موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (111 - 115)

ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ

غريب الكلمات:


أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ: أي: قَذَفتُ في قلوبِهم، ويُطلَقُ الوحيُ والإيحاءُ على إلْقاءِ المعنى إلى صاحبِه، والإلهامِ، والإشارةِ والكِتابة؛ وأصلُ الوَحْي: يدُّل على إلْقاءِ عِلمٍ في إخفاءٍ، وكلُّ ما ألْقَيتَه إلى غَيرِك حتَّى عَلِمَه فهو وَحْيٌ كيف كانَ [2083] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/93)، ((المفردات)) للراغب (ص: 858 - 859)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 122). .
و الْحَوَارِيِّينَ: جمْع حوارِيٍّ، وهمْ أصفياءُ عِيسى عليه السَّلام، وشِيعتُه وناصِرُوه، وخُلاصةُ أصحابِه، وشاعَ استعمالُه في الَّذين خَلَصوا، وَأَخْلصُوا فِي التَّصْدِيق بالأنبياءِ ونُصرتِهم؛ قيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم كانوا يُحوِّرون الثِّياب، أي: يُبيِّضونَها، واشتقاقُهُ من حُرْتُ الثوبَ، أي: أَخْلَصْتُ بياضَه بالغَسْلِ، ومنه يُقال للدَّقيق الأبيضِ النَّقيِّ: حُوَّارَى. وقيل: اشتقاقُه مِن: حارَ يحورُ: إذا رجَع، فكأنَّهم الرَّاجعونَ إلى اللهِ، وقيل: هو مُشتَقٌّ مِن نقاءِ القَلْبِ وخُلوصِه وصِدْقه [2084] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 464)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 185)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/116)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 45)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/265)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/209)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 124). .
عِيدًا: أي: يَومًا نُعظِّمه، ونَعبُد اللهَ ونُصلِّي له فيه، وهو اليومُ الذي نزَلَتْ فيه المائدةُ، والعيد: كلُّ ما يُعاوِدُ الإنسانَ مرَّةً بَعدَ أُخْرَى، وأصل (عود): يدلُّ على تَثنيةٍ في الأمْرِ، ومنه العيدُ؛ لأنَّه يَعودُ كلَّ عامٍ، أو لأنَّه يُعادُ إليه أو لأنَّه اعتِيدَ [2085] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 149)، ((تفسير ابن جرير)) (9/124)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/181- 183)، ((المفردات)) للراغب (ص: 594). .

المعنى الإجمالي:


يُذكِّر اللهُ تعالى نبيَّه عيسى عليه السَّلامُ ممتنًّا عليه بما يَسَّر له مِن أتْباعٍ، وأنَّه ألْهمَ سبحانه وتعالى الحواريِّينَ- وهم الخُلَّص من أصحابِ عيسى عليه السَّلامُ- أن يُؤمِنوا به عزَّ وجلَّ وبرسولِه عيسى عليه السلامُ، فأَعْلنوا إيمانَهم، واستشهدوه على أنَّهم مُسلِمونَ.
ثم يُذكِّر اللهُ سبحانه عيسى عليه السَّلام أيضًا حين قال له الحواريُّون: هل يفعل ربُّك إذا سألتَه أن يُنزِّل علينا مائدةَ طعامٍ من السَّماءِ، فأمَرَهم عيسى عليه السَّلام أن يتَّقوا اللهَ ولا يَطلُبوا هذا الأمرَ إنْ كانوا حقًّا مؤمنينَ. فأجابوه أنَّهم يُريدون أنْ يأكُلوا منها؛ لتَطمئِنَّ قلوبُهم، ويعلموا يَقينًا أنَّ عيسى صادقٌ فيما جاءَ به، ويكونوا شهودًا على هذه الآيةِ التي نزلتْ مِن الله، ويُبلِّغوها لِمَن لم يَشهَدْها، حينَها دعَا عيسى ربَّه أنْ يُنَزِّلَ عليهم مائدةً من السَّماء؛ تكونُ عيدًا لهم ولِمَن بعدَهم، وعلامةً وبُرهانًا منه تعالى تدلُّ على وحدانيَّتِه، وعلى صِدق ما جاء به عيسى، وأنْ يَرزُقَهم تعالى وهو خيرُ الرَّازقينَ. فأجابَ اللهُ سبحانه أنَّه مُنزِّلها عليهم، لكنْ مَن كفَرَ بعد إنزالِ هذه الآيةِ فإنَّه تعالى سيُعذِّبُه عذابًا شديدًا، لا يُعذِّبُه أحدًا من العالَمِين.

تفسير الآيات:


وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111).
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي.
أي: واذْكر أيضًا- يا عيسى- إذ يسَّرْتُ لك أتْباعًا وأنصارًا، فألهمتُ الخُلَّصَ مِن أصحابِك، وألقيتُ في قلوبِهم الإيمانَ بي وبرسولي [2086] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/116)، ((تفسير ابن كثير)) (3/224)، ((تفسير السعدي)) (ص: 248)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/520-522). اختار أنَّ المراد بالوحيِ هنا الإلهامُ: ابنُ جرير في ((تفسيره)) (9/116-117)، وابن كثير في ((تفسيره)) (3/224)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 248). وقيل المراد: أوحيتُ إليهم بواسطتِك يا عيسى، فدعوتَهم إلى الإيمان باللهِ وبرسولِه، وجعلَه ابن كثير احتمالًا في ((تفسيره)) (3/224)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 248). وذهَب ابن عثيمين إلى حمْل الآية على كِلا المعنيين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/520). .
قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.
أي: قال الحواريُّون: آمنَّا بما وجَب علينا اعتقادُه بقلوبِنا، واشهدْ علينا [2087] قيل: الخِطابُ مُوجَّه لله تعالى، وقيل: لعيسى عليه السلام. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/117)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/522-523). بأنَّنا خاضِعونَ لله تعالى، طائِعون له بأعمالِنا [2088] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/117)، ((تفسير ابن كثير)) (3/224)، ((تفسير السعدي)) (ص: 248)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/522-523). .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112).
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ قِراءتان:
1- قراءة (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) على الخِطاب من الحواريِّين لعيسى عليه السلام، يعني: هل تَقدِر يا عيسى، أنْ تَسألَ ربَّك، وكان الأَصْلُ على هذه القِراءَةِ (هَلْ تستطيعُ سؤالَ رَبِّك)، فحُذِفَ المضافُ (سُؤالَ)، وأُقيمَ المضافُ إليه (رَبِّك) مُقامَه؛ فأخَذَ إعرابَه فنُصِبَ [2089] قرأ بها الكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 228). ويُنظر في معنى هذه القِراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 240-241)، ((الكشف)) لمكي (1/420). .
2- قِراءة يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، أي: هلْ يَفعلُ ربُّك؟ فلَفْظُه لفظُ الاستفهامِ، ومعناه معنى الطَّلبِ والسُّؤالِ [2090] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 228). ويُنظر في معنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 135)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/343). .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ.
أي: اذكرْ حين قال الحواريُّون طلبًا لزيادةِ اطمئنانِ قُلوبِهم: يا عيسى ابنَ مريمَ، هل يفعَلُ [2091] وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/118)، والواحديِّ في ((الوجيز)) (ص: 341)، وابنِ عطيةَ في ((تفسيره)) (2/259)، واستحسنه القرطبيُّ في ((تفسيره)) (6/365)، واختاره السعديُّ في ((تفسيره)) (ص: 248)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (7/105). ربُّك إذا سألتَه أن يُنزِّلَ علينا مائدةَ طعامٍ من السَّماءِ [2092] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/523-524). ؟
قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي: قالَ عيسى عليه السَّلامُ للحواريِّين: الْزَموا التَّقوى، ولا تَسألُوا هذا الأمرَ إنْ كنتُم مؤمنينَ حقًّا، وإذا كنتُم كذلك فما حاجتُكم إلى هذه المعجزةِ [2093] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 248-249)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/106)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/525). ؟!
قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113).
قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا.
أي: قال الحواريُّون: إنَّما أَرَدْنا مِن سؤالِك ذلك، التشرُّفَ بالأكلِ مِن تلك المائدةِ، فنعلمُ يقينًا قدرةَ الله على كلِّ شيء، وتسكُن بذلك قلوبُنا، ويَستقرُّ إيمانُها [2094] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/122-123)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/107)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/526). .
كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260].
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ.
أي: ونعلمَ يقينًا صِدقَك يا عيسى، وصِدقَ ما جئتَ به، ونشهدَ على أنَّ المائدةَ آيةٌ من عند الله عزَّ وجلَّ، وحُجَّةٌ لنا نُبلِّغها مَن لم يَشهَدْها [2095] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/122-123)، ((تفسير ابن كثير)) (3/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 249)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/107). .
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114).
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا.
أي: دعَا عيسى عليه السَّلامُ ربَّه سبحانه مستجيبًا لطلبِ الحواريِّين، فقال: اللهمَّ ربَّنا، أنزِلْ علينا مائدةَ طعامٍ من السَّماء، نتَّخِذُ وقتَ نزولها عيدًا نَعبُدك فيه، ونتذكَّرُها نحن ومَن بعدَنا [2096] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/123-125)، ((تفسير السعدي)) (ص: 249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/531-532). .
وَآيَةً مِنْكَ.
أي: وتكونُ حجَّةً وعلامةً منك، يا ربِّ، على عبادِك، دالَّةً على وحدانيَّتِك وصِفاتِك، وعلى صِدْقِ ما جئتُ به [2097] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/125)، ((تفسير ابن كثير)) (3/225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/532). .
وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
أي: وأعْطِنا مِن عِندِك؛ فإنَّك يا ربِّ، خيرُ مَن يُعطي؛ فلا أحدَ أكرمُ منك [2098] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/125)، ((تفسير ابن كثير)) (3/225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/532). .
قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115).
أي: قال اللهُ تبارَك وتعالى: إنِّي مُنزِّلها عليكم فمُطعِمكُموها، ولكن مَن وقَعَ منكم في الكفرِ بعدَ إنزالي هذه الآيةَ العظيمةَ، فإنِّي أُوقِعُ عليه عذابًا شديدًا، لا أُعذِّبُه أحدًا من عالَمِي زمانِه [2099] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/131-132)، ((تفسير ابن كثير)) (3/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 249). اختار أنَّ المراد بالعالَمين هنا: عالَمُو زَمانِهم: ابنُ جرير في ((تفسيره)) (9/132)، والواحدي في ((الوجيز)) (ص: 342)، وابن كثير في ((تفسيره)) (3/225). وقال ابنُ عُثيمين: (لو قال قائل: قوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ألَا يجوزُ أن يكون هذا خاصًّا بعالَمي زمانهم؟      الجواب: إذا دلَّ دليلٌ على هذا فلا بأس، مِثل قوله تعالى: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47]، أمَّا إذا لم يدلَّ دليلٌ فالأصل العُموم) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/537). .

الفوائد التربوية:


1- قَوْلُه تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ يدلُّ على التلطُّف والتأدُّب في السُّؤالِ، كما هو مناسبٌ لأهل الإيمانِ الخالِصِ، ليس شكًّا في قُدرةِ الله تعالى، ولكنَّهم سألوا آيةً لزيادَةِ اطمئنانِ قلوبِهم بالإيمانِ، بأن ينتقِلوا من الدَّليل العقليِّ إلى الدَّليلِ المحسوس؛ فإنَّ النفوسَ بالمحسوسِ آنَسُ، كما لم يكن سؤالُ إبراهيمَ بقوله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة: 260] شكًّا في الحالِ [2100] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/105). .
2- في قوله تعالى: اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أمْرٌ بملازمة التَّقوى، وعدمِ تزلزلِ الإيمان؛ ولذلك جاءَ بـ إنْ المفيدة للشكِّ في الإيمانِ؛ ليعلمَ الداعي إلى ذلك السؤالِ خشيةَ أنْ يكونَ نشأَ لهم عن شكٍّ في صِدْقِ رَسولِهم، فسألوا معجزةً يَعلمون بها صِدقَه بعدَ أن آمنوا به، وهو قريبٌ من قوله تعالى لإبراهيمَ المحكيِّ في قوله: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة: 260]، أي: ألم تكُن غنيًّا عن طَلَبِ الدَّليل المحسوس؛ فالمرادُ بالتقوى في كلامِ عيسى ما يَشملُ الإيمانَ وفروعَه [2101] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/106). .
3- أنَّه يَنبغي للإنسانِ في حالِ الدُّعاء أنْ يذكُر هذينِ المعنيَيْنِ: الألوهيَّةَ والربوبيَّةَ؛ لِقَوْلِه: اللَّهُمَّ رَبَّنَا؛ لأنَّ هذا نوعٌ من التوسُّل؛ يتوسَّلُ الإنسانُ بألوهيَّةِ الله عزَّ وجلَّ وربوبيَّتِه [2102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/108)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/532). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- إثباتُ وحيِ الله عزَّ وجلَّ؛ لِقَوْلِه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ، ووحيُ الله ينقسِمُ إلى قِسمين: وحيُ شرْعٍ، وهو لا يكون إلَّا للأنبياءِ والرُّسُل، ووحيُ إلهامٍ كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7]، وقولِه تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل: 68]، فالأوَّل يتعلَّق بالشَّرعِ، والثاني يتعلَّقُ بالكَوْنِ [2103] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/527). .
2- في قوله تعالى: أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ قدَّم اللهُ تعالى ذِكْرَ الإيمانِ على الإسلامِ؛ لأنَّ الإيمانَ صِفةُ القلْبِ، والإسلامَ عبارةٌ عن الانقيادِ والخُضوعِ في الظَّاهِرِ، يعني: آمِنوا بقلوبِـكم، وانَقادُوا بظواهِرِكم [2104] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/461). .
3- أنَّ الإيمانَ باللهِ لا يتمُّ إلَّا بالإيمانِ برسولِه؛ لِقَوْلِه: أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [2105] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/527). .
4- جوازُ حذْفِ المعلوم؛ حيث قالوا: آمَنَّا ولم يقولوا: بكَ وبرسولِك؛ لأنَّ هذا معلومٌ، فالمُطلَق يُحمَل على المقيَّدِ إذا كان معلومًا، فإذا عقَد الإنسانُ عَقْدًا، وذكَر عند الإيجابِ شُروطًا، فقال الآخَرُ: قبلتُ البيعَ منك؛ مثال ذلك قال: بعتُك هذا البيتَ على أن أسكُنَ فيه سَنةً، فقال: قبلتُ البيعَ؛ هل يَثْبُت الشَّرطُ؟ نعمْ يَثبُت؛ لأنَّ قبولَه البيعَ، يعني القَبولَ بهذا الشَّرطِ، وإنْ لم يُذْكَر، لكنَّه معلومٌ من السِّياقِ [2106] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/528). .
5- جوازُ استثباتِ الشيءِ بالإشهادِ عليه؛ لِقَوْلِه: واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [2107] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/528). .
6- قَوْلُه: آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ، استُدلَّ به على أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، ولكنَّ هذا القولَ على إطلاقِه فيه نظرٌ، والصوابُ أنَّ الإسلامَ إذا أُفرِدَ دخَل فيه الإيمانُ، وإذا ذُكِرَ مع الإيمانِ صارَ له معنًى آخَرُ، ويدلُّ لهذا التفصيلِ قولُ الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، يعني: لم يدخُلْ لكن قريبًا يدخُلُ؛ لأنَّ (لَمَّا) تُفيدُ النَّفيَ مع قُربِ المنفيِّ، وتُخَرَّج هذه الآيةُ بناءً على ذلك بأنَّهم جمَعوا بين الإيمانِ والإسلامِ، فيكون الإيمانُ في القلوبِ، والإسلامُ في الجوارحِ، يعني: أنَّهم آمنوا وانقادُوا انقيادًا تامًّا لأوامرِ اللهِ ورسولِه [2108] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/528). .
7- في قولِه تعالى: قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ أتتْ هذه المعاطيفُ مُرتَّبةً ترتيبًا لطيفًا؛ وذلك أنَّهم لا يأكلونَ منها إلَّا بعدَ مُعاينةِ نُزولِها، فيجتمع على العِلم بها حاسَّةُ الرؤيةِ وحاسَّةُ الذَّوق؛ قال تعالى: نَأْكُلَ مِنْهَا فبذلِك يزولُ عن القَلْب قلقُ الاضطراب، ويَسكُنُ إلى ما عاينَه الإنسانُ وذاقَه وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا، وباطمئنانِ القلبِ يَحصُلُ العلمُ الضروريُّ بصِدقِ مَن كانتِ المعجزةُ على يديه؛ إذ جاءت طِبْقَ ما سألَ وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [2109] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/411). .
8- قَوْلُه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هذه مُتعلِّقة بقولِه: اتَّقُوا اللَّهَ؛ لأنَّ الإيمانَ يَحمِلُ على التقوى، وهي شرطٌ في قوله: اتَّقُوا اللَّهَ [2110] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/519). .
9- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ أنَّ وقوعَ الشيءِ يُعطي يقينًا أكثرَ من الخبرِ به [2111] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/530). .
10- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه تعالى: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ أنَّ عيسى ابنَ مريمَ مُفْتقرٌ إلى الله تعالى وإلى عطائِه، وكذلك الأنبياءُ عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ فإنَّهم جميعًا لا يَستطيعون أنْ يأتوا بكلِّ ما يُطلَب منهم، وأنَّهم كغيرهم؛ مُفتقِرون إلى الله، يَسألونَه ويَلجؤُون إليه، فعيسى عليه السلام يُنادي: يا أللهُ، يا ربَّنا، إنَّني أَدْعوك أنْ تُنَزِّلَ علينا مائدةً من السَّماء، تَعمُّنا بالخير والفرحةِ كالعيد، فتكون لنا عيدًا لأوَّلنا وآخِرنا، وأنَّ هذا من رِزقِك، فارزقْنا وأنت خيرُ الرازقين؛ فهو إذَنْ يعرف أنَّه عبدٌ، وأنَّ الله ربُّه، ويَنبني على هذه الفائدةِ بطلانُ دعوى النَّصارى: أنَّه إلههُم [2112] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/532، 533). .
11- في قوله تعالى: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ سأل عيسى عليه السَّلام نزولَها وأنْ تكونَ لهاتين المصلحتَينِ: مصلحة الدِّين، بأن تكونَ آيةً، ومصلحة الدنيا، وهي أنْ تكونَ رزقًا [2113] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 249). .
12- أنَّ ما جاء على خِلاف المعهودِ وكان خارقًا للعادة فهو آيةٌ؛ لِقَوْلِه: وَآيَةً مِنْكَ وجهُ ذلك أنَّه لم يُعْهَد أنَّ المائدة تَنْزلُ من السَّماء عِيانًا يُشاهدُها النَّاسُ، فيكونُ نزولُها- ولا سيَّما أنَّه بطَلَبٍ بعد اقتراحٍ- آيةً ودليلًا على صِدْق مَن تَكلَّم بالرِّسالة [2114] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/533). .
13- في قولِه تعالى: وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ إطلاقُ الرِّزق على غيرِ الله عزَّ وجلَّ؛ بمعنى: أنَّه يَصِحُّ أنْ نَصِفَ غيرَ الله بأنَّه رازقٌ؛ لأنَّ الرِّزْق بمعنى: العطاء، ولكنَّ الرِّزقَ الأكمَل والأَوفى هو رِزقُ الله تبارك وتعالى [2115] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/533). .
14- إثباتُ الكلامِ لله عزَّ وجلَّ؛ لِقَوْلِه: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ، وأنَّ كلامَه تعالى بحرفٍ وصوتٍ؛ لأنَّه تعالى قال قولًا وصَل إليه، ولا يُمكن أنْ يصلَ إليه إلَّا بصوتٍ، وأنَّ كلامَ الله تبارك وتعالى بحرفٍ، بل بحروفٍ متتابعةٍ؛ لأنَّ اللهَ قال: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ وهذه حروفٌ متتابعةٌ لا إشكالَ فيها [2116] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/538). .
15- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ خطَرُ طلبِ الآياتِ من الأُمَم، وأنَّه إذا جاءتِ الآياتُ المطلوبةُ فقد عرَّضوا أنفُسَهم للهلاكِ، ففيه وعيدٌ وتهديدٌ مِن الله بهلاكِ مَن يكذِّبُ بعدَ المعجزة؛ حتى لا يُصبحَ طلبُ الخوارقِ تسليةً ولهْوًا، وحتى لا يَمضِيَ الذين يَكفُرون بعدَ البرهانِ المفحِم دون جزاءٍ رادعٍ، وقد ذكَر أهلُ العِلم رحمهم الله أنَّه متى طَلبتِ الأمَّةُ آيةً معيَّنةً وحصَلت لهم؛ حقَّ عليهم العذابُ [2117] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/538). ، وفيه أتمُّ زاجرٍ لهذه الأمَّة عن اقتراحِ الآياتِ [2118] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/358). .
16- قَوْلُه تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ فيه تحذيرٌ لهم من الوقوعِ في الكُفْر بعد الإيمان؛ إعلامًا بأهميَّةِ الإيمانِ عند الله تعالى، فجعَل جزاءَ إجابتِه إيَّاهم ألَّا يعودُوا إلى الكُفرِ؛ فإنْ عادوا عُذِّبوا عذابًا أشدَّ من عذابِ سائرِ الكفَّار؛ لأنَّهم تَعاضَدَ لديهم دليلُ العقلِ والحِسِّ؛ فلم يَبقَ لهم عُذْرٌ [2119] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/111). .
17- إثباتُ أنَّ العذابَ له أَعْلى وله أَدْنى؛ لِقَوْلِه: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فهذا دليلٌ على أنَّ العذابَ يتفاوتُ من شخصٍ لآخَر، وتفاوُتُ العذابِ أسبابُه كثيرة؛ منها: قلَّة الدَّاعي إلى الذنبِ؛ فإنَّ قلَّة الدَّاعي إلى الذَّنب تُوجِبُ شِدَّةَ العقوبةِ عليه، وانظرْ إلى قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يومَ القيامةِ، ولا يُزكِّيهم- وفي روايةٍ: ولا ينظرُ إليهم- ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، وملِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مستكبرٌ )) [2120] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/358)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/539). والحديث رواه مسلم (107) من حديث أبي هريرة. .
18- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ أنَّ كُفرَ مَن رأوا الآياتِ ليس ككُفرِ مَن لم يَرَوْها؛ فالأوَّل أعظمُ، أي: مَن رأى الآياتِ؛ لأنَّ مَن رأى الآياتِ فقد رآها عينَ اليقينِ، ومَن نُقِلَتْ إليه فقدْ عَلِمَها عِلمَ اليقين، أي: بواسطةٍ [2121] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/540). .

بلاغة الآيات:


1- قَوْلُه: أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي في إيرادِ اللهِ تعالى لعِيسى عليه السَّلام بعنوانِ الرِّسالة وَبِرَسُولِي تَنْبيهٌ على كيفيَّةِ الإيمانِ به عليه السَّلام، كأنَّه قيل: آمِنوا بوحدانيَّتي في الأُلوهيَّة والرُّبوبيَّة، وبرِسالة رسولي، ولا تُزيلوه عن حيِّزه حطًّا ولا رَفعًا [2122] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/96). ، مع ما في الإضافةِ مِن التَّشريفِ له.
2- قَوْلُه: قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من سَوقِ الكلام، كأنَّه قيل: فماذا قالوا حِينَ أُوحيَ إليهم ذلك؟ فقيل: قالوا: آمنَّا... [2123] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/96). .
- وفيه مناسبة حسَنةٌ، حيث ثبتَتْ النونُ في آية المائدة هنا في قوله: بِأَنَّنَا، وحُذفت من بِأَنَّا في آية آل عِمران في قوله: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 52]؛ تخفيفًا، وكِلاهما جائز، والإثباتُ هو الأصل، ووجهُ تخصيصِ كلٍّ من الموضعين بما ورد فيه: أنَّ آية المائدة لَمَّا ورد فيها التفصيلُ فيما يجبُ الإيمانُ به، وذلك قوله: أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي فجاءَ على أتمِّ عبارةٍ في المطلوب وأوفاها، ناسَب ذلك ورود أَنَّنَا على أوْفَى الحالين، وهو الورود على الأصل. وقيل: لَمَّا كان الإيمانُ باطنًا فلا بدَّ في إثباتِه من دليلٍ ظاهر، وكان في سِياقِ عدِّ النِّعم، والطواعيةِ لوحيِ الملِك الأعظمِ دلُّوا عليه بتمامِ الانقيادِ، ناسَبَ المقامَ زيادةُ التأكيدِ بإثبات النون الثالثةِ في قولِهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا بخِلاف آل عمران.
- وأيضًا قال تعالى في آل عمران: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ... [آل عمران: 52]، وقال هنا في المائدة: آمَنَّا وَاشْهَدْ... [المائدة: 111] دون قوله: بِاللَّهِ؛ لأنَّه لَمَّالم يقعْ إفصاحٌ بهذا التفصيلِ في آيةِ آل عمران؛ حيث قال: قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، فلم يقع فيها (وَبِرَسُولِهِ)؛ إيجازًا للعِلم به وشهادةِ السِّياق، ولأنَّه تقدَّم ذِكر اللهِ فقطْ في آل عمران، وهنا في المائدة جاء قَالُوا آمَنَّا فلم يَتقيَّد بلفظ الجلالةِ؛ إذ قد تقدَّم وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي؛ فناسَب ما في آل عمران الإيجازَ، كما ناسَب الإتمامُ في آيةِ المائدةِ الإتمامَ، وجاء كلٌّ على ما يجب، ولو قُدِّر ورودُ العكسِ لَمَا ناسَب، والله سبحانه أعلمُ بما أراد [2124] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/87)، ((تفسير أبي حيان)) (4/408)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/342). .
3- قَوْلُه: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى... كلامٌ مستأنفٌ لبيانِ بعضِ ما جرَى بين عيسى عليه السَّلام وقومِه، وهو منقطِعٌ عمَّا قبله بدليلِ الإظهارِ في موقِع الإضمارِ- حيث قال: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ، ولم يقل: (قالوا)- وإِذْ منصوبةٌ بفعل مُضمَر، تقديره: اذْكُر، وخُوطِبَ به النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِطَريقِ تلوينِ الخطابِ والالتفاتِ [2125] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/96). .
- وابْتدأَ الحواريُّون خِطابَهم عيسى بندائِه باسمِه؛ للدَّلالة على أنَّ ما سيقولونَه أمرٌ فيه اقتراحٌ وكُلْفةٌ له، وكذلك شأنُ مَن يُخاطِب مَن يَتجشَّم منه كُلْفةً أن يُطيلَ خِطابَه؛ طلبًا لإقبالِ سمْعِه إليه؛ ليكون أوْعَى للمقصودِ [2126] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/105). .
4- قَوْلُه: رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا فيه: تقديمُ الظرفِ عَلَيْنَا على المفعولِ: مَائِدَةً للاهتمامِ بالمقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المؤخَّر [2127] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/98). .
- وأسندَ ذلك إلى المائدةِ في قَوْله: تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأنَّ شَرفَ اليومِ مُستعارٌ مِن شرَفِها [2128] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/98). .
5- قَوْلُه: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تذييلٌ جارٍ مجرَى التَّعليل، أي: خيرُ مَن يرزقُ؛ لأنَّه خالقُ الأرزاقِ، ومُعطيها بلا عِوَضٍ [2129] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/98). .
6- قَوْلُه: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ التعبيرُ عن الجوابِ بصِيغة التَّفعيل مُنَزِّلُهَا، المُنْبِئَةِ عن التكثيرِ، مع كونِ الدُّعاءِ منه عليه السَّلام بصيغة الإفعال أَنْزِلْ؛ لإظهارِ كمال اللُّطفِ والإحسانِ، مع ما فيه مِن مراعاةِ ما وقَع في عِبارة السَّائلين يُنَزِّل [2130] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/98). .
- وفي تصديرِ الجُملةِ بكلمة التحقيق (إنَّ) وجعْل خبرها اسمًا (مُنزِّل) تحقيقٌ للوعد، وإيذانٌ بأنَّه تعالى مُنْجِزٌ له لا محالةَ، مِن غير صارفٍ يُثْنيه، ولا مانعٍ يلويه [2131] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/98). .