موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (65-69)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ

غريب الكلمات:


لَعِبْرَةً: أي: اعتِبارًا وموعظةً، ودلالةً على قدرةِ الله، والاعْتبارُ والعِبرةُ: الحالةُ التي يتوصَّلُ بها مِن معرفةِ المشاهَدِ إلى ما ليسَ بمشاهَدٍ، وأصلُ (العَبْرِ): تجاوزٌ مِن حالٍ إلى حالٍ [734] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 344)، ((الوسيط)) للواحدي (3/69)، ((المفردات)) للراغب (ص: 543)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 200). .
فَرْثٍ: أي: ما في الكَرِشِ مِن فَضَلاتٍ، وأصلُ (فرث): يدُلُّ على شَيءٍ مُتفَتِّتٍ [735] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 362)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/498)، ((المفردات)) للراغب (ص: 628)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/200). .
سَائِغًا: أي: سَهلًا هَنيئًا لا يَغَصُّ به شارِبُه، وأصلُ (سوغ): يدُلُّ على سُهولةِ الشَّيءِ واستِمرارِه في الحَلقِ خاصَّةً [736] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 245)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 263)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/116)، ((فتح القدير)) للشوكاني (3/209). .
سَكَرًا: أي خَمْرًا، وأصلُ (سكر): يدُلُّ على حَيرةٍ [737] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 245)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 263- 264)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/89)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 196)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 261). .
يَعْرِشُونَ: أي: يَبْنونَ ويَسقُفونَ، وأكثَرُ ما يُستعمَلُ فيما يكونُ مِن إتقانِ الأغصانِ والخَشَبِ وتَرتيبِ ظِلالِها، وأصلُ (عرش): يدلُّ على ارتفاعٍ في شَيءٍ مَبنيٍّ [738] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 507)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/264)، ((المفردات)) للراغب (ص: 558)، ((تفسير ابن عطية)) (3/406). .
ذُلُلًا: أي: مُسَهَّلةً مُستَقيمةً مُذَلَّلةً، وأصلُ (ذلل): يدلُّ على اللِّينِ [739] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/287)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/345)، ((تفسير ابن عطية)) (3/406)، ((تحفة الأريب)) لأبي حيان الأندلسي (ص: 129). .

المعنى الإجمالي:


يذكرُ اللهُ تعالى ألوانًا مِن نعمِه على خلقِه، فهو سبحانه أنزلَ مِن السَّماءِ مَطرًا، فأخرجَ به النَّباتَ مِن الأرضِ بعد أن كانت يابِسةً. إنَّ في ذلك لَدليلًا على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى وقُدرتِه على البَعثِ لِقَومٍ يَسمَعونَ ويَتدَبَّرونَ.
ثم يُرشدُ إلى مظهرٍ آخرَ مِن مظاهرِ وحدانيتِه، وعظيمِ قدرتِه، فيقولُ تعالى: وإنَّ لكم- أيُّها النَّاسُ- في الأنعامِ لَعِظةً تَستَدِلُّونَ بها على استحقاقِ الله للعبادةِ؛ يخرِجُ لكم مِمَّا في بُطونِها مِن بينِ فَرْثٍ ودمٍ لَبنًا خالِصًا مِن كُلِّ الشَّوائبِ، لَذيذًا لا يَغَصُّ به مَن شَرِبَه، وتأخُذونَ مِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ ما تَجعَلونَه خَمرًا مُسْكِرًا- وهذا قبلَ تَحريمِها- ورزقًا حسنًا كالتمرِ والعنبِ والعصيرِ، إنَّ في هذا الإنعامِ لَدليلًا على قُدرةِ الله، لِقَومٍ يَعقِلونَ آياتِ اللهِ فيَعتَبِرون بها.
ثمَّ يقولُ تعالى مبينًا دليلًا آخرَ مِن دلائلِ وحدانيتِه وقدرتِه: وألْهَمَ ربُّك- يا مُحمَّدُ- النَّحلَ بأن اجعَلِي لكِ بُيوتًا مِن الجِبالِ، ومِن الشَّجَرِ، ومِمَّا يبني النَّاسُ، ثُمَّ كُلي مِن كُلِّ الثِّمارِ، فاسلُكي طُرُقَ رَبِّك مُذَلَّلةً لكِ؛ لطَلَبِ الرِّزقِ. يَخرُجُ مِن بُطونِ النَّحلِ عَسَلٌ مُختَلِفُ الألوانِ مِن بياضٍ وصُفرةٍ وحُمرةٍ وغيرِ ذلك، فيه شِفاءٌ للنَّاسِ مِن الأمراضِ. إنَّ في ذلك لَدلالةً قَويَّةً على عظمةِ اللهِ وقُدرتِه، لِقَومٍ يتفَكَّرونَ فيَعتَبِرون.

تفسير الآيات:


وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان المقصودُ الأعظَمُ مِن هذا القُرآنِ العَظيمِ تَقريرَ أصُولٍ أربعةٍ: الإلهيَّاتِ، والنُّبُوَّاتِ، والمَعادِ، وإثباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمقصودُ الأعظَمُ مِن هذه الأُصولِ الأربعةِ تقريرَ الإلهيَّاتِ؛ فلِهذا السَّبَبِ كُلَّما امتَدَّ الكَلامُ في فَصلٍ مِن الفُصولِ في وعيدِ الكُفَّارِ، عاد إلى تقريرِ الإلهيَّاتِ [740] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/231). ، فشرَع في أدلةِ الوحدانيةِ والقدرةِ والفعلِ بالاختيارِ المستلزمِ للقدرةِ على البعثِ على وجهٍ غيرِ المتقدِّمِ، وقال قولًا جامعًا في الدليلِ بينَ العالمِ العلويِّ والعالمِ السفليِّ [741] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/191). ، مع ما أُدمِجَ فيه مِن التَّذكيرِ بالنِّعَمِ؛ فهذه مِنَّةٌ مِن المِنَنِ، وعِبرةٌ مِن العِبَرِ، وحُجَّةٌ مِن الحُجَجِ المُتفَرِّعةِ عن التَّذكيرِ بنِعَمِ الله والاعتبارِ بعَجيبِ صُنعِه [742] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/197). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه بتَبيينِ ما اختُلِفَ فيه؛ نَصَّ على العِبَرِ المؤدِّيةِ إلى تَبيينِ أمرِ الرُّبوبيَّةِ، فبدأ بنِعمةِ المطَرِ التي هي أبيَنُ العِبَرِ، وهي مِلاكُ الحياةِ، وهي في غايةِ الظُّهورِ لا يُخالِفُ فيها عاقِلٌ [743] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/404). .
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
أي: واللهُ وَحْدَه أنزَلَ مِن السَّحابِ مَطرًا، فأخرَجَ به نَباتَ الأرضِ بعد أن كانت يابِسةً لا زَرْعَ فيها [744] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/269)، ((تفسير الشوكاني)) (3/208)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/198). .
كما قال تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 9-11] .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
أي: إنَّ في إحياءِ اللهِ الأرضَ المَيْتةَ بالمطَرِ لدَلالةً واضِحةً على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وقُدرتِه على البَعثِ، لِقَومٍ يَسمَعونَ هذه الحُجَّةَ، فيتدَبَّرونَها ويَفهمونَها [745] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/269)، ((تفسير القرطبي)) (10/122)، ((تفسير ابن كثير)) (4/580)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/198). .
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى إحياءَ الأرضِ بعد مَوتِها، ذكَرَ ما يَنشأُ عَمَّا ينشأُ عن المطَرِ، وهو: حياةُ الأنعامِ التي هي مألوفُ العَرَبِ، بما يتناوَلُه مِن النَّباتِ النَّاشِئِ عن المطَرِ، ونَبَّه على العِبرةِ العَظيمةِ، وهو: خروجُ اللَّبَنِ مِن بينِ فَرْثٍ ودَمٍ، فقال تعالى [746] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/553). :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً.
أي: وإنَّ لكم- أيُّها النَّاسُ- في الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ لَدَلالةً تَستَدِلُّونَ بها على قُدرةِ اللهِ ورَحمتِه، وحِكمَتِه ولُطفِه وعَظَمتِه، وأنَّه وَحْدَه المُستَحِقُّ للعِبادةِ [747] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/270)، ((تفسير القرطبي)) (10/123)، ((تفسير ابن كثير)) (4/580)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/396). .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: 71-73] .
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ.
أي: نُسْقِيكم لبنًا نُخرِجُه لكم- أيُّها النَّاسُ- مِمَّا في بُطونِ الأنعامِ مِن بينِ فَرْثِها [748] قال البيضاوي: (الفَرْثُ: هو الأشياءُ المأكولةُ المُنهَضِمةُ بعضَ الانهِضامِ في الكَرِش). ((تفسير البيضاوي)) (3/232). ودَمِها صافِيًا، غيرَ مُختَلِطٍ برائِحةِ الفَرْثِ، ولا لَونِ الدَّمِ، سَهْلَ المُرورِ في الحَلقِ، لذيذًا هنيئًا لا يَغَصُّ به شارِبُه [749] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/274)، ((البسيط)) للواحدي (13/113)، ((تفسير القرطبي)) (10/126)، ((تفسير ابن كثير)) (4/581)، ((تفسير الألوسي)) (7/417)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444). .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى بعضَ مَنافِعِ الحَيواناتِ في الآيةِ المتَقَدِّمةِ؛ ذكَرَ في هذه الآيةِ بَعضَ مَنافِعِ النَّباتِ [750] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/235). .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.
النَّاسِخُ والمَنسوخُ:
قيل: هذه الآيةُ مَنسوخةٌ بقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [751] يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 542)، ((الناسخ والمنسوخ)) لهبة الله بن سلامة (ص: 113)، ((الناسخ والمنسوخ)) لابن حزم (ص: 43)، ((تفسير البغوي)) (3/85، 86)، ((تفسير القرطبي)) (10/128)، ((تفسير ابن كثير)) (4/581)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/406). وممن قال بأنَّها منسوخةٌ، بناءً على أنَّ المرادَ بالسَّكَرِ: الخمرُ: البغوي، وابنُ العربي، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثيرٍ، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/86)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/133-135)، ((تفسير ابن كثير)) (4/581)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/203)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/404-407). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وسعيد بنُ جبير، وأبو رزين، والشعبي في رواية عنه، والحسنُ، والضحَّاك، ومجاهدٌ في روايةٍ عنه، وقتادةُ، وعبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/275). وممَّن ذهب إلى أنَّها مُحكَمةٌ غيرُ مَنسوخةٍ: ابنُ جرير. وذلك بناءً على أنَّ المرادَ بالسَّكَرِ: كُلُّ ما كان حَلالًا شُربُه، كالنَّبيذِ الحَلالِ، والخَلِّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/283، 285). ويُنظر أيضًا: ((نواسخ القرآن)) لابن الجوزي (2/493). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: الشعبي في روايةٍ، ومجاهدٌ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/283)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/569)، ((تفسير ابن جرير)) (14/283). قال القرطبي: (فعَلى أنَّ السَّكَر: الَخلُّ أو العصيرُ الحُلوُ، لا نَسْخَ، وتكونُ الآيةُ مُحكَمةً، وهو حسَنٌ. قال ابنُ عبَّاس: الحَبَشةُ يُسَمُّونَ الخَلَّ السَّكَرَ. إلَّا أنَّ الجُمهورَ على أنَّ السَّكَرَ: الخَمرُ، منهم ابن مسعود، وابن عمر، وأبو رَزين، والحسن، ومجاهد، وابن أبي ليلى، والكلبي، وغيرهم مِمَّن تقَدَّم ذِكرُهم، كلُّهم قالوا: السَّكَرُ: ما حَرَّمَه اللهُ مِن ثَمَرتَيهما). ((تفسير القرطبي)) (10/128). [المائدة: 90- 91] .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.
أي: ولكم أيضًا- أيُّها النَّاسُ- عِبرةٌ فيما نُسقِيكم ونَرزُقُكم مِن [752] قال ابن عاشور: (و مِنْ في الموضعينِ ابتدائيَّةٌ، فالأولى متعَلِّقةٌ بفِعلِ «نُسقِيكم» المُقَدَّر، والثانية متعلِّقةٌ بفِعلِ تتَّخِذُونَ. وليست الثانيةُ تبعيضيَّةً؛ لأنَّ السَّكَر ليس بعضَ الثَّمراتِ، فمعنى الابتداءِ يَنتَظِمُ كِلا الحرفينِ). ((تفسير ابن عاشور)) (14/203). ثَمَراتِ النَّخيلِ ومِنَ الأعنابِ [753] قال الواحدي: (الأعنابُ عَطفٌ على الثَّمَراتِ لا على النَّخيلِ؛ لأنَّه يصيرُ التَّقديرُ: ومِن ثَمَراتِ الأعنابِ، والأعنابُ ثِمارٌ، ولكِنَّه: ومِن الأعنابِ). ((البسيط)) (13/116). ، فتَتَّخِذونَ منه [754] قال القرطبي: (قيل: معنى مِنْهُ أي: مِن المذكورِ، فلا يكونُ في الكلامِ حَذفٌ، وهو أَولى). ((تفسير القرطبي)) (10/128). وقال الشوكاني: (وإنَّما ذُكِّر الضميرُ في مِنْهُ؛ لأنَّه يعودُ إلى المذكور، أو إلى المضافِ المحذوفِ، وهو العصيرُ، كأنَّه قيل: ومِن عصيرِ ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ تتَّخذونَ منه). ((تفسير الشوكاني)) (3/209). شَرابًا مُسْكِرًا- وهو الخَمرُ- ورِزْقًا حَسَنًا [755] قال الواحديُّ: (وَرِزْقًا حَسَنًا يريدُ الخَلَّ، والزَّبيبَ، والتَّمرَ، وكُلَّ ما يُتَّخَذُ مِن النَّخيلِ والأعنابِ، وهذا قَولُ عامَّةِ المفَسِّرينَ؛ قالوا: السَّكَرُ: هي الخَمرُ بعَينِها، والسَّكَرُ حَرامٌ، والرِّزقُ الحسَنُ حَلالٌ، وقالوا: نزَلَت هذه قبلَ تحريمِ الخَمرِ، ونزل تحريمُها في سورةِ المائدة). ((البسيط)) (13/117-118). وقال ابنُ عطية: (نزلت هذه الآيةُ قبلَ تحريمِ الخَمرِ، وأراد بالسَّكَرِ الخَمْرَ، وبالرِّزقِ الحَسَنِ جميعَ ما يُشرَبُ ويُؤكَلُ حَلالًا مِن هاتَينِ الشَّجَرتينِ، وقال بهذا القَولِ: ابنُ جُبير، وإبراهيم، والشعبي، وأبو زيد). ((تفسير ابن عطية)) (3/405). وقال ابن جرير: (وقال آخرون: (السَّكَرُ): هو كلُّ ما كان حلالًا شُربُه، كالنبيذ الحلالِ، والخَلِّ، والرُّبِّ. (والرزق الحَسَن): التَّمرُ والزبيبُ... وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية... فإذا كان ... ما يُسكرُ من الشراب حرامًا... وكان غيرَ جائزٍ لنا أن نقولَ: هو منسوخٌ؛ إذ كان المنسوخُ هو ما نفى حُكمَه النَّاسِخُ، وما لا يجوزُ اجتماعُ الحُكمِ به وناسِخِه، ولم يكُنْ في حكمِ الله تعالى ذِكرُه بتحريمِ الخَمرِ دليلٌ على أنَّ السَّكَر الذي هو غيرُ الخَمرِ، وغيرُ ما يُسكِرُ مِن الشَّراب- حرامٌ؛ إذ كان السَّكَرُ أحَدُ معانيه عند العرب ومن نزَلَ بلسانِه القرآنُ: هو كُلُّ ما طُعِمَ، ولم يكُنْ مع ذلك، إذ لم يكُنْ في نفس التنزيلِ دليلٌ على أنَّه منسوخٌ، أو ورد بأنَّه منسوخٌ خبَرٌ من الرسولِ، ولا أجمعت عليه الأمَّةُ؛ فوجب القولُ بما قُلْنا من أنَّ معنى السَّكَر في هذا الموضعِ: هو كلُّ ما حَلَّ شُربُه مِمَّا يُتَّخذُ مِن ثَمَر النَّخلِ والكَرْم، وفسد أن يكونَ معناه الخمرَ أو ما يُسكِرُ مِن الشَّرابِ). ((تفسير ابن جرير)) (14/284). لا ينشَأُ عنه ضَرَرٌ في بَدَنٍ ولا عَقلٍ، كالتَّمرِ والرُّطَب، والعِنَب والزَّبيب، والعَصيرِ والخَلِّ [756] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/116)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/568)، ((تفسير البيضاوي)) (3/232)، ((تفسير ابن كثير)) (4/581)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/195)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/203)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/407). قال الشوكاني: (قال ابنُ جرير: التقديرُ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ ما تَتَّخِذُونَ، فحُذِف، ودَلَّ على حذفِه قولُه: مِنْهُ. وقيل: هو معطوفٌ على الْأَنْعَامِ، والتقديرُ: وإنَّ لكم مِن ثمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ لَعبرةً. ويجوز أن يكونَ معطوفًا على مِمَّا فِي بُطُونِهِ، أي: نُسقيكم ممَّا في بطونِه ومِن ثمراتِ النَّخيلِ. ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ دَلَّ عليه ما قبله، تقديرُه: ونُسقيكم مِن ثمراتِ النَّخيلِ، ويكونُ على هذا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا بيانًا للإسقاءِ، وكَشفًا عن حقيقتِه، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بـ تَتَّخِذُونَ، تقديرُه: ومن ثمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ ثمَرٌ تتَّخِذونَ منه سَكَرًا، ويكونَ تكريرُ الظَّرفِ، وهو قَولُه: مِنْهُ للتأكيدِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/209). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/275)، ((تفسير القرطبي)) (10/128). .
  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
أي: إنَّ في إنعامِنا على النَّاسِ بلَبنِ الأنعامِ وثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ لَدَلالةً واضِحةً لِقَومٍ يَفهَمونَ حُجَجَ اللهِ ومَواعِظَه، فيتَدَبَّرونَها ويتَّعِظونَ بها، ويُقِرُّونَ بوَحدانيَّتِه وكَمالِ قُدرتِه سُبحانَه [757] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/476)، ((تفسير ابن جرير)) (14/285)، ((تفسير البيضاوي)) (3/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444). .
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّنَ أنَّ إخراجَ الألبانِ مِن النَّعَمِ، وإخراجَ السَّكَرِ والرِّزقِ الحَسَنِ مِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ؛ دلائِلُ قاهِرةٌ، وبَيِّناتٌ باهِرةٌ على أنَّ لهذا العالَمِ إلهًا قادِرًا مُختارًا حَكيمًا- فكذلك إخراجُ العَسَلِ مِن النَّحلِ دَليلٌ قاطِعٌ وبُرهانٌ ساطِعٌ على إثباتِ هذا المَقصودِ [758] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/236). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا كان أمرُ النَّحلِ في الدَّلالةِ على تَمامِ القُدرةِ وكَمالِ الحِكمةِ أعجَبَ مِمَّا تقَدَّمَ وأنْفَسَ، ثلَّثَ به وأخَّرَه؛ لأنَّه أقَلُّ الثَّلاثةِ عِندَهم، وغيَّرَ الأُسلوبَ وجعَلَه مِن وَحْيِه؛ إيماءً إلى ما فيه من غَريبِ الأمرِ، وبَديعِ الشَّأنِ [759] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/196). .
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68).
أي: وألْهَم [760] قال القرطبي: (لا خِلافَ بين المتأوِّلينَ أنَّ الوَحيَ هنا بمعنى الإلهامِ). ((تفسير القرطبي)) (10/133). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/406). قال الشَّوكاني: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ الوَحي يكونُ بمعنى الإلهامِ، وهو ما يخلُقُه في القَلبِ ابتداءً مِن غَيرِ سَبَبٍ ظاهرٍ، ومنه قولُه سُبحانَه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: 7- 8]، ومِن ذلك إلهامُ البهائمِ لفعل ِما ينفعُها، وتركِ ما يضُرُّها). ((تفسير الشوكاني)) (3/210) بتصرف. ربُّك- يا مُحمَّدُ- النَّحلَ أن اتَّخِذي مِن الجِبالِ بُيوتًا تَأوينَ إليها، ومِن الأشجارِ، ومِمَّا يبني النَّاسُ [761] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/286)، ((تفسير السمعاني)) (3/185)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/248)، ((تفسير ابن كثير)) (4/581)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/409). قال ابنُ عطية: (و«عَرَشَ» معناه هيَّأ، وأكثَرُ ما يُستعمَلُ فيما يكونُ من إتقانِ الأغصانِ والخشبِ وترتيبِ ظلالِها ...). ((تفسير ابن عطية)) (3/406). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/134). وقال الواحدي: (وقوله: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ... معناه: يبنون ويسقُفون، يعني: ما يبني النَّاسُ لها من خلاياها التي تعمَلُ فيها النَّحلُ). ((التفسير الوسيط)) للواحدي (3/71). وقال الزمخشري: (ويَعْرِشُونَ: بكَسرِ الرَّاءِ وضَمِّها: يَرفَعونَ مِن سُقوفِ البُيوتِ. وقيل: ما يَبنونَ للنَّحلِ في الجِبالِ والشَّجَرِ والبُيوتِ، مِن الأماكِنِ التي تتعَسَّلُ فيها. والضميرُ في يَعْرِشُونَ للنَّاسِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/618). و(من) التي تكرَّرت في قولِه تعالى: مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ للتبعيضِ؛ لأنَّ النحلَ إنَّما تتخذُ بيوتًا في بعضِ الجبالِ، وبعضِ الشجرِ، وبعضِ الأماكنِ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/618)، ((تفسير الرازي)) (20/237)، ((تفسير ابن جزي)) (1/430)، ((تفسير أبي حيان)) (6/559)، ((تفسير الشوكاني)) (3/210). .
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان أهَمَّ شَيءٍ للحَيوانِ بعدَ الرَّاحةِ مِن همِّ المَقيلِ الأكلُ، ثَنَّى به [762] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/198). ، فقال تعالى:
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
أي: ثمَّ ألْهَمَ اللهُ النَّحلَ أنْ كُلِي مِن كُلِّ أنواعِ الثِّمارِ [763] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/287)، ((الوسيط)) للواحدي (3/71)، ((تفسير ابن عطية)) (3/406). قال ابن جُزي: (مِنْ للتَّبعيضِ، وذلك أنَّها إنما تأكُلُ النُّوَّارَ مِن الأشجارِ. وقيل: المعنى: مِن كُلِّ الثَّمَراتِ التي تَشتَهيها). ((تفسير ابن جزي)) (1/431). .
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا أذِنَ اللهُ تعالى لها في ذلك كُلِّه، وكان مِن المعلومِ عادةً أنَّ تَعاطِيَه لا يكونُ إلَّا بمشَقَّةٍ عظيمةٍ في مُعاناةِ السَّيرِ إليه؛ نَبَّه على خَرْقِه للعادةِ في تَيسيرِه لها، فقال تعالى [764] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/198). :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.
أي: فادخُلي- أيُّها النَّحلُ- طُرُقَ رَبِّكِ مُذَلَّلةً لكِ [765] قال ابنُ عطيةَ: (قولُه: ذُلُلًا يحتَمِلُ أن يكونَ حالًا مِن النَّحلِ، أي: مُطيعةً مُنقادةً لِما يُسِّرْتِ له، قاله قتادةُ... ويحتَمِلُ أن يكونَ حالًا مِن «السُّبُل» أي: مُسَهَّلةً مُستقيمةً، قال مجاهدٌ: لا يتوعَّرُ عليها سَبيلٌ تَسلُكُه). ((تفسير ابن عطية)) (3/406). وممَّن اختار القول الأولَ: القرطبي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/135). وممن قال بهذا القولِ من السلفِ: ابنُ زيدٍ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/288)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/570). وممَّن اختار القولَ الثاني: ابنُ جريرٍ، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/287)، ((تفسير ابن كثير)) (4/582). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: مجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/288)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/570). وقال ابن جرير: (وكلا القولينِ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ في الصحةِ، وجهانِ مخرَّجان). ((تفسير ابن جرير)) (14/289). ؛ لتَطلُبي الرِّزقَ حيثما توجَّهْتِ [766] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/476)، ((تفسير ابن جرير)) (14/287)، ((تفسير القرطبي)) (10/135). .
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
  يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ.
أي: يَخرُجُ مِن بُطونِ النَّحلِ عَسَلٌ مُختَلِفُ الألوانِ؛ ما بينَ أحمَرَ وأصفَرَ وأبيضَ وغَيرِ ذلك مِن الألوانِ الحَسَنةِ، على اختلافِ مَراعيها ومَأكَلِها منها [767] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/289)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 612)، ((تفسير ابن كثير)) (4/582). .
فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ.
أي: في العسَلِ شِفاءٌ للنَّاسِ مِن الأمراضِ [768] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/290، 291)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (4/34)، ((تفسير ابن كثير)) (4/582). قال ابنُ القيِّم: (اختلف النَّاسُ في قولِه تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ هل الضَّميرُ في فِيهِ راجِعٌ إلى الشَّراب، أو راجِعٌ إلى القرآن؟ على قولين: الصحيحُ: رجوعُه إلى الشَّرابِ، وهو قَولُ ابنِ مسعود، وابنِ عباس، والحسَن، وقتادة، والأكثرين؛ فإنَّه هو المذكورُ، والكلامُ سِيقَ لأجلِه، ولا ذِكرَ للقرآنِ في الآيةِ، وهذا الحديثُ الصَّحيحُ، وهو قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «صدق الله» كالصَّريحِ فيه، والله تعالى أعلم). ((زاد المعاد)) (4/34). .
عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رَجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أخي يَشتكي بَطْنَه، فقال: اسْقِه عَسَلًا، ثمَّ أتى الثَّانيةَ فقال: اسْقِه عَسَلًا، ثمَّ أتاه الثَّالِثةَ فقال: اسْقِه عَسَلًا، ثمَّ أتاه فقال: قد فَعَلْتُ، فقال: صدَقَ اللهُ، وكَذَب بَطنُ أخيك، اسْقِه عَسَلًا، فسَقاه فبَرَأ) ) [769] رواه البخاري (5684) واللفظ له، ومسلم (2217). قال ابنُ كثير: (قال بعضُ العلماءِ بالطِّبِّ: كان هذا الرجلُ عنده فضلاتٌ، فلمَّا سقاه عسلًا- وهو حارٌّ- تحلَّلت، فأسرعت في الاندفاعِ، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابيُّ أنَّ هذا يضرُّه، وهو مصلحةٌ لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليلُ والدَّفعُ، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلاتُ الفاسدةُ المضِرَّةُ بالبدنِ استمسك بطنُه، وصلَحَ مِزاجُه، واندفعت الأسقام والآلام ببركةِ إشارته عليه مِن رَبِّه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/583). .
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ الله عنهما، قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنْ كان في شيءٍ مِن أدوِيَتِكم- أو: يكونُ في شَيءٍ مِن أدوِيَتِكم- خيرٌ، ففي شَرطةِ مِحْجَمٍ، أو شَربةِ عَسَلٍ، أو لَذعةٍ بنارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أن أكتَويَ )) [770] رواه البخاري (5683) واللفظ له، ومسلم (2205). .
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرطَةِ مِحجَمٍ، أو شَربةِ عَسَلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهى أمَّتي عنِ الكيِّ )) [771] رواه البخاري (5681). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
أي: إنَّ في إلهامِ الله للنحلِ باتخاذِ البيوتِ مِن الجبالِ والشَّجر والعُروشِ، والسلوكِ في المراعي للاجتناءِ مِن سائرِ الثِّمار؛ ليَخرجَ مِن بطونِها هذا العسلُ ذو الألوانِ المتعددةِ، الذي جعَل الله فيه شفاءً للناسِ مِن الأمراضِ؛ إنَّ في ذلك لدلالةً وحجةً واضحةً لقومٍ يتفكَّرون في عظمةِ خالقِها ومسخِّرِها، فيَستدِلُّون بذلك على أنَّه القادرُ، الحكيمُ، العليمُ، الكريمُ، الرحيمُ، اللطيفُ الذي يستحقُّ العبادةَ وَحْدَه [772] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/291)، ((تفسير ابن كثير)) (4/584، 585)، ((تفسير السعدي)) (ص: 444). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في خَلقِ هذه النَّحْلةِ الصَّغيرةِ التي هداها اللهُ هذه الهِدايةَ العَجيبةَ، ويَسَّرَ لها المراعيَ، ثمَّ الرُّجوعَ إلى بُيوتِها التي أصلَحَتْها بتَعليمِ اللهِ لها، وهِدايتِه لها، ثمَّ يَخرُجُ مِن بُطونِها هذا العسَلُ اللَّذيذُ مختَلِفَ الألوانِ بحَسَبِ اختلافِ أرْضِها ومَراعيها، فيه شِفاءٌ للنَّاسِ مِن أمراضٍ عديدةٍ- في ذلك دَليلٌ على كَمالِ عِنايةِ الله تعالى، وتمامِ لُطفِه بعِبادِه، وأنَّه الذي لا ينبغي أن يُحَبَّ غَيرُه، ويُدعَى سِواه [773] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 444). .
2- قال الله تعالى: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ تأمَّلِ العِبرةَ التي ذكَرَها اللهُ عزَّ وجَلَّ في الأنعامِ، وما سَقانا مِن بُطونِها مِنَ اللَّبَنِ الخالِصِ السَّائِغِ، الهَنيءِ المَريءِ، الخارجِ مِن بينِ الفَرثِ والدَّمِ؛ فاللهُ تعالى إنَّما خلَقَ اللَّبَنَ مِن فَضلةِ الدَّمِ، وإنَّما خَلَقَ الدَّمَ مِن الغِذاءِ الذي يَتناوَلُه الحَيوانُ، فالشَّاةُ لَمَّا تناوَلَت العُشبَ والماءَ، فاللهُ تعالى خلَقَ الدَّمَ مِن لَطيفِ تلك الأجزاءِ، ثمَّ خلَقَ اللَّبَنَ مِن بَعضِ أجزاءِ ذلك الدَّمِ، وسَلِ المُعَطِّلَ الجاحِدَ: مَنِ الذي دبَّرَ هذا التَّدبيرَ، وقَدَّرَ هذا التَّقديرَ، وأتقَنَ هذا الصُّنعَ، ولَطَفَ هذا اللُّطفَ سوى اللَّطيفِ الخَبيرِ؟! فهذه الأحوالُ إنَّما تَحدُثُ بتَدبيرِ فاعِلٍ حَكيمٍ رَحيمٍ، يُدَبِّرُ أحوالَ هذا العالَمِ على وَفقِ مَصالِحِ العِبادِ، فسُبحانَ مَن تَشهَدُ جَميعُ ذَرَّاتِ العالَمِ الأعلى والأسفَل بكَمالِ قُدرتِه، ونِهايةِ حِكمَتِه ورَحمتِه، له الخَلقُ والأمرُ تَبارَك اللهُ رَبُّ العالَمينَ [774] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/234)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/251). !

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَالَ اللهُ تعالى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، ثمَّ خَتَمَها بقَولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وهذا يدُلُّ على ظُهورِ هذا المُعتَبَرِ فيه وبَيانِه؛ لأنَّه لا يَحتاجُ إلى تفَكُّرٍ، ولا نظَرِ قَلبٍ، وإنَّما يَحتاجُ المُنَبَّهُ إلى أن يَسمَعَ القَولَ فقط [775] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/404). . وقيل: بل المرادُ سماعُ تدبرٍ وإنصافٍ ونظر؛ لأنَّ سماعَ القلوب هو النافعُ لا سماع الآذانِ، فمن سمِع آياتِ القرآنِ بقلبِه وتدبرها، وتفكَّر فيها انتفَع، ومَن لم يسمَعْ بقلبِه فكأنَّه أصمُّ لم يسمعْ، فلم ينتفعْ بالآياتِ [776] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/241). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا استُدِلَّ به على طَهارةِ لَبَنِ المأكولِ، وإباحةِ شُربِه [777] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:163). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا، لَمَّا كان اللَّبَنُ لا يَحتاجُ إلى مُعالجةٍ مِن النَّاسِ، أخبَرَ عن نَفسِه تعالى بقَولِه: نُسْقِيكُمْ، ولَمَّا كان السَّكَرُ والرِّزقُ الحسَنُ يَحتاجُ إلى مُعالَجةٍ قال: تَتَّخِذُونَ [778] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/558). .
4- في قَولِه تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ دَلالةٌ على أنَّ مُلاقاةَ المائِعِ للنَّجِسِ في الباطِنِ لا حُكْمَ لها [779] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/104). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا فيه سؤالٌ: الخَمرُ مُحَرَّمةٌ، فلماذا ذكَرَها اللهُ تعالى في مَعرِضِ الإنعامِ؟
والجوابُ مِن وَجهَينِ:
الوجه الأوَّل: أنَّ هذه السُّورةَ مَكِّيَّةٌ، وتحريمُ الخَمرِ نَزَل في سُورةِ (المائدةِ)، فكان نُزولُ هذه الآيةِ في الوَقتِ الذي كانت الخَمرُ فيه غَيرَ مُحَرَّمةٍ.
الوجه الثَّاني: أنَّه تعالى ذكَرَ ما في هذه الأشياءِ مِنَ المنافِعِ، وخاطَبَ المُشرِكينَ بها، والخَمرُ مِن أشرِبَتِهم، فهي مَنفعةٌ في حَقِّهم، ثمَّ إنَّه تعالى نَبَّه في هذه الآيةِ أيضًا على تَحريمِها؛ وذلك لأنَّه مَيَّزَ بينها وبينَ الرِّزقِ الحَسَنِ في الذِّكرِ، فوجَبَ ألَّا يكونَ السَّكَرُ رِزقًا حَسَنًا [780] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/235). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا دَلَّ على التَّسويةِ بين السَّكَرِ المُتَّخَذِ مِن العِنَب، والمُتَّخَذِ مِن النَّخلِ، كما هو مذهَبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وجُمهورِ العُلَماء، وكذا حُكمُ سائِرِ الأشربةِ المتَّخَذةِ مِن الحِنطةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ والعَسَلِ، كما جاءت السُّنَّةُ بتَفصيلِ ذلك [781] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/581). .
7- قالَ اللهُ تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ناسَبَ ذِكْرُ العَقلِ هاهنا؛ فإنَّه أشرَفُ ما في الإنسانِ؛ ولهذا حَرَّمَ اللهُ على هذه الأمَّةِ الأشرِبةَ المُسكِرةَ؛ صِيانةً لِعُقولِها [782] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/581). .
8- قَولُه تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا استُدِلَّ به على أنَّ الخَمرَ لا يَحِلُّ ثمنُها؛ ولا تُعَدُّ في عِدَادِ الأملاكِ؛ لإفرادِ ذِكْرِها بالسَّكَرِ؛ وسائرِها بالرِّزقِ الحَسَنِ، فما لم يكُنْ رِزْقًا لم يَجُزْ أنْ يكونَ مِلْكًا، ولو كان أيضًا رِزقًا لكان خَبيثًا؛ لِتَسميتِه سائِرَها بالحَسَنِ، والخبيثُ لا ثَمَنَ له [783] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/84). .
9- قَولُه تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا، في تركِ تعليمِه خلقَه كيفيةَ اتِّخاذِ الرِّزقِ الحسنِ، وإخبارِه عن اتِّخاذِهم معدودًا في ذكرِ النعمِ- دليلٌ على أنَّ اتخاذَه كيفَ أحبُّوه مباحٌ لهم [784] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/84). .
10- في قَولِه تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا بيانُ أنَّ النَّحلَ خَلْقٌ يَسوقُه اللهُ حيث يشَاءُ، فإذا اتَّخَذتْ بيتًا في مِلْكِ بَشَرٍ كان ما يَخرُجُ مِن بطونِها رِزقًا لصاحِبِ المِلْكِ؛ لحُدوثِه في مِلْكِه، فإذا تَحَوَّلَ النَّحلُ إلى غيرِ مِلْكِه لم يكُنْ له المُطالبةُ به، فإنِ اتُّخِذَ في أرضٍ مَوَاتٍ- لا مالكَ لها- كان عَسَلُه لِمَن بادرَ إلى أخْذِه، وتحصيله بالحِيازةِ والنُّقْلةِ [785] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/87). .
11- ليس كلُّ مَن أُوحيَ إليه الوحيَ العامَّ يكونُ نبيًّا؛ فاللهُ تعالى قد أوحى إلى غيرِ النَّاسِ، قال تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [786] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (2/690). .
12- قال اللهُ تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ فأُشيرَ إلى أنَّ بُيوتَها تُتَّخَذُ في أحسَنِ البِقاعِ مِن الجِبالِ أو الشَّجَرِ أو العَرشِ دونَ بُيوتِ الحَشَراتِ الأخرى؛ وذلك لشرَفِها بما تَحتويه مِن المنافِعِ، وبما تَشتَمِلُ عليه مِن دقائِقِ الصَّنعةِ، ألا ترى إلى قَولِه تعالى في ضِدِّها: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [787] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/206). [العنكبوت: 41] .
13- مِن الحِكَمِ في أنَّ الله تعالى قال: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، ولم يَقُلْ: (مِن الثمرات كلِّها)- أنه تقدَّمَها في النَّظْم قولُه تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ فلو قال بعدها: (كُلِي مِن الثمراتِ كُلِّها) لذهبَ الوهمُ إلى أنه يريدُ الثمراتِ المذكورةَ قَبْلُ - ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ -، لأنَّ اللامَ إنما تنصرفُ إلى المعهود، فكان الابتداءُ بـ كُلِّ أَحْصَنَ للمعنى، وأجمعَ للجنس، وأرفعَ للَّبْسِ، وأبدعَ في النَّظْمِ [788] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/213). .
14- قَولُ اللهِ تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ عَبَّرَ عن العَسَلِ باسمِ الشَّرابِ دُونَ العَسَلِ؛ لِما يُومِئُ إليه اسمُ الجِنسِ مِن مَعنَى الانتفاعِ به، وهو محَلُّ المِنَّةِ، ولِيُرَتِّبَ عليه جُملةَ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وسُمِّيَ شَرابًا؛ لأنَّه مائعٌ يُشرَبُ شُربًا، ولا يُمضَغُ [789] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/209). .
15- قَولُه تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أصلٌ في الطِّبِّ [790] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:163). ، وفيه دليلٌ على إباحةِ التَّداوي [791] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/239). .
16- قال الله تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وقال وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت: 44] لم يَصِفِ اللهُ في كتابِه بالشِّفاءِ إلَّا القُرآنَ والعَسَلَ، فهما الشِّفاءانِ؛ هذا شِفاءُ القُلوبِ مِن أمراضِ غَيِّها وضَلالِها، وأدواءِ شُبُهاتِها وشَهَواتِها، وهذا شِفاءٌ للأبدانِ مِن كثيرٍ مِن أسقامِها وأخلاطِها وآفاتِها، وتأمَّلْ إخبارَه سُبحانَه وتعالى عن القُرآنِ بأنَّه نَفسَه شِفاءٌ، وقال عن العَسَل: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ وما كان نَفسُه شِفاءً أبلَغُ ممَّا جُعِلَ فيه شِفاءٌ [792] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/250). !
17- قال اللهُ تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تأمَّلْ أحوالَ النَّحلِ وما فيها مِنَ العِبَرِ والآياتِ، فانظُرْ إليها وإلى اجتِهادِها في صَنعةِ العَسَلِ، وبِنائِها البُيوتَ المُسَدَّسةَ التي هي مِن أتَمِّ الأشكالِ وأحسَنِها استِدارةً، وأحكَمِها صُنعًا، فإذا انضَمَّ بَعضُها إلى بعضٍ لم يكُنْ بينَها فُرجةٌ ولا خَلَلٌ، كُلُّ هذا بغيرِ مِقياسٍ ولا آلةٍ، وتلك مِن أثَرِ صُنعِ اللهِ، وإلهامِه إيَّاها، وإيحائِه إليها، كما قال تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا إلى قَولِه تعالى: لَآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ. فسَلِ المُعَطِّلَ مَن الذي أوحى إليها أمْرَها، وجعَلَ ما جعَلَ في طِباعِها؟ ومَن الذي سَهَّلَ لها سُبُلَه ذُلُلًا مُنقادةً، لا تَستَعصي عليها، ولا تَستَوعِرُها، ولا تَضِلُّ عنها على بُعدِها، ومَن الذي هداها لِشَأنِها [793] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/248 - 249)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (20/236). ؟!

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
- قولُه: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً: فيه بِناءُ الجُملَةِ على المسنَدِ الفِعْليِّ؛ لإفادةِ التَّخصيصِ، أي: اللهُ لا غَيرُه أنزَل مِن السَّماءِ ماءً [794] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/197). ، وقولُه: وَاللَّهُ أَنْزَلَ تَكريرٌ لِمَا سبَق؛ تأكيدًا لمضمونِه، وتَوطِئةً لِمَا يَعقُبُه مِن أدلَّةِ التَّوحيدِ [795] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/123). .
- وفي قولِه: مِنَ السَّمَاءِ مَاءً تقديمُ المجرورِ على المنصوبِ؛ للتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ [796] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/123). .
2- قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ
- جملةُ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً معطوفةٌ على جملةِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، أي: كما كان القومُ يَسمَعون عِبرةً في إنزالِ الماءِ من السَّماءِ، لكم في الأنعامِ عِبرةٌ أيضًا؛ إذْ قد كان المخاطَبون- وهم المؤمِنون- القومَ الَّذين يَسمَعون. وضَميرُ الخطابِ لَكُمْ الْتِفاتٌ مِن الغَيبةِ، وتوكيدُها بـ (إنَّ) ولامِ الابتِداءِ كتَأكيدِ الجُملةِ قَبلَها [797] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/199). .
- قولُه: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ استِئْنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: كيف العِبرةُ؟ فقيل: نُسْقيكُم مِن بَينِ فَرثٍ ودَمٍ، أي: يَخلُقُ اللهُ اللَّبنَ وسَطًا بينَ الفَرْثِ والدَّمِ يَكتَنِفانِه، وبينَه وبينَهما برزَخٌ مِن قُدرةِ اللهِ لا يَبْغي أحَدُهما عليه بلَونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، بل هو خالِصٌ مِن ذلك كلِّه [798] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1336)، ((تفسير أبي حيان)) (6/556)، ((تفسير أبي السعود)) (5/124). .
- وفي قولِه: مِمَّا في بُطونِه أفرَد ضَميرَ الأنعامِ؛ مُراعاةً لِكَونِ اللَّفظِ مُفرَدًا؛ لأنَّ اسْمَ الجمعِ لفظٌ مُفرَدٌ؛ إذْ ليس مِن صِيَغِ الجُموعِ، فقد يُراعَى اللَّفظُ فيَأتي ضَميرُه مُفرَدًا، وقد يُراعى مَعناه فيُعامَلُ مُعامَلةَ الجُموعِ، كما في سورةِ (المؤمِنون) في قولِه: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا [المؤمنون: 21] بِجَمعِه مؤنَّثًا [799] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/201)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (1/1336)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 308). وقال ابنُ كثير: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أفردَ  هاهنا الضَّميرَ عودًا على معنى النَّعَمِ، أو الضَّميرُ عائِدٌ على الحيوانِ؛ فإنَّ الأنعامَ حَيواناتٌ، أي: نُسقيكم مِمَّا في بَطنِ هذا الحيوانِ. وفي الآية الأخرى: مِمَّا فِي بُطُونِهَا [المؤمنون: 21] ، ويجوزُ هذا وهذا، كما في قَولِه تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [المدثر: 54- 55] ، وفي قَولِه تعالى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ [النمل: 35-36] أي: المالُ). ((تفسير ابن كثير)) (4/580-581). . وفي هذا مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث أعاد في أحَدِ الموضِعَينِ ذِكْرَ المذكَّرِ، وفي الآخَرِ ذِكْرَ المؤنَّثِ، واللَّفظانِ سَواءٌ؛ ووَجهُ ذلك: أنَّ (الأنعامَ) في سورةِ (النَّحلِ) وإنْ أُطلِقَ لفظُ جَمعِها، فإنَّ المرادَ به بَعضُها؛ لأنَّ الدَّرَّ لا يَكونُ لِجَميعِها، وأنَّ اللَّبَنَ لِبَعضِ إناثِها، فكأنَّه قال: وإنَّ لكم في بعضِ الأنعامِ لَعِبرَةً نُسْقيكم ممَّا في بُطونِه؛ ولهذا ذهَب مَن ذهَب إلى أنَّه رُدَّ على النَّعَمِ؛ لأنَّه يُؤدِّي ما يؤدِّيه الأنعامُ مِن المعنى. وليس كذلك ذِكْرُها في سورةِ (المؤمِنون)؛ لأنَّه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون: 21، 22]، فأخبَر عَن النِّعَمِ التي في أصنافِ النَّعَمِ إناثِها وذُكورِها؛ فلَم يَحتمِلْ أن يُرادَ بها البعضُ كما كان في الأوَّلِ ذلك [800] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 852-853)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 162-163). .
- قولُه: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا (مِن) ابتدائيَّةٌ، لابتداءِ الغايةِ؛ لأنَّ بينَ الفَرْثِ والدَّمِ مَكانَ الإسقاءِ الَّذي مِنه يُبتَدَأُ؛ فهو صِلَةٌ لـ  نُسْقِيكُمْ ومُتعلِّقةٌ به، كقولِك: سَقيتُه مِن الحوضِ. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التَّأخيرُ يَبعَثُ للنَّفسِ شوقًا إلى المؤخَّرِ، موجِبًا لِفَضلِ تَمْكينِه عندَ وُرودِه عليها، لا سيَّما إذا كان المقدَّمُ مُتضمِّنًا لوصفٍ مُنافٍ لوصفِ المؤخَّرِ، كالَّذي نحنُ فيه؛ فإنَّ بينَ وَصْفَيِ المقدَّمِ والمؤخَّرِ تَنافِيًا وتَنائِيًا بحيث لا يتَراءى ناراهُما؛ فإنَّ ذلك ممَّا يَزيدُ الشَّوقَ والاستِشْرافَ إلى المؤخَّرِ [801] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/124)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/616- 617). . أو مَوْقِعُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ مَوقِعُ الصِّفةِ لـ لَبَنًا، قُدِّمَت عليه للاهتمامِ بها؛ لأنَّها مَوضِعُ العِبرةِ، فكان لها مَزيدُ اهتِمامٍ، وقد صارَتْ بالتَّقديمِ حالًا [802] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/201)، ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/616- 617). .
- ولَمَّا كانت المَشروباتُ مِن اللَّبَنِ وغَيرِه هي الغالِبةَ في النَّاسِ أكثَرَ مِنَ العَسَلِ، قَدَّمَ اللَّبَنَ وغَيرَه عليه، وقَدَّمَ اللَّبَنَ على ما بَعدَه؛ لأنَّه المُحتاجُ إليه كثيرًا [803] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/558). .
3- قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
- قولُه: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تَعلَّق قولُه: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ بمحذوفٍ تقديرُه: ونُسْقيكم مِن ثَمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ، أي: مِن عَصيرِها، وحُذِفَ لِدَلالةِ نُسْقيكم قَبلَه عليه. أو يتَعلَّقُ بـ تَتَّخِذُونَ، ويَجوزُ أن يَكونَ تَتَّخِذُونَ صِفةَ مَوصوفٍ محذوفٍ، تقديرُه: ومِن ثَمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ ثَمرٌ تتَّخِذون مِنه سَكَرًا ورِزقًا حسَنًا؛ لأنَّهم يَأكُلون بعضَها ويتَّخِذون مِن بَعضِها السَّكَرَ. ومِنْهُ مِن تكريرِ الظَّرفِ للتَّوكيدِ، وعلى هذا يَرجِعُ الضَّميرُ في مِنْهُ إلى المضافِ المحذوفِ الَّذي هو العصيرُ كما رجَع في قولِه تعالى: أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: 4] إلى الأهلِ المحذوفِ [804] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/616- 617)، ((تفسير أبي حيان)) (6/557)، ((تفسير أبي السعود)) (5/125). .
- وجملةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تكريرٌ لِتَعدادِ الآيةِ؛ لأنَّها آيةٌ مُستقِلَّةٌ [805] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/203). .
4- قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
- افتُتِحَتِ الجُمْلةُ بفِعْلِ أَوْحَى دونَ أن تُفتتَحَ باسْمِ الجَلالةِ مِثلَ جُملةِ وَاللَّهُ أَنْزَلَ؛ لِمَا في أَوْحَى مِن الإيماءِ إلى إلهامِ تلك الحشَرةِ الضَّعيفةِ تَدبيرًا عَجيبًا، وعَملًا مُتقَنًا، وهَندَسةً في الجِبِلَّةِ. وأُطلِقَ الوحيُ هنا على التَّكوينِ الخَفيِّ الَّذي أودعَه اللهُ في طبيعةِ النَّحلِ، بحيث تَنْساقُ إلى عمَلٍ مُنظَّمٍ مُرتَّبٍ بَعضُه على بعضٍ، لا يَختلِفُ فيه آحادُها؛ تَشبيهًا للإلهامِ بكلامٍ خفيٍّ يتَضمَّنُ ذلك التَّرتيبَ الشَّبيهَ بعمَلِ المتعلِّمِ بتَعليمِ المعلِّمِ، أو المؤتَمِرِ بإرشادِ الآمِرِ، الذي تَلقَّاه سِرًّا [806] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/204-205). .
- وفي قولِه: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَنْكيتٌ [807] التَّنكيتُ: هو أن يَقصِدَ المتكلِّمُ إلى شيءٍ بالذِّكرِ دونَ غيرِه ممَّا يَسُدُّ مَسَدَّه؛ لأجْلِ نُكتةٍ في المذكورِ تُرجِّحُ اختصاصَه بالذِّكر دون ما يَسُدُّ مَسدَّه. يُنظر: ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 499)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (27/151-152)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (2/55)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/399). ، وهو هُنا في قولِه: مِنَ الْجِبَالِ؛ إذْ مَعْنى (مِنْ) هُنا للتَّبعيضِ، وهي مُتعلِّقةٌ باتِّخاذِ البُيوتِ، ولم يَقُلْ: في الجِبالِ؛ لأنَّها لا تَبْني بُيوتَها في كلِّ جبلٍ وفي كلِّ شجرٍ وكلِّ ما يُعْرَشُ، فلم يَترُكْ لها الحُرِّيَّةَ في بِناءِ البُيوتِ، كأنَّه تعالى وَكَلَ الأكلَ إلى شَهوَتِها واختيارِها، فلم يَحجُرْ عليها فيه، وإنْ حجَر عليها في البيوتِ، وأُمِرَت باتِّخاذِها في بعضِ المواضِعِ دونَ بعضٍ؛ فلم يَكِلِ الأمرَ إلى شَهواتِها كما وَكَلَه إليها في قولِه: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وإنَّما خولِف ذلك وحَجَر عليها في المسكَنِ، ولم يَحجُرْ عليها في المأكَلِ؛ لأنَّ مَصلَحةَ الأكلِ على الإطلاقِ باستِمْراءِ مُشْتَهاها مِنه، وأمَّا البُيوتُ فلا تَحصُلُ مَصلَحتُها في كلِّ مَوضِعٍ؛ ولهذا المعنى دخَلَتْ ثُمَّ لِتَفاوُتِ الأمرِ بينَ الحَجْرِ عليها في اتِّخاذِ البيوتِ والإطلاقِ لها في تَناوُلِ الثَّمراتِ؛ فتوسُّط ثُمَّ لِتَفاوُتِ الحَجْرِ والإطلاقِ [808] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- الحاشية)) (1/1339)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/333). .
- وقَدَّمَ البُيوتَ مِن الجبالِ؛ لأنَّ أكثَرَ بُيوتِها في الجِبالِ، ثُمَّ في الأشجارِ وهي مِن أكثَرِ بُيوتِها، ثمَّ مِمَّا يَعرِشُ النَّاسُ وهي أقَلُّ بُيوتِها بينهم حيثُ يَعرِشونَ، وأمَّا في الجِبالِ والشَّجَرِ فبُيوتٌ عَظيمةٌ يُؤخَذُ منها مِن العَسَلِ الكثيرُ جِدًّا [809] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/248)، ((تفسير القاسمي)) (6/384). .
5- قوله تعالى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
- قولُه: ثُمَّ للتَّرتيبِ الرُّتْبيِّ؛ لأنَّ إلهامَ النَّحلِ للأكلِ مِن الثَّمراتِ يتَرتَّبُ عليه تَكوُّنُ العَسلِ في بُطونِها، وذلك أعلى رُتبةً مِن اتِّخاذِها البُيوتَ؛ لاخْتِصاصِها بالعَسلِ دونَ غيرِها مِن الحشَراتِ التي تَبْني البُيوتَ، ولأنَّه أعظَمُ فائدةً للإنسانِ، ولأنَّ مِنه قُوتَها الَّذي به بَقاؤُها. وسُمِّي امْتِصاصُها أكْلًا؛ لأنَّها تَقْتاتُه، فلَيس هو بِشُربٍ [810] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/207). .
- قولُه: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا فيه إضافةُ السُّبلِ إلى ربِّك؛ للإشارةِ إلى أنَّ النَّحلَ مُسخَّرةٌ لسُلوكِ تلك السُّبلِ لا يَعدِلُها عنها شيءٌ؛ لأنَّها لو لم تَسلُكْها لَاختَلَّ نِظامُ إفرازِ العسَلِ منها. وجُملةُ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُستأنَفةٌ استِئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ ما تَقدَّم مِن الخبَرِ عن إلهامِ النَّحلِ تلك الأعمالَ يُثيرُ في نفْسِ السَّامِعِ أن يَسأَلَ عن الغايةِ مِن هذا التَّكوينِ العَجيبِ، فيَكونُ مضمونُ جملةِ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ بيانًا لِما سأَل عنه. وهو أيضًا موضِعُ المِنَّةِ كما كان تَمامَ العِبْرةِ [811] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/208). .
- قولُه: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا استئنافٌ عُدِل به عن خِطابِ النَّحلِ؛ لِبَيانِ ما يَظهَرُ مِنها مِن تَعاجيبِ صُنعِ اللهِ تعالى الَّتي هي مَوضِعُ العبرةِ بعدَما أُمِرَت بما أُمِرَت [812] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/126). .
- في قولِه: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ الْتِفاتٌ مِن الخطابِ إلى الغَيبةِ، ولو جاء الكلامُ على النَّسقِ الأوَّلِ لقيلَ: مِن بُطونِكِ، وإنَّما صرَف الكلامَ هاهنا مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ لِفائدةٍ، وهي أنَّه ذَكَر للبَشرِ العَسلَ وأوصافَه وألوانَه المختلِفةَ، وأخبَرهم أنَّ فيه فَوائدَ شَتَّى لهم؛ لِيَلفِتَ انتِباهَهم إليه، ولو قال: (مِن بُطونِكِ) لَذَهَبَت تلك الفائدةُ التي أنتَجَها خِطابُ الغَيبةِ، وليس ذلك بخافٍ عن نقَدةِ الكَلامِ [813] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/332). . وقيل: لأنَّه محَلُّ الإنعامِ عليهم، والمقصودُ مِن خَلقِ النَّحلِ وإلهامه لأجْلِهم [814] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/245). .
- وقال: مِنْ بُطُونِهَا لأنَّ استحالةَ الأطعمةِ لا تكونُ إلَّا في البُطونِ، فيخرجُ بَعضُها من الفَمِ، كالرِّيقِ الدائِمِ الذي يخرُجُ مِن فَمِ ابنِ آدمَ، فالنَّحلُ تُخرِجُ العسَلَ مِن بُطونِها إلى أفواهِها [815] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/210، 211). .
- في قولِه: فِيهِ شِفَاءٌ: تنكيرُ شِفَاءٌ؛ إمَّا لِتَعظيمِ الشِّفاءِ الَّذي فيه، فيَكونُ المعنى: فيه شِفاءٌ أيُّ شِفاءٍ، وإمَّا لِدَلالَتِه على مُطلَقِ الشِّفاءِ، أي: فيه بعضُ الشِّفاءِ، وكِلاهُما مُحتمِلٌ؛ لأنَّه مِن جُملةِ الأشفِيَةِ والأدويَةِ المشهورةِ النَّافعةِ، وليس الغرَضُ أنَّه شفاءٌ لكلِّ مَريضٍ، كما أنَّ كلَّ دَواءٍ كذلك؛ فنَكَّر قولَه: فِيهِ شِفَاءٌ ولم يَقُلْ: (فيه الشِّفاءُ لكلِّ النَّاسِ)؛ فاندَفَع الاعتِراضُ بأنَّ كَثيرينَ يَأكُلون العَسَلَ ولا يُشفَوْن ممَّا ألَمَّ بهِم، فيُلاحَظُ أنَّ النَّكِرةَ في سياقِ الإثباتِ لا تُفيدُ العُمومَ [816] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/619)، ((تفسير أبي حيان)) (6/561)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/332- 333). .
- وفي قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ...، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مُناسَبةٌ حسَنةٌ؛ حيث قال: يَسْمَعُونَ في الأُولى، ويَعْقِلُونَ في الثَّانيةِ، ويَتَفَكَّرُونَ في الثَّالثةِ؛ ووجهُ ذلك: أنَّه إنَّما ذكَر يَسْمَعُونَ في الأُولى توبيخًا لِمَن أنكَر البَعثَ، واستَبْعَدَ الحياةَ الثَّانيَةَ، فكأنَّه قيل له: إنَّ ذلك قبلَ التَّدبُّرِ مُقرَّرٌ في أوَّلِ العَقلِ حتَّى إنَّ مَن يَسمَعُه يَعترِفُ به، وهو أنَّ الأرضَ المَيْتةَ يُحْييها اللهُ تعالى بماءِ السَّماءِ، فتَعودُ حَيَّةً بنَباتِها، فكذلك لا يُستنكَرُ أن يُحيِيَ الخَليقةَ بعدَ موتِها. وأمَّا اختِصاصُ الثَّانيةِ بقَولِه: يَعْقِلُونَ؛ فلأنَّه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، والفَرْثُ والدَّمُ لا يَنعصِرُ مِنه ما يَسوغُ للشَّارِبِ، والدَّمُ أحمَرُ، فيُحوَّلُ بقُدرةِ اللهِ تعالى لبَنًا أبيَضَ طيِّبًا بَعدَ بُعدِه ممَّا استَحالَ عنه في اللَّونِ والطِّيبِ؛ ففيه عِبرةٌ لِمَن اعتَبَر، ولَمَّا قُرِن إليه ثَمراتُ النَّخيلِ والأعنابِ وما يتَحوَّلُ مِن عَصيرِهما إلى ما يُستَلذُّ، ويَجلِبُ ما يَسُرُّ سِوى طِيبِ رَطْبِها ويابِسِها؛ احْتاج ذلك إلى تَدبُّرٍ يُعقَلُ به صُنعُ صانِعٍ لا يَقدِرُ غيرُه عليه؛ فلذلك قال في الثَّانيةِ: يَعْقِلُونَ [817] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 850). . ولأنَّه لَمَّا كان مُفتَتَحُ الكَلامِ: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً، ناسَبَ الختْمُ بِقَولِه: يَعْقِلُونَ؛ لأنَّه لا يَعتبِرُ إلَّا ذَوُو العُقولِ [818] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/558). . وأمَّا اختِصاصُ الثَّالثةِ بقَولِه: يَتَفَكَّرُونَ؛ فلأنَّ التَّفكُّرَ استِعْمالُ الفِكرِ حالًا بعدَ حالٍ، وفي النَّحلِ عَجائِبُ مِن صُنعِ اللهِ تعالى وهي أشياءُ تَقتَضي فِكرًا بعدَ فكرٍ، ونظرًا بعدَ نظَرٍ؛ فلِذلك عُقِّبَت بقولِه: يَتَفَكَّرُونَ [819] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 850-852). ، فاختِيرَ وَصفُ (التفكُّر) هنا؛ لأنَّ الاعتبارَ بتَفصيلِ ما أجمَلَتْه الآيةُ في نظامِ النَّحلِ مُحتاجٌ إلى إعمالِ فِكرٍ دَقيقٍ، ونظَرٍ عميقٍ [820] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/210). .