موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (74-78)

ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ

غريب الكلمات:


وَمَلَئِهِ: الملأ: أشرافُ النَّاسِ ووجُوهُهم، أو الجماعةُ يجتمعونَ على رأيٍ، فيملوؤنَ العيونَ منظرًا، والنفوسَ بهاءً وجلالًا، ويُقالُ: فلانٌ ملءُ العيونِ، أي: معظَّمٌ عندَ مَن رآه، وقيل: وُصِفوا بذلك؛ لأنَّهم يتمالئونَ، أي: يتظاهرونَ عليه ، وأصلُ (ملأ):  يدلُّ على المساواةِ، والكمالِ في الشيءِ [964] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92)، ((تفسير ابن جرير)) (4/435)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5 /346)، ((تفسير الرازي)) (17/337). .
لِتَلْفِتَنَا: أي: لتَصْرِفَنا، والالتفاتُ: الانصرافُ عمَّا كنتَ مُقبِلًا عليه، وأصلُ (لفت): يدلُّ على اللَّيِّ، وصَرفِ الشَّيءِ عن جِهتِه المُستَقيمةِ [965] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 198)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/258)، ((المفردات)) للراغب (ص: 743)، ((تفسير القرطبي)) (8/367). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه بعثَ بعد نوحٍ رُسُلًا إلى قَومِهم بالمُعجِزاتِ والبَراهينِ التي تدُلُّ على صِحَّةِ رسالتِهم، فما كان هؤلاء المُشرِكونَ لِيُؤمِنوا؛ بسبَبِ تكذيبِهم إيَّاهم أوَّلَ ما أُرسِلوا إليهم. وكما ختم اللهُ على قُلوبِ هؤلاء الأقوامِ فلم يُؤمِنوا، كذلك يختِمُ على قلوبِ المُعتَدينَ، ثمَّ بعث اللهُ مِن بعد أولئك الرُّسُلِ موسى وهارونَ عليهما السَّلامُ إلى فرعونَ وأشرافِ قَومِه بالمُعجزاتِ الدَّالَّةِ على صِدقِهما، فاستكبَروا عن قَبولِ الحَقِّ، وكانوا قومًا مُجرمينَ.
فلما أتى فرعونَ وقومَه الحقُّ الذي جاء به موسى، قالوا: إنَّ الذي جاء به موسى مِن الآياتِ إنما هو سِحرٌ ظاهِرٌ، فقال لهم موسى مُنكرًا عليهم: أتقولونَ للحَقِّ لَمَّا جاءَكم إنَّه سِحرٌ مُبينٌ؟! أسِحرٌ هذا الحَقُّ الذي تُبصِرونَه؟! ولا يفوزُ السَّاحِرونَ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، فقال فرعونُ وملَؤه لموسى: أجِئتَنا لِتَصرِفَنا عمَّا وَجْدَنا عليه آباءَنا من عبادةِ غَيرِ الله، وتكونَ لكما أنت وهارونَ العظَمةُ والسُّلطانُ في أرضِ مِصرَ؟ وما نحنُ لكما بمُؤمِنينَ.

تفسير الآيات:


ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ في هذه الآيةِ عِبرةً أُخرَى مِن عِبَرِ مُكَذِّبي الرُّسُلِ، وسُنَّةً مِن سُنَنِه فيهم؛ تكملةً لِما بَيَّنَه في حالِ قَومِ نُوحٍ مع رسولِهم، عسَى أن يعتبِرَ بها أهلُ مَكَّة، فيَعلموا كيف يتَّقونَ عاقِبةَ المكَذِّبينَ مِن قَومِ نُوحٍ وغَيرِهم، فإنَّ كُلَّ سوءٍ وضُرٍّ عُلِمَ سَبَبُه، أمكن اتِّقاؤُه باتِّقاءِ سَبَبِه، إذا كان من عمَلِ النَّاسِ الاختياريِّ، كالكُفرِ والاعتداءِ والظُّلمِ [966] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/378). .
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ.
أي: ثمَّ أرسَلْنا من بعدِ نوحٍ رُسُلًا إلى قَومِهم، فجاؤوهم بالمُعجزاتِ، والبَراهينِ الواضحةِ الدالَّةِ على صِدقِهم [967] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/237)، ((البسيط)) للواحدي (11/272)، ((تفسير ابن عطية)) (3/133)، ((تفسير القرطبي)) (8/365)، ((تفسير ابن كثير)) (4/284)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370). .
فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ.
أي: فما كان المُشرِكونَ لِيُؤمِنوا بما جاءتهم به رسُلُهم؛ بسبَبِ تكذيبِهم بالحَقِّ حين جاءَهم أوَّلَ مرَّةٍ [968] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/284)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عطية)) (3/133)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 31). وقيل: فما كانوا ليُؤْمنوا عندَ إرسالِ الرُّسلِ بما كذِّبوا به يومَ أخذِ ميثاقِهم حينَ أخرَجهم مِن صُلبِ آدمَ، فآمنوا كرهًا حيثُ أقرُّوا بالألسنِ، وأضْمَروا التكذيبَ، قاله ابنُ عباسٍ، والسديُّ. وقيل: فما كانوا لو ردَدْناهم إلى الدُّنيا بعدَ موتِهم ليُؤْمِنوا بما كذَّبوا به مِن قبلِ هلاكِهم، وهو قولُ مجاهدٍ. وقيل: الضميرُ في (كانُوا)، (لِيُؤْمِنُوا) (كَذَّبُوا) يعودُ إلى قومِ الرُّسلِ على معنَى أنَّهم بادروا رسلَهم بالتكذيبِ كلَّما جاء رسولٌ، ثم لجُّوا في الكفرِ، وتمادَوْا، فلم يَكونوا لِيُؤْمِنوا بما سبَق به تكذيبُهم، وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/241)، ((تفسير ابن عطية)) (3/133). .
كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110].
كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ.
أي: كما خَتَمْنا على قلوبِ السَّابِقينَ فلم يُؤمِنوا، نختِمُ أيضًا على قلوبِ المُجاوِزينَ الحَدَّ بالشِّركِ، وتكذيبِ الرُّسُلِ، فلا يؤمِنون؛ عقوبةً لهم [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/237)، ((البسيط)) للواحدي (11/273)، ((تفسير ابن عطية)) (3/133، 134)، ((تفسير القرطبي)) (8/365)، ((تفسير ابن كثير)) (4/284، 285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/245). .
كما قال تعالى: تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [الأعراف: 101].
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75).
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ.
أي: ثمَّ أرسَلْنا من بعد الأنبياءِ الذين جاؤوا بعدَ نوحٍ، موسى وهارونَ إلى فِرعونَ والأشرافِ مِن قَومِه بمُعجِزاتِنا الواضحةِ، فكذَّبوا بها، واستكبَروا عن اتِّباعِ الحَقِّ [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/237)، ((تفسير ابن عطية)) (3/134)، ((تفسير القرطبي)) (8/366)، ((تفسير ابن كثير)) (4/285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370). .
كما قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 103].
وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ.
أي: وكان فِرعونُ وقَومُه أصحابَ ذُنوبٍ كبيرةٍ وآثامٍ عظيمةٍ؛ ولذلك استكبَروا عن اتِّباعِ الحَقِّ [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/237)، ((تفسير ابن عطية)) (3/134)، ((تفسير الشوكاني)) (2/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/248). .
كما قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 4].
وقال سُبحانه: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف: 54].
فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا أخبَرَ اللهُ تعالى باستكبارِ آلِ فِرعونَ؛ بيَّنَ أنَّه تسبَّبَ عنه طعنُهم في معجزاتِه مِن غَيرِ تأمُّلٍ، بل بغايةِ المُبادَرةِ والإسراعِ بما أشعَرَت به الفاءُ والسِّياقُ [972] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/170). .
فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ.
أي: فلمَّا جاءَتْهم المُعجزاتُ الواضحةُ التي أيَّدنا بها موسى، قالوا: إنَّ هذا الَّذي جاء به موسى لَسِحْرٌ ظاهِرٌ [973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/238)، ((تفسير ابن عطية)) (3/134)، ((تفسير ابن كثير)) (4/285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 370). !!
كما قال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: 12- 14].
وقال سُبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [غافر: 23-24].
قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77).
قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا.
أي: قال موسى لهم مُنكِرًا عليهم ومُوبِّخًا لهم: أتقولونَ عن المُعجزاتِ التي جِئتُكم بها: إنَّها سِحرٌ مُبينٌ؟! أسِحرٌ هذا الحَقُّ الذي تُبصِرونَه [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/238، 239)، ((تفسير ابن عطية)) (3/134)، ((تفسير القرطبي)) (8/366)، ((تفسير السعدي)) (ص: 371). ؟!
وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ.
أي: ولا ينجو السَّاحِرونَ، ولا يفوزونَ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ [975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/239)، ((البسيط)) للواحدي (11/276)، ((تفسير الرازي)) (17/287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 371). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: 69].
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78).
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا.
أي: قالوا: أجِئتَنا- يا موسى- لِتصرِفَنا بسِحرِك عن دينِنا الذي وَجَدْنا عليه آباءَنا مِن قبلِ مجيئِك، وتأمُرَنا أن نَعبُدَ اللهَ وحده، ونتركَ عبادةَ آلهَتِنا [976] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/239)، ((تفسير ابن عطية)) (3/135)، ((تفسير القرطبي)) (8/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 371). ؟!
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ.
أي: ولتكونَ لكما عَظمةُ المُلكِ، وعِزُّ السُّلطانِ في أرضِ مِصرَ [977] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/240)، ((البسيط)) للواحدي (11/277)، ((تفسير ابن عطية)) (3/135)، ((تفسير القرطبي)) (8/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 371)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/252). ؟
وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ.
أي: وقالوا تكبُّرًا وعنادًا: وما نحنُ لكما- يا موسى وهارونُ- بمصدِّقينَ ومُقِرِّينَ بأنَّكما رسولانِ مِن عندِ اللهِ [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/241)، ((تفسير ابن عطية)) (3/135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 371). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [الأعراف: 132-135].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فيه إشارةٌ إلى أنَّ نُوحًا أوَّلُ الرُّسُلِ [979] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/244). وقد ورَد ذلك صريحًا، كما في حديثِ الشفاعةِ، وفيه: ((ائتُوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بعثَه الله إلى أهلِ الأرضِ)). أخرجه البخاري (4476)، ومسلم (193) مِن حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. .
2- قَولُ الله تعالى: قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ فيه تَنبيهٌ على فَسادِ السِّحرِ، وسُوءِ عاقِبةِ مُعالِجيه [981] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/250). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا فيه سؤالٌ: أنَّه كيف قال موسى إنَّهم قالوا: أسِحرٌ هذا، بطريقِ الاستفهامِ، مع أنَّهم إنَّما قالوه بطريقِ الإخبارِ المؤكَّدِ في قَولِه تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ؟!
الجوابُ: أنَّ فيه إضمارًا تقديرُه: أتقولونَ للحَقِّ لَمَّا جاءَكم: إنَّ هذا لَسِحرٌ مُبينٌ؟ ثمَّ قال لهم: أسِحرٌ هذا؟! إنكارًا لِما قالوه، فالاستفهامُ للإنكارِ، مِن قَولِ موسى لا مِن قَولِهم [982] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:251-252). .
4- قولُه: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ إنَّما أعْلَمَ أنَّ السَّاحِرَ لا يُفلِحُ، أي: لو كان ساحِرًا لَما شَنَّع حالَ السَّاحِرين، إذ صاحِبُ الصِّناعةِ لا يَحقِرُ صِناعتَه؛ لأنَّه لو رآها مُحقَّرةً لَما الْتزَمَها [983] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/250). .
5- قَولُ الله تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا لَمَّا كان موسى عليه السَّلامُ هو الأصلَ في الرِّسالةِ، وكان أخوه له تبعًا، وحَّدوا الضميرَ فقالوا: أَجِئْتَنَا [984] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/172). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ حكى عن فِرعونَ وقَومِه أنَّهم لم يَقبَلوا دعوةَ موسى عليه السَّلامُ، وعَلَّلوا عدمَ القَبولِ بأمرَينِ؛ الأول: قَولُه: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وفيه إشارةٌ إلى التمَسُّكِ بالتَّقليدِ. والثاني: قولُه: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وفيه إشارةٌ إلى الحِرصِ على طلبِ الدُّنيا والجِدِّ في بقاءِ الرِّياسةِ [985] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/287). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ: فيه تنكيرُ رُسُلًا؛ للتَّفخيمِ ذاتًا ووَصفًا، أي: رُسلًا كِرامًا ذَوِي عددٍ كثيرٍ [986] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/166). .
قولُه: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ: فيه التَّعبيرُ عن النَّفيِ بصيغةِ لامِ الجُحودِ؛ مُبالَغةً في انْتِفاءِ الإيمانِ عنهم بأَقْصى أحوالِ الانتفاءِ؛ فمَجيءُ النَّفيِ بلامِ الجُحودِ يَدُلُّ على أنَّ إيمانَهم في حيِّزِ الاستحالةِ والامتناعِ [987] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/90)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/245). .
قولُه تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ
قولُه: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فيه تخصيصُ فِرْعونَ ومَلَئِه بالذِّكرِ مع عُمومِ رسالةِ موسى عليه السَّلامُ لقَومِه كافَّةً- حيث كانوا جَميعًا مأمورين بعبادةِ ربِّ العالَمين عزَّ سُلطانُه، وتَرْكِ العَظيمةِ الشَّنعاءِ الَّتي كانَ يدَّعِيها الطَّاغيةُ، ويَقبَلُها منهُ فئتُه الباغيةُ- لأصالتِهم في تدبيرِ الأمورِ، واتِّباعِ غيرِهم لهم في الوُرودِ والصُّدورِ [988] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/257). .
قولُه: فَاسْتَكْبَرُوا السِّينُ والتَّاءُ للمُبالَغةِ في التَّكبُّرِ [989] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/247). .
وقولُه: وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قَبلَه، أي: كانوا معتادين لارتكاب الذنوبِ العظامِ؛ فإنَّ الإجرامَ مؤذنٌ بعِظَمِ الذنبِ [990] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /167). .
قَوله تعالى: قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
قولُه: قَالَ مُوسَى استِئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ تَنْساقُ إليه الأذهانُ، كأنَّه قيل: فماذا قال لهم مُوسى حينَئذٍ؟ فقيل: قال: أَتَقُولُونَ... [991] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/168). .
قولُه: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ استفهامٌ إنكاريٌّ، ومفعولُ أَتَقُولُونَ محذوفٌ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، وهو: إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [992] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/91)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/250). .
ولَمَّا كان تكريرُهم لذلك القَولِ أجدَرَ بالإنكارِ، عبَّرَ بالمضارِعِ أَتَقُولُونَ الدَّالِّ على أنَّهم كَرَّروه؛ لِيَنسخوا ما ثبتَ في قلوبِ النَّاسِ مِن عَظمتِه [993] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/171). .
وجملةُ: أَسِحْرٌ هَذَا مُستأنَفةٌ للتَّوبيخِ والإنكارِ؛ أنكَر موسى عليهم وصْفَهم الآياتِ الحقَّ بأنَّها سِحرٌ، والإشارةُ بـ هَذَا تُفيدُ التَّعريضَ بجَهْلِهم، وفسادِ قولِهم، بأنَّ الإشارةَ إلى تلك الآياتِ كافيةٌ في ظُهورِ حَقيقتِها، وأنَّها ليسَتْ مِن السِّحرِ في شيءٍ [994] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/250). .
قوله تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ
قولُه: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا: الاستِفْهامُ في قولِه: أَجِئْتَنَا إنكاريٌّ؛ بنَوْا إنكارَهم على تَخطئةِ موسى فيما جاء به [995] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/251). .
واخْتِير التَّعبيرُ بـ وَجَدْنَا؛ لِما فيه مِن الإشارةِ إلى أنَّهم نشَؤوا عليها وعقَلوها، وذلك ممَّا يُكسِبُهم تَعلُّقًا بها، وأنَّها كانت أحوالَ آبائِهم، وذلك ممَّا يَزيدُهم تَعلُّقًا بها تبَعًا لِمَحبَّةِ آبائِهم؛ لأنَّ مَحبَّةَ الشَّيءِ تَقْتَضي محبَّةَ أحوالِه ومُلابَساتِه [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/251). .
وجملةُ: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ عطفٌ على جملةِ: أَجِئْتَنَا، وهي في قوَّةِ النَّتيجةِ لتِلك الجُملةِ بما مَعها مِن العلَّةِ، أي: لَمَّا تبيَّن مَقصَدُكما، فما نحن لَكُما بمُؤمِنين [997] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/252). .
قولُه: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ فيه تقديمُ لَكُمَا على مُتعلَّقِه بِمُؤْمِنِينَ؛ لأنَّ المخاطَبَينِ هما الأهمُّ مِن جملةِ النَّفيِ؛ لأنَّ انتِفاءَ إيمانِهم في زَعمِهم كان لأجلِ موسى وهارونَ؛ إذ توَهَّموهما مُتطَلِّبَي نفْعٍ لأنفُسِهما [998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/252). .
وصِيغَتْ جُملةُ: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ اسميَّةً دونَ أن يَقولوا: (وما نُؤمِنُ لكُما)؛ لإفادةِ الثَّباتِ والدَّوامِ، وأنَّ انتفاءَ إيمانِهم بهِما مُتقرِّرٌ مُتمكِّنٌ، لا طَماعِيَةَ لأحدٍ في ضدِّه [999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/252). .