موسوعة التفسير

سورةُ الصَّافَّاتِ
الآيات (11-21)

ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ

غَريبُ الكَلِماتِ:

فَاسْتَفْتِهِمْ: أي: سَلْهم، واستَخبِرْهم، وأصلُ (فتي): يدُلُّ على تبيينِ حُكمٍ [98] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 110)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/473)، ((تفسير ابن كثير)) (7/42)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 318)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 116). .
لَازِبٍ: أي: مُلتَصِقٍ ثابتٍ، وأصلُ (لزب): يدُلُّ على ثُبوتِ شَيءٍ، ولُزومِه [99] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (1/483)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 499)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/245)، ((المفردات)) للراغب (ص: 739). .
يَسْتَسْخِرُونَ: أي: يُبالِغونَ في السُّخْرِيةِ، وأصلُ (سخر): يدُلُّ على احتِقارٍ واستِذلالٍ [100] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 520)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/144)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 352)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 989). .
دَاخِرُونَ: أي: صاغِرونَ أذِلَّاءُ، وأصلُ (دخر): يدُلُّ على الذُّلِّ [101] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 387)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/333)، ((المفردات)) للراغب (ص: 309)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 278)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 325)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 453). .
زَجْرَةٌ: أي: نَفخةٌ، والزَّجرةُ: الصَّيحةُ بشِدَّةٍ وانتهارٍ، وأصلُ (زجر): يدُلُّ على طَردٍ بصَوتٍ [102] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 253)، ((المفردات)) للراغب (ص: 378)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 319)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 352). .
يَا وَيْلَنَا: الوَيْلُ: كَلِمةٌ تُقالُ عند الهَلَكةِ، وهي دعاءٌ بالهلاكِ والعذابِ [103] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/164)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 888). .
الدِّينِ: أي: الجزاءِ والمحاسبةِ، يُقالُ: دِنْتُه بما صَنَع، أي: جازيتُه، وأصلُ (دين): جِنْسٌ مِن الانقيادِ [104] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 38)، ((تفسير ابن جرير)) (19/518)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 226)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/319)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 323). .

المعنى الإجماليُّ:

يقولُ تعالى آمِرًا نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بتوبيخِ هؤلاء المشركينَ: فاسأَلْ -يا مُحمَّدُ- أولئك المُشرِكينَ المُنكِرينَ للبَعثِ: أهُم أعظَمُ خَلْقًا أمْ مَن خلَقْنا، كالسَّمواتِ والأرضِ وغَيرِهما؟! إنَّا خلَقْناهم مِن طينٍ مُلتَصِقٍ بَعضُه ببَعضٍ!
بل عَجِبْتَ -يا محمَّدُ- مِن تَكذيبِهم بالبَعثِ، والحالُ أنَّهم يَسخَرونَ مِن تعَجُّبِك ومِن إنكارِك عليهم ذلك، وإذا ذُكِّروا بالقُرآنِ فإنَّهم لا يَنتَفِعونَ بالتَّذكيرِ، وإذا رأوا مُعجِزةً تدُلُّ على صِدقِك يُبالِغونَ في السُّخريةِ وفي الاستِهزاءِ. وقالوا: ما هذا الَّذي جِئْتَنا به إلَّا سِحرٌ واضِحٌ، أئِذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمبعوثونَ بعدَ ذلك، وآباؤُنا الَّذين ماتوا قَبْلَنا كذلك يُبعَثون؟!
قُلْ لهم -يا محمَّدُ: نَعَم، سيَبعثُكم اللهُ أحياءً، وأنتم أذِلَّاءُ صاغِرونَ! فإنَّما هي صَيحةٌ واحِدةٌ، فإذا هم قِيامٌ مِن قُبورِهم يَنظُرونَ، يَقولونَ نادِمينَ على تَكذيبِهم بالبَعثِ: يا وَيْلَنا، هذا يَومُ الحِسابِ والجَزاءِ، فيُقالُ لهم: هذا يومُ الفَصلِ والقَضاءِ الَّذي كُنتُم تُكَذِّبونَ به في الدُّنيا!

تَفسيرُ الآياتِ:

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
افتتح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ بإثباتِ ما يَدُلُّ على وحدانيَّتِه، وهو: خَلقُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما، وخَلْقُ المشارِقِ والمغارِبِ، فلمَّا أحكَمَ الكلامَ في هذا البابِ؛ فرَّع عليها إثباتَ القَولِ بالحَشرِ والنَّشرِ والقيامةِ [105] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/321). .
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا.
أي: فاسأَلِ المُشرِكينَ المُنكِرينَ للبَعثِ -يا محمَّدُ-: أهُم أقوَى وأعظَمُ خَلقًا أم مَن خَلَقْنا سِواهم؛ كالسَّمَواتِ والأرضِ والكواكِبِ، والملائِكةِ والشَّياطينِ [106] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/509)، ((تفسير القرطبي)) (15/68)، ((تفسير ابن كثير)) (7/7)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/94، 95)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/306). قال الألوسي: (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أي: أقوى خِلقةً وأمْتَنُ بِنْيَةً، أو أصعَبُ خَلقًا وأشَقُّ إيجادًا). ((تفسير الألوسي)) (12/73). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ بقولِه: أَمْ مَنْ خَلَقْنَا أي: مَن عَدَدْنا خَلْقَه ممَّن تقدَّم ذِكرُه مِن الملائكةِ والشَّياطِينِ والسَّمواتِ والأرضِ إلى غيرِ ذلك مِن المخلوقاتِ العظيمةِ: ابنُ جرير، والسمرقندي، ومكِّي، والزمخشري، والرازي، والرسعني، والبيضاوي، وابن جُزَي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/509)، ((تفسير السمرقندي)) (3/137)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/6086)، ((تفسير الزمخشري)) (4/37)، ((تفسير الرازي)) (26/322)، ((تفسير الرسعني)) (6/374)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6)، ((تفسير ابن جزي)) (2/189)، ((تفسير ابن كثير)) (7/7)، ((فتح القدير)) للشوكاني (4/445)، ((تفسير الألوسي)) (12/73). قال ابنُ جُزَي: (ومَقصَدُ الآيةِ: إقامةُ الحُجَّةِ عليهم في إنكارِهم البَعثَ في الآخرةِ، كأنَّه يقولُ: هذه المخلوقاتُ أشَدُّ خَلقًا مِنكم، فكما قَدَرْنا على خَلْقِهم كذلك نَقدِرُ على إعادتِكم بعدَ فَنائِكم). ((تفسير ابن جزي)) (2/189). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/509). وقال الرازي: (التَّقديرُ كأنَّه تعالى يقولُ: استَفْتِ يا محمَّدُ هؤلاء المُنكِرين أهُمْ أشَدُّ خَلقًا مِن خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما، وخَلقِ المَشارِقِ والمَغارِبِ، وخَلقِ الشَّياطينِ الَّذين يَصعَدون الفلَكَ؟! ولا شكَّ أنَّهم يَعترِفون بأنَّ خَلقَ هذا القِسْمِ أشَقُّ وأشَدُّ في العُرفِ مِن خَلقِ القِسمِ الأوَّلِ، فلمَّا ثبَت بالدَّلائلِ المذكورةِ في إثباتِ التَّوحيدِ كَوْنُه تعالى قادرًا على هذا القِسمِ الَّذي هو أشَدُّ وأصعبُ، فبِأَنْ يَكونَ قادرًا على إعادةِ الحياةِ في هذه الأجسادِ كان أَوْلى، ونظيرُ هذه الدَّلالةِ قولُه تعالى في آخِرِ يس: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81] ). ((تفسير الرازي)) (26/322). وقيل: المرادُ بقَولِه تعالى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أي: إيجادُهم بعدَ موتِهم أشَدُّ خَلقًا وأشَقُّ أَمْ مَنْ خَلَقْنَا مِن هذه المخلوقاتِ؟ فلا بدَّ أن يُقِرُّوا أنَّ خَلقَ السَّمَواتِ والأرضِ أكبَرُ مِن خلقِ النَّاسِ؛ فيَلزَمُهم إذَن الإقرارُ بالبَعثِ. وممَّن قال بهذا المعنى في الجملةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسعديُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/603)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/94). وقيل: المعنى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا أي: مِن الأممِ الخاليةِ. وممَّن اختاره: الثعلبيُّ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/140). والمعنى على ذلك: أهُمْ أشَدُّ خَلقًا أمْ مَن خلَقْنا مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ قَبْلَهم، وقد أهلَكْنا أولئك حينَ كذَّبوا وكَفَروا وكانوا أشَدَّ منهم قُوَّةً وأعظَمَ بَطشًا، فما ظَنُّ هؤلاء؟! يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (6/374). قال الزمخشري: (وليس هذا القولُ بملائمٍ). ((تفسير الزمخشري)) (4/37) قال الطِّيبي: (لأنَّ مَنْ خَلَقْنَا مُطْلَقٌ يُحمَلُ على المُقيَّدِ، ولم يَسبِقْ للأُمَمِ الماضيةِ ذِكرٌ، وقد سبق ذِكرُ الملائكةِ والسَّمواتِ وغيرِهما؛ فوجَبَ تقييدُه بها... وأيضًا الفاءُ في قوله: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا يقتضي ترتُّبَ الثَّاني على الأوَّلِ). ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/127). ويُنظر: ((تفسير الألوسي)) (12/74). ؟!
كما قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات: 27].
ثُمَّ بَيَّن الله تعالى أنَّهم خُلِقوا مِن شَيءٍ ضعيفٍ، فقال [107] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/7). :
إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ.
أي: إنَّا ابتَدَأْنا خَلْقَ النَّاسِ مِن طِينٍ لاصقٍ [108] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/510، 511)، ((تفسير القرطبي)) (15/68)، ((تفسير ابن كثير)) (7/7، 8)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/95)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/307). .
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا قرَّر الدَّليلَ القاطِعَ في إثباتِ إمكانِ البَعثِ والقيامةِ؛ حكى عن المُنكِرينَ أشياءَ، أوَّلُها: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتعجَّبُ مِن إصرارِهم على الإنكارِ، وهم يَسخَرونَ منه في إصرارِه على الإثباتِ [109] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/324). !
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ عَجِبْتُ بضَمِّ التَّاءِ، على معنى: إخبارِ اللهِ تعالى عن نَفْسِه بالعَجَبِ؛ إمَّا مِن إنكارِهم البَعثَ، أو سُخرِيتِهم مِنَ الرَّسولِ والقُرآنِ، وتَكذيبِهم به، أو مِن اتِّخاذِهم شَريكًا مع اللهِ تعالى، وعلى هذه القِراءةِ فالآيةُ مِن آياتِ الصِّفاتِ، والعَجَبُ صِفةٌ لله يجِبُ الإيمانُ بها على الوَجهِ الَّذي يَليقُ باللهِ سُبحانَه وتعالى [110] قرأ بها حمزةُ والكِسائيُّ وخَلَفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/356). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (19/513)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 301، 302)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 606 - 608)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/308). .
2- قِراءةُ عَجِبْتَ بفَتحِ التَّاءِ، خِطابٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [111] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/356). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 301، 302)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 606، 607). .
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12).
أي: بل عَجِبْتَ -يا مُحمَّدُ- مِن تَكذيبِهم بالبَعثِ بعدَ المَوتِ، وهم بخِلافِ ذلك يَسخَرونَ ممَّا تَقولُ في شأنِ البَعثِ [112] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/513، 514)، ((تفسير الزمخشري)) (4/37)، ((تفسير القرطبي)) (15/69، 70)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701). وممَّن قال بهذا المعنى المذكورِ: ابنُ كثير، والبِقاعي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701). قال ابن عطيَّة: (أي: عَجِبتَ يا محمَّدُ مِن إعراضِهم عن الحقِّ، وعَماهُم عن الهُدى، وأن يَكونوا كافرين مع ما جِئتَهم به مِن عندِ الله). ((تفسير ابن عطية)) (4/467). وقيل: المرادُ: عَجَبُه ممَّا نَزَل عليه مِن القُرآنِ. وممَّن قال بهذا المعنى: الزَّجَّاجُ، والسمرقندي، والسمعاني، والقرطبي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/299)، ((تفسير السمرقندي)) (3/137)، ((تفسير السمعاني)) (4/394)، ((تفسير القرطبي)) (15/69). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/514). قال القُرطبي: (وَيَسْخَرُونَ قيل: الواوُ واوُ الحالِ، أي: عَجِبتَ منهم في حالِ سُخريتِهم. وقيل: تمَّ الكلامُ عندَ قَولِه: بَلْ عَجِبْتَ، ثمَّ استأنفَ فقال: وَيَسْخَرُونَ أي: مِمَّا جِئتَ به إذا تَلَوْتَه عليهم. وقيل: يَسخَرونَ منك إذا دعَوْتَهم). ((تفسير القرطبي)) (15/71). !
كما قال تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: 5] .
وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13).
أي: وإذا ذُكِّرَ المُشرِكونَ بالقُرآنِ فإنَّهم لا يَنتَفِعونَ بالتَّذكيرِ [113] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/513، 514)، ((الوسيط)) للواحدي (3/523)، ((تفسير القرطبي)) (15/71)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701). قال ابن عاشور: (والتَّذكيرُ بأنْ يَذْكُروا ما يَغْفُلونَ عنه مِن قُدْرةِ اللهِ تعالى عليهم، ومِن تنظيرِ حالِهم بحالِ الأُمَمِ الَّتي استأْصَلَها اللهُ تعالى، فلا يَتَّعِظوا بذلك عنادًا، فأَطْلَقَ لَا يَذْكُرُونَ على أثَرِ الفعلِ، أي لا يَحصُلُ فيهم أثَرُ تَذَكُّرِ ما يُذَكَّرونَ به وإنْ كانوا قد ذَكَروا ذلك. ويجوزُ أنْ يُرادَ: لا يَذْكُرونَ ما ذُكِّروا به، أي: لِشِدَّةِ إعراضِهم عن التَّأمُّلِ فيما ذُكِّروا به لاستِقرارِ ما ذُكِّروا به في عقولِهم، فلا يَذْكُرونَ ما هم غافِلونَ عنه). ((تفسير ابن عاشور)) (23/97). وقيل: ذُكِّروا ما يَعرِفونَه في فِطَرِهم وعُقولِهم. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 701). !
وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى إعراضَهم عن المسموعِ؛ أتْبَعَه إعراضَهم عن المرئيِّ [114] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/203). .
وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14).
أي: وإذا رأَوا مُعجِزةً ظاهِرةً تَدُلُّ على صِدقِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسخَرونَ منها [115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/515)، ((تفسير القرطبي)) (15/71)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/97). قيل: معنى: يَسْتَسْخِرُونَ: يَسْخَرونَ. وممَّن قال بهذا المعنى: أبو عُبَيدةَ، وابنُ قُتَيْبةَ، وابنُ جرير، والواحديُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/167)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 369)، ((تفسير ابن جرير)) (19/515)، ((الوسيط)) للواحدي (3/523)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/515). وقيل: المرادُ: أنَّهم يَطلُبونَ السُّخريةَ بها، بأن يَدْعُوَ بَعضُهم بعضًا لذلك؛ مِن شِدَّةِ استِهزائِهم. وممَّن قال بذلك: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (16/203). وقيل: المعنى: يُبالِغون في السُّخْريةِ، فالسِّينُ والتَّاءُ للمُبالَغةِ. وممَّن قال بهذا المعنى: الشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/446)، ((تفسير القاسمي)) (8/205)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/98). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (4/38). !
وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15).
أي: وقال المُشرِكونَ: ما هذا الَّذي جاءَنا به محمَّدٌ إلَّا سِحرٌ في غايةِ الوُضوحِ [116] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/516)، ((تفسير الرازي)) (26/325)، ((تفسير القرطبي)) (15/71)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير الشوكاني)) (4/446). قيل: المرادُ أنَّ المُعجِزةَ الَّتي جاءَتهم سِحرٌ. وممَّن قال بذلك: الرازيُّ، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/325)، ((تفسير القرطبي)) (15/71). وقيل: المرادُ أنَّ دعوى إعادةِ الحياةِ بعدَ البِلى كلامُ سِحرٍ مُبينٌ، أي: كلامٌ لا يُفهَمُ، قُصِدَ به سِحرُ السَّامِعِ. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/98). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/204). .
كما قال اللهُ تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس: 76] .
وقال سُبحانَه: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [هود: 7] .
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى يُبَيِّنُ السَّبَبَ الَّذي يَحمِلُ الكافِرينَ على الاستِهزاءِ بالقَولِ بالبَعثِ، وعلى عَدَمِ الالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدَّالَّةِ على صِحَّةِ القَولِ، وعلى الاستِهزاءِ بجَميعِ المُعجِزاتِ، وهو قَولُهم [117] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/325). :
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16).
أي: قال المُشرِكونَ استِبعادًا وإنكارًا لوُقوعِ البَعثِ: أئِذا مِتْنا وصِرْنا في قُبورِنا تُرابًا وعِظامًا أئِنَّا لَمبعوثونَ أحياءً مِن بعدِ ذلك [118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/516)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 46). ؟!
أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17).
أي: أَوَيُبعَثُ أيضًا آباؤُنا الَّذين ماتوا قَبْلَنا، وطال مُكثُهم تحتَ الأرضِ، وتلاشَت أجزاؤُهم، فلم يَبقَ لها أثَرٌ [119] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/516)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/205)، ((تفسير العليمي)) (5/509)، ((تفسير ابن عجيبة)) (4/593)، ((تفسير الألوسي)) (12/76، 77). ؟!
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى إمكانَ البَعثِ؛ بيَّنَ وُقوعَه [120] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/322). ، فقال:
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18).
أي: قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: نَعَم، سيَبعثُكم اللهُ أحياءً بعدَ أن تَصيروا تُرابًا وعِظامًا، ويَبعَثُ آباءَكم الأوَّلينَ، وأنتم أذِلَّاءُ صاغِرونَ [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/516، 517)، ((تفسير القرطبي)) (15/72)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير السعدي)) (ص: 701)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/99). وممَّن قال بالمعنى المذكورِ: ابنُ جرير، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: المصادِرُ السَّابقةُ. قال القرطبي: (وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ أي: صاغِرونَ أذِلَّاءُ؛ لأنَّهم إذا رأَوا وُقوعَ ما أنكَروه فلا محالةَ يَذِلُّونَ. وقيل: أي: ستَقومُ القيامةُ وإن كرِهتُم، فهذا أمرٌ واقِعٌ على رَغمِكم، وإن أنكَرْتُموه اليومَ بزَعمِكم). ((تفسير القرطبي)) (15/72). وممَّن جمَع بيْن المعنيَينِ المذكورينِ: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/205). .
كما قال تعالى وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: 87] .
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّنَ في الآيةِ المتقَدِّمةِ ما يدُلُّ على إمكانِ البَعثِ والقيامةِ، ثمَّ أردَفَه بما يدُلُّ على وُقوعِ القيامةِ؛ ذكَرَ في هذه الآياتِ بعضَ تفاصيلِ أحوالِ القيامةِ [122] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/325). :
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19).
أي: فإنَّما هي [123] قال ابنُ عثيمين: (الضَّميرُ مَرجِعُه مُستفادٌ مِن الخبرِ، أي: فإنَّما الزَّجرةُ لِبَعثِهم زَجرةٌ واحِدةٌ... وقال بَعضُهم فَإِنَّمَا هِيَ أي: البَعثةُ الَّتي يُبعَثونَها، أي: ما بَعْثَتُهم إلَّا زَجرةٌ واحِدةٌ، أي: بزَجرةٍ واحِدةٍ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 51). وقال ابنُ عاشور: (وضميرُ هِيَ ضميرُ القصَّةِ، وهو ضميرُ الشَّأْنِ. واختِيرَ الضَّميرُ المؤَنَّثُ؛ لِيَحْسُنَ عَوْدُه إلى زَجْرَةٌ، وهذا مِن أحسَنِ استِعمالاتِ ضميرِ الشَّأْنِ). ((تفسير ابن عاشور)) (30/72). صَيحةٌ واحِدةٌ بلا تَكرارٍ، فيَخرُجونَ مِن الأرضِ أحياءً يَنظُرونَ [124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/517)، ((تفسير القرطبي)) (15/72)، ((تفسير البيضاوي)) (5/7، 8)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير الإيجي)) (3/440)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/99، 100). قال ابن جُزَي: (فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ يحتمِلُ أن يكونَ مِن النَّظَرِ بالأبصارِ، أو مِنَ الانتِظارِ، أي: يَنتَظِرونَ ما يُفعَلُ بهم). ((تفسير ابن جزي)) (2/190). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/468). وممَّن اختار القَولَ الأوَّلَ: ابنُ جرير، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/517)، ((تفسير القرطبي)) (15/72)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير الشوكاني)) (4/447). واختلَف أصحابُ هذا القَولِ في هذا النَّظَرِ: إلى أيِّ شَيءٍ يكونُ؟ فقيل: يَنظُرونَ إلى ما كانوا يُوعَدونَه مِن قيامِ السَّاعةِ وأهوالِها، ويُعايِنونَه. وقيل: يُبصِرونَ ما يَفعَلُ اللهُ بهم مِن العَذابِ. وقيل: يَنظُرُ بَعضُهم إلى بعضٍ. تُنظر: المصادِرُ السَّابقةُ. وممَّن اختار أنَّ يَنْظُرُونَ بمعنى: يَنتَظِرونَ: السَّمعانيُّ، وهو ظاهِرُ اختيارِ العُلَيمي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/395)، ((تفسير العليمي)) (5/510). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((... يُصعَقُ النَّاسُ، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ -أو قال: يُنزِلُ اللهُ- مَطَرًا كأنَّه الطَّلُّ أو الظِّلُّ، فتَنبُتُ منه أجسادُ النَّاسِ، ثمَّ يُنفَخُ فيه أُخرى، فإذا هم قيامٌ يَنظُرونَ، ثمَّ يُقالُ: يا أيُّها النَّاسُ، هَلُمَّ إلى رَبِّكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)) [125] رواه مسلم (2940). .
وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20).
أي: ويَقولُ المُشرِكونَ إذا بعَثَهم اللهُ يومَ القيامةِ نادِمينَ ومُتحَسِّرينَ على تَكذيبِهم بالبَعثِ:
يا وَيْلَنا، هذا يومُ الحِسابِ والجَزاءِ [126] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/517)، ((تفسير القرطبي)) (15/72)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). .
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21).
أي: فيُقالُ لهم يومَ القيامةِ: هذا يومُ حُكمِ اللهِ وقَضائِه بيْنَ عبادِه، الَّذي كنتُم في الدُّنيا تُكذِّبونَ به [127] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/604)، ((تفسير ابن جرير)) (19/518)، ((تفسير ابن عطية)) (4/468)، ((تفسير ابن كثير)) (7/8)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/101). قال ابنُ عطيَّة: (أجمَعوا أنَّ قَولَه تعالى: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ إلى آخِرِ الآيةِ: ليس مِن قَولِ الكَفَرةِ، وإنَّما المعنى: يُقالُ لهم...). ((تفسير ابن عطية)) (4/468). وذكر الزمخشريُّ احتمالًا أن يكونَ مِن كلامِ الكَفَرةِ بعضِهم مع بعضٍ، وجَوَّزَه ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/38)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/101). واستظهره أبو حيَّانَ، قال: (والظَّاهرُ أنَّ قولَه: يَا وَيْلَنَا مِن كلامِ بعضِ الكفَّارِ لبعضٍ، إلى آخِرِ الجُملتَينِ، أقَرُّوا بأنَّه يومُ الجزاءِ، وأنَّه يومُ الفصلِ، وخاطَبَ بعضُهم بعضًا). ((تفسير أبي حيان)) (9/96). .
كما قال تعالى: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [المرسلات: 38، 39].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:

1- قال الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ المخلوقُ مِن الماءِ والطِّينِ بَشَرٌ ضَعيفٌ، لا يَملِكُ لِنَفْسِه ولا لِمَن تعلَّقَ به: جَلْبَ مَنفعةٍ، ولا دَفْعَ مَضَّرةٍ؛ فإنَّ الماءَ والطِّينَ مُنفَعِلٌ لا فاعِلٌ، وعاجِزٌ مَهِينٌ لا قَويٌّ مَتينٌ، فحقيقٌ بابنِ الماءِ والطِّينِ أن يَشْخَصَ عنه القلبُ لا إليه، وأنْ يُعَوِّلَ على خالقِه وحْدَه لا عليه، وأن يَجعلَ رغبتَه كلَّها فيه وفيما لَدَيْه [128] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/397). .
2- في قَولِه تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ أنَّه يَجِبُ على الدُّعاةِ إلى الحَقِّ أن يَصبِروا على ما يَنالُهم مِن النَّاسِ مِن السُّخْريةِ، ولْيَعلَموا أنَّ العاقبةَ للمُتَّقينَ، وإذا كان الرُّسُلُ قد سَخِرَ النَّاسُ منهم؛ فكيفَ بمَن دونَهم [129] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 43). ؟!
3- قال تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ، وقال: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] والتعجُّبُ مِن الباطلِ إنكارًا له، والتعجُّبُ مِن الباطل مبالغةً في إنكارِه واستقباحِه لا يصدرُ إلَّا مِن قلبٍ مملوءٍ بالإيمانِ، منوَّرٍ بالعرفانِ، وهو وسيلةٌ إلى تركِ ما أنكَره [130] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 56) .
4- أنَّه يجِبُ الرَّدُّ على شُبُهاتِ أهلِ الباطِلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَقُلْ: اترُكْهم، بل قال: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ [131] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 50). قال ابنُ تيميَّةَ: (يجبُ أن يُعلَمَ أنَّ الأمورَ المعلومةَ مِن دينِ المسلمينَ لا بُدَّ أن يكونَ الجوابُ عمَّا يُعارِضُها جوابًا قاطعًا لا شُبْهةَ فيه، بخِلافِ ما يَسلُكُه مَن يَسلُكُه مِن أهلِ الكلامِ الَّذين يَزعُمون أنَّهم يُبَيِّنون العِلمَ واليقينَ بالأدِلَّةِ والبراهينِ، وإنَّما يستفيدُ النَّاظرُ في كلامِهم كثرةَ الشُّكوكِ والشُّبُهاتِ... فكلُّ مَن لم يُناظِرْ أهلَ الإلحادِ والبِدَعِ مُناظَرةً تَقطَعُ دابِرَهم؛ لم يكُنْ أعطى الإسلامَ حقَّه، ولا وفَى بموجَبِ العِلمِ والإيمانِ، ولا حصَل بكلامِه شِفاءُ الصُّدورِ، وطُمأنينةُ النُّفوسِ، ولا أفاد كلامُه العِلمَ واليقينَ). ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/357). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

1- في قَولِه تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا أنَّه ينبغي في المُجادَلةِ أنْ يُؤتَى بما يُقِرُّ به الخَصمُ؛ لِيَكونَ حُجَّةً عليهم؛ لأنَّهم سَيُقِرُّون بأنَّ مَن خَلَقَه اللهُ أشَدُّ خَلقًا منهم؛ فإذا أقَرُّوا بذلك قامَت عليهم الحُجَّةُ [132] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 39). .
2- قَولُ الله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ مَن تأمَّلَ في هذه الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَت على أحسَنِ وُجوهِ التَّرتيبِ؛ وذلك لأنَّه بيَّن الإمكانَ بالدَّليلِ العَقليِّ، وبيَّن وُقوعَ ذلك المُمكِنِ بالدَّليلِ السَّمعيِ، ومِنَ المعلومِ أنَّ الزِّيادةَ على هذا البَيانِ كالأمرِ المُمتَنِعِ [133] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/325). .
3- في قَولِه تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا تَفاوُتُ الخَلقِ في العِظَمِ، فتَكونُ المخلوقاتُ مُتفاوِتةً في عِظَمِها ودَلالتِها على قُدرةِ اللهِ؛ لأنَّ ما كان أعظَمَ كان أدَلَّ على القُدرةِ [134] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 40). .
4- في قَولِه تعالى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ الإشارةُ إلى إمكانِ البَعثِ، وأنَّ اللهَ قادِرٌ عليه؛ وَجْهُه: أنَّ القادِرَ على هذه المخلوقاتِ الَّتي هي أشَدُّ خَلْقًا مِنهم، وعلى خَلقِهم مِن الطِّينِ- قادِرٌ على إعادتِهم [135] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 40). .
5- في قَولِه تعالى: مِنْ طِينٍ لَازِبٍ بَيانُ قُدرةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ حيثُ خَلَقَ هذا الإنسانَ الخَصيمَ المُبينَ مِن هذا الطِّينِ [136] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 40). !
6- في قَولِه تعالى: بَلْ عَجِبْتَ عُلُوُّ منزلةِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث اعتبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ تَعَجُّبَه تعجُّبًا يُنَوَّهُ عنه، ومعلومٌ أنَّ الَّذي يُنَوَّهُ عن أحوالِه عظيمٌ عندَ مَن نَوَّهَ عنه، بخِلاف مَن لا يُؤْبَهُ له، ولا يُهْتَمُّ به [137] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 43). .
7- في قَولِه تعالى: بَلْ عَجِبْتَ -على قراءةِ ضمِّ التَّاءِ [138] تقدمَ الكلامُ على هذه القراءةِ (ص:346). -: دَليلٌ على إثباتِ صِفةِ العَجَبِ للهِ تعالى [139] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (2/28). . وأنواعُ العَجَبِ ثلاثةُ أقسامٍ: عجَبُ استِحسانٍ، وعجَبُ إنكارٍ، وعَجَبُ استِفهامٍ، والعَجَبُ الَّذي بمعنى الاستِفهامِ لا يكونُ في حَقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه يكونُ لخَفاءِ الأسبابِ على هذا المُستَغرِبِ للشَّيءِ المتعَجَّبِ منه، بحيثُ يأتيه بَغْتةً بدُونِ تَوقُّعٍ، وهذا مُستحيلٌ على اللهِ تعالى؛ لأنَّ اللهَ تعالى بكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ. مِثالٌ للعَجَبِ الَّذي يَحمِلُ عليه الاستِحسانُ: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((قد عَجِب اللهُ مِن صَنيعِكما بضَيْفِكما اللَّيلةَ)) [140] جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاري (4889)، ومسلم (2054) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، ومِثالُ عجَبِ الإنكارِ مِن اللهِ تعالى قَولُه: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ، فهذا عَجَبُ إنكارٍ [141] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 41). .
8- أنَّ الجَدَّ يُسمَّى أبًا؛ لأنَّهم قالوا: أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ، وآباؤُهم الأوَّلُون أجدادٌ سابِقونَ، فالجَدُّ يُسمَّى أبًا، ويَتفرَّعُ على ذلك مسألةٌ فَرَضِيَّةٌ، وهي: أنَّ الجَدَّ يُسْقِطُ الإخوةَ، أشقاءَ كانوا أمْ لأبٍ أمْ لأمٍ [142] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 47). وهذا المذكورُ -أي: حَجْبُ الجدِّ للإخوةِ- هو قولُ أبي حنيفةَ، وهو خلافُ قولِ مالكٍ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ. يُنظر: ((اختلاف الأئمة العلماء)) لابن هبيرة (2/91). . كما يسقطون بالأبِ.
9- في قَولِه تعالى: وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ أنَّ المكذِّبِين بالبعثِ يُحشَرون يومَ القيامةِ صاغِرينَ، وكما في قَولِه تعالى: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [143] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 50). [الشورى: 45] .
- في قَولِه تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ بَيانُ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيثُ تَخرُجُ الخلائِقُ كُلُّها بزَجرةٍ واحدةٍ، وتَخرُجُ الخلائِقُ كُلُّها فَورًا بدونِ تأخيرٍ؛ ففيه دَليلٌ على القُدرةِ مِن وَجهَينِ؛ الوَجهُ الأوَّلُ: عدمُ تَكرارِ الأمرِ. والوَجهُ الثَّاني: سُرعةُ الائتِمارِ والامتِثالِ لأمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ [144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 59). .
10- في قَولِه تعالى: فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ دَلالةٌ على أنَّهم بمُجرَّدِ ما يَخرُجونَ يكونونَ أحياءً يَعقِلون ويُدرِكون، وليس كالطِّفلِ الَّذي يَخرُجُ مِن بطنِ أُمِّه لا يَعلمُ شَيئًا [145] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الصَّافَّات)) (ص: 51). !

بلاغةُ الآياتِ:

1- قولُه تعالَى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ
- قَولُه: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا الفاءُ تَفريعٌ على قَولِه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصَّافَّات: 6] باعتِبارِ ما يَقتَضيه مِن عَظيمِ القُدرةِ على الإنشاءِ، أيْ: فسَلْهُم عن إنكارِهمُ البَعثَ، وإحالَتِهم إعادةَ خَلقِهم بعدَ أنْ يَصيروا عِظامًا ورُفاتًا، أخَلْقُهم حينَئذٍ أشَدُّ علينا، أمْ خَلْقُ تلك المَخلوقاتِ العَظيمةِ؟! وضَميرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أيْ: فسَلْهم، وهو سُؤالُ مُحاجَّةٍ وتَغليطٍ [146] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/94). .
- وضَميرُ الغَيبةِ في قَولِه: فَاسْتَفْتِهِمْ عائِدٌ إلى غَيرِ مَذكورٍ؛ لِلعِلْمِ به مِن دَلالةِ المَقامِ، وهم الَّذين أحالوا إعادةَ الخَلقِ بَعدَ المَماتِ [147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/94). .
- وهَمزةُ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا لِلاستِفهامِ المُستَعمَلِ لِلتَّقريرِ بضَعفِ خَلقِ البَشَرِ بالنِّسبةِ لِلمَخلوقاتِ السَّماويَّةِ؛ لأنَّ الاستِفهامَ يَؤولُ إلى الإقرارِ؛ حيث إنَّه يُلجئُ المُستَفهَمَ إلى الإقرارِ بالمَقصودِ مِن طَرَفَيِ الاستِفهامِ، فالاستِفتاءُ في مَعنى الاستِفهامِ، فهو يُستعمَلُ في كُلِّ ما يُستعمَلُ فيه الاستِفهامُ، والهمزةُ أُجرِيتْ على الاستفهامِ ظاهرًا؛ لِيُجعَلَ المُقَرَّرُ غيرَ مقرَّرٍ، فيَصِحَّ دخولُ «استَفْتِهم» عليها، والفائِدةُ: الإنكارُ والتَّوبيخُ، كأنَّه لم يَعلَمْ ذلك فاستَفْهَمَ، مع أنَّ هذا الأمرَ المسؤولَ مُقرَّرٌ مُعَيَّنٌ، والأسلوبُ مِن بابِ سَوقِ المَعلومِ مَساقَ غَيرِه [148] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/36، 37)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6، 7)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/125)، ((تفسير أبي حيان)) (9/94)، ((تفسير أبي السعود)) (7/186)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/94). .
- وقَولُه: أَشَدُّ خَلْقًا يَحتمِلُ: أقوى خَلقًا، مِن قَولِهم: شَديدُ الخَلقِ، وفي خَلقِه شِدَّةٌ، على سَبيلِ الإنكارِ، وأصعَبُ خَلقًا وأشَقُّه، على مَعنى الرَّدِّ لِإنكارِهمُ البَعثَ والنَّشأةَ الأُخرى، وأنَّ مَن هانَ عليه خَلقُ هذه الخَلائِقِ العَظيمةِ، ولم يَصعُبْ عليه اختِراعُها؛ كان خَلقُ البَشَرِ عليه أهْوَنَ [149] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/36، 37)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6، 7)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/125)، ((تفسير أبي حيان)) (9/94)، ((تفسير أبي السعود)) (7/186). .
- وجاء قَولُه: أَمْ مَنْ خَلَقْنَا مُطلَقًا مِن غَيرِ تَقييدٍ بالبَيانِ؛ اكتِفاءً ببَيانِ ما تَقدَّمَه، كأنَّه قال: خَلَقْنا كذا وكذا مِن عَجائِبِ الخَلقِ وبَدائِعِه، فاستَفْتِهم: أهُم أشَدُّ خَلْقًا أمِ الَّذي خَلَقْناه مِن ذلك [150] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/37). ؟!
- وجيءَ باسمِ العاقِلِ -وهو (مَنْ) المَوصولةُ-؛ تَغليبًا لِلعاقِلينَ مِنَ المَخلوقاتِ [151] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/37)، ((تفسير البيضاوي)) (5/6، 7)، ((تفسير أبي السعود)) (7/186)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/95). .
- قَولُه: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ قَولٌ في مَوضِعِ العِلَّةِ؛ لِمَا يَتوَلَّدُ مِن مَعنى الاستِفهامِ في قَولِه: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا مِنَ الإقرارِ بأنَّهم أضعَفُ خَلقًا مِن خَلقِ السَّمَواتِ وعَوالِمِها؛ احتِجاجًا عليهم بأنَّ تَأتِّيَ خَلقِهم بعدَ الفَناءِ أهْوَنُ مِن تَأتِّي المَخلوقاتِ العَظيمةِ المَذكورةِ آنِفًا ولم تَكُنْ مَخلوقةً قَبْلُ؛ فإنَّهم خُلِقوا مِن طينٍ أصلُه تُرابٌ؛ لِأنَّ أصْلَهم -وهو آدَمُ- خُلِقَ مِن طينٍ، كما هو مُقرَّرٌ لَدى جَميعِ البَشَرِ، فكيف يُحيلونَ البَعثَ بمَقالاتِهم الَّتي منها قَولُهم: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [152] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/7)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/95). [الصَّافَّات: 16]؟!
- قَولُه: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ أضافَ الخَلقَ مِنَ الطِّينِ إليهم، والمَخلوقُ منه هو أبوهم آدَمُ؛ إذْ كانوا نَسْلَه [153] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/94)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/95). .
2- قولُه تعالَى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
- بَلْ لِلإضرابِ الانتِقاليِّ مِنَ التَّقريرِ التَّوبيخيِّ إلى أنَّ حالَهم عَجَبٌ، وفِعلُ المُضِيِّ مُستَعمَلٌ في مَعنى الأمْرِ، وهو مِنِ استِعمالِ الخَبَرِ في مَعنى الطَّلَبِ؛ لِلمُبالَغةِ، والمَعنى: اعْجَبْ لهم. ويَجوزُ أنْ يَكونَ العَجَبُ قد حصَلَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا رأى إعراضَهم، وقِلَّةَ إنصافِهم، فيَكونَ الخَبَرُ مُستَعمَلًا في حَقيقَتِه. ويَجوزُ أنْ يَكونَ الكَلامُ على تَقديرِ هَمزةِ الاستِفهامِ، أيْ: بَلْ أعَجِبتَ؟ والمَعنى على الجَميعِ أنَّ حالَهم حَرِيَّةٌ بالتَّعجُّبِ [154] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/95). .
- وجيءَ بالمُضارِعِ في وَيَسْخَرُونَ؛ لِإفادةِ تَجدُّدِ السُّخريةِ، وأنَّهم لا يَرعَوونَ عنها [155] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/97). .
3- قولُه تعالَى: وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
- قَولُه: يَسْتَسْخِرُونَ مُبالَغةٌ في السُّخريةِ؛ فالسِّينُ والتَّاءُ لِلمُبالَغةِ [156] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/7)، ((تفسير أبي السعود)) (7/186)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/98). .
4- قولُه تعالَى: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
- قَولُ الله تعالى: وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَصُّوا البَعثَ بالإنكارِ؛ إعلامًا بأنَّه أعظَمُ مَقصودٍ بالنِّسبةِ إلى السِّحرِ [157] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/373). .
- والاستِفهامُ في قَولِه: أَئِذَا مِتْنَا إنكاريٌّ، وأصلُه: أنُبعَثُ إذا مِتْنا؟! فبَدَّلوا الفِعليَّةَ بالاسميَّةِ، وقَدَّموا الظَّرفَ، وكَرَّروا الهَمزةَ؛ مُبالَغةً في الإنكارِ، وإشعارًا بأنَّ البَعثَ مُستَنكَرٌ في نَفْسِه، وفي هذه الحالِ أشَدُّ استِنكارًا، وكذا تَحليةُ جُملةِ أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ بـ (إنَّ) واللَّامِ، لِتأكيدِ الإنكارِ [158] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/7)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/133)، ((تفسير أبي السعود)) (7/187)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/98). .
- قَولُه: وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أيْ: كان بَعضُ أجزائِنا تُرابًا، وبَعضُها عِظامًا. وتَقديمُ التُّرابِ؛ لِأنَّه مُنقَلِبٌ مِنَ الأجزاءِ الباديةِ [159] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/186). ، ولأنَّه أدَلُّ على مُرادِهم؛ لأنَّه أبْعَدُ عن الحياةِ [160] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/204). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث قال هنا: وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، وقال بَعْدُ في هذه السُّورةِ: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصَّافَّات: 51-53]، فقال هنا: لَمَبْعُوثُونَ، وفيما بَعْدَه: لَمَدِينُونَ، فاختَلَفا في المَكانَينِ، وإنْ كانا فيما يُرادُ مِن تَحقيقِ الإحياءِ بعدَ المَوتِ سواءً؛ وذلك لِمُناسَبةٍ حَسَنةٍ: أنَّ ما هنا حِكايةُ ما قاله الكُفَّارُ مِن إنكارِ البَعثِ، والمَبعوثُ هو الَّذي يُبعَثُ مِن قَبرِه، ويَحيا بعدَ مَوتِه، والمَدينُ هو المُجازَى بما كان مِن كَسبِه، والبَعثُ قَبْلَ الجَزاءِ، وهو يُفعَلُ مِن أجْلِه. وحِكايةُ الآخَرِ الَّذي قال: أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصَّافَّات: 53] إنَّما هي عِندَ حُصولِه في النَّارِ، وهو الجَزاءُ الَّذي أنكَرَه؛ لِقَولِه تعالى: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّات: 54، 55]، فهذا المُؤمِنُ الَّذي حَكى اللهُ تعالى عنه قَولَه، وأنَّه أخبَرَ عن قَرينِه في الدُّنيا بأنَّه كان يُنكِرُ أنْ يُحيَا ويُدانَ بما صَنَعَ هو الَّذي إذا رآهُ في سَواءِ الجَحيمِ: قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصَّافَّات: 56، 57]، فالتَّفريعُ على ما أنكَرَ إنَّما يَقَعُ إذا تَحقَّقَ وحَصَلَ فيه مِن كُفرِه، نَعوذُ باللهِ مِن عِقابِه [161] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1089-1091)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 212)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/394)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 478، 479). . وقِيل غيرُ ذلك [162] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/410). .
5-  قولُه تعالَى: أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ
- الاستِفهامُ في قَولِه: أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ تَضمَّنَ إنكارًا واستِبعادًا لِلبَعثِ، يَعنونَ أنَّ آباءَهم أقدَمُ؛ فبَعثُهم أبعَدُ وأبطَلُ [163] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/38)، ((تفسير البيضاوي)) (5/7)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/134)، ((تفسير أبي حيان)) (9/95)، ((تفسير أبي السعود)) (7/187)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/99). !
- قَولُه: أَوَآَبَاؤُنَا -بفَتحِ الواوِ- والواوُ واوُ العَطفِ، والهَمزةُ هَمزةُ استِفهامٍ، فهُما حَرْفانِ، وقُدِّمتْ هَمزةُ الاستِفهامِ على حَرفِ العَطفِ حسَبَ الاستِعمالِ الكَثيرِ، والتَّقديرُ: وأآباؤُنا الأوَّلونَ مِثلُنا، وفي قِراءةٍ (أَوْ آباؤُنَا) -بسُكونِ واوِ (أَوْ) [164] وهي قراءةُ نافعٍ، وابنِ عامرٍ. وقرأ الباقون أَوَآَبَاؤُنَا بفتحِ الواوِ. يُنظر: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 608)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/357). - على أنَّ الهَمزةَ مع الواوِ حَرفٌ واحِدٌ هو (أَوْ) العاطِفةُ المُفيدةُ للتَّقسيمِ هنا، ووَجهُ العَطفِ بـ (أَوْ) هو جَعلُهمُ الآباءَ الأوَّلينَ قِسْمًا آخَرَ؛ فكان عَطفُه ارتِقاءً في إظهارِ استِحالةِ إعادةِ هذا القِسمِ؛ لِأنَّ آباءَهم طالَتْ عُصورُ فَنائِهم، فكانتْ إعادةُ حَياتِهم أوْغَلَ في الاستِحالةِ [165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/98، 99). قال الشنقيطي: (همزة الاستفهامِ إذا جاءت بعدَها أداةُ عطفٍ كالواوِ والفاءِ وثمَّ، نحو: أَوَآَبَاؤُنَا أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى [الأعراف: 97]، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ [يونس: 51] - ففي ذلك وجهانِ لعلماءِ العربيَّةِ والمفسِّرينَ؛ الأوَّلُ منهما: أنَّ أداةَ العطفِ عاطفةٌ للجملةِ المُصَدَّرةِ بالاستِفهامِ على ما قبْلَها، وهمزةُ الاستِفهامِ متأخِّرةٌ رُتبةً عن حرفِ العطفِ، ولكنَّها قُدِّمَتْ عليه لفظًا لا معنًى؛ لأنَّ الأصلَ في الاستفهامِ التَّصديرُ به كما هو معلومٌ في محلِّه. والمعنى على هذا واضحٌ، وهو أنَّهم أنكَروا بَعْثَهم أنفُسَهم بأداةِ الإنكارِ الَّتي هي الهمزةُ، وعطَفوا على ذلك بالواوِ إنكارَهم بَعْثَ آبائِهم الأوَّلِينَ بأداةِ الإنكارِ الَّتي هي الهمزةُ المُقَدَّمةُ عن محلِّها لفظًا لا رُتْبةً. وهذا القولُ هو قولُ الأقدمِينَ مِن علماءِ العربيَّةِ، واختاره أبو حيَّانَ في «البحر المحيط»، وابنُ هشام في «مُغْني اللَّبيب»، وهو الَّذي صِرْنا نميلُ إليه أخيرًا بعدَ أن كنَّا نميلُ إلى غيرِه. الوجهُ الثَّاني: هو أنَّ همزةَ الاستفهامِ في محلِّها الأصليِّ، وأنَّها مُتعلِّقةٌ بجملةٍ محذوفةٍ، والجملةَ المُصَدَّرةَ بالاستفهامِ معطوفةٌ على المحذوفةِ بحرفِ العطفِ الَّذي بعدَ الهمزةِ، وهذا الوجهُ يميلُ إليه الزمخشريُّ في أكثرِ المواضعِ مِن كشَّافِه، ورُبَّما مالَ إلى غيرِه. وعلى هذا القولِ فالتَّقديرُ: أَمَبْعوثون نحنُ وآباؤُنا الأوَّلون؟). ((أضواء البيان)) (7/522) بتصرفٍ يسيرٍ. ويُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/120)، ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) لابن هشام (ص: 22-24). .
6-  قولُه تعالَى: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ
- جَوابٌ على سُؤالِ أَئِذَا مِتْنَا على طَريقةِ الأُسلوبِ الحَكيمِ [166] الأسلوبُ الحكيمُ: هو تلقِّي المخاطَبِ بغيرِ ما يترقَّبُ بحملِ كلامِه على غيرِ مرادِه؛ تنبيهًا على أنَّه هو الأَولَى بالقصدِ، وكذلك أيضًا تلقِّي السائلِ بغيرِ ما يتطلَّبُ؛ تنبيهًا على ما هو الأولَى بحالِه وبالسؤالِ عنه، وهو مِن خلافُ مقتضَى الظاهرِ. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 327)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (4/42، 43)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/132). بصَرفِ قَصدِهم مِنَ الاستِفهامِ إلى ظاهِرِ الاستِفهامِ، فجُعِلوا كالسَّائلينَ: أيُبعَثونَ؟ فقيل لهم: نَعَمْ؛ تَقريرًا لِلبَعثِ المُستَفهَمِ عنه، أيْ: نَعَمْ تُبعَثونَ. وجيءَ بلَفظِ قُلْ غَيرَ مَعطوفٍ؛ لِأنَّه جارٍ على طَريقةِ الاستِعمالِ في حِكايةِ المُحاوَراتِ [167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/99). .
- والخِطابُ في قَولِه تَعالى: وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ لهم ولِآبائِهم بطَريقِ التَّغليبِ [168] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/187). .
- وقَولُه: دَاخِرُونَ أيْ: صاغِرونَ، وإنَّما اكتَفَى به في الجَوابِ؛ لِسَبقِ ما يدُلُّ على جَوازِه، وقيامِ المُعجِزِ على صِدقِ المُخبَرِ عن وُقوعِه [169] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/7). .
7-  قولُه تعالَى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ
- فُرِّعَ على إثباتِ البَعثِ الحاصِلِ بقَولِه: نَعَمْ أنَّ بَعْثَهم وَشيكُ الحُصولِ، لا يَقتَضي مُعالَجةً ولا زَمَنًا، إنْ هي إلَّا إعادةٌ تَنتَظِرُ زَجْرةً واحدةً [170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/99). .
- والجُملةُ جَوابُ شَرطٍ مُضمَرٍ، أو تَعليلٌ لِنَهيٍ مُقدَّرٍ، أيْ: إذا كانَ كذلك فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، أو لا تَستَصعِبُوه [171] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/187). .
-ووَصْفُ الزَّجرةِ بـ وَاحِدَةٌ تَأكيدٌ لِمَا تُفيدُه صِيغةُ الفَعْلةِ مِن مَعنى المَرَّةِ؛ لِدَفعِ توَهُّمِ أنْ يَكونَ المُرادُ مِنَ الصَّيحةِ الجِنسَ دونَ الوُجودِ؛ لِأنَّ وَزنَ الفَعْلةِ يَجيءُ لِمَعنى المَصدَرِ دونَ المَرَّةِ. وفُرِّعَ عليه فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ، ودَلَّتْ فاءُ التَّفريعِ على تَعقيبِ المُفاجأةِ، ودَلَّ حَرفُ المُفاجَأةِ على سُرعةِ حُصولِ ذلك [172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). .
- وكُنيَ عن الحياةِ الكامِلةِ الَّتي لا دَهشَ يُخالِطُها بالنَّظَرِ، في قَولِه: يَنْظُرُونَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكونُ إلَّا مع تَمامِ الحياةِ، وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَينِ بَقيَّةِ الحَواسِّ؛ لِمَزيدِ اختِصاصِه بالمَقامِ، وهو التَّعريضُ بما اعتَراهم مِنَ البَهتِ لِمُشاهَدةِ الحَشرِ [173] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/206). .
8- قولُه تعالَى: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ
- يجوزُ أنْ تكونَ الواوُ للحالِ، أي: قائِلينَ: يا ويْلَنا، أي: يقولُ جميعُهم: يا ويلَنا، يقولُه كلُّ أحدٍ عنه وعن أصحابِه. ويجوزُ أن يكونَ عطفًا على جملةِ: يَنْظُرُونَ [الصافات: 19] . والمعنى: ونظَروا وقالوا [174] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). .
- قَولُه: وَقَالُوا صِيغةُ الماضي لِلدَّلالةِ على التَّحقُّقِ والتَّقرُّرِ [175] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/187). .
- قَولُه: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا حَرفُ النِّداءِ لِلاهتِمامِ [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). .
- قَولُهم: هَذَا يَوْمُ الدِّينِ تَعليلٌ لِدُعائِهم الوَيلَ بطَريقِ الاستِئنافِ، أيْ: اليَومُ الَّذي نُجازَى فيه بأعمالِنا، وإنَّما عَلِموا ذلك؛ لِأنَّهم كانوا يَسمَعونَ في الدُّنيا أنَّهم يُبعَثونَ ويُحاسَبونَ ويُجزَوْنَ بأعمالِهم، فلَمَّا شاهَدوا البَعثَ أيْقَنُوا بما بَعْدَه أيضًا [177] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/187). .
9- قولُه تعالَى: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
- يَجوزُ أنْ يَكونَ هذا كَلامًا مُوجَّهًا إليهم مِن جانِبِ اللهِ تَعالى جَوابًا عن قَولِهم: يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصَّافَّات: 20]، والخَبَرُ مُستَعمَلٌ في التَّعريضِ بالوَعيدِ. ويَجوزُ أنْ يَكونَ مِن كَلامِ المَلائِكةِ، وفيه تَوبيخٌ لهم وتَقريعٌ. وقيل: يَجوزُ أنْ يَكونَ مِن تَمامِ قَولِهم، أيْ: يَقولُ بَعضُهم لِبَعضٍ: هذا يَومُ الفَصلِ [178] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/96)، ((تفسير أبي السعود)) (7/187)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/100). .
- وقدَّموا الجارَّ بِهِ؛ إشارةً إلى عَظيمِ تَكذيبِهم به [179] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/207). .