موسوعة التفسير

سورةُ الصَّافَّاتِ
الآيات (1-10)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ

غَريبُ الكَلِماتِ:

وَالصَّافَّاتِ: أي: الملائِكةِ المُصطفِّينَ لرَبِّهم في السَّماءِ، وأصلُ (صفف): يدُلُّ على استِواءٍ وتَساوٍ [5] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/492)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 301)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 486)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا: أي: الملائكةِ تَسوقُ السَّحابَ، أو تَزجُرُ وتَنهَى عن معصيةِ الله، وأصلُ (زجر): يدُلُّ على طَردٍ بصَوتٍ [6] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/493)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 301)، ((المفردات)) للراغب (ص: 378)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
فَالتَّالِيَاتِ: أي: الملائكةِ تَتْلو كلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وتَقرؤُه، وأصلُ (تلو): يدُلُّ على اتِّباعٍ [7] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/494)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 301)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/351)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
مَارِدٍ: أي: عاتٍ خارجٍ عن الطَّاعةِ، مُتعَرٍّ عن الخَيرِ، وأصلُ (مرد): يدُلُّ على تجريدِ الشَّيءِ مِن قِشرِه، أو ما يَعلوه مِن شَعَرِه، ومنه الماردُ والمريدُ، كأنَّه تَجَرَّد مِن الخيرِ [8] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/643)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/317)، ((المفردات)) للراغب (ص: 764)، ((تفسير القرطبي)) (15/65)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877). .
الْمَلَإِ الْأَعْلَى: أي: مَلائكةِ اللهِ، وأصلُ (ملأ): يدُلُّ على المُساواةِ والكمالِ، وأصلُ (علو): يَدُلُّ على السُّمُوِّ والارتِفاعِ [9] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/112) (5/346)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 874). .
دُحُورًا: أي: إبعادًا وطَردًا، وأصلُ (دحر): يدُلُّ على طَردٍ [10] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/505)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 224)، ((المفردات)) للراغب (ص: 308)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
وَاصِبٌ: أي: دائِمٌ مُستمِرٌّ، وأصلُ (وصب): يدُلُّ على دَوامِ الشَّيءِ [11] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (14/249)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/117)، ((المفردات)) للراغب (ص: 872)، ((تفسير القرطبي)) (15/66)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
خَطِفَ الْخَطْفَةَ: أي: اختلَسَ واستَرَقَ كلامَ الملائكةِ مُسارَقةً بسُرعةٍ وخِفَّةٍ، وأصلُ (خطف): يدُلُّ على أخْذِ الشَّيءِ بسُرعةٍ واستِلابٍ [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/508)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 211)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/196)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 351). .
شِهَابٌ: أي: كَوكَبٌ أو شُعلةٌ من النَّارِ، وأصلُ (شهب): يدُلُّ على بياضٍ في شَيءٍ مِن سوادٍ [13] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/220)، ((المفردات)) للراغب (ص: 465)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318). .
ثَاقِبٌ: أي: خارِقٌ مُضيءٌ شديدُ الإضاءةِ، يَثقُبُ بنُورِه وإضاءتِه ما يَقَعُ عليه، وأصلُ (ثقب): يدُلُّ على نَفاذِ الشَّيءِ [14] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 173، 465)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318). .

مُشكِلُ الإعرابِ:

قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ
قولُه تعالى: بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ الكواكبُ بَدَلٌ مِن (زِينَةٍ) أو عطْفُ بيانٍ، بمعنى: إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بزينةٍ هي الكواكبُ، كأنَّه قال: زَيَّنَّاها بالكواكبِ. وفي قراءةٍ بالإضافةِ: بِزِينَةِ الكَوَاكِبِ، على أنَّها بَيانيَّةٌ؛ لِمَا أنَّ الزِّينةَ مُبهَمةٌ، فتَقَعُ الكَواكِبُ بَيانًا لها، والمعنى: بأنَّ زينتَها الكواكبُ. وفي قراءة: بِزِينَةٍ الكَوَاكِبَ بنصبِ الكواكبِ [15] قرأ عاصمٌ وحمزةُ بِزِينَةٍ بالتَّنوينِ وجرِّ الْكَوَاكِبِ، وقرأ شعبةُ عن عاصمٍ بتنوينِ بِزِينَةٍ ونصبِ الكَوَاكِبَ ، وقرأ الباقون بِزِينَةِ بغيرِ تنوينٍ وبجرِّ الْكَوَاكِبِ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/356)، ((إتحاف فضلاء البشر)) للبناء (ص: 471). ؛ فيحتملُ أن تكونَ الزِّينةُ مصدرًا، والكواكبُ مفعولٌ به، كقوله تعالى: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا [البلد: 14، 15]، والفاعلُ محذوفٌ، أي: بأنْ زيَّن الله الكواكبَ في كَونِها مُضيئةً حسَنةً في أنفُسِها، أو أنَّ الزِّينةَ اسمٌ لِما يُزانُ به، فالكواكبُ حينَئذٍ بدَلٌ منها على المحل، أو نصب بـ (أعني)، أو بدَلٌ مِن السَّماءِ الدُّنيا بدَلَ اشتِمالٍ، أي: كواكبَ السَّماءِ [16] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/497)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/298)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/278)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/610)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1087)، ((تفسير أبي حيان)) (9/91)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/291)، ((تفسير أبي السعود)) (7/184)، ((إتحاف فضلاء البشر)) للبناء (ص: 471). .

المعنى الإجماليُّ:

أقسَمَ اللهُ تعالى بالملائِكةِ الَّتي تَصُفُّ في السَّماءِ صفًّا؛ امتِثالًا لأمرِ رَبِّها، والَّتي تَزجُرُ ما يأمُرُها اللهُ تعالى بزَجرِه، والَّتي تَتْلو ذِكرَ اللهِ تعالى، أقسَمَ الله بذلك على أنَّه سبحانَه واحِدٌ لا شَريكَ له، وأنَّه ربُّ السَّمَواتِ والأرضِ وما بينَهما، وربُّ المشارِقِ.
ثمَّ بيَّن سُبحانَه بعدَ ذلك بعضَ مَظاهِرِ قُدرتِه في خَلقِه لهذه السَّمَواتِ، فقال: إنَّا زيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا الَّتي تَرَونَها بأعيُنِكم -أيُّها النَّاسُ- بالكواكِبِ، وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيطانٍ مُتمَرِّدٍ خارجٍ عن طاعتِنا يُريدُ استِراقَ السَّمْعِ.
لا يَستَطيعُ أولئك الشَّياطينُ سَماعَ الملائِكةِ في السَّماءِ إذا تكَلَّموا بما يأمُرُ اللهُ به، فإذا حاوَلوا قذَفْناهم ورَجَمْناهم بالشُّهُبِ والنِّيرانِ مِن كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ السَّماءِ؛ طردًا وإبعادًا لهم عن استِراقِ السَّمْعِ، ولهم عذابٌ دائِمٌ مُستَمِرٌّ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم سَماعَ الملائِكةِ في السَّماءِ إلَّا الشَّيطانُ الَّذي خَطِفَ الخَطفةَ مِن كلامِ الملائكةِ بسُرعةٍ وخِفَّةٍ، فيَتبَعُه شِهابٌ مُتوقِّدٌ نافِذٌ.

تَفسيرُ الآياتِ:

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1).
أي: أُقسِمُ بالملائِكةِ الَّتي تَصُفُّ في السَّماءِ لِرَبِّها صَفًّا [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/492)، ((تفسير القرطبي)) (15/61)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير ابن كثير)) (7/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/84). قال الشنقيطي: (أكثَرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ المرادَ بـ وَالصَّافَّاتِ هنا، و«الزَّاجِرَاتِ»، و«التَّالِيَاتِ»: جماعاتُ الملائِكةِ). ((أضواء البيان)) (6/301). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/83). وحكى ابنُ جريرٍ الإجماعَ على ذلك، فقال: (... الله تعالى ذِكرُه ابتدَأ القَسَمَ بنوعٍ مِن الملائكةِ، وهم الصَّافُّونَ، بإجماعٍ مِن أهلِ التَّأويلِ، فلَأن يكونَ الَّذي بَعْدَه قَسَمًا بسائِرِ أصنافِهم أشْبَهُ). ((تفسير ابن جرير)) (19/494). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (19/7). وممَّن قال مِن السَّلفِ: إنَّ المقصودَ بالصَّافَّاتِ الملائكةُ: عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ومجاهدٌ، وعِكْرِمةُ، ومَسروقٌ، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبيعُ بنُ أنسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/492)، ((تفسير ابن كثير)) (7/5). قال الشنقيطي: (ومعنى كونِهم صافِّينَ: أن يَكونوا صُفوفًا مُتراصِّينَ بَعضُهم جَنبَ بَعضٍ في طاعةِ الله تعالى؛ مِن صلاةٍ وغيرِها. وقيل: لأنَّهم يَصُفُّونَ أجنِحَتَهم في السَّماءِ، ينتَظِروَن أمرَ اللهِ. ويُؤيِّدُ القَولَ الأوَّلَ حديثُ حذيفةَ... في صَحيحِ مُسلِمٍ، وهو قَولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فُضِّلْنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَت صُفوفُنا كصُفوفِ الملائكةِ...»). ((أضواء البيان)) (6/301). وممَّن جمَعَ بيْن المعنيَينِ السَّابِقَينِ: ابنُ القيِّم، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 12). قال ابن جُزَي: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا تقديرُه: والجَماعاتِ الصَّافَّاتِ، ثمَّ اختُلِفَ فيها؛ فقيل: هي الملائِكةُ الَّتي تَصُفُّ في السَّماءِ صُفوفًا لعبادةِ اللهِ. وقيل: هو مَن يَصُفُّ مِن بني آدَمَ في الصَّلَواتِ والجِهادِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/188). وقال البِقاعي: (قال تعالى: وَالصَّافَّاتِ أي: الجَماعاتِ مِن الملائكةِ، والمصَلِّينَ والمجاهِدينَ المُكَمِّلينَ أنفُسَهم بالاصطِفافِ في الطَّاعةِ). ((نظم الدرر)) (16/187). .
كما قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصَّافَّات: 164، 165].
وقال سُبحانَه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22].
وعن جابرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خرَجَ علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ألَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ الملائِكةُ عندَ رَبِّها؟ فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، وكيف تَصُفُّ الملائِكةُ عندَ ربِّها؟ قال: يُتِمُّونَ الصُّفوفَ الأُوَلَ، ويَتراصُّونَ في الصَّفِّ )) [18] رواه مسلم (430). .
وعن حُذَيْفةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فُضِّلْنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَت صُفوفُنا كصُفوفِ الملائِكةِ، وجُعِلَت لنا الأرضُ كُلُّها مَسجِدًا، وجُعِلت تُرْبَتُها لنا طَهورًا إذا لم نَجِدِ الماءَ )) [19] رواه مسلم (522). .
فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2).
أي: فالملائِكةِ الَّتي تَزجُرُ ما يأمُرُها اللهُ تعالى بزَجرِه [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/494)، ((تفسير القرطبي)) (15/62)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير ابن كثير)) (7/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/84). قال السمعاني: (ذهب أكثَرُ المفَسِّرين أنَّ المرادَ بهم الملائِكةُ تَزجُرُ السَّحابَ؛ لِتَسوقَه إلى الموضِعِ الَّذي يُريدُه الله تعالى). ((تفسير السمعاني)) (4/391). وممَّن اختار ما هو أعَمُّ مِن زَجرِ السَّحابِ، وأنَّها تَزجُرُ السَّحابَ وغَيْرَه بأمرِ اللهِ تعالى: ابنُ جُزَي، وابن القيِّم، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/188)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 12). قال ابن عاشور: (والمرادُ به: تسخيرُ الملائكةِ المخلوقاتِ الَّتي أمَرَهم اللهُ بتسخيرِها خَلْقًا أو فِعلًا؛ كتكوينِ العناصرِ، وتصريفِ الرِّياحِ، وإزجاءِ السَّحابِ إلى الآفاقِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/84). وقيل: تَزجُرُ عن المعاصي بالمواعِظِ والنَّصائِحِ، أو بالذِّكرِ الَّذي تَتْلوه، أو تُلقيه إلى الأنبياءِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/62)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/301). .
فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3).
أي: فالملائِكةِ الَّتي تَتْلو ذِكْرَ اللهِ تعالى [21] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/494)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير ابن كثير)) (7/5)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/ 84، 85). قيل: المرادُ: الملائكةُ تَقرأُ كُتبَ الله تعالى وتَتْلو كلامَه. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: الزمخشريُّ، والرسعني، والنسفي، وابن القيم، والسعدي، ونسَبَه ابنُ الجوزي للجمهور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/33)، ((تفسير الرسعني)) (6/369)، ((تفسير النسفي)) (3/116)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/535). وقيل: الملائِكةُ الَّتي تَقرأُ القرآنَ. وممَّن اختاره: القرطبيُّ، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/62)، ((تفسير الشوكاني)) (4/443)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 13، 15). وقيل: المرادُ بالملائكةِ هنا: جبريلُ وحْدَه عليه السَّلامُ، فيُلقي الذِّكْرَ على الأنبياءِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/601)، ((تفسير السمرقندي)) (3/135). قال الواحديُّ: (وعلى هذا: المرادُ جِبريلُ، وذُكِرَ بلَفظِ الجَمعِ؛ إشارةً إلى أنَّه كبيرُ الملائكةِ، فهو لا يخلو مِن أعوانٍ وجنودٍ له من الملائكةِ يَعرُجونَ بعُروجِه، ويَنزِلونَ بنُزولِه). ((البسيط)) (19/9). قال الشنقيطي: (قَولُه تعالى: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا [المرسلات: 5] كقَولِه تعالى هنا: فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا؛ لأنَّ الذِّكرَ الَّذي تَتْلوه تُلقِيه إلى الأنبياءِ، كما كان جِبريلُ يَنزِلُ بالوَحيِ على نَبيِّنا وغيرِه مِن الأنبياءِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُه على الجميعِ). ((أضواء البيان)) (6/301). وقال ابنُ عاشور: (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا المُرَدِّدون لكلامِ الله تعالى الَّذي يَتلقَّونَه مِن جانبِ القُدُسِ؛ لتبليغِ بَعضِهم بعضًا، أو لِتَبليغِه إلى الرُّسُلِ، كما أشار إليه قولُه تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 23]... والمرادُ بـ «التَّالِيَاتِ»: ما يَتْلونَه مِن تسبيحٍ وتقديسٍ للهِ تعالى؛ لأنَّ ذلك التَّسبيحَ لَمَّا كان مُلَقَّنًا مِن لَدُنِ اللهِ تعالى كان كلامُهم بها تِلاوةً). ((تفسير ابن عاشور)) (23/84، 85). .
إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4).
أي: إنَّ مَعبودَكم المُستَحِقَّ للعبادةِ واحِدٌ لا ثانيَ له، ولا شَريكَ له؛ فأخلِصوا له العِبادةَ وَحْدَه، ولا تُشرِكوا به شَيئًا [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/495)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700). .
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا قال تعالى: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ؛ أقام الدَّليلَ على ذلك بقولِه [23] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/302). :
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
أي: هو خالِقُ ومالِكُ السَّمَواتِ السَّبْعِ، والأرضِ، وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، وهو الرَّازِقُ والمُدَبِّرُ لذلك كُلِّه [24] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/495)، ((تفسير القرطبي)) (15/63)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/86). .
وَرَبُّ الْمَشَارِقِ.
أي: وهو خالِقُ ومالِكُ ومُدَبِّرُ المشارقِ [25] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/496)، ((تفسير القرطبي)) (15/63، 64)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/86). قيل: المرادُ بالمشارقِ هنا: مشارِقُ الشَّمسِ. ومِمَّن قال بهذا المعنى: ابنُ جرير، والكرماني، وابن عطية، والقرطبي، وابن جُزَي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/496)، ((تفسير الكرماني)) (2/970)، ((تفسير ابن عطية)) (4/465)، ((تفسير القرطبي)) (15/63)، ((تفسير ابن جزي)) (2/188). قال الماوَرْديُّ: (فيه [أي: المشارقِ] وجْهانِ؛ الأوَّلُ: قال قَتادةُ: ثلاثُمئةٍ وسِتُّونَ مَشرِقًا، والمغارِبُ مِثلُ ذلك، تَطلُعُ الشَّمسُ كلَّ يومٍ مِن مشرقٍ، وتغرُبُ في مغربٍ. قاله السُّدِّيُّ. الثَّاني: أنَّها مئةٌ وثمانون مَشرقًا، تَطلُعُ كُلَّ يومٍ في مطلعٍ حتَّى تنتهيَ إلى آخِرِها، ثمَّ تعودُ في تلك المطالعِ حتَّى تَعودَ إلى أوَّلِها. حكاه يحيى بنُ سلَّام). ((تفسير الماوردي)) (5/37). ويُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/823)، ((تفسير عبد الرزاق)) (3/88). وقال الألوسي: (إنِ اعتُبر ما كانت عليه وما عادت إليه واحِدًا، كانت مئةً وثمانين، وإن نُظِر إلى تغايُرِهما كانت ثلاثَمئةٍ وستِّين، وفي هذا إسقاطُ الكَسرِ؛ فإنَّ السَّنةَ الشَّمسيَّةَ تَزيدُ على ذلك العدَدِ بنحوِ ستَّةِ أيَّامٍ). ((تفسير الألوسي)) (12/66). ويُنظر: ((تفسير الكرماني)) (2/970)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/497)، ((تفسير الألوسي)) (6/68). قال ابنُ جرير: (قولُه: وَرَبُّ الْمَشَارِقِ يقولُ: ومدبِّرُ مَشارقِ الشَّمسِ في الشِّتاءِ والصَّيفِ، ومَغاربِها، والقَيِّمُ على ذلك ومُصلِحُه). ((تفسير ابن جرير)) (19/496). وقيل: كُلُّ مَوضِعٍ أشرَقَت عليه الشَّمسُ فهو مَشرِقٌ، وكُلُّ مَوضِعٍ غَرَبَت عليه فهو مَغرِبٌ، كأنَّه أراد جميعَ ما أشرَقَت عليه الشَّمسُ. يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/370). قال الرازي: (ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ مشارِقَ الكواكبِ؛ لأنَّ لكلِّ كوكبٍ مشرِقًا ومغربًا). ((تفسير الرازي)) (26/316). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/6). واختار ابنُ عثيمينَ أنَّ المشارقَ عامَّةٌ؛ تَشملُ مَشارقَ الشَّمسِ، ومشارقَ القمرِ، ومشارقَ النُّجومِ، ومشارقَ كلِّ ما يشرقُ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 19، 20). .
إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6).
أي: إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الأُولى القريبةَ مِن النَّاسِ بالكواكِبِ [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/497)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/88). ويُطلَقُ كلٌّ مِن الكوكبِ والنَّجمِ على الآخرِ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (4/157). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [الملك: 5].
وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7).
أي: وحَفِظْناها بالكواكِبِ مِن كُلِّ شَيطانٍ مُتمَرِّدٍ، عاتٍ في الشَّرِّ، يريدُ استِراقَ السَّمْعِ [27] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/498)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/195)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700). قال الرسعني: (وَحِفْظًا مَحمولٌ على المعنى، تقديرُه: إنَّا خلَقْنا الكواكِبَ زِينةً للسَّماءِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ. وقيل: المعنى: وحَفِظْناها حِفظًا). ((تفسير الرسعني)) (6/24). وقال ابنُ عاشور: (معنى كونِ الكواكبِ حِفظًا مِن الشَّياطينِ: أنَّ مِن جملةِ الكواكِبِ الشُّهُبَ الَّتي تُرجَمُ بها الشَّياطينُ عندَ مُحاوَلتِها استِراقَ السَّمعِ. والمارِدُ: الخارجُ عن الطَّاعةِ، الَّذي لا يُلابِسُ الطَّاعةَ ساعةً؛ قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ [التوبة: 101]). ((تفسير ابن عاشور)) (23/90، 91). .
كما قال الله تعالى: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر: 17].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: 5].
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا قِيل: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصَّافَّات: 7]، أي: حَفِظْناها حِفظًا، فقِيل: فما يَكونُ إذَنْ [28] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/121). ؟ فلَمَّا تشوَّفَ السَّامِعُ إلى مَعرفةِ هذا الحِفظِ وثَمَرتِه وبيانِ كيفيَّتِه؛ استأنَف قولَه [29] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/196). :
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى.
أي: حَفِظْنا السَّماءَ الدُّنيا مِن الشَّياطينِ، فلا يُصغُونَ إلى الملائِكةِ إذا تكَلَّموا بما يأمُرُ اللهُ به مِن شَرعٍ أو قَدَرٍ [30] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/498، 504)، ((تفسير القرطبي)) (15/65)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/196، 197)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/92)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 26-29). .
كما قال تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: 212].
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ الملائِكةَ تَنزِلُ في العَنانِ -وهو السَّحابُ- فتَذكُرُ الأمرَ قُضِيَ في السَّماءِ، فتَسترِقُ الشَّياطينُ السَّمعَ فتَسمَعُه، فتُوحيه إلى الكُهَّانِ، فيَكذِبونَ معها مِئةَ كَذْبةٍ مِن عندِ أنفُسِهم )) [31] رواه البخاري (3210). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: أخبَرني رجُلٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الأنصارِ: ((أنَّهم بَيْنَما هم جلوسٌ ليلةً مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رُمِيَ بنَجمٍ فاستنارَ، فقال لهم رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ماذا كنتُم تقولونَ في الجاهليَّةِ إذا رُمِيَ بمِثلِ هذا؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، كنَّا نقولُ: وُلِدَ اللَّيلةَ رجُلٌ عظيمٌ، ومات رجُلٌ عَظيمٌ! فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّها لا يُرمَى بها لِمَوتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكِنْ رَبُّنا تباركَ وتعالى اسمُه إذا قضى أمرًا سبَّحَ حَمَلةُ العَرشِ، ثمَّ سَبَّح أهلُ السَّماءِ الَّذين يَلُونَهم، حتَّى يَبلُغَ التَّسبيحُ أهلَ هذه السَّماءِ الدُّنيا، ثمَّ قال الَّذين يَلُونَ حَمَلةَ العَرشِ لحَمَلةِ العَرشِ: ماذا قال ربُّكم؟ فيُخبِرونَهم ماذا قال، فيَستخبِرُ بَعضُ أهلِ السَّمَواتِ بَعضًا، حتَّى يَبلُغَ الخبَرُ هذه السَّماءَ الدُّنيا، فتَخطَفُ الجِنُّ السَّمْعَ فيَقذِفونَ إلى أوليائِهم، ويُرمَونَ به، فما جاؤوا به على وَجهِه فهو حَقٌّ، ولكِنَّهم يَقرِفونَ [32] أي: يَخلِطونَ فيه الكَذِبَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (14/227). فيه ويَزيدونَ)) [33] رواه مسلم (2229). .
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان الجِنُّ يَسمَعونَ الوَحيَ فيَستَمِعونَ الكَلِمةَ فيَزيدون فيها عَشْرًا، فيكونُ ما سَمِعوا حَقًّا، وما زادوه باطِلًا، وكانت النُّجومُ لا يُرمَى بها قبْلَ ذلك، فلمَّا بُعِث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أحدُهم لا يأتي مَقعَدَه إلَّا رُمِيَ بشِهابٍ يُحرِقُ ما أصاب، فشَكَوا ذلك إلى إبليسَ، فقال: ما هذا إلَّا مِن أمرٍ قد حدَث! فبَثَّ جُنودَه، فإذا هُم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي بيْنَ جَبَلَيْ نَخلةَ، فأتَوه فأخبَروه، فقال: هذا الحَدَثُ الَّذي حَدَث في الأرضِ )) [34] أخرجه الترمذي (3324)، وأحمد (2482) واللَّفظُ له. قال الترمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ. وصحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3324)، وصَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (4/160). .
وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
أي: وهم يُرمَونَ رَميًا شديدًا بالشُّهُبِ مِن كُلِّ جِهةٍ مِنَ السَّماءِ [35] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/505)، ((تفسير القرطبي)) (15/65)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/197)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/93). واخْتُلِف هل كان هذا القذفُ قبْلَ المبعثِ، أو بعدَه لأجْلِ المبعثِ؛ على قولينِ، والجَمْعُ بيْن هذَينِ القولَينِ: أنَّ الرَّمْيَ بالنُّجومِ كان موجودًا قبْلَ مبعثِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا بُعِث شُدِّد ذلك، وزِيدَ في حفظِ السَّماءِ وحراستِها؛ صَونًا لأخبارِ الغيوبِ. وممَّن اختار هذا القولَ: الزهريُّ، وابنُ قُتَيْبةَ، والسهيليُّ، والرازي، والقرطبيُّ ونسَبَه للأكثرينَ. واستحسَنه ابنُ حَجرٍ. يُنظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((الروض الأُنُف)) للسهيلي (2/302)، ((تفسير الرازي)) (26/319)، ((تفسير القرطبي)) (15/66) و(19/13)، ((فتح الباري)) (8/672). قال السهيلي: (وإنْ وُجِدَ اليَومَ كاهِنٌ فلا يُدفَعُ ذلك بما أخبَرَ اللهُ به مِن طَردِ الشَّياطينِ عن استِراقِ السَّمعِ؛ فإنَّ ذلك التَّغليظَ والتَّشديدَ كان زمَنَ النُّبُوَّةِ، ثمَّ بَقِيَت منه -أعني: مِن استراقِ السَّمعِ- بقايا يسيرةٌ، بدَليلِ وُجودِهم على النُّدورِ في بعضِ الأزمِنةِ، وفي بَعضِ البِلادِ). ((الروض الأُنُف)) (2/302). .
كما قال تعالى حاكيًا قَولَ الجِنِّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: 8، 9].
دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9).
دُحُورًا.
أي: يُقذَفونَ بالشُّهُبِ؛ طَردًا وإبعادًا لهم عن الوُصولِ إلى السَّماءِ لاستِراقِ السَّمْعِ [36] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/505)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 29). .
وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ.
أي: وللشَّياطينِ عَذابٌ دائِمٌ مُستمِرٌّ [37] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/506، 507)، ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/198)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/93). قيل: هذا العذابُ في الآخرةِ. ومِمَّن قال بذلك: ابنُ كثير، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/6)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/93)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30). وقال الواحدي: (قال مقاتلٌ: يعني دائمًا إلى النَّفخةِ الأولى، فهي تَجرحُ ولا تَقتُلُ. فقد بيَّنَ مقاتلٌ أنَّ المرادَ بهذا العذابِ عذابُ الدُّنيا). ((البسيط)) (19/20). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/602) وليس فيه ذِكرٌ للنَّفخةِ الأولى. وقيل: في الدُّنيا والآخِرةِ. وممَّن قال بذلك: البِقاعي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/198)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30). قال ابن عثيمين: (يُعَذَّبون في هذه الدُّنيا بهذه الشُّهُبِ، ويُعَذَّبون في الآخرةِ بالعذابِ الدَّائمِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30). وقال البِقاعي: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أي: في الدُّنيا بهذا وبغيرِه، وفي الآخرةِ). ((نظم الدرر)) (16/198). قال ابنُ الجوزي: (وفي «الواصِبِ» قولانِ: أحدُهما: أنَّه الدَّائمُ. قاله: ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ، وعِكْرِمةُ، وقَتادةُ، والفَرَّاءُ، وابنُ قُتَيْبةَ. والثَّاني: أنَّه المُوجِعُ. قاله أبو صالحٍ، والسُّدِّيُّ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/536). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/383)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369). وعزا الشوكانيُّ القولَ الأوَّلَ إلى جمهورِ المفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/445). قال الواحدي: (قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ قالوا كلُّهم: دائِمٌ... ومَن فَسَّر الواصِبَ بالشَّديدِ و[الموجِعِ]، فهو معنًى وليس بتفسيرٍ). ((البسيط)) (19/20). وجمَعَ البِقاعي بيْن المعنيَينِ السَّابِقَينِ، فقال: (وَاصِبٌ أي: دائِمٌ مُمرِضٌ مُوجِعٌ كثيرُ الإيجاعِ، مُواظِبٌ على ذلك ثابِتٌ عليه). ((نظم الدرر)) (16/198). .
كما قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم: 68 - 70].
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10).
أي: لا يَسَّمَّعُ الشَّياطينُ شَيئًا مِن الملأِ الأعلى إلَّا مَن تَلَقَّف واختلَس منهم كَلِمةً واحِدةً بسُرعةٍ وخُفيةٍ [38] قال الشنقيطي في قوله تعالى: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ مِن سورةِ الحِجْرِ [17، 18]: (قال بعضُ العُلَماءِ: هو استِثناءٌ مُنقَطِعٌ، وجزَم به الفخرُ الرَّازيُّ، أي: لكِنْ مَنِ استرقَ السَّمْعَ -أي: الخَطفةَ اليَسيرةَ- فإنَّه يَتبَعُه شِهابٌ فيُحرِقُه، كقولِه تعالَى: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ. وقيل: الاستِثناءُ مُتَّصِلٌ، أي: حَفِظْنا السَّماءَ مِن الشَّياطينِ أن تَسمَعَ شيئًا مِن الوحيِ وغَيرِه، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فإنَّا لم نحفَظْها مِن أن تَسمَعَ لخبرٍ مِن أخبارِ السَّماءِ سِوى الوَحيِ، فأمَّا الوَحيُ فلا تَسمَعُ منه شَيئًا؛ لِقَولِه تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: 212]. قالَه القُرطبِيُّ، ونَظيرُه إِلَّا مَنْ خَطِفَ الآيةَ؛ فإنَّه استثناءٌ مِن الواوِ في قولِه تعالَى: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الآيةَ). ((أضواء البيان)) (2/257). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/130)، ((تفسير القرطبي)) (10/10). وقال السمعاني: (قوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ قال أهلُ التَّفسيرِ: هذا استثناءٌ منقطِعٌ، ومعناه: لكنْ مَن خطِف الخَطفةَ). ((تفسير السمعاني)) (4/393). ويُنظر: ((تفسير الكرماني)) (2/971). وقيل: الاستثناءَ مُتَّصِلٌ، وممَّن اختاره: الزمخشريُّ، والبِقاعي، والألوسي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/36)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/198)، ((تفسير الألوسي)) (12/69)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30). قال ابن عثيمين: (استثنى مِن نفيِ سماعِهم إلى السَّماءِ الَّذي يَخطَفُ الخَطفةَ فهو يَسمَعُ، فيَتبَعُه شِهابٌ نافذٌ يَنفُذُ فيه فيَخْرِقُه أو يحرِقُه أو يَخْبِلُه، ورُبَّما يَنجو مِن هذا الشِّهابِ إذا أراد الله عزَّ وجلَّ ويَصِلُ إلى الكاهنِ ويُوحي إليه بما سمِع، ثمَّ الكاهنُ يَكذِبُ مع ما سمِع كَذَباتٍ كثيرةً؛ مئةَ كَذْبةٍ أو أكثَرَ أو أقَلَّ... فصار الشَّياطينُ ثلاثةَ أقسامٍ: قِسْمٌ لا يُمكِنُه السَّماعُ إطلاقًا، وقِسمٌ يُمكِنُ أن يَسمَعَ على سبيلِ الخَطفِ ويحرقُه الشِّهابُ، والقِسمُ الثَّالثُ يَسمَعُ على سبيلِ الخَطفِ ويَنجو، وكلُّ هذا بإذنِ الله عزَّ وجلَّ وإرادتِه تبعًا لحكمتِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30، 31) بتصرف. ، فيَتبَعُه شِهابٌ مُتوقِّدٌ نافِذٌ [39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/508)، ((تفسير السمعاني)) (4/393)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/198)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/93). قال القرطبي: (يَسترِقُ الواحِدُ منهم شيئًا مِمَّا يتفاوَضُ فيه الملائِكةُ ممَّا سيَكونُ في العالَمِ قبْلَ أن يَعلَمَه أهلُ الأرضِ؛ وهذا لخفَّةِ أجسامِ الشَّياطينِ، فيُرجَمون بالشُّهُبِ حينَئذٍ). ((تفسير القرطبي)) (15/67). وقال ابنُ كثير: (هي الكَلِمةُ يَسمَعُها مِن السَّماءِ، فيُلقيها إلى الَّذي تحتَه، ويُلقِيها الآخَرُ إلى الَّذي تحتَه، فرُبَّما أدركَه الشِّهابُ قبْلَ أن يُلقيَها، ورُبَّما ألقاها بقَدَرِ اللهِ قبْلَ أن يأتيَه الشِّهابُ فيُحرِقَه، فيَذهَبُ بها الآخَرُ إلى الكاهِنِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/6، 7). وقال ابنُ عاشور: (الثَّاقِبُ: الخارِقُ، أي: الَّذي يَترُكُ ثَقْبًا في الجِسمِ الَّذي يُصيبُه، أي: ثاقِبٌ له. وعن ابنِ عبَّاسٍ: الشِّهابُ لا يَقتُلُ الشَّيطانَ الَّذي يُصيبُه، ولكِنَّه يَحترِقُ ويَخبِلُ، أي: يَفسُدُ قِوامُه فتَزولُ خصائِصُه، فإن لم يَضمَحِلَّ فإنَّه يُصبِحُ غيرَ قادرٍ على مُحاوَلةِ استِراقِ السَّمعِ مرَّةً أخرى، أي: إلَّا مَن تمكَّن مِن الدُّنُوِّ إلى محلٍّ يَسمَعُ فيه كلماتٍ مِن كلماتِ المَلأِ الأعلى، فيُردَفُ بشِهابٍ يَثقُبُه فلا يَرجِعُ إلى حيثُ صدَرَ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/93). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/198، 199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30، 31). .
كما قال تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر: 18].
وقال سُبحانه: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: 8، 9].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: إنَّ نبيَّ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قضَى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبت الملائِكةُ بأجنِحَتِها؛ خُضْعانًا لِقَولِه، كأنَّه سِلسلةٌ على صَفوانٍ [40] الصَّفوانُ: الحَجَرُ الأملَسُ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/41). ، فإذا فُزِّعَ [41] فُزِّعَ: أي: أُزيلَ الخَوفُ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/192). عن قُلوبِهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا للَّذي قال: الحَقَّ، وهو العَليُّ الكبيرُ، فيَسمَعُها مُستَرِقُ السَّمعِ، ومُستَرِقُ السَّمعِ هكذا: بعضُه فوقَ بَعضٍ -ووصَفَ سُفيانُ بكَفِّه فحَرَفَها، وبدَّد بيْنَ أصابِعِه- فيَسمَعُ الكَلِمةَ فيُلقيها إلى مَن تحتَه، ثمَّ يُلقيها الآخَرُ إلى مَن تحتَه، حتَّى يُلقِيَها على لسانِ السَّاحِرِ أو الكاهِنِ، فرُبَّما أدرَك الشِّهابُ قبْلَ أن يُلقِيَها، وربَّما ألقاها قبْلَ أن يُدرِكَه، فيَكذِبُ معها مِئةَ كَذْبةٍ، فيُقالُ: أليس قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا، فيُصَدَّقُ بتلك الكَلِمةِ الَّتي سَمِعَ مِن السَّماءِ )) [42] رواه البخاري (4800). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

1- قال الله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قَسَمُ اللهِ بمَخلوقاتِه يُومِئُ إلى التَّنويهِ بشَأنِ المُقْسَمِ به، مِن حيثُ هو دالٌّ على عَظيمِ قُدرةِ الخالِقِ، أو كَونِه مُشرَّفًا عِندَ اللهِ تَعالى [43] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/84). ، فاللهُ تعالى لا يَحلِفُ بشَيءٍ مِن خَلقِه إلَّا كان هذا الشَّيءُ مِن أعظَمِ آياتِه، فيَكونُ الحَلِفُ بهذا المخلوقِ مُتضَمِّنًا للحَلِفِ بآياتِ اللهِ عزَّ وجلَّ الَّتي هي فِعلُه؛ لأنَّ عِظَمَ المخلوقِ يدُلُّ على عِظَمِ الخالقِ [44] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 14). والقاعدةُ أنَّه لا يكونُ القَسَمُ إلَّا باسمٍ معظَّمٍ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 474). .
2- في قَولِه تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا حَلِفُه سُبحانَه بما شاء مِن خلْقِه؛ لأنَّه المالكُ، كما أنَّه سُبحانَه وتعالى يأمُرُ بما شاء؛ أرَأَيْتَ أمْرَ اللهِ تعالى الملائكةَ أنْ تَسجُدَ لآدَمَ، والسُّجودُ لغيرِ اللهِ شركٌ؟! لكنَّ اللهَ يأمُرُ بما شاء. أرأيْتَ أمْرَه إبراهيمَ الخَليلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذبَحَ ابنَه، وذَبحُ ابنِه مِن أعظمِ الكبائرِ؟! وصار بأمرِ اللهِ طاعةً لله عزَّ وجلَّ؛ كذلك الحَلِفُ بغيرِ اللهِ شِركٌ؛ ولكنْ مع هذا فلِلَّه أنْ يَحلِفَ بما شاء مِن خَلقِه [45] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 14). .
3- في قَولِه تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا المرادُ به الملائِكةُ، وأُنِّثتْ باعتِبارِها جماعاتٍ، وجماعاتٌ: مُؤنَّثٌ، فالملائكةُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ جماعاتٌ مُختَلِفةٌ، كلُّ جماعةٍ لها وظيفةٌ مُعيَّنةٌ، وقد أخَذَ الزَّائِغونَ بهذا الاشتِباهِ -أي: تأنيثِ الملائكةِ- وقالوا: إنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ؛ ولهذا تُذكَرُ بصيغةِ التَّأنيثِ! ولكنْ لا شكَّ أنَّ هذا مِن بابِ التَّلبيسِ والتَّشبيهِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى ذَكَرَ الملائِكةَ بصيغةِ المُذَكَّرِ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ [الشورى: 5] ولم يَقُلْ: «يُسَبِّحْنَ بحمدِ ربِّهِنَّ» [46] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 10). .
4- في قَولِه تعالى: فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا أنَّ الملائكةَ تتلو الذِّكْرَ -أي: تتلو القرآنَ، على قولٍ في التَّفسيرِ-، وهذا يدُلُّ: على قيامِ الملائكةِ بعبادةِ اللهِ، وعلى فضيلةِ القرآنِ حيثُ تَتْلوه الملائكةُ [47] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 15). .
5- في قَولِه تعالى: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ أهمِّيَّةُ التوحيدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَقسَمَ بالملائكةِ على ثبوتِ هذا التَّوحيدِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أكَّدَه بثلاثةِ مُؤكِّداتٍ: «القَسَمِ»، «إنَّ»، «اللَّامِ» [48] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 22). .
6- قَولُ الله تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا احتُجَّ به على كَونِه تعالى خالِقًا لأعمالِ العِبادِ؛ لأنَّ أعمالَ العبادِ مَوجودةٌ فيما بيْنَ السَّمَواتِ والأرضِ، وهذه الآيةُ دالَّةٌ على أنَّ كُلَّ ما حَصَل بيْنَ السَّمَواتِ والأرضِ فاللهُ رَبُّه ومالِكُه؛ فهذا يدُلُّ على أنَّ فِعلَ العَبدِ حصَل بخَلقِ اللهِ [49] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/317). .
7- التَّلازُمُ بيْنَ توحيدِ الألوهيَّةِ وتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ فإنَّ قَولَه تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا بعدَ قولِه: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ كالدَّليلِ على تَوَحُّدِه بالألوهيَّةِ؛ وذلك أنَّه إذا كان مُتَوَحِّدًا بالرُّبوبيَّةِ لَزِمَ أن يكونَ مُتَوَحِّدًا في الألوهيَّةِ، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21]، فكيف تَعبُدونَ غَيْرَه ممَّن لم يَخلُقْكم ولا خَلَقَ أحدًا [50] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 23). ؟!
8- في قَولِه تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الإشارةُ إلى عِظَمِ السَّمَواتِ والأرضِ وما بيْنَهما؛ لأنَّ اللهَ أضاف الرُّبوبيَّةَ إليها في مَقامِ إقامةِ الحُجَّةِ، وهذا يدُلُّ على عِظَمِها، وأنَّها لِعِظَمِها صارتْ كالدَّليلِ المُلزِمِ لتوحيدِ الألوهيَّةِ [51] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 23، 24). .
9- في قَولِه تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ عنايةُ اللهِ سُبحانَه وتعالى بخَلْقِه؛ حيث زَيَّنَ لهم السَّقفَ الَّذي فوقَ رُؤوسِهم؛ لأنَّه لو كان مُظلِمًا حالِكًا لا يَرونَ فيه شَيئًا مُنيرًا لَكان في ذلك شَيءٌ مِن الإيحاشِ، ولكِنَّ اللهَ تعالى اعتنَى بهذا، فزَيَّنَه لهم [52] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 32). .
10- في قَولِه تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ جَعَل سُبحانَه المصابيحَ زينةً لظاهِرِها ولباطِنِها بالحراسةِ مِن الشَّياطينِ؛ فهي زينةُ الظَّاهرِ والباطنِ [53] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (4/1377). .
11- قَولُ الله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ فيه سؤالٌ: الشَّيطانُ مَخلوقٌ مِن النَّارِ؛ قال تعالى حِكايةً عن إبليسَ: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ [الأعراف:12]، وقال: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر: 27]، وأخبَرَ أنَّ الشُّهُبَ تَضُرُّهم وتُحرِقُهم، فكيف تُحرِقُ النَّارُ النَّارَ؟!
الجوابُ مِن وُجوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّه أضاف الشَّياطينَ والجانَّ إلى النَّارِ حَسَبَ ما أضاف الإنسانَ إلى التُّرابِ والطِّينِ والفَخَّارِ، والمرادُ به في حَقِّ الإنسانِ أنَّ أصْلَه الطِّينُ، وليس الآدَميُّ طينًا حقيقةً، لكِنَّه كان طِينًا، كذلك الجانُّ كان نارًا في الأصلِ [54] يُنظر: ((لقط المرجان في أحكام الجان)) للسيوطي (ص: 19). ؛ فحقيقةُ النَّارِ لم تَبقَ فيهم على ما هي عليه قبْلَ خَلْقِهم منها، كما أنَّ حَقيقةَ الطِّينِ لم تَبقَ في الإنسِ على ما هي عليه قبْلَ خَلْقِهم منها، والإنسُ خُلِقوا مِنَ الطِّينَ ويَتضَرَّرونَ به كذلك فخَلقُ الشَّياطينِ مِن نارٍ لا يأبَى تضَرُّرَهم بها [55] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (5/111). .
الوَجهُ الثَّاني: يحتملُ أنَّ الشَّياطينَ وإن كانوا مِنَ النِّيرانِ إلَّا أنَّها نيرانٌ ضَعيفةٌ، فإذا وصَلَت نيرانُ الشُّهُبِ إليهم، وتلك النِّيرانُ أقوى حالًا منهم؛ لا جَرَمَ صار الأقوى مُبطِلًا للأضعَفِ، فالسِّراجُ الضَّعيفُ إذا رجَعَ في النَّارِ القَويَّةِ فإنَّه يَنطَفِئُ، فكذلك هاهنا [56] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/319). .
الوَجهُ الثَّالِثُ: أنَّه وإن كان الجِنِّيُّ مِن نارٍ فإنَّه ليس نارًا خالِصةً [57] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/199). .
12- قَولُ الله تعالى: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ في وَصْفِه بالمارِدِ إشارةٌ إلى أنَّ ما يُصيبُ إخوانَه مِن الضُّرِّ بالشُّهُبِ: لا يَعِظُه عن تجديدِ مُحاولةِ الاستِراقِ؛ لِما جُبِلَ عليه طَبعُه الشَّيطانيُّ مِن المداوَمةِ على تلك السَّجايا الخَبيثةِ، كما لا يَنزجِرُ الفَراشُ عن التَّهافُتِ حولَ المِصباحِ بما يُصيبُ أطرافَ أجنِحتِه مِن مَسِّ النَّارِ [58] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/91). .
13- في قَولِه تعالى: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى قد يُعطي هذه الأجسامَ اللَّطيفةَ قدرةً يَصِلُونَ بها إلى السَّماءِ، ولا شكَّ أنَّهم قد يَصِلُونَ إلى السَّماءِ؛ وأنَّ لديهم مِن القوَّةِ ما هو أشدُّ مِن قوَّةِ البشرِ ذوي الأجسامِ الكثيفةِ [59] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 33). .
14- في قَولِه تعالى: الْمَلَإِ الْأَعْلَى فَضيلةُ الملائكةِ؛ حيث وُصِفوا بأنَّهم الملأُ الأعلى؛ لعُلُوِّ مَكانِهم ومَكانتِهم؛ ففيهم العُلُوُّ الحِسِّيُّ والعُلُوُّ المَعنويُّ [60] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 34). .
15- في قَولِه تعالى: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا أنَّ الشَّياطينَ ليست أهلًا لِأنْ تَحُلَّ السَّماءَ، أو تَقعُدَ فيها؛ ولهذا يُقذَفونَ لإبعادِهم دُحُورًا [61] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 34). .
16- قَولِه تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ أي: دائمٌ، وفيه أنَّ الشَّياطينَ مُكلَّفونَ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 30، 34). .
17- في قَولِه تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ أنَّ هؤلاء الشَّياطينَ لا يَسَّمَّعون إلى الملأِ الأعلى السَّماعَ الكامِلَ بحيث يَنالونَ مُرادَهم؛ بسَبَبِ هذه الشُّهُبِ الَّتي تُحرِقُهم، فلا يستطيعُ الواحدُ منهم أنْ يَسمعَ سماعًا كامِلًا يُصغِي إلى الملأِ الأعلَى كما يُصغي الإنسانُ إلى شيخِه وإلى مُحَدِّثِه، بل تَجِدُهم يأتونَ إلى السَّماءِ خَطْفًا، فيَخْطَفون ما يَسمَعونَ دونَ أنْ يكونَ هناك مُهلَةٌ وتَأنٍّ؛ لأنَّها تخشَى مِنَ الشُّهُبِ [63] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 32). .
18- أنَّ الشَّياطينَ قد تأتي بخَبرِ السَّماءِ؛ لِقَولِه: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ، ولكِنْ قد يقولُ قائلٌ: إنَّ اللهَ قال: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ، ثمَّ قال: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ، وحينَئذٍ لا يَصِلُ إلى مُرادِه؟
فالجوابُ: أنَّه قد دَلَّتِ النُّصوصُ الأُخرى على أنَّه قد يَصِلُ إلى مُرادِه، فيَصِلُ إلى الكاهنِ قبْلَ أنْ يُدْرِكَه الشِّهابُ [64] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 34). .
19- في قَولِه تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ أنَّ الشَّياطينَ أجسامٌ؛ لأنَّه لا يُخرَقُ ولا يُحرَقُ إلَّا ما كان جِسمًا، وهو كذلك؛ فإنَّ الشَّياطينَ أجسامٌ، لكِنَّهم أجسامٌ لَطيفةٌ تَختَرِقُ الأجسامَ الكثيفةَ؛ أجسامَ البشرِ؛ ولهذا قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ الشَّيطانَ يجري مِنِ ابنِ آدمَ مَجْرَى الدَّمِ )) [65] أخرجه البخاري (2039) واللفظ له، ومسلم (2175) من حديث صَفيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها. ، كما أنَّ الرُّوحَ تجري مِن الجَسَدِ مجرى الدَّمِ، والرُّوحُ جِسمٌ لطيفٌ، فكذلك الشَّياطينُ أجسامٌ لَطيفةٌ تخترِقُ الأجسامَ الكَثيفةَ [66] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 33). .

بلاغةُ الآياتِ:

1- قولُه تعالَى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا
- فاتِحةٌ مُناسِبةٌ لِأغراضِ السُّورةِ؛ وذلك بأنَّ القَسَمَ بالمَلائكةِ مُناسِبٌ لِإثباتِ الوَحدانيَّةِ؛ لِأنَّ الأصنامَ لم يَدَّعوا لها مَلائكةً، والَّذي تأتمِرُ المَلائكةُ بأمرِه هو الإلهُ الحَقُّ، ولِأنَّ المَلائِكةَ مِن جُملةِ المَخلوقاتِ الدَّالِّ خَلْقُها على عِظَمِ الخالِقِ، ويُؤْذِنُ القَسَمُ بأنَّها أشرَفُ المَخلوقاتِ العُلويَّةِ، ثمَّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتي لُوحِظَتْ في القَسَمِ بها مُناسِبةٌ لِلأغراضِ المَذكورةِ بَعْدَها؛ فالصَّافَّاتُ يُناسِبُ عَظَمةَ رَبِّها، والزَّاجِراتُ يُناسِبُ قَذْفَ الشَّياطينِ عنِ السَّمَواتِ، ويُناسِبُ تَسييرَ الكَواكِبِ وحِفظَها مِنْ أنْ يُدرِكَ بَعضُها بَعضًا، ويُناسِبُ زَجْرَها النَّاسَ في المَحشَرِ، والتَّالياتُ ذِكرًا يُناسِبُ أحوالَ الرَّسولِ والرُّسُلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما أُرسِلوا به إلى أقوامِهم. وفي الافتِتاحِ بالقَسَمِ تَشويقٌ إلى مَعرِفةِ المُقسَمِ عليه؛ لِيُقبِلَ عليه السَّامِعُ بشَراشِرِه -أي: بنَفْسِه- حِرصًا ومحبَّةً؛ فقدِ استَكمَلَتْ فاتِحةُ السُّورةِ أحسَنَ وُجوهِ البَيانِ وأكمَلَها [67] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/82، 83). .
- والقَسَمُ لِتأكيدِ الخَبَرِ مَزيدَ تَأكيدٍ؛ لِأنَّه مُقتَضى إنكارِهمُ الوَحدانيَّةَ، وهو قَسَمٌ واحِدٌ، والمُقسَمُ به نَوعٌ واحِدٌ مُختَلِفُ الأصنافِ، وهو طوائِفُ مِنَ المَلائِكةِ، وعَطفُ هذه الصِّفاتِ بالفاءِ يَقتَضي أنَّ تلك الصِّفاتِ ثابِتةٌ لِمَوصوفٍ واحِدٍ باعتِبارِ جِهةٍ تَرجِعُ إليها وَحْدَتُه، وهذا المَوصوفُ هو هذه الطَّوائِفُ مِنَ المَلائِكةِ [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/83). .
- قَولُه: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا وَصْفُ المَلائِكةِ بهذا الوَصفِ يَجوزُ أنْ يَكونَ على حَقيقَتِه، فتَكونَ المَلائِكةُ في العالَمِ العُلويِّ مُصطَفَّةً صُفوفًا، وهي صُفوفٌ مُتقَدِّمٌ بَعضُها على بَعضٍ، باعتِبارِ مَراتِبِ المَلائِكةِ في الفَضلِ والقُربِ. ويَجوزُ أنْ يَكونَ كِنايةً عن الاستِعدادِ لامتِثالِ ما يُلْقى إليهم مِن أمْرِ اللهِ تَعالى؛ قال تَعالى حِكايةً عنهم في هذه السُّورةِ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [69] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/84). [الصَّافَّات: 165، 166].
- قَولُه: صَفًّا وَزَجْرًا مَصْدَرانِ مُؤكِّدانِ لِمَا قَبْلَهما، أيْ: صَفًّا بَديعًا، وزَجْرًا بَليغًا. وذِكْرًا في قَولِه: فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا مَفعولُ (التَّالياتِ)، وهو أيضًا مَصدرٌ مُؤكِّدٌ لِمَا قَبْلَه؛ فإنَّ التِّلاوةَ مِن بابِ الذِّكرِ [70] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/183). .
- وما تُفِيدُه الفاءُ في هذه الآياتِ مِن تَرتيبِ مَعطوفِها يَجوزُ أنْ يَكونَ تَرتيبًا في الفَضلِ؛ بأنْ يُرادَ أنَّ الزَّجرَ وتِلاوةَ الذِّكرِ أفضَلُ مِنَ الصَّفِّ؛ لِأنَّ الاصطِفافَ مُقدِّمةٌ لها، ووسيلةٌ، والوَسيلةُ دونَ المُتوَسَّلِ إليه، وأنَّ تِلاوةَ الذِّكرِ أفضَلُ مِنَ الزَّجرِ، باعتِبارِ ما فيها مِن إصلاحِ المَخلوقاتِ المَزجورةِ بتَبليغِ الشَّرائِعِ إنْ كانتِ التِّلاوةُ تِلاوةَ الوَحيِ المُوحَى به لِلرُّسُلِ، أو بما تَشتَمِلُ عليه التِّلاوةُ مِن تَمجيدِ اللهِ تَعالى؛ فإنَّ الأعمالَ تَتفاضَلُ تارةً بتَفاضُلِ مُتَعلَّقاتِها، فيَكونَ مِن بابِ التَّرقِّي مِنَ الأدْنَى إلى الأعلى، وإمَّا على العَكسِ، أي: يُمكِنُ أنْ يكونَ الأوَّلُ هو الأفضَلَ، فيَكونَ مِن بابِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ؛ لِلاعتِناءِ بالأهَمِّ، وما هو أوْلَى بالعِنايةِ وأجدَرُ بأنْ يَقرَعَ السَّمعَ [71] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/34)، ((تفسير البيضاوي)) (5/5)، ((تفسير أبي حيان)) (9/90)، ((تفسير أبي السعود)) (7/183، 184)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/85)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/245). قال الشنقيطي: (والأظهَرُ الَّذي لا يَلزَمُه إشكالٌ: أنَّ التَّرتيبَ بالفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرتيبِ الذِّكريِّ. والإتيانُ بأداةِ التَّرتيبِ لمجَرَّدِ التَّرتيبِ الذِّكريِّ فقط دونَ إرادةِ ترتيبِ الصِّفاتِ أو المَوصوفاتِ: أسلوبٌ عَربيٌّ مَعروفٌ جاء في القُرآنِ في مواضِعَ، وهو كثيرٌ في كلامِ العرَبِ). ((أضواء البيان)) (6/304). .
2- قولُه تعالَى: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ
- جُملةُ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ جَوابُ القَسَمِ، وفائِدتُه تَعظيمُ المُقسَمِ به، وتَأكيدُ المُقسَمِ عليه، والجُملةُ تَحقيقٌ لِلحَقِّ الَّذي هو التَّوحيدُ، بما هو المَألوفُ في كَلامِهم مِنَ التَّأكيدِ القَسَميِّ، وتَمهيدٌ لِمَا يَعقُبُه مِنَ البُرهانِ في قَولِه: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ؛ فإنَّ وُجودَها وانتِظامَها على هذا النَّمَطِ البَديعِ مِن أوضَحِ دَلائلِ وُجودِ الصَّانعِ وعِلْمِه وقُدرَتِه، وأعدَلِ شَواهِدِ وَحْدَتِه، ومَناطُ التَّأكيدِ صِفةُ (وَاحِدٌ)؛ لِأنَّ المُخاطَبينَ كانوا قد عَلِموا أنَّ لهم إلهًا، ولكنَّهم جَعَلوه عِدَّةَ آلهةٍ، فأبطَلَ اعتِقادَهم بإثباتِ أنَّه واحِدٌ غَيرُ مُتعَدِّدٍ، وهذا إنَّما يَقتَضي نَفْيَ الإلهيَّةِ عنِ المُتعَدِّدينَ، وأمَّا اقتِضاؤُه تَعيينَ الإلهيَّةِ للهِ تعالى فذلك حاصِلٌ بأنَّهم لا يُنكِرونَ أنَّ اللهَ تَعالى هو الرَّبُّ العَظيمُ، ولكنَّهم جَعَلوا له شُرَكاءَ، فحَصَلَ التَّعدُّدُ في مَفهومِ الإلهِ؛ فإذا بَطَلَ التَّعدُّدُ تَعيَّنَ انحِصارُ الإلهيَّةِ في رَبٍّ واحِدٍ هو اللهُ تعالى [72] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/5)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/116)، ((تفسير أبي السعود)) (7/184)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/85، 86). .
- قَولُه: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ أتْبَعَ تأْكيدَ الإخبارِ عن وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى بالاستِدلالِ على تَحقيقِ ذلك الإخبارِ؛ لِأنَّ القَسَمَ لِتَأكيدِه لا يُقنِعُ المُخاطَبينَ؛ لِأنَّهم مُكذِّبونَ مَن بَلَّغَ إليهم القَسَمَ؛ فالجُملةُ استِئنافٌ بَيانيٌّ لِبَيانِ الإلهِ الواحِدِ، مع إدماجِ الاستِدلالِ على تَعيينِه بذِكرِ ما هو مِن خَصائِصِه المُقتَضي تَفرُّدَه بالإلهيةِ، فقَولُه: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَبَرٌ لِمُبتَدأٍ مَحذوفٍ -على قولٍ- جَرَى حَذْفُه على طَريقةِ الاستِعمالِ في حَذفِ المُسنَدِ إليه مِنَ الكَلامِ الوارِدِ بعدَ تَقدُّمِ حديثٍ عنه؛ فإنَّ المُشرِكينَ مع غُلُوِّهم في الشِّركِ لم يَتجَرَّؤوا على ادِّعاءِ الخالِقيَّةِ لِأصنامِهم، ولا التَّصرُّفِ في العوالِمِ العُلويَّةِ، وكيف يَبلُغونَ إليها وهمْ لَقًى -أي: مُلْقَون؛ لِهَوانِهم- على وَجهِ الأرضِ، فكان تَفَرُّدُ اللهِ بالخالِقيَّةِ أفْحَمَ حُجَّةٍ عليهم في بُطلانِ إلهيَّةِ الأصنامِ، وشَمِلَ قولُه: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا جَميعَ العوالِمِ المَشهودةِ لِلنَّاسِ بأجْرامِها وسُكَّانِها والمَوجوداتِ فيها [73] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/86). .
- وإعادةُ رَبُّ في قَولِه: وَرَبُّ الْمَشَارِقِ؛ لِغايةِ ظُهورِ آثارِ الرُّبوبيَّةِ فيها، وتَجدُّدِها كُلَّ يَومٍ مع كُلِّ شُروقٍ [74] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/184). .
- وتَخصيصُ المَشارِقِ بالذِّكرِ؛ لِأنَّها أحوالٌ مَشهودةٌ كُلَّ يَومٍ، ولِأنَّها مَطالِعُ الأنوارِ، والإبصارُ بها أكلَفُ، وذِكرُها يُغْني عن ذِكرِ المَغارِبِ؛ إذْ ذاك مَفهومٌ مِنَ المَشارِقِ [75] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/5)، ((تفسير أبي حيان)) (9/90)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/86). ، أو أنَّه خصَّها توطئةً لِمَا ذَكَر بعدَها مِن تزيينِ السَّماءِ بزينة الكواكبِ، وجَعْلِها حِفظًا مِن كلِّ شيطانٍ، فذِكْرُ المشارقِ أنسَبُ بهذا المعنى وأَلْيَقُ [76] يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 428)، ((تفسير السعدي)) (ص: 700). ، أو لأنَّ الشُّروقَ أقوى حالًا مِن الغُروبِ، وأكثَرُ نفعًا مِن الغُروبِ؛ فذُكِرَ المشرقُ تنبيهًا على كثرةِ إحسانِ اللهِ تعالى على عبادِه؛ ولهذه الدَّقيقةِ استدَلَّ إبراهيمُ عليه السَّلامُ بالمَشرِقِ، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [77] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/316، 317). [البقرة:  258].
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث جَمَعَ المَشارِقَ هنا في قَولِه: وَرَبُّ الْمَشَارِقِ، وحَذَفَ مُقابِلَه، وثَنَّاه في سُورةِ (الرَّحمنِ)، وجَمَعَه في (المَعارِجِ)، وأفرَدَه في (المُزَّمِّلِ)، مع ذِكرِ مُقابِلِه في الثَّلاثةِ؛ قيل: لِأنَّ القُرآنَ نَزَلَ على المَعهودِ مِن أساليبِ كَلامِ العَرَبِ وفُنونِه، ومنها الإجمالُ والتَّفصيلُ، والذِّكرُ والحَذفُ، والجَمعُ والتَّثنيةُ والإفرادُ، باعتِباراتٍ مُختلِفةٍ، فأفرَدَ وأجمَلَ في (المُزَّمِّلِ) بقَولِه: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: 9]، أرادَ مَشرِقَ الصَّيفِ والشِّتاءِ ومَغرِبَهما، وجَمَعَ وفَصَّلَ في (المَعارِجِ) بقَولِه: فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج: 40]، أرادَ جَميعَ مَشارِقِ السَّنةِ ومَغارِبَها، وهي تَزيدُ على سَبعِ مِئةٍ، وثَنَّى وفَصَّلَ في (الرَّحمنِ) بقَولِه: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17]، أرادَ مَشرِقَيِ الصَّيفِ والشِّتاءِ ومَغرِبَيْهما، وجَمَعَ وحَذَفَ هنا بقَولِه: وَرَبُّ الْمَشَارِقِ، أرادَ جَميعَ مَشارِقِ السَّنةِ، واقتَصَرَ عليه؛ لِدَلالَتِه على المَحذوفِ، وخَصَّ ما هنا بالجَمعِ مُوافَقةً لِلجُموعِ أوَّلَ السُّورةِ، وبالحَذفِ مُناسَبةً لِلزِّينةِ في قَولِه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصَّافَّات: 6]؛ إذِ الزِّينةُ إنَّما تَكونُ في الأغلَبِ بالضِّياءِ والنُّورِ، وهما يَنْشآنِ مِنَ المَشرِقِ، لا مِنَ المَغرِبِ، وما في (الرَّحمنِ) بالتَّثنيةِ، مُوافَقةً لِلتَّثنيةِ في يَسْجُدَانِ [الرحمن: 6]، وفي فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 16]، وبذِكرِ المُتقابِلَينِ مُوافَقةً لِبَسطِ صِفاتِه تَعالى وإنْعاماتِه ثَمَّ، وما في (المَعارِجِ) بالجَمعِ؛ مُوافَقةً لِلجَمعِ قَبْلَه وبَعْدَه، وبذِكرِ المتقابلَينِ موافقةً لِكثرةِ التَّأكيدِ في القَسَمِ وجَوابِه، وما في (المُزَّمِّلِ) بالإفرادِ مُوافَقةً لِمَا قَبْلَه مِن إفرادِ ذِكرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما بعْدَه مِن إفرادِ ذِكرِ اللهِ تَعالى، وبذِكرِ المُتقابِلَينِ مُوافَقةً لِلحَصرِ في قَولِه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [المزمل: 9]، ولِبَسطِ أوامِرِ اللهِ تَعالى لِنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [78] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/34)، ((تفسير البيضاوي)) (5/5)، ((تفسير أبي حيان)) (9/90، 91)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 476-478)، ((تفسير أبي السعود)) (7/184)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/86، 87)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/304، 305). .
3- قولُه تعالَى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ كَلامٌ مُستَأنَفٌ، مَسوقٌ لِتَقريرِ لَطائِفِ صُنْعِه، وبَديعِ خَلقِه [79] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/243). .
- جُملةُ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ تَنزِلُ مِن جُملةِ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصَّافَّات: 5] مَنزِلةَ الدَّليلِ على أنَّه رَبُّ السَّمَواتِ، واقتَصَرَ على رُبوبيَّةِ السَّمَواتِ؛ لِأنَّ ثُبوتَها يَقتَضي رُبوبيَّةَ الأرضِ بطَريقِ الأَوْلى، وأدمَجَ فيها مِنَّةً على النَّاسِ -بأنْ جَعَل لهم في السَّماءِ زِينةً؛ الكَواكِبَ، تَروقُ أنظارَهم؛ فإنَّ مَحاسِنَ المَناظِرِ لَذَّةٌ لِلنَّاظِرينَ-، ومِنَّةً على المُسلِمينَ بأنْ جَعَل في تلك الكَواكِبِ حِفظًا مِن تَلقِّي الشَّياطينِ لِلسَّمعِ؛ لِقَطعِ سَبيلِ اطِّلاعِ الكُهَّانِ على بَعضِ ما سيَحدُثُ في الأرضِ؛ فلا يَفتِنوا النَّاسَ في الإسلامِ، كما فَتَنوهم في الجاهليَّةِ، ولِيَكونَ ذلك تَشريفًا لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بأنْ قُطِعتِ الكِهانةُ عِندَ إرسالِه [80] وذلك على القولِ بأنَّه زال استِراقُهم للسَّمعِ؛ ولذلك زالت الكِهانةُ. يُنظر: ((أعلام النبوة)) للماوَرْدي (ص: 167). ويُنظَرُ ما تقدَّمَ مِن الخلافِ في قَذفِ الشَّياطينِ: هل كان موجودًا قبلَ مَبعَثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو كان لأجْلِ مَبعَثِه؟ (ص: 322). ، ولِلإشارةِ إلى أنَّ فيها مَنفعةً عَظيمةً دينيَّةً، وهي قَطعُ دابِرِ الشَّكِّ في الوَحْيِ، كما أنَّ فيها مَنفَعةً دُنيويَّةً، وهي الزِّينةُ، والاهتِداءُ بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/87). .
- قَولُه: بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ بالجَرِّ، بَدَلٌ مِن (زِينَةٍ)، على أنَّ المُرادَ بها الاسمُ، أيْ: ما يُزيَّنُ به، لا المَصدرُ؛ فإنَّ الكَواكبَ بأنْفُسِها وأوضاعِ بَعضِها مِن بَعضٍ زِينةٌ، وأيُّ زِينةٍ. وقُرئَ بالإضافةِ [82] يُنظر ما تقدم (ص: 313). ؛ على أنَّها بَيانيَّةٌ؛ لِمَا أنَّ الزِّينةَ مُبهَمةٌ صادِقةٌ على كُلِّ ما يُزانُ به، فتَقَعُ الكَواكِبُ بَيانًا لها. ويَجوزُ أنْ يُرادَ بزينةِ الكَواكِبِ ما زُيِّنتْ هي به، وهو ضَوؤُها [83] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/91)، ((تفسير أبي السعود)) (7/184). .
- قَولُه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ إقْحامُ لَفظِ (زِينَةٍ) تَأكيدٌ، والباءُ لِلسَّببيَّةِ، أيْ: زَيَّنَّا السَّماءَ بسَبَبِ زينةٍ؛ الكَواكِبِ، فكَأنَّه قيل: إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بالكَواكِبِ تَزيينًا، فكان بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ في قُوَّةِ: بالكَواكِبِ تَزيينًا، فقَولُه: بِزِينَةٍ مَصدَرٌ مُؤكِّدٌ لِفِعلِ زَيَّنَّا في المَعنى، ولكنْ حُوِّلَ التَّعليقُ، فجُعِلَ (زِينَةٍ) هو المُتعَلِّقَ بـ زَيَّنَّا؛ لِيُفيدَ مَعنى التَّعليلِ ومعنى الإضافةِ في تركيبٍ واحِدٍ على طَريقةِ الإيجازِ؛ لِأنَّه قد عُلِمَ أنَّ الكَواكِبَ زينةٌ مِن تَعليقِه بفِعلِ زَيَّنَّا مِن غَيرِ حاجةٍ إلى إعادةِ (زِينَةٍ) لولا ما قُصِدَ مِن مَعنى التَّعليلِ والتَّوكيدِ [84] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/88). .
- وخَصَّ سَماءَ الدُّنيا بالذِّكرِ وبزِينةِ الكَواكِبِ، مع أنَّ بَقيَّةَ السَّمَواتِ مُزيَّنةٌ بذلك؛ لِأنَّها الَّتي تُشاهَدُ بالأبصارِ، والحِفظُ مِنَ الشَّياطينِ إنَّما هو فيها وَحْدَها [85] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/91)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 475). .
4- قولُه تعالَى: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ
- قَولُه: وَحِفْظًا إمَّا أنْ يَكونَ مَعطوفًا على بِزِينَةٍ مِن حيثُ المَعنى؛ لِأنَّه في الحَقيقةِ مَفعولٌ له لِقَولِه: زَيَّنَّا، والتَّقديرُ: خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينةً وحِفظًا، وإمَّا أنْ يُقَدَّرَ النَّاصِبُ ويُؤخَّرَ، وهو (زَيَّنَّاها)؛ لِيُفيدَ الاهتِمامَ، أو يُقدَّمَ، بأنْ يُقالَ: وحَفِظْناها حِفظًا؛ لِيُفيدَ التَّوكيدَ. وفيه تَوكيدٌ آخَرُ، ودَلالةٌ على أنَّ الحِفظَ أهَمُّ مِنَ التَّزيينِ وأعْنَى؛ ولذلك أتْبَعَه اللهُ عزَّ وجلَّ قَولَه: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى [86] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/119)، ((تفسير أبي السعود)) (7/185). [الصَّافَّات: 8].
- وقال في سورة (النساء) شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء: 117]، وجاءَتْ لَفظةُ مَارِدٍ هنا؛ مُراعاةً لِلفَواصِلِ [87] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/91). .
5- قولُه تعالَى: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
- قَولُه: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى كلامٌ مُنقَطِعٌ، مُبتَدأٌ، مُستَطرَدٌ لِمَا عليه حالُ المُستَرِقةِ لِلسَّمعِ، بعدَ بَيانِ حِفظِ السَّماءِ عنهم، مع التَّنبيهِ على كَيفيَّةِ الحِفظِ، وما يَعتَريهم في أثناءِ ذلك مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لا يَقدِرونَ أنْ يَستَمِعوا إلى كَلامِ المَلائِكةِ، أو يَتسَمَّعوا، وهمْ مَقذوفونَ بالشُّهُبِ، مَدْحُورونَ عن ذلك، إلَّا مَن أُمهِلَ حتَّى خَطِفَ خَطفةً، واستَرَقَ استِراقةً؛ فعِندَها تُعاجِلُه الهَلَكةُ بإتْباعِ الشِّهابِ الثَّاقِبِ [88] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/35، 36)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6)، ((تفسير أبي حيان)) (9/91، 92)، ((تفسير أبي السعود)) (7/185). .
- مِن قَولِه: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى إلى قَولِه تَعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصَّافَّات: 10] اعتِراضٌ بَينَ جُملةِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا [الصَّافَّات: 6]، وجُملةِ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا [الصَّافَّات: 11]، قُصِدَ منه وَصْفُ قِصَّةِ طَردِ الشَّياطينِ. وعلى تَقديرِ قَولِه: وَحِفْظًا [الصَّافَّات: 7] مَصدَرًا نائِبًا مَنابَ فِعلِه، يَجوزُ جَعلُ جُملةِ لَا يَسَّمَّعُونَ بَيانًا لِكَيفيَّةِ الحِفظِ، فتَكونُ الجُملةُ في مَوقِعِ عَطفِ البَيانِ مِن جُملةِ وَحِفْظًا، أي: انتَفَى بذلك الحِفظِ سَمعُ الشَّياطينِ لِلمَلأِ الأعلى [89] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/91). .
- قَولُه: لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى لَفظُ (يَسَّمَّعُ) المُعَدَّى بنَفْسِه يُفيدُ الإدراكَ، والمُعَدَّى بـ (إلى) يُفيدُ الإصغاءَ مع الإدراكِ، مُبالَغةً وتَهويلًا لِمَا يَمنَعُهم عنه [90] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/36)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/123)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/92). . وقيل: حرفُ (إلى) يُشيرُ إلى تضمينِ فِعلِ يَسَّمَّعُونَ معنى (ينتَهونَ) [91] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/92). .
- قَولُه: الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَصْفُ المَلأِ بالأعلى؛ لِتَشريفِ المَوصوفِ [92] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/92). .
- قَولُه: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إسنادُ فِعلِ (يُقْذَفُونَ) لِلمَجهولِ؛ لِأنَّ القاذِفَ مَعلومٌ، وهمُ المَلائِكةُ المُوكَّلونَ بالحِفظِ المُشارِ إليه في قَولِه تَعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: 8] [93] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/92، 93). . وقيل: لأنَّ النَّافِعَ قَذفُهم، لا تعيينُ قاذِفِهم، مع أنَّه أدَلُّ على القُدرةِ الإلهيَّةِ عَزَّت وجَلَّت [94] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/197). .
6- قولُه تعالَى: دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ
- قَولُه: دُحُورًا عِلَّةٌ لِلقَذفِ، أي: لِلدُّحورِ، أو حالٌ بمَعنى مَدحورينَ، أو مَصدَرٌ مُؤكِّدٌ لِلقَذفِ؛ لِأنَّهما مِن وادٍ واحِدٍ [95] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/36)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6)، ((تفسير أبي السعود)) (7/185). .
7- قولُه تعالَى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
- الخَطفُ: ابتِدارُ تَناوُلِ شَيءٍ بسُرعةٍ، والخَطفةُ: المَرَّةُ منه، فهو مَفعولٌ مُطلَقٌ لِـ (خَطِفَ)؛ لِبيانِ عَدَدِ مَرَّاتِ المَصدَرِ، أيْ: خَطفةً واحِدةً، وأُريدَ به هنا الإسراعُ بسَمعِ ما يَستَطيعونَ سَمْعَه مِن كَلامٍ غَيرِ تامٍّ [96] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/93). ، والمُرادُ: اختِلاسُ كَلامِ المَلائِكةِ مُسارَقةً، كما يُعرِبُ عنه تَعريفُ الْخَطْفَةَ [97] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/6)، ((تفسير أبي السعود)) (7/185). .