موسوعة التفسير

سورةُ يس
الآيات (71-76)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ

غَريبُ الكَلِماتِ:


أَنْعَامًا: أي: بَهائِمَ مِن إبلٍ وبقَرٍ وغَنَمٍ، وأصلُ (نعم): يدُلُّ على ترفُّهٍ، وطِيبِ عَيشٍ؛ لِما فيه مِن الخَيرِ والنِّعمةِ [805] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 461)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/447)، ((المفردات)) للراغب (ص: 815). .
وَذَلَّلْنَاهَا: أي: سَخَّرْناها، وأصلُ (ذلل): يدُلُّ على خُضوعٍ [806] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/482)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/345)، ((المفردات)) للراغب (ص: 330)، ((تفسير القرطبي)) (15/55). .
رَكُوبُهُمْ: أي: ما يَرْكَبون، والرُّكوبُ -بالضمِّ-: هو الفِعلُ [807] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/165)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 368)، ((تفسير ابن جرير)) (19/483)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 240)، ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 274). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مذكِّرًا المشركينَ ببعضِ النِّعمِ الَّتي أسبَغها عليهم: أوَلم يَرَ أولئك المُشرِكونَ أنَّا خلَقْنا لهم أنعامًا كثيرةً مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فهم يَتصَرَّفون فيها تصَرُّفَ المالِكِ في مِلكِه؟ وسَخَّرْناها لهم فلا تَمتنِعُ منهم في رُكوبِها ولا ذَبحِها للأكلِ، ولهم فيها مَنافِعُ أُخرى ومَشارِبُ، فيَشرَبون مِن ألبانِها؛ أفلا يَشكُرونَ اللهَ على تلك النِّعَمِ؟! فلم يُقابِلوا نِعَمَنا عليهم بالشُّكرِ، وإنَّما قابَلوها بالجُحودِ والبَطَرِ؛ فقد ترَكوا عبادتَنا، واتَّخَذوا مِن دونِنا آلهةً؛ رَجاءَ نُصرتِها لهم!
لا تستطيعُ آلهتُهم هذه نَصْرَهم والحالُ أنَّ هؤلاء المشركين جندٌ مُحضَرونَ لهذه الآلهةِ، فكيف تَنصُرُهم وهي لا تَنصُرُ نَفْسَها؟!
ثمَّ يُسلِّي الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقولُ: فلا يَحزُنْك قَولُهم وخَوْضُهم في شأنِك -يا محمَّدُ- وكُفرُهم باللهِ وتكذيبُهم؛ إنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَه وما يُعلِنونَه، وسنُجازيهم عليه.

تَفسيرُ الآياتِ:


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أنِ انْقَضَى إبطالُ مَعاقِدِ شِركِ المشركينَ؛ أخَذَ الكلامُ يَتطرَّقُ غرَضَ تَذكيرِهم بنِعَمِ اللهِ تعالى عليهم، وكيف قابَلوها بكُفرانِ النِّعمةِ، وأعْرَضوا عن شُكرِ المنعِمِ وعِبادتِه [808] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/67). .
وأيضًا فهي عَطفٌ على قَولِه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [يس: 31] ، فذاك استِعطافٌ إلى توحيدِه بالتَّحذيرِ مِن النِّقَمِ، وهذا بالتَّذكيرِ بالنِّعَمِ [809] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/172). .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71).
أي: أوَلم يَرَ المُشرِكونَ أنَّا خلَقْنا لهم أنعامًا مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فهم يتصَرَّفونَ فيها كيف شاؤوا [810] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/482)، ((تفسير ابن كثير)) (6/592)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/68). ؟!
وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان المِلْكُ لا يَستلزِمُ الطَّواعيَةَ؛ قال تعالى [811] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/173). :
وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72).
أي: وسَخَّرْنا هذه الأنعامَ مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وجعَلْناها مَقهورةً مُنقادةً لهم، فلا تمتَنِعُ منهم؛ فمنها ما يركَبونَ -كالإبِلِ، يُسافِرونَ عليها-، ويأكُلونَ مِن لحومِها [812] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/483)، ((تفسير القرطبي)) (15/55، 56)، ((تفسير ابن كثير)) (6/592)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 271). .
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر: 79، 80].
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73).
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ.
أي: ولهم في الأنعامِ مَنافِعُ كَثيرةٌ؛ فيَتَّخِذونَ منها لِباسًا وأثاثًا مِن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها، ويَنتَفِعونَ بنَسْلِها ورُكوبِها، والحَملِ عليها والحِراثةِ بها، والتَّغذِّي منها والتَّزيُّنِ بها، وبَيْعِها... وغيرِ ذلك مِن المنافِعِ، ولهم فيها أيضًا مَشارِبُ، فيَشرَبونَ مِن أنواعِ ألبانِها [813] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/483)، ((تفسير القرطبي)) (15/56)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/234)، ((تفسير ابن كثير)) (6/592)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699). .
أَفَلَا يَشْكُرُونَ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانت هذه الأشياءُ مِن العَظَمةِ بمكانٍ -لو فقَدَها الإنسانُ لتكدَّرَت مَعيشتُه- سَبَّب عن ذلك استِئنافَ الإنكارِ عليهم في تخَلُّفِهم عن طاعتِه، بقَولِه [814] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/174). :
أَفَلَا يَشْكُرُونَ.
أي: أفلا يَشكُرونَ اللهَ على تلك النِّعَمِ العَظيمةِ، فيَعبُدوه وحْدَه ويُطيعوه [815] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/483)، ((تفسير القرطبي)) (15/56)، ((تفسير ابن كثير)) (6/592)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699). ؟
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَّرَهم نِعَمَه، وحذَّرَهم نِقَمَه؛ عجَّب منهم في سُفولِ نَظَرِهم، وقُبحِ أثَرِهم، فقال مُوَبِّخًا ومُقَرِّعًا، ومُبَكِّتًا ومُعَجِّبًا مِن زيادةِ ضَلالِهم [816] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/174). :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74).
أي: مع كُلِّ هذه الآياتِ والنِّعَمِ الإلهيَّةِ اتَّخذَ المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ مَعبوداتٍ؛ رَجاءَ نُصرتِها لهم [817] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/484)، ((تفسير القرطبي)) (15/56)، ((تفسير ابن كثير (6/593)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/70، 71). !
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75).
أي: لا تَستطيعُ آلهةُ المُشرِكينَ نَصْرَ عابِديها، والحالُ أنَّ هؤلاء المشركينَ جُندٌ مُحضَرونَ لهذه الآلهةِ [818] ممَّن اختار المعنى المذكورَ، وهو أنَّ المُشركين في الدُّنيا جُندٌ مُحضَرون لآلهتِهم: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، والقرطبي، وابنُ جُزَي، وابنُ القيم، والبِقاعي، والشوكاني، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/585)، ((تفسير ابن جرير)) (19/484، 485)، ((تفسير السمرقندي)) (3/132)، ((تفسير القرطبي)) (15/57)، ((تفسير ابن جزي)) (2/186)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/40)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/175)، ((تفسير الشوكاني)) (4/439)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 283، 284). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، والحسَنُ في روايةٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/485)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/73). قال القرطبي: (قال الحسَنُ: يَمْنعونَ منهم، ويَدْفَعونَ عنهم. وقال قَتادةُ: أي: يَغضبونَ لهم في الدُّنيا. وقيل: المعنَى أنَّهم يَعبُدونَ الآلهةَ ويَقومونَ بها، فهم لها بمنزلةِ الجُندِ، وهي لا تستطيعُ أنْ تَنصُرَهم. وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ مُتقارِبةُ المعنَى). ((تفسير القرطبي)) (15/57). وقيل: الضَّميرُ الأوَّلُ (هم) للأصنامِ، والثاني لَهُمْ للكُفَّارِ، أي: يُحضَرونَ لهم في الآخرةِ عندَ الحسابِ، على جِهةِ التَّوبيخِ والنِّقمةِ. وممَّن اختاره: أبو حيَّان. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/83). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: مجاهِدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/484). قال ابنُ عاشور: (ضَميرُ وَهُمْ يجوزُ أن يعودَ إلى آَلِهَةً تبعًا لضميرِ لَا يَسْتَطِيعُونَ. وضَميرُ لَهُمْ للمُشرِكين، أي: والأصنامُ للمُشرِكين جندٌ مُحضَرون، والجندُ: العدَدُ الكثيرُ. والمُحضَرُ: الَّذي جيءَ به لِيَحضُرَ مَشهدًا. والمعنى: أنَّهم لا يَستطيعون النَّصرَ مع حضورِهم في موقِفِ المُشركينَ لمُشاهَدةِ تعذيبِهم، ومع كَونِهم عددًا كثيرًا، ولا يَقدِرونَ على نصرِ المتمسِّكينَ بهم، أي: هم عاجِزون عن ذلك، وهذا تأييسٌ للمُشركين مِن نفْعِ أصنامِهم. ويجوزُ العكسُ، أي: والمُشركون جُندٌ لأصنامِهم، مُحضَرون لخِدمتِها. ويجوزُ أن يكونَ هذا إخبارًا عن حالِهم مع أصنامِهم في الدُّنيا وفي الآخرةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/71). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/532). ؛ فكيف تَنصُرُهم وهي لا تَنصُرُ نَفْسَها [819] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/484، 485)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/593)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/175)، ((تفسير القاسمي)) (8/195)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/71)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 283، 284). ؟!
فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَما رَدَّ على الكافرينَ قولَهم بأنَّ النَّبيَّ شاعرٌ؛ أتَى بقولِه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا تَسليةً للنَّبيِّ صَلواتُ اللهِ عليه، يعني: لك التَّأسِّي بربِّك؛ فإنَّه تعالى أراهم تلك الآياتِ الباهرةَ، وأَولاهم تلك النِّعَمَ المُتظاهِرةَ، وعَلِموا أنَّه المتفرِّدُ بها، ومع ذلك كابَروا وعانَدوا واتَّخذوا مِن دُونِه آلهةً أشْرَكوها به في العبادةِ؛ فإذا كان كذلك فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ؛ لأنَّا مُجازوهم على تَكذيبِهم إيَّاك، وإشراكِهم بي [820] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/93). .
فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ.
أي: فلا يَحزُنْك -يا محمَّدُ- قولُ هؤلاءِ المُشرِكينَ لك: إنَّك شاعِرٌ، ومجنونٌ، وكاهِنٌ -إلى غيرِ ذلك ممَّا يَقْدَحون به في نُبوَّتِك-، ولا كُفْرُهم باللهِ وباليَومِ الآخِرِ، وتكذيبُهم بآياتِ اللهِ [821] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/485)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/53)، ((تفسير القرطبي)) (15/57)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). !
إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان عِلمُ القادِرِ بما يَعمَلُ عَدُوُّه سببًا لأخْذِه؛ علَّل ذلك بقَولِه، مُهَدِّدًا بمَظهرِ العَظَمةِ [822] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/176). :
إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
أي: إنَّا نَعلَمُ جميعَ ما يُسِرُّه المُشرِكونَ، ونَعلَمُ جميعَ ما يُعلِنونَه، وسنُجازيهم على جميعِ ذلك [823] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/485)، ((تفسير القرطبي)) (15/57)، ((تفسير ابن كثير)) (6/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 699)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
كما قال تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل: 23].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


 في قَولِه تعالى: أَفَلَا يَشْكُرُونَ وُجوبُ شُكْرِ اللهِ تعالى على هذه النِّعَمِ؛ ووجْهُه: أنَّه وَبَّخَ مَن لم يَشكُرْ، ولا توبيخَ إلَّا على فِعلِ مُحَرَّمٍ أو تَركِ واجبٍ، وشُكرُ المُنعِمِ كما دَلَّ عليه الشَّرعُ فقد دَلَّ عليه العَقلُ؛ فإنَّ كُلَّ إنسانٍ مَدينٌ لِمَن أنعَمَ عليه أنْ يَشكُرَه بحَسَبِ ما تقتَضيه الحالُ؛ ولهذا جاء في الحديثِ الصَّحيحِ [824] أخرجه أبو داود (1672) واللفظ له، والنسائي (2567)، وأحمد (5365) من حديث عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما. صحَّحه النووي في ((المجموع)) (6/245)، وابن حجر -كما في ((الفتوحات الربانية)) لابن علان (5/250)-، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1672)، وصحح إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/300)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (7/195)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (5365). : ((مَن صَنَعَ إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تجِدوا ما تُكافِئونَه فادعُوا له حتَّى تَرَوا أنَّكم كافأتُموه) ) [825] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 278). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: خَلَقْنَا لَهُمْ أنَّ هذه الأنعامَ مِلكٌ لنا نَنتَفِعُ بها بجَميعِ وُجوهِ الانتفاعاتِ؛ لأنَّها ما دامتْ لنا فنحن فيها أحرارٌ، إلَّا ما قام الدَّليلُ على مَنْعِه، ويَتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أنَّه يجوزُ أنْ نركَبَ ما لم تَجْرِ العادةُ برُكوبِه، مثلُ: أنْ نركَبَ البقرَ؛ ومِن الفُقَهاءِ مَن قال: يجوزُ الانتِفاعُ بهذه الحيواناتِ في غيرِ ما خُلِقَت له [826] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 262). أمَّا الحديثُ الَّذي أخرجه البخاري (3471) مِن حديث أبي هُريرةَ رضيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((بَيْنا رجُلٌ يَسوقُ بقرةً إذ رَكِبَها فضَرَبَها، فقالت: إنَّا لم نُخْلَقْ لهذا، إنَّما خُلِقْنا للحَرْثِ)) فقد استُدِلَّ به على أنَّ الدَّوابَّ لا تُستعمَلُ إلَّا فيما جرَتِ العادةُ باستِعمالِها فيه. يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/120)، ((المُفْهِم لِما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم)) للقرطبي (6/245). لكن قال ابنُ حجر: (ويحتملُ أن يكونَ قولُها: «إنَّما خُلِقْنا للحَرْثِ» للإشارةِ إلى مُعْظَمِ ما خُلِقَتْ له، ولم تُرِدِ الحصرَ في ذلك؛ لأنَّه غيرُ مُرادٍ اتفاقًا؛ لأنَّ مِن أجَلِّ ما خُلِقَتْ له أنَّها تُذبَحُ وتُؤكَلُ بالاتِّفاقِ). ((فتح الباري)) (6/518). وقال المَرْداوي: (يجوزُ الانتفاعُ بالبهائمِ في غيرِ ما خُلِقَتْ له؛ كالبقرِ للحملِ أو الرُّكوبِ، والإبلِ والحميرِ للحَرْثِ...؛ لأنَّ مُقتضى المِلْكِ جوازُ الانتفاعِ به فيما يُمْكِنُ، وهذا مُمْكِنٌ كالَّذي خُلِق له وجرَتْ به عادةُ بعضِ النَّاسِ). ((الإنصاف)) (9/306). .
2- في قَولِه تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا صِحَّةُ نِسبةِ العمَلِ إلى اللهِ، لكنْ لا يُسمَّى اللهُ بالعامِلِ، كما لا يُسمَّى بالصَّانعِ أخذًا مِن قَولِه: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] ؛ وذلك لأنَّ بابَ الخَبرِ أوسعُ مِن بابِ الإنشاءِ والتَّسميةِ؛ فيجوزُ أنْ نَشتَقَّ مِن كلِّ اسمٍ صِفةً، ولا يجوزُ أنْ نَشتقَّ مِن كلِّ صفةٍ اسمًا؛ ولهذا نقول: «الصِّفاتُ أوسَعُ مِن الأسماءِ»، أي: بابُ صفاتِ اللهِ أوسَعُ مِن بابِ الأسماءِ؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ مُتضَمِّنٌ لصِفةٍ، وليس كلُّ صفةٍ تَتضَمَّنُ اسمًا [827] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 261). .
3- في قَولِه تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا إثباتُ اليدِ للهِ عزَّ وجلَّ، وهذه اليدُ الَّتي أضافها تعالى إلى نَفْسِه يدٌ حقيقيَّةٌ ثابتةٌ، ولكنْ بدونِ أنْ تكونَ مُماثِلةً لأيدي المخلوقينَ [828] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 261). قال ابن عثيمين: (إنَّ المرادَ باليدِ هنا نفْسُ الذَّاتِ الَّتي لها يدٌ، وقد قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]، أي: بما كسَبوا، سواءٌ كان مِن كسبِ اليدِ أو الرِّجْلِ أو اللِّسانِ أو غيرِها مِن أجزاءِ البدَنِ، لكنْ يُعَبَّرُ بمِثلِ هذا التَّعبيرِ عن الفاعلِ نفْسِه. ولهذا نقولُ: إنَّ الأنعامَ لم يَخلُقْها اللهُ تعالى بيَدِه، وفَرْقٌ بيْنَ قولِه: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا، وبيْن قولِه: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ؛ فـ: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا كأنَّه قال: ممَّا عَمِلْنا؛ لأنَّ المرادَ باليدِ ذاتُ الله الَّتي لها يدٌ، والمرادُ بـ بِيَدَيَّ: اليَدانِ دونَ الذَّاتِ). ((شرح العقيدة الواسطية)) (1/302). ويُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (1/7). ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/271). وقال ابنُ القيِّم أيضًا: (لفظُ اليَدِ جاء في القرآنِ على ثلاثةِ أنواعٍ: مُفردًا، ومُثنًّى، ومجموعًا؛ فالمفردُ كقَولِه: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: 1] ، والمُثَنَّى كقَولِه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، والمجموعُ كقَولِه: عَمِلَتْ أَيْدِينَا؛ فحيث ذَكَر اليَدَ مُثَنَّاةً أضاف الفِعلَ إلى نفْسِه بضميرِ الإفرادِ، وعَدَّى الفِعلَ بالباءِ إليهما، فقال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، وحيث ذكَرَها مجموعةً أضاف العمَلَ إليها ولم يُعَدِّ الفِعلَ بالباءِ؛ فهذه ثلاثةُ فُروقٍ، فلا يحتمِلُ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] مِن المجازِ ما يحتَمِلُه عَمِلَتْ أَيْدِينَا؛ فإنَّ كُلَّ أحدٍ يَفهَمُ مِن قَولِه: عَمِلَتْ أَيْدِينَا ما يَفهَمُه مِن قَولِه: عَمِلْنا وخلَقْنا، كما يُفهَمُ ذلك مِن قَولِه: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30]. وأمَّا قولُه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] فلو كان المرادُ منه مجرَّدَ الفِعلِ لم يكُنْ لذِكرِ اليدِ بعدَ نِسبةِ الفعلِ إلى الفاعلِ معنًى، فكيفَ وقد دخَلتْ عليها الباءُ، فكيفَ إذا ثُنِّيتْ؟! وسرُّ الفرقِ أنَّ الفعلَ قد يُضافُ إلى يدِ ذي اليدِ، والمرادُ الإضافةُ إليه، كقولِه: بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ [الحج: 10] ، فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30] . وأمَّا إذا أُضِيف إليه الفعلُ ثمَّ عُدِّيَ بالباءِ إلى يدِه مُفرَدةً أو مُثَنَّاةً فهو ما باشَرتْه يدُه). ((الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة)) (1/268). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/45). !
4- إذا قيل: إنَّ لله أكثَرَ مِن يَدَينِ؛ لقولِه تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا، فـ أَيْدِينَا هنا جَمْعٌ، فلْنَأخُذْ بهذا الجَمْعِ، لأنَّنا إذا أخَذْنا بالجَمعِ أخَذْنا بالمُثَنَّى وزيادة، فما الجوابُ؟
الجواب: أنَّ الله ليس له إلَّا يَدانِ اثنَتانِ، كما ثبتَ ذلك بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
ففي الكتابِ: قال تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 57] ، وقال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] .
وأمَّا السُّنَّةُ: فإنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: ((يَأخُذُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سَمواتِه وأرَضِيه بِيَدَيْه)) [829] أخرجه مسلم (2788). ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((كِلْتَا يَدَيْهِ يمينٌ )) [830] أخرجه مسلم (1827). .
وأجمَعَ السَّلفُ على أنَّ لله يدَينِ اثنتَينِ فقط بدونِ زيادةٍ. فيكف نجمعُ بيْن هذا وبيْن قولِه: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا؟!
فنقولُ: الجَمْعُ على أحدِ الوجهَينِ:
فإمَّا أن نقولَ بما ذهب إليه بعضُ العلماءِ مِن أنَّ أقَلَّ الجَمعِ اثنانِ؛ وعليه فـ أَيْدِينَا لا تدُلُّ على أكثَرَ مِنِ اثنتَينِ، يعني: لا يَلزَمُ أن تدُلَّ على أكثَرَ مِنِ اثنَينِ، وحينَئذٍ تُطابِقُ التَّثنيةَ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] ، ولا إشكالَ فيه.
وإمَّا أن نقولَ: إنَّ المرادَ بهذا الجَمعِ التَّعظيمُ، تعظيمُ هذه اليدِ، وليس المرادُ أنَّ لله تعالى أكثَرَ مِنِ اثنتَينِ [831] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/302). .
5- في قَولِه تعالى: فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ إشارةٌ إلى إتمامِ الإنعامِ في خَلقِ الأنعامِ؛ فإنَّه تعالى لو خلَقَها ولم يُملِّكْها الإنسانَ ما كان ينتفِعُ بها [832] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/306). !
6- في قَولِه تعالى: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ بيانُ نِعمةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى علينا بتذليلِ هذه الأنعامِ، ولو استعصَتْ علينا ما تَمكَّنَّا مِن الانتِفاعِ بها [833] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 272). .
7- في قَولِه تعالى: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ بيانُ أنَّ أفعالَ المخلوقاتِ مخلوقةٌ للهِ، لكِنَّها مَفعولةٌ للفاعِلِ مُباشَرةً؛ فهي تُنسَبُ لله عزَّ وجلَّ تقديرًا وخَلْقًا، وتُنسَبُ إلى الفاعلِ كَسبًا وعَمَلًا؛ فهذه الإبِلُ المُذَلَّلةُ: الَّذي ذَلَّلَها هو اللهُ، إذَنْ أفعالُها صادرةٌ بخَلقِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المذهَبُ الصَّحيحُ في هذه المسألةِ؛ مَسألةِ أفعالِ العبادِ: هل هي مخلوقةٌ للهِ، أو هي للعِبادِ استِقلالًا [834] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 272). ؟
8- في قَولِه تعالى: وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ أنَّه يجوزُ تعذيبُ الحيوانِ إذا لم تَتِمَّ المصلحةُ إلَّا به؛ لأنَّ الأكلَ مصلحةٌ؛ ولكنْ لا أكلَ إلَّا بعدَ الذبحِ، والذَّبحُ مِن أعظَمِ ما يكونُ مِن الإيذاءِ، ولأنَّ الشَّرعَ جاء بإباحةِ وَسْمِ البهائمِ بالنَّارِ [835] لكنَّ ذلك في غيرِ الوجهِ، قال النَّوويُّ: (وأمَّا الوَسْمُ في الوَجهِ فمَنهيٌّ عنه بالإجماعِ؛ للحديثِ ...). ((شرح النووي على مسلم)) (14/97). ويُنظر ما أخرجه مسلم (2116)، (2118). مِن أجْلِ حِفْظِ مالِيَّتِها، ولأنَّ الشَّرعَ جاء بمشروعيَّةِ إشعارِ الإبلِ والبقرِ في الهَدْيِ لِيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ، وإشعارُها هو شَقُّ صفحةِ سَنامِها حتَّى يَسيلَ منها الدَّمُ، وعلى هذا إذا احْتَجْنا إلى تعذيبِ الحيوانِ مِن أجْلِ حِفظِ مالِيَّتِه أو غيرِ ذلك، فإنَّه لا بأسَ به، كنَتْفِ مُقَدَّمِ أجنحةِ الحمامِ لئلَّا يطيرَ؛ حتَّى يأْلَفَ المكانَ [836] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 277). .
9- في قَولِه تعالى: وَمَشَارِبُ حِلُّ ألبانِ هذه البهائمِ [837] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 278). .
10- في قَولِه تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قد يُقالُ: إنَّ الفائدةَ مِن التَّعبيرِ بقَولِه: مِنْ دُونِ اللَّهِ مع أنَّهم يَألَهونَ اللهَ تعالى ويَألَهونَ الأصنامَ: هي أنَّ الإنسانَ إذا اتَّخَذَ شَريكًا مع اللهِ فإنَّ اللهَ تعالى يَترُكُه وشِرْكَه، وكأنَّه لم يَألَهِ اللهَ تعالى، كما جاء في الحديثِ القُدسيِّ الصَّحيحِ [838] أخرجه مسلم (2985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. : أنَّ اللهَ تعالى قال: ((أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عن الشِّركِ؛ مَن عَمِلَ عَمَلًا أشركَ فيه معي غيري ترَكْتُه وشِرْكَه )) [839] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 279). .
11- في قَولِه تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً صِحَّةُ إطلاقِ الإلهِ على غيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولكنْ هل هذه الآلهةُ حقٌّ؟ الجوابُ: لا، هي آلهةٌ باطِلةٌ؛ لِقَولِ اللهِ تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: 62] ، فهي وإنْ سَمَّوها آلهةً، وعَبَدوها كما يَعبُدونَ الرَّبَّ عزَّ وجلَّ، فإنَّها لن تكونَ آلهةً إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [840] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 284). [النجم: 23] .
12- في قَولِه تعالى: لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أنَّ الإنسانَ المُبطِلَ لا بُدَّ أنْ يَتعلَّقَ بشَيءٍ يُبرِّرُ به باطِلَه، وهو هنا رَجاءُ النَّصرِ [841] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 284). .

 بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ تَذكيرٌ لهم بنِعَمِ اللهِ تعالى عليهم، وكيف قابَلوها بالكُفرانِ، وأعْرَضوا عن شُكرِ المنعِمِ وعِبادتِه، واتَّخذوا لِعِبادتِهم آلهةً؛ زَعمًا بأنَّها تَنفَعُهم وتَدفَعُ عنهم، وأُدمِجَ في ذلك التَّذكيرُ بأنَّ الأنعامَ مَخلوقةٌ بقُدْرةِ اللهِ؛ فالجُملةُ مَعطوفةٌ على ما قبْلَها مِن إبطالِ مَعاقِدِ شِركِ المشركينَ عطْفَ الغرَضِ على الغرَضِ [842] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/67). .
- والاستِفهامُ في قولِه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا استِفهامُ إنكارٍ وتَعجُّبٍ مِن عدَمِ رُؤيةِ الكفَّارِ شواهدَ النِّعمةِ، فإنْ كانتِ الرُّؤيةُ قَلْبيَّةً، كان الإنكارُ جاريًا على مُقْتضَى الظَّاهرِ، وإنْ كانتِ الرُّؤيةُ بَصريَّةً، فالإنكارُ على خِلافِ مُقْتضى الظَّاهرِ بتَنزيلِ مُشاهَدتِهم تلك المذكوراتِ مَنزلةَ عَدمِ الرُّؤيةِ؛ لِعَدمِ جَرْيِهم على مُقْتضى العِلمِ بتلك المشاهَداتِ الَّذي يَنشَأُ عن رُؤيتِها ورُؤيةِ أحوالِها [843] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/67). .
- وفيه تَنبيهٌ بالاستِفهامِ لِقُريشٍ؛ لإعراضِها عن عِبادةِ اللهِ، وعُكوفِها على عِبادةِ الأصنامِ [844] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/82). .
- قولُه: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أي: ممَّا تَوَلَّيْنا عمَلَه، ولا يُمكِنُ لِغَيرِنا أنْ يَعمَلَه، وآثَرَ صِيغةَ التَّعظيمِ والأيدي مَجموعةً؛ لِيَدُلَّ على إبداعِ خلْقٍ عجيبٍ، وإبداعِ صُنعٍ غريبٍ فيه [845] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/27)، ((تفسير البيضاوي)) (4/273)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/90). .
- قولُه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا خَصَّ في ذلك الأنعامَ بالذِّكرِ؛ لأنَّها كانتْ جُلَّ أموالِهم، ونبَّه على ما يُجعَلُ لهم مِن مِنافعِها [846] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/82). .
- قولُه: أَنْعَامًا مَفعولُ خَلَقْنَا، وتأْخيرُه عن الجارَّينِ المتعلِّقَينِ به -لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ- مع أنَّ حقَّه التَّقدُّمُ عليهما؛ للاعتِناءِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ؛ فإنَّ ما حقُّه التَّقديمُ إذا أُخِّرَ تَبْقَى النَّفْسُ مُترقِّبةً له، فيَتمكَّنُ عندَ وُرودِه عليها فضْلَ تَمكُّنٍ، لا سيَّما عندَ كَونِ المقدَّمِ مُنبِئًا عن كَونِ المؤخَّرِ أمْرًا نافعًا خطيرًا، كما في النَّظمِ الكريمِ؛ فإنَّ الجارَّ الأوَّلَ المُعرِبَ عن كَونِ المؤخَّرِ مِن مَنافعِهم، والثَّانيَ المُفصِحَ عن كَونِه مِن الأُمورِ الخطيرةِ؛ يَزيدانِ النَّفْسَ شَوقًا إليه ورَغبةً فيه، ولأنَّ في تأْخيرِه جمْعًا بيْنَه وبيْنَ أحكامِه المُتفرِّعةِ عليه بقولِه تعالى: فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ الآياتِ الثَّلاثَ، أي: فمَلَّكْناها إيَّاهم [847] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/178). .
- وفي قولِه: فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ فُرِّعَ على خلْقِها للناسِ أنَّهم لها مالِكون قادرونَ على استعمالِها فيما يَشاؤون. وهذا إدماجٌ للامتنانِ في أثناءِ التَّذكيرِ [848] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/68). .
- وعُدِلَ عن أنْ يُقالَ: (فهمْ مالِكوها) إلى قولِه: فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ؛ لِيَتأتَّى التَّنكيرُ، فيُفِيدَ بتَعظيمِ المالِكينَ للأنعامِ الكِنايةَ عن تَعظيمِ المِلكِ، أي: بكَثرةِ الانتفاعِ، وهو ما أشار إليه تَفصيلًا وإجمالًا مِن قولِه تعالى: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ، إلى قولِه: وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ [849] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/69). .
- وجِيءَ بالجُملةِ الاسميَّةِ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ؛ لإفادةِ ثَباتِ هذا المِلكِ ودَوامِه [850] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/69). .
- واللَّامُ مُتعلِّقةٌ بـ مَالِكُونَ مُقوِّيةٌ لِعَمَلِه، أي: فهُم مالِكون لها بتَمليكِنا إيَّاها لهمْ، مُتصَرِّفون فيها بالاستِقلالِ، مُختصُّون بالانتفاعِ بها، لا يُزاحِمُهم في ذلك غيرُهم [851] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/178). .
- وأيضًا تَقديمُ لَهَا على مَالِكُونَ الَّذي هو مُتعلَّقُه؛ لِزِيادةِ استِحضارِ الأنعامِ عندَ السَّامِعينَ قبْلَ سَماعِ مُتعلَّقِه؛ لِيَقَعَ كِلاهما أمْكَنَ وَقْعٍ بالتَّقديمِ وبالتَّشويقِ، وقَضى بذلك أيضًا رِعايةُ الفاصلةِ [852] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/68، 69). .
- وفي خلالِ هذا الامتنانِ إدماجُ شَيءٍ مِن دَلائلِ الانفرادِ بالتَّصرُّفِ في الخلْقِ المبطِلةِ لإشراكِهم إيَّاه غيرَه في العِبادةِ؛ وذلك في قولِه: أَنَّا خَلَقْنَا، وقولِه: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا، وقولِه: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ، وقولِه: وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ؛ لأنَّ معناهُ: أودَعْنا لهمْ في أضْراعِها ألبانًا يَشرَبونها، وفي أبدانِها أوبارًا وأشْعارًا يَنتفِعون بها [853] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/67، 68). .
2- قولُه تعالى: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
- وقولُه: لَهُمْ هو مَحلُّ الامتِنانِ، أي: لِأجْلِهم؛ فإنَّ جميعَ المنافعِ الَّتي على الأرضِ خَلَقها اللهُ لِأجْلِ انتفاعِ الإنسانِ بها؛ تَكرِمةً له [854] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/67، 68). .
- قولُه: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ الفاءُ فيه لِتَفريعِ أحكامِ التَّذليلِ على التَّذليلِ وتَفصيلِها، أي: فبَعضٌ منها رَكوبُهم، أي: مَركوبُهم، أي: مُعظَمُ مَنافِعِها الرُّكوبُ، وعدَمُ التَّعرُّضِ للحمْلِ؛ لِكَونِه مِن تَتِمَّاتِ الرُّكوبِ [855] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/179). .
- وتَقديمُ المَجرورَينِ بـ (مِن) فَمِنْهَا وَمِنْهَا على ما حَقُّهما أنْ يَتأخَّرَا عنهما؛ لِزِيادةِ استِحضارِ الأنعامِ عندَ السَّامعينَ قبْلَ سَماعِ مُتعلَّقِه؛ لِيَقَعَ كلاهما أمكَنَ وَقْعٍ بالتَّقديمِ وبالتَّشويقِ، وقَضى بذلك أيضًا رِعايةُ الفاصلةِ [856] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/69). .
3- قولُه تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ بعْدَ أنْ ذَكَّرَهم بنِعَمِ اللهِ، فرَّعَ على هذا التَّذكيرِ والامتِنانِ قولَه: أَفَلَا يَشْكُرُونَ استِفهامًا تَعجُّبيًّا؛ لِتَرْكِهم تَكريرَ الشُّكرِ على هذه النِّعَمِ العِدَّةِ؛ فلذلك جِيءَ بالمُضارِعِ أَفَلَا يَشْكُرُونَ المفيدِ للتَّجديدِ والاستِمرارِ؛ لأنَّ تلك النِّعمَ مُتتاليةٌ مُتعاقبةٌ في كلِّ حينٍ، وإذ قد عُجِبَ مِن عَدَمِ تَكريرِهم الشُّكرَ، كانت إفادةُ التَّعجيبِ مِن عدَمِ الشُّكرِ مِن أصْلِه بالفَحوى [857] دَلالة الفَحوى أو فحوى الخطابِ: هو إثباتُ حكمِ المنطوقِ به للمسكوتِ عنه بطريقِ الأولَى، وهو نوعانِ: تنبيهٌ بالأقلِّ على الأكثرِ؛ كقولِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23] ؛ فإنَّه نبَّه بالنهيِ عن قولِ (أفٍّ) على النهيِ عن الشَّتمِ والضَّربِ وغيرِ ذلك. وتنبيهٌ بالأكثرِ على الأقلِّ؛ كقولِه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75] . يُنظر: ((تقريب الوصول إلى علم الأصول)) لابن جزي (ص: 163). ؛ ولذلك أعْقَبَه بقولِه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً [858] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/69، 70). [يس: 74] .
4- قولُه تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ المقصودُ مِن الإخبارِ باتِّخاذِهم آلهةً مِن دُونِ اللهِ: التَّعجُّبُ مِن جَرَيانِهم على خِلافِ حقِّ النِّعمةِ، ثمَّ مُخالَفةِ مُقْتضَى دَليلِ الوَحدانيَّةِ المُدمَجِ في ذِكرِ النِّعَمِ [859] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/70). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ أُظهِرَ اسمُ الجلالةِ هنا وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ، وأُظهِرَ كذلك في سُورةِ (مَريمَ): وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: 81] ، بَيْنَما أُضمِرَ في سُورةِ (الفرقانِ): وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان: 3] ؛ ووَجْهُ ذلك: أنَّ الإتيانَ باسمِ الجلالةِ العَلَمِ دونَ ضَميرٍ في قولِه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ؛ لِمَا يُشعِرُ به اسمُه العَلَمُ مِن عَظَمةِ الإلهيَّةِ؛ إيماءً إلى أنَّ اتِّخاذَهم آلهةً مِن دُونِه جَراءةٌ عظيمةٌ؛ لِيَكونَ ذلك تَوطئةً لقولِه بعْدَه: فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يس: 76] ، أي: فإنَّهم قالوا ما هو أشدُّ نُكْرًا، وأمَّا الإضمارُ في قولِه في سُورةِ (الفُرقانِ): وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؛ فلِأنَّه تَقدَّمَ ذِكرُ انفرادِه بالإلهيَّةِ صَريحًا مِن قولِه: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [860] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/70). ويُنظر أيضًا: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (1/1086). [الفرقان: 2] .
- قولُه: لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ وقَعَتْ (لعلَّ) فيه مَوقعًا غيرَ مأْلوفٍ؛ لأنَّ شأْنَ (لعلَّ) أنْ تُفِيدَ إنشاءَ رَجاءِ المتكلِّمِ بها، وذلك غيرُ مُستقيمٍ هنا، فيَتعيَّنُ: إمَّا أنْ يكونَ شُبِّهَ شأْنُ اللهِ فيما أخبَرَ عنهم بحالِ مَن يَرْجو مِن المخبَرِ عنْهم أنْ يَحصُلَ لهم خبَرُ (لعلَّ)، وذِكرُ حَرْفِ (لعلَّ) رَمزٌ لِرَديفِ المشبَّهِ به؛ فتَكون جُملةُ لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ مُعترِضةً بيْن آَلِهَةً وبيْن صِفَتِه، وهي جُملةُ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ، وإمَّا أنْ يكونَ الكلامُ جَرَى على معنى الاستِفهامِ، وهو استفهامٌ إنكاريٌّ أو تَهكُّميٌّ، والجُملةُ مُعترِضةٌ أيضًا. وإمَّا أنْ يُجعَلَ الرَّجاءُ مُنصرِفًا إلى رَجاءِ المخبَرِ عنهم، أي: راجينَ أنْ تَنصُرَهم تلك الآلهةُ، وعلى تَقديرِ قَولٍ مَحذوفٍ، أي: قائلينَ: لعلَّنا نُنصَرُ، وحُكِيَ يُنْصَرُونَ بالمعنى على أحَدِ وَجهينِ في حِكايةِ الأقوالِ، تقولُ: قال: أفعَلُ كذا، وقال: يَفعَلُ كذا، وتكون جُملةُ لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ استئنافًا للرَّدِّ عليهم. وإمَّا أنْ تَجعلَ (لعلَّ) للتَّعليلِ؛ فتكونَ جُملةُ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ استئنافًا، والمقصودُ الإشارةُ إلى أنَّ الكُفَّارَ يَزعُمون أنَّ الأصنامَ تَشفَعُ لهم عندَ اللهِ في أُمورِ الدُّنيا، وهمْ سالِكون في هذا الزَّعمِ مَسلَكَ ما يأْلَفونَه مِن الاعتزازِ بالمُوالاةِ والحِلْفِ بيْنَ القبائلِ والانتماءِ إلى قادتِهم، فبِمقدارِ كَثرةِ المَوالي تكونُ عِزَّةُ القبيلةِ، فقاسوا شُؤونَهم مع ربِّهم على شُؤونِهم الجاريةِ بيْنَهم، وقِياسُ أُمورِ الإلهيَّةِ على أحوالِ البَشرِ مِن أعمَقِ مَهاوي الضَّلالةِ [861] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/70، 71). !
5- قولُه تعالى: لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ استِئنافٌ سِيقَ لِبَيانِ بُطلانِ رأْيِهم، وخَيبةِ رَجائِهم، وانعكاسِ تَدبيرِهم [862] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/179). .
- وأُجْرِيَ على الأصنامِ ضَميرُ جمْعِ العُقلاءِ في قولِه: لَا يَسْتَطِيعُونَ ...؛ لأنَّهم سَمَّوْهم بأسماءِ العُقلاءِ، وزَعَموا لهم إدراكًا [863] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/71). .
- قوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي: والمشركون جُندٌ لأصنامِهم مُحْضَرون لخِدْمتِها. وقيل: ضَميرُ لَهُمْ للمُشركينَ، أي: والأصنامُ للمُشرِكين جُندٌ مُحضَرونَ، وهذا تأْييسٌ للمشركينَ مِن نفْعِ أصنامِهم. ويجوزُ أنْ يكونَ هذا إخبارًا عن حالِهم مع أصنامِهم في الدُّنيا وفي الآخرةِ [864] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/71). .
- قولُه: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ على القولِ بأنَّ الآلهةَ للكُفَّارِ جُندٌ فقد سمَّاهم جُندًا؛ إذ همْ مُعَدَّون للنِّقمةِ مِن عابِديهم وللتَّوبيخِ [865] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/83)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
- وفيه وَعيدٌ بعذابٍ لا يَجِدون منه مَلْجأً [866] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
6- قولُه تعالى: فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
- الفاءُ في قولِه: فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ لِتَرتيبِ النَّهيِ على ما قبْلَه، وهو عِبارةٌ عن خُسرانِهم، وحِرمانِهم عمَّا عَلَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ، وانعكاسِ الأمْرِ عليهم بتَرتيبِ الشَّرِّ على ما رتَّبوه لِرجاءِ الخَيرِ؛ فإنَّ ذلك ممَّا يُهوِّنُ الخَطْبَ، ويُورِثُ السَّلوةَ [867] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/179). .
- والنَّهيُ عن الحُزنِ في قولِه: فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ نَهْيٌ عن سَببِه؛ وهو اشتِغالُ بالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإعراضِهم عن قَبولِ الدِّينِ الحقِّ، وهو يَستلزِمُ الأمْرَ بالأسبابِ الصَّارفةِ للحُزنِ عن نفْسِه؛ مِن التَّسلِّي بعِنايةِ اللهِ تعالى، وعِقابِه مَن ناوَؤُه وعادَوه، واستِحضارِ صُورةِ حالِه وحالِهم في الآخِرةِ؛ حتَّى يَنقشِعَ عنه الهمُّ، ولا يُرهِقُه الحزنُ، وفي هذا تأْنيسٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والنَّهيُ وإنْ كان بحسَبِ الظَّاهرِ مُتوجِّهًا إلى قولِهم، لكنَّه في الحَقيقةِ مُتوجِّهٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَهيٌ له عليه السَّلامُ عن التَّأثُّرِ منه بطَريقِ الكِنايةِ على أبلَغِ وَجهٍ وآكَدِه [868] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/179). .
- والإضافةُ في قولِه: قَوْلُهُمْ مِن إضافةِ اسمِ الجِنسِ؛ فيَعُمُّ، أي: فلا تَحْزُنْك أقوالُهم في الإشراكِ، وإنكارِ البَعثِ، والتَّكذيبِ، والأذَى للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وللمُؤمنينَ؛ ولذلك حُذِفَ المَقولُ، أي: لا يَحْزُنْك قولُهم الَّذي مِن شأْنِه أنْ يَحْزُنَك [869] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
- قولُه: إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ تَعليلٌ للنَّهيِ عن الحُزنِ لِقَولِهم [870] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/29)، ((تفسير البيضاوي)) (4/274)، ((تفسير أبي السعود)) (7/179)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
- وأيضًا في قولِه: مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ تَعميمٌ؛ لِجَعْلِ التَّعليلِ تَذييلًا أيضًا [871] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/83)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). .
- وكذلك في قولِه: إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ كِنايةٌ عن مُؤاخَذتِهم بما يَقولون، أي: إنَّا مُحْصُون عليهم أقوالَهم، وما تُسِرُّه أنفُسُهم ممَّا لا يَجْهَرون به، فنُؤاخِذُهم بذلك كلِّه بما يُكافِئُه مِن عِقابِهم ونَصْرِك عليهم، ونحوِ ذلك [872] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/29)، ((تفسير البيضاوي)) (4/274)، ((تفسير أبي حيان)) (9/83)، ((تفسير أبي السعود)) (7/179، 180)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/72). ، وفيه مِن التَّهديدِ ما هو ظاهِرٌ؛ فاللهُ تعالى يَعلَمُ ما يُسِرُّونَه وما يُعلِنونَه، وسوف يُجازيهم على ذلك يومَ القيامةِ [873] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 288). .
- وتَقديمُ السِّرِّ على العَلَنِ في قولِه: إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ؛ إمَّا للمُبالَغةِ في بَيانِ شُمولِ عِلْمِه تعالى لِجَميعِ المعلوماتِ، وفي هذا المعنى لا يَختلِفُ الحالُ بيْن الأشياءِ البارزةِ والكامنةِ. وإمَّا لأنَّ مَرتبةَ السِّرِّ مُتقدِّمةٌ على مَرتبةِ العلَنِ؛ إذ ما مِن شَيءٍ يُعلَنُ إلَّا وهُو أو مَباديهِ مُضمَرٌ في القلْبِ قبْلَ ذلك؛ فتَعلُّقُ عِلْمِه تعالى بحالتِه الأُولى مُتقدِّمٌ على تَعلُّقِه بِحالتهِ الثَّانيةِ حَقيقةً، أو قدَّمَ السِّرَّ للاهتمامِ به [874] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/180)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/73). .