بعدَ إيمانِهم اختارُوا نعيمَ الحَياةِ الدُّنيا على نَعيمِ الآخرةِ، فارتَدُّوا على أدبارِهم؛ طَمَعًا في شَيءٍ مِن زَهرةِ الدُّنيا الفانيةِ [1265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/376)، ((تفسير القرطبي)) (10/192)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605). .
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
أي: ولأنَّ اللهَ لا يُوفِّقُ القَومَ الكافرينَ بآياتِه، المُصرِّينَ على كُفرِهم، للهدايةِ واتِّباعِ الحَقِّ [1266] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/376)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
هذه جُملةٌ مُبَيِّنةٌ لجُملةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بأنَّ حِرمانَهم الهِدايةَ بحِرمانِهم الانتفاعَ بوَسائِلِها: مِن النَّظَرِ الصَّادِقِ في دلائِلِ الوَحدانيَّةِ، ومِنَ الوَعيِ لدَعوةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والقُرآنِ المُنَزَّلِ عليه، ومِن ثَباتِ القَلبِ على حِفظِ ما داخَلَه مِن الإيمانِ؛ حيث انسَلَخوا منه بعدَ أن تلَبَّسوا به [1267] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/297). .
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ.
أي: أولئك الذين كَفَروا بعدَ إيمانِهم، هم الذينَ ختَمَ اللهُ على قُلوبِهم، فلا يَعقِلونَ بها الحَقَّ، وأصمَّ أسماعَهم، فلا يَسمَعونَ الهُدى، وأعمَى أبصارَهم، فلا يَنظُرونَ آياتِ اللهِ، ولا يَعتَبِرونَ بها [1268] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/376)، ((تفسير القرطبي)) (10/192)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.
أي: وأولئك هم السَّاهونَ عمَّا خَلَقَهم اللهُ لأجْلِه، وعمَّا أعدَّ لهم في الآخرةِ مِن العَذابِ [1269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/376)، ((تفسير القرطبي)) (10/192)، ((أيسر التفاسير)) للجزائري (3/160). .
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) .
أي: حقًّا أنَّ الذينَ كَفَروا بعدَ إيمانِهم هم الهالِكونَ المَغبونونَ الذين خَسِروا أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ، وفاتَهم نَعيمُ الجَنَّةِ، ولم يَسْلموا من عذابِ النَّارِ [1270] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/376)، ((تفسير البغوي)) (3/99)، ((تفسير ابن كثير)) (4/605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى- فيما تقدَّمَ- حالَ مَن كفَرَ باللهِ مِن بعدِ إيمانِه، وحالَ مَن أُكرِهَ على الكُفرِ فذكَرَ بسبَبِ الخَوفِ كَلِمةَ الكُفرِ، وحالَ مَن لم يَذكُرْها- ذكَرَ بعده حالَ من هاجرَ مِن بعدِ ما فُتِنَ [1271] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/277). .
وأيضًا لَمَّا قَدَّمَ الفاتِنَ والمَفتونَ، أتبَعَ ذلك ذِكرَ حُكمِهما، فقال تعالى [1272] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/261). :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا .
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ فَتَنُوا بفَتحِ الفاءِ والتاءِ مَبنيًّا للفاعِلِ، أي: فَتَنُوا أنفُسَهم، قيل المعنى: أنَّهم هَجَروا أوطانَهم وقد عَرَفوا ما في ذلك مِن الشِّدَّة. وقيل: المعنى: أنَّهم فَتَنوا مَن آمَنَ باللهِ حين كانوا كُفَّارًا. وقيل غير ذلك [1273] قرأ بها ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/305). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 213)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 395)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/292)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/261). .
2- قِراءةُ فُتِنُوا بضَمِّ الفاءِ وكَسرِ التاءِ مبنيًّا للمَفعولِ، أي: مِن بَعدِ ما فتَنَهم الكُفَّارُ بالإكراهِ على التَّلَفُّظِ بالكُفرِ، وقُلوبُهم مُطمَئِنَّةٌ بالإيمانِ. وقيل المعنى: مِن بعدِ ما فتَنَهم اللهُ [1274] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/305). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 213)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 395)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/292). .  
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا .
أي: ثمَّ إنَّ ربَّك- يا مُحمَّدُ- للَّذين هاجَروا مِن أصحابِك مِن ديارِ الكُفرِ إلى دِيارِ الإسلامِ، مِن بَعدِ ما فتَنَهم كُفَّارُ مكَّةَ عن دينِهم بإكراهِهم على الكُفرِ، فأظهَرُوه لهم مع إخْفاءِ اعتِقادِهم الصَّحيحِ، ثمَّ جاهَدوا الكُفَّارَ وقاوَموهم؛ كي لا يَرُدُّوهم إلى الكُفرِ، وصَبَروا على تحمُّلِ المَشاقِّ [1275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/377)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/300). قال ابن تيمية: (نزَلَت هذه الآيةُ في طائفةٍ مِن الصَّحابةِ كان المُشرِكونَ فَتَنوهم عن دينِهم، ثمَّ تاب اللهُ عليهم فهاجروا إلى اللهِ ورَسولِه، وجاهدوا وصَبَروا). ((مجموع الفتاوى)) (10/303). .  
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ ربَّك للذين هاجروا من بعد ما فتَنهم الكفارُ حتى أظْهَروا الكفرَ، وقلوبُهم مطمئنَّةٌ بالإيمانِ؛ لَغفورٌ لهم، يَستُرُ ذُنوبَهم، ويتَجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، رَحيمٌ بهم رَحمةً تَصلُحُ بها أمورُ دينِهم ودُنياهم [1276] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/377)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). قال السمعاني: (فإن قال قائلٌ: إذا كان ذلك رخصَةً، فلا يحتاجُ إلى المغفرةِ والرَّحمةِ؟ والجوابُ: أَنَّه يحتملُ أَنَّهم فعلوا ما فعلوا ذلك قبلَ نزولِ الرُّخصةِ). ((تفسير السمعاني)) (3/205). .
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَما تقدَّم كثيرٌ مِن التحذيرِ والتبشيرِ، وتقدَّم أنَّه لا يُؤذنُ للذين كفروا ولا هم يُستعتبونَ، وختَم ذلك بانحصارِ الخسارِ في الكفارِ؛ بيَّن اليومَ الذي تظهرُ فيه تلك الآثارُ [1277] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/262). ، فقال تعالى:
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا.
أي: يومَ [1278] قال الزجاج: (يَوْمَ منصوبٌ على أحدِ شيئين، على معنى: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى: اذكُرْ؛ لأنَّ معنَى القرآنِ العظةُ والإنذارُ والتذكيرُ. أي: اذكُرْ يومَ تأتي كلُّ نفسٍ...). ((معاني القرآن)) (3/221). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/193). وعلى القولِ الأوَّلِ لا يَضُرُّ تَقييدُ الرَّحمةِ بذلك اليَومِ؛ لأنَّ الرَّحمةَ في غَيرِه تَثبُتُ بالطَّريقِ الأَولى. يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/293)، ((تفسير الألوسي)) (7/475). تأتي كُلُّ نَفسٍ [1279] قال ابن عطية: (ظاهِرُ الآية أنَّ كُلَّ نفسٍ تجادِلُ كانت مؤمنةً أو كافرة، فإذا جادل الكفَّارُ بكَذِبِهم وجَحْدِهم للكفرِ، شَهِدَت عليهم الجوارحُ والرسُلُ وغير ذلك بحسَبِ الطوائف، فحينئذ لا ينطِقون، ولا يؤذَنُ لهم فيعتَذِرونَ). ((تفسير ابن عطية)) (3/426). تُخاصِمُ عن نَفسِها؛ فلا يُحاجِجُ عنها غَيرُها، ولا تُحاجِجُ هي عن غَيرِها، فتُدافِعُ بقَولِها عمَّا عَمِلَت في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ [1280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/381)، ((تفسير البغوي)) (3/99)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/302). .
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
أي: وتُوفَّى كُلُّ نَفسٍ جَزاءَ ما عَمِلَت في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، وهم لا يُظلَمونَ بزيادةٍ في سَيِّئاتِهم، ولا بنَقصِ شَيءٍ مِن حَسَناتِهم [1281] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/381)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 621)، ((تفسير ابن كثير)) (4/607)، ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ في الآيةِ أبلَغُ زَجْرٍ عن الكَذِبِ؛ حيث أخبَرَ اللهُ تعالى أنَّه إنَّما يَفتَري الكَذِبَ مَن لا يُؤمِنُ [1282] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (3/85). .
2- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ جعَلَ اللهُ تعالى استِحبابَ الدُّنيا على الآخِرةِ هو الأصلَ المُوجِبَ للخُسرانِ [1283] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/560). .
3- قال الله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ مَن هاجر في سبيلِ الله وخلَّى ديارَه وأموالَه؛ طلبًا لِمَرضاة الله، وفُتِن على دينِه ليَرجِعَ إلى الكفر، فثَبَت على الإيمانِ، ثمَّ جاهَد أعداءَ الله ليُدخِلَهم في دين اللهِ بلِسانِه ويَدِه، وصبر على هذه العباداتِ الشَّاقَّةِ على أكثَرِ النَّاسِ- فهذه أكبَرُ الأسبابِ التي تُنالُ بها أعظَمُ العَطايا وأفضَلُ المَواهِبِ، وهي مَغفِرةُ اللهِ للذُّنوبِ؛ صِغارِها وكِبارِها، المتَضَمِّنةُ زَوالَ كُلِّ أمرٍ مَكروهٍ، ورَحمتُه العَظيمةُ التي بها صَلَحَت أحوالُهم، واستَقامَت أمورُ دينِهم ودُنياهم [1284] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 450). .
4- قَولُه تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَدخُلُ في معناها كُلُّ مَن فتَنَه الشَّيطانُ عن دِينِه، أو أوقَعَه في معصيةٍ، ثمَّ هجرَ السَّيِّئاتِ، وجاهدَ نَفسَه وغَيرَها مِن العَدُوِّ، وجاهَدَ المُنافِقينَ بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ وغيرِ ذلك، وصبَرَ على ما أصابَه مِن قَولٍ أو فِعلٍ [1285] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (18/284). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أنَّ مَن لم يُؤْمِنْ بآياتِ اللهِ لا يهديه اللهُ، ومَفهومُ المُخالفةِ فيها: أنَّ مَن آمَنَ بآياتِ اللهِ، هداه اللهُ [1286] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/446). .
2- قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ مَن أُكرِهَ على الكُفرِ، وأُجبِرَ عليه، وقَلبُه مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ راغِبٌ فيه؛ فإنَّه لا حرَجَ عليه ولا إثمَ، ويَجوزُ له النُّطقُ بكَلِمةِ الكُفرِ عندَ الإكراهِ عليها [1287] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:450). .
3- في قَولِه تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دلالةٌ على أنَّ مَن أُكْرِهَ على قولٍ مُحَرَّمٍ إكراهًا مُعتبَرًا فإنَّ له أنْ يفتديَ نفسَه به، ولا إِثْمَ عليه [1288] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/372). ؛ لأنَّه إذا كان قد سُومِحَ لكَلِمةِ الكُفرِ، أو فِعلِ ما يُؤدِّي إليه، فالمُسامَحةُ بغَيرِه مِن المعاصي أَولى [1289] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/599). .
4- قَولُه تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دلَّ على أنَّ كَلامَ المُكرَهِ على الطَّلاقِ أو العِتاقِ، أو البَيعِ أو الشِّراءِ أو سائِرِ العُقودِ؛ لا عِبرةَ به، ولا يترَتَّبُ عليه حُكمٌ شَرعيٌّ؛ لأنَّه إذا لم يُعاقَبْ على كَلِمةِ الكُفرِ إذا أُكرِهَ عليها، فغيرُها مِن بابِ أَولى وأحْرى [1290] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:450). . وأيضًا فكُلُّ مَن أُكرِهَ على فِعلٍ؛ فإنَّه لا حُكْمَ لفِعلِه، فلَمْ تُخَصِّصِ الآيةُ القولَ [1291] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النور)) (ص: 226). ، خلافًا لمن قال: إنَّ هذه الرُّخصةَ المذكورةَ في هذه الآيةِ إنَّما جاءت في القَولِ، وأمَّا في الفِعلِ فلا رُخصةَ، مثل: أن يُكرَهَ على السُّجودِ لِغَيرِ اللهِ. ويَدفَعُه ظاهِرُ الآيةِ؛ فإنَّها عامَّةٌ فيمن أُكرِهَ، مِن غَيرِ فَرقٍ بين القَولِ والفِعلِ، ولا دليلَ لهؤلاء القاصرينَ للآيةِ على القَولِ، وخُصوصُ السَّبَبِ لا اعتبارَ به مع عُمومِ اللَّفظِ [1292] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/235). .
5- الغضبُ صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ [1293] يُنظر: ((صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة)) للسقاف (ص: 262). ، فاللهُ تعالى يَغضَبُ على مَن يَستَحِقُّ الغضَبَ مِن الكافرينَ وغَيرِهم؛ قال الله تعالى: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [1294] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (3/234). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ لَمَّا فَعَلوا فِعلَ مَن استَحَبَّ، أُلزِموا ذلك، وإن كانوا غَير مُصَدِّقينَ بالآخِرةِ، لكِنْ مِن حيثُ أعرَضوا عن النَّظَرِ فيه، كانوا كَمَن استحَبَّ غَيرَه [1295] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/600). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا فيه سُؤالٌ: النَّفسُ لا تكونُ لها نَفسٌ أُخرى، فما معنى قَولِه تعالى هذا؟
الجوابُ: النَّفسُ قد يُرادُ بها بَدَنُ الحَيِّ، وقد يُرادُ بها ذاتُ الشَّيءِ وحَقيقتُه؛ فالنَّفسُ الأُولى هي الجُثَّةُ والبَدَنُ، والثَّانيةُ: عَينُها وذاتُها، فكأنَّه قيل: يومَ يأتي كُلُّ إنسانٍ يُجادِلُ عن ذاتِه، ولا يُهِمُّه شَأنُ غَيرِه [1296] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/278). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا عبَّرَ بالمُجادَلةِ؛ إفهامًا للدَّفعِ بأقصَى ما تَقدِرُ عليه [1297] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/263). .
9-  قَولُ اللهِ تعالى: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ لما كان مطلقُ الجزاءِ مخوفًا مقلقًا، بُني للمفعولِ قولُه: وَتُوَفَّى [1298] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/263). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ لما كان المرهوبُ مطلقَ الظلمِ، وكان البناءُ للمفعولِ أبلغَ جزاءٍ في نفيه قال: لَا يُظْلَمُونَ [1299] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/263). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ موقِعُ هذه الجملةِ مِن الَّتي قَبْلَها موقِعُ التَّعليلِ لِجَميعِ أقوالِهم المحكيَّةِ، والتَّذييل لخُلاصةِ أحوالِهم؛ ولذلك فُصِلَت بدونِ عَطفٍ [1300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/289). .
2- قَولُه تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ : لَمَّا كان في كَلامِهم إِنَّمَا، كقولهم: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وهو يَقتَضي الحصرَ، جاء الرَّدُّ عليهم بـ  إِنَّمَا أيضًا، وجاء بلَفظِ يَفْتَرِي الَّذي يَقْتَضي التَّجدُّدَ، ثمَّ علَّق الحكمَ على الوصفِ المقتَضِي للافتراءِ، وهو: انتفاءُ الإيمانِ، وختَم بقولِه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ؛ فاقتضَى التَّوكيدَ البالِغَ والحصْرَ بلفظِ الإشارةِ، والتَّأكيدَ بلَفظِ هُمُ، وإدخالِ (أل) على الْكَاذِبُونَ، وبكَونِه اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضي الثُّبوتَ والدَّوامَ، فجاء يَفْتَرِي بلَفظِ المضارِعِ يَقتَضي التَّجدُّدَ، وجاء الْكَاذِبُونَ يَقْتَضي الثُّبوتَ والدَّوامَ [1301] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/597)، ((تفسير أبي السعود)) (5/142). ؛ فهذا ردٌّ لقولِهم: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بقَلْبِ ما زعَموه عليهم، كما كان قولُه تعالى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ [النحل: 103] جوابًا عن قولِهم: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ؛ فبعدَ أن نَزَّه القرآنَ عن أن يكونَ مُفترًى والمنزَّلَ عليه عن أن يكون مُفترِيًا ثُنِيَ العِنَانُ لِبَيانِ مَن هو المفتَرِي، وهذا مِن طريقةِ القَلْبِ في الحالِ. ووجهُ مناسَبةِ ذِكْرِه هنا أنَّ قولَهم: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يَستلزِمُ تكذيبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في أنَّ ما جاء به مُنزَّلٌ إليه مِن عندِ اللهِ، فصاروا بهذا الاعتبارِ يُؤكِّدون بمَضمونِه قولَهم: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ؛ يُؤكِّدُ أحدُ القولَينِ القولَ الآخَرَ، فلمَّا ردَّ قولَهم: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بقولِه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: 101- 102]، ورُدَّت مَقالَتُهم الأخرى في صَريحِها بقولِه: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ورُدَّ مَضمونُها هنا بقولِه: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ... حاصِلًا به ردُّ نَظيرِها وهو قولُهم: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بكلامٍ أبلَغَ مِن كلامِهم [1302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/290). .
- وأيضًا في قولِه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ عبَّر عن المقصورِ عليهم باسْمِ الموصولِ: الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ دونَ أن يَذكُرَ ضميرَهم- فيُقالَ: إنَّما يفتري الكذبَ أنتُم- لِيُفيدَ اشتِهارَهم بمضمونِ الصِّلةِ، ولأنَّ للصِّلةِ أثَرًا في افترائِهم؛ لِما تُفيدُه الموصوليَّةُ مِن الإيماءِ إلى وجهِ بِناءِ الخبَرِ. واختِيرَ في الصِّلةِ صيغةُ: لَا يُؤْمِنُونَ دونَ (لم يُؤمِنوا)؛ لِتَكونَ على وِزَانِ ما عُرِفوا به سابِقًا في قولِه: الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، ولِما في المضارِعِ مِن الدَّلالةِ على أنَّهم مُستمِرُّون على انتفاءِ الإيمانِ لا يَثبُتُ لهم ضِدُّ ذلك، ثمَّ أُردِفَت جملةُ القَصرِ بجُملةِ قصرٍ أُخرَى بطريقِ ضميرِ الفصلِ، وطريقِ تعريفِ المسنَدِ، وهي جملةُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وافتُتِحَت جُملةُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ باسْمِ الإشارةِ، بعدَ إجراءِ وصْفِ انتفاءِ الإيمانِ بآياتِ اللهِ عنهم؛ لِيُنبِّهَ على أنَّ المشارَ إليهم جَديرون بما يَرِدُ مِن الخبرِ بعدَ اسْمِ الإشارةِ، وهو قَصْرُهم على الكذِبِ؛ لأنَّ مَن لا يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ يتَّخِذُ الكذبَ دَيْدَنًا له مُتجدِّدًا. وجعَلَ المسنَدَ في هذه الجملةِ مُعرَّفًا باللَّامِ؛ لِيُفيدَ أنَّ جِنسَ الكاذِبين اتَّحَد بهِم، وصار مُنحصِرًا فيهم، أي: الَّذين تَعرِفُ أنَّهم طائفةُ الكاذِبين هم هؤلاء [1303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/291). .
3- قَولُه تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ استئنافٌ ابتِدائيٌّ، وهو وَعيدٌ على الكفرِ بعدَ الإيمانِ [1304] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/291). .
- قولُه: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ استدراكٌ على الاستثناءِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وهو احتراسٌ مِن أن يُفهَمَ مِن الاستثناءِ أنَّ المكرَهَ مرخَّصٌ له أن يَنسَلِخَ عن الإيمانِ مِن قلبِه [1305] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/294)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/636- 637). .
- واختِيرَ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ دونَ نحوِ: (فقد غَضِب اللهُ عليهم)؛ لِما تَدُلُّ عليه الجملةُ الاسميَّةُ مِن الدَّوامِ والثَّباتِ، أي: غضَبٌ لا مَغفِرةَ معَه. وتقديمُ الخبَرِ المجرورِ (علَيهِم) على المبتدَأِ غَضَبٌ؛ للاهتِمامِ بأمْرِهم، فقَدَّم ما يَدُلُّ عليهِم، ولِتَصحيحِ الإتيانِ بالمبتدَأِ نَكِرةً حينَ قَصَد بالتَّنكيرِ التَّعظيمَ، أي: غضَبٌ عظيمٌ؛ فاكتَفى بالتَّنكيرِ عن الصِّفةِ. وأمَّا تقديمُ (لهم) على عذابٌ عظيمٌ؛ فللاهتمامِ [1306] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/294). .
4- قَولُه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ هذه الجملةُ واقِعةٌ موقِعَ التَّعليلِ؛ فلِذَلك فُصِلَت عن الَّتي قبلَها، أي: لم تُعطَفْ عليها [1307] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/296). .
- قولُه: وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ تذييلٌ؛ لِما في صيغةِ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ مِن العمومِ الشَّامِلِ للمتحدَّثِ عنهم وغَيرِهم؛ فليس ذلك إظهارًا في مَقامِ الإضمارِ، ولكنَّه عُمومٌ بعدَ خُصوصٍ. وذِكرُ لفظِ (قومٍ)؛ للدَّلالةِ على أنَّ مَن كان هذا شأنَهم فقد عُرِفوا به، وتَمكَّن منهم، وصار سَجِيَّةً حتَّى كأنَّهم يَجمَعُهم هذا الوصفُ [1308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/296). .
5- قَولُه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
- قولُه: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فيه افتِتاحُ الجملةِ باسْمِ الإشارةِ؛ لِتَمييزِهم أكمَلَ تمييزٍ؛ تَبْيينًا لِمَعنى الصِّلةِ المتقدِّمةِ، وهي اتِّصافُهم بالارْتِدادِ إلى الكفرِ بعد الإيمانِ بالقولِ والاعتقادِ، وأخبَر عن اسْمِ الإشارةِ بالموصولِ الَّذِينَ؛ لِما فيه مِن الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المبيَّنِ بهذه الجملةِ، وهو مَضمونُ جُملةِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [1309] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/297). .
- قولُه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ تَكمِلةٌ للبَيانِ، أي: الغافِلونَ الأكمَلونَ في الغَفلةِ؛ لأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايةَ يُنافي حالَةَ الاهتداءِ، والقَصرُ قصرُ موصوفٍ على صفةٍ، وهو حقيقيٌّ ادِّعائيٌّ يُقصَدُ به المبالَغةُ؛ لعَدمِ الاعتدادِ بالغافِلين غيرِهم؛ لأنَّهم بَلَغوا الغايةَ في الغفلةِ حتَّى عُدَّ كلُّ غافِلٍ غيرِهم كمَن ليس بغافِلٍ، ومِن هنا جاء مَعْنى الكَمالِ في الغفلةِ، لا مِن (لامِ التَّعريفِ) [1310] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/297- 298). .
6- قَولُه تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ جملةٌ واقِعةٌ موقِعَ النَّتيجةِ لِمَا قَبلَها؛ لأنَّ ما قبْلَها صار كالدَّليلِ على مَضمونِها؛ ولذلك افتُتِحَت بكلمةِ نَفْيِ الشَّكِّ: لَا جَرَمَ [1311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/297- 298). .
7- قَولُه تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
- قولُه: ثُمَّ للتَّرتيبِ الرُّتْبيِّ، كما هو شأنُها في عطفِها الجُملَ؛ وذلك أنَّ مَضمونَ هذه الجملةِ المعطوفةِ أعظَمُ رُتبةً مِن المعطوفِ عليها؛ إذ لا أعظَمَ مِن رِضَا اللهِ تعالى [1312] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/299). .
- قولُه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ وقَعَ الإقبالُ بالخطابِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ إيماءً إلى أنَّ تلك المغفِرةَ مِن برَكاتِ الدِّينِ الَّذي أُرسِلَ به [1313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/313). ، وإضافةُ لفظِ (رَبٍّ) إلى ضميرِ النَّبيِّ يُومِئُ إلى أنَّ المغفِرةَ والرَّحمةَ لأصحابِه كانت لأنَّهم أُوذُوا لأجْلِ اللهِ ولأجْلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ فكان إسنادُ المغفِرةِ إلى اللهِ بعُنوانِ كَونِه ربَّ محمَّدٍ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حاصِلًا بأُسلوبٍ يَدُلُّ على الذَّاتِ العَليَّةِ وعلى الذَّاتِ المحمَّديَّةِ، وهذا مِن أدَقِّ لَطائفِ القرآنِ في قَرْنِ اسمِ النَّبيِّ باسْمِ اللهِ بمُناسَبةِ هذا الإسنادِ بخُصوصِه [1314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/301). ، وكذلك في إضافةِ الرَّبِّ إلى ضَميرِه صلَّى الله عليه وسلَّم مع ظُهورِ الأثَرِ في الطَّائفةِ المذكورةِ: إظهارٌ لكَمالِ اللُّطفِ به عليه السَّلامُ، وإشعارٌ بأنَّ إفاضةَ آثارِ الرُّبوبيَّةِ عليهم مِن المغفرةِ والرَّحمةِ بواسِطتِه عليه السَّلامُ، ولِكَونِهم أتباعًا له [1315] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/144). .
- واللَّامُ في قولِه: لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مُتعلِّقٌ بـ  (غَفُورٌ) مقدَّمٌ عليه؛ للاهتمامِ [1316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/230). .
- قولُه: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فيه تأكيدُ الخبَرِ بحرفِ التَّوكيدِ (إنَّ) وبالتَّوكيدِ اللَّفْظيِّ؛ لِتَحقيقِ الوعدِ، والاهتمامُ يَدفَعُ النَّقيصةَ عنهم في الفضلِ [1317] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/230). .
- وأُعيدَ إِنَّ رَبَّكَ وتكرَّر ثانِيًا؛ لِطولِ الفصلِ بينَ اسْمِ إنَّ وخبَرِها المقترِنِ بلامِ الابتداءِ، مع إفادةِ التَّأكيدِ اللَّفظيِّ [1318] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 316)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/230). .
8- قَولُه تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
- قولُه: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فيه إطلاقُ اسْمِ السَّببِ على المسبَّبِ؛ فالتَّقديرُ: (جَزاءَ ما عَمِلَت)؛ إشعارًا بكَمالِ الاتِّصالِ بينَ الأجزِيَةِ والأعمالِ [1319] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/144). .
- وقولُه: كُلُّ نَفْسٍ فيه إيثارُ إظهارِ (نَفْس) على إضمارِها حيث لم يَقُل: (تُوَفَّى) فقط؛ لزيادةِ التَّقريرِ، وللإيذانِ باختلافِ وَقْتَيِ المجادَلةِ والتَّوفيَةِ، وإن كانَتَا في يومٍ واحدٍ [1320] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/144). ، وكذلك لِتَكونَ الجملةُ مُستقِلَّةً؛ فتَجْريَ مَجْرى المثَلِ [1321] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/302). .