موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (1-6)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ

غَريبُ الكَلِماتِ:


شِيَعًا: أي: فِرَقًا وأصنافًا، وأصلُ (شيع): يدُلُّ على مُعاضَدةٍ ومُساعفةٍ [7] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((تفسير ابن جرير)) (9/298)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/235)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 279)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 191). .
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ: أي: يَتركُهنَّ أحياءً فلا يقتُلهنَّ، مِن الحياةِ، وهي خِلافُ الموتِ [8] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/122)، ((البسيط)) للواحدي (17/331)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/241)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/69). .

المعنى الإجماليُّ:


تبدأُ السُّورةُ ببَعضِ الحُروفِ المقَطَّعةِ، التي تُبيِّنُ إعجازَ القرآنِ، وتُبرِزُ عجزَ الخَلْقِ عن معارضتِه بالإتيانِ بشَيءٍ مِن مِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ التي يَتحدَّثون بها.
تلك الآياتُ العظيمةُ آياتُ القُرآنِ الواضحِ الجليِّ، المظهرِ الحقَّ مِن الباطلِ.
 ثمَّ يبيِّنُ الله تعالى ما سيَقُصُّه على رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذه السُّورةِ، فيقول: نحن نقُصُّ عليك -يا محمَّدُ- في هذا القُرآنِ مِن خبَرِ موسى وفِرعَونَ بالحَقِّ الَّذي لا شَكَّ فيه لِقَومٍ يُؤمِنون.
إنَّ فِرعَونَ طغى وتكبَّرَ في أرضِ مِصرَ، وجعل أهلَ مملكتِه فِرَقًا وأصنافًا مختلفةً، يستعبِدُ بني إسرائيل ويُهينُهم ويُذِلُّهم؛ بذبحِ أبنائِهم الذُّكورِ، وتَرْكِ إناثِهم أحياءً، إنَّه كان مِن المُفسِدين.
ونريدُ أن نُنعِمَ على بني إسرائيلَ المُستضعَفينَ في الأرضِ، فنُهلِكَ أعداءَهم، ونجعَلَهم أئمَّةً متَّبَعينَ، ونجعَلَهم الوارثينَ لفِرعَونَ وآلِه مِن بعدِ إهلاكِهم، ونمكِّنَ لبني إسرائيلَ في أرضِ مِصرَ، ونُريَ فِرعَونَ وهامانَ وجُنودَهما ما كانوا يخافونَه مِن زوالِ مُلكِهم على أيدي بني إسرائيلَ.

تَفسيرُ الآياتِ:


طسم (1).
هذه الحروفُ المقطَّعةُ التي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن معارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها [9] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/206)، ((تفسير ابن عُثيمين- الفاتحة والبقرة)) (1/24). .
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2).
أي: تلك الآياتُ العَظيمةُ العاليةُ آياتُ القُرآنِ الواضحِ الجليِّ، المظهِرِ الحقَّ مِن الباطلِ، ولكلِّ أمرٍ يحتاجُ إليه العبادُ؛ مِن معرفةِ ربِّهم، وحقوقِه، وأوليائِه وأعدائِه، ووقائعِه وأيامِه، إلى غيرِ ذلك، الكاشفِ عن حقائقِ الأمورِ، ومنها أنَّ نُبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حقٌّ، وأنَّ هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ [10] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/149)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/131)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 611)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 7، 8). قال ابن كثير: (وقولُه: تِلْكَ أي: هذه آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ أي: الواضحِ الجَليِّ، الكاشفِ عن حقائقِ الأمورِ، وعِلْمِ ما قد كان وما هو كائنٌ). ((تفسير ابن كثير)) (6/220). .
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3).
أي: نقرأُ ونقُصُّ عليك -يا محمَّدُ- في هذا القُرآنِ مِن [11] قال الألوسي: (الظَّاهِرُ أنَّ مِنْ تبعيضيَّةٌ، وجوَّز بعضُهم كونَها بيانيَّةً، وكَوْنَها صِلةً على رأيِ الأخفَشِ). ((تفسير الألوسي)) (10/253). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/248). خبَرِ موسى وفِرعَونَ بالصِّدقِ الَّذي لا شَكَّ فيه، لِقَومٍ يُؤمِنونَ بهذا القُرآنِ، فهُم به يهتَدونَ ويعتَبِرونَ [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/149، 150)، ((الوسيط)) للواحدي (3/389)، ((تفسير ابن عطية)) (4/275)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 611)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 11). .
كما قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ [يوسف: 3].
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4).
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ.
أي: إنَّ فِرعَونَ طغَى وتجبَّر وتكبَّر في الأرضِ [13] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/150)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220). قال الماوَرْديُّ: (وهذه الأرضُ أرضُ مِصرَ؛ لأنَّ فِرعَونَ مَلَكَ مِصرَ، ولم يَملِكِ الأرضَ كُلَّها، ومِصرُ تُسمَّى الأرضَ). ((تفسير الماوردي)) (4/234). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/335)، ((تفسير ابن جرير)) (18/150)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/67). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/577). قال ابن عاشور: (يجوزُ أن تجعَلَ المرادَ بالأرضِ جميعَ الأرضِ، يعني: المشهورَ المعروفَ منها، فإطلاقُ الأرضِ كإطلاقِ الاستِغراقِ العُرفيِّ...، فالمعنى: أرضُ مملكتِه، وكان عُلُوِّه أقوى مِن عُلوِّ ملوكِ الأرضِ وسادةِ الأقوامِ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/67). وقال الماوَرْدي: (قولُه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ فيه ثلاثةُ أقاويلَ؛ أحدُها: ببَغْيِه في استِعبادِ بني إسرائيلَ وقتْلِ أولادِهم، قاله قَتادةُ. الثَّاني: بكُفرِه وادِّعاءِ الرُّبوبيَّةِ. الثَّالثُ: بمُلكِه وسُلطانِه... وفي عُلوِّه وجهانِ؛ أحدُهما: هو لِظُهورِه في غلَبتِه. الثَّاني: كِبْرُه وتَجَبُّرُه). ((تفسير الماوردي)) (4/233). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/239). وقال الواحديُّ: (قوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ... قال المفسِّرون: استكبرَ وتجبَّر وبغى، وتعظَّمَ وطغى. كلُّ هذا مِن ألفاظِهم). ((البسيط)) (17/330). .
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا.
أي: وجعَلَ فِرعَونُ أهلَ مملكتِه أقسامًا وأصنافًا متفَرِّقةً [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/150)، ((الوسيط)) للواحدي (3/389)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). قيل: المرادُ بقولِه: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أي: فِرَقًا وأصنافًا في أنواعِ الخدمةِ والتَّسخيرِ. وممَّن اختار هذا القولَ: الواحديُّ، والبغوي، والرسعني، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والعليمي، والشوكاني. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/389)، ((تفسير البغوي)) (3/521)، ((تفسير الرسعني)) (5/505)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير الخازن)) (3/356)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير العليمي)) (5/171)، ((تفسير الشوكاني)) (4/183). وقيل: جعَلَهم شِيعًا، أي: فِرَقًا على أهواءٍ مختلفةٍ، وألقَى بيْنَهم التَّشاحنَ، وأغرَى بينَ القبطِ وبني إسرائيلَ، وشتَّت كلمتَهم؛ لِيَتمكَّنَ مِن التسلُّطِ عليهم. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/578)، ((تفسير الرسعني)) (5/505). وقيل: المُرادُ بالشِّيَعِ ما فسَّره بقولِه: يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ أي: يستخدمُهم يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/578). .
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ .
أي: يستعبِدُ فِرعَونُ منهم بني إسرائيلَ [15] قال ابن عاشور: (الطَّائفةُ المُستضعَفةُ هي طائفةُ بني إسرائيلَ، وضميرُ مِنْهُمْ عائدٌ إلى أَهْلَهَا لا إلى شِيَعًا). ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). ، ويُهينُهم ويُذِلُّهم [16] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/152)، ((تفسير القرطبي)) (13/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). قيل: إنَّه كان يَستعمِلُهم في أخَسِّ الأعمالِ، ويُسَخِّرُهم في الأعمالِ الشاقَّةِ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/220)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). .
يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ.
أي: يأمُرُ بذَبحِ أبناءِ بني إسرائيلَ الذُّكورِ [17] واختُلِف في السَّببِ الَّذي مِن أجْلِه أمَر فرعونُ بتذبيحِ أبنائِهم: فقيل: خوفًا مِن أن يَكثُروا فيَغمُروا بلادَه، فيَصيرَ النُّفوذُ والمُلكُ إليهم. وممَّن قال بذلك: السعديُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/69). ويُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/34). وقيل: لأنَّ المنجِّمينَ في ذلك العصرِ أخبَروه أنَّه يَذهَبُ مُلْكُه على يدِ مولودٍ مِن بني إسرائيلَ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/183). ويُنظر أيضًا: ((البسيط)) للواحدي (17/331)، ((تفسير ابن كثير)) (6/220، 221). وضعَّف الرازيُّ إسنادَ مِثلِ هذا الخبرِ إلى المنجِّمينَ والكهَنةِ، وذكر أنَّ الأَولى بالقَبولِ أن يكونَ بعضُ الأنبياءِ قبْلَ موسى هم الَّذين بشَّروا بهذا، فوصَل إلى مَسامعِ فِرعونَ ما بشَّروا به. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/578). قال ابن كثير: (وكانت القِبْطُ قد تَلقَّوْا هذا [أي: ذهابَ ملكِ فرعونَ وهلاكَه على يدِ هذا المولودِ] مِن بَني إسرائيلَ فيما كانوا يَدرُسونَه مِن قولِ إبراهيمَ الخليلِ، حينَ وَرَد الدِّيارَ المِصريَّةَ). ((تفسير ابن كثير)) (6/221). وقال ابن عثيمين: (ولا يَبعُدُ أن يكونَ الأمْرانِ جميعًا قد صارَا عِلَّةً لهذا الفعلِ). ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 193). وقال الواحدي: (قوله: يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص: 4]، والمرادُ بذلك: أنَّه يأمرُ بالذبحِ فيُمتثَلُ أمرُه). ((البسيط)) (3/93). ، ويَترُكُ إناثَهم أحياءً [18] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (17/331)، ((تفسير النسفي)) (2/627)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/69، 70). قيل: هذا بيانٌ لمجمَلِ قولِه تعالى: يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ. وممَّن نصَّ على ذلك: الواحديُّ، والبقاعي. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (17/331)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/240). والمقصدُ مِن استحياءِ النساءِ: قيل: يَتركونَهُنَّ أحياءً للخدمةِ. وممَّن اختاره: السمرقنديُّ، والنسفي، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (1/51)، ((تفسير النسفي)) (1/88)، ((تفسير الشوكاني)) (1/98)، ((تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة)) (1/176). وقال ابنُ كثير: (وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إهانةً لهم واحتقارًا، وخوفًا مِن أن يوجَدَ منهم الغلامُ الَّذي كان قد تَخوَّفَ هو وأهلُ مملكتِه مِن أن يوجَدَ منهم غلامٌ). ((تفسير ابن كثير)) (6/220). وقيل: يَستَحْيُونَ النِّساءَ للاستِرقاقِ والاستِخدامِ. واختاره الماوَرْديُّ، وأبو حيَّان. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (2/255)، ((تفسير أبي حيان)) (9/249). وقيل: هذا الاستِحْياءُ للإناثِ كان المقصدُ منه خبيثًا، وهو أن يَعتَدوا على أعراضِهِنَّ ولا يجِدْنَ بُدًّا مِن الإجابةِ بحُكمِ الأسرِ والاستِرقاقِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/492). .
إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
أي: إنَّ فِرعَونَ كان مِن المفسِدينَ في الأرضِ، بالكُفرِ والعِصيانِ، والتجبُّرِ وعَمَلِ السُّوءِ؛ ومِن ذلك سَعيُه بالتَّفريقِ بينَ الخَلقِ [19] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/578)، ((تفسير ابن جرير)) (18/152)، ((البسيط)) للواحدي (17/331)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/68، 69)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 13). .
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5).
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ.
أي: ونريدُ أن نتفضَّلَ ونُنعِمَ على بني إسرائيلَ الَّذين استضعَفَهم فِرعَونُ في الأرضِ، فنُهلِكَ أعداءَهم، ونُزيلَ السُّوءَ عنهم [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/152)، ((تفسير ابن عطية)) (4/276)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/70). .
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً.
أي: ونجعَلَ بني إسرائيلَ أئمَّةً [21] قيل: أئمَّةً: أي: في الدِّين، وقادةً في الخيرِ. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: مقاتلٌ، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/335)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/150). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/233). وقيل: المعنى: وُلاةً ومُلوكًا. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، ومكِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/153)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5484). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: قتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/153). وقال الشوكاني: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي: قادةً في الخيرِ ودعاةً إليه، وولاةً على الناسِ وملوكًا فيهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/183). قال ابن عاشور: (فأمَّا جَعْلُهم أئمَّةً فذلك بأن أخرَجَهم مِن ذُلِّ العبوديَّةِ، وجعَلَهم أُمَّةً حُرَّةً مالِكةً أمرَ نفْسِها، لها شريعةٌ عادلةٌ، وقانونُ مُعامَلاتِها، وقوَّةٌ تَدفَعُ بها أعداءَها، ومملكةٌ خالصةٌ لها، وحضارةٌ كاملةٌ تَفوقُ حضارةَ جيرتِها، بحيث تَصيرُ قُدوةً للأُمَمِ في شؤونِ الكمالِ وطلَبِ الهَناءِ، فهذا معنَى جَعْلِهم أئمَّةً، أي: يَقتدي بهم غيرُهم، ويَدْعون النَّاسَ إلى الخيرِ، وناهيك بما بلغه مُلكُ بني إسرائيلَ في عهدِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/71). متَّبَعينَ، يُقتدَى بهم [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/153)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/71)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/150). .
كما قال اللهُ تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20].
وقال سُبحانَه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24].
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
أي: ونجعَلَ بني إسرائيلَ وارِثينَ لملكِ فِرعَونَ وأرضِه مِن بعدِ إهلاكِنا له [23] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/153)، ((الوسيط)) للواحدي (3/390)، ((تفسير الرازي)) (24/579)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612). .
كما قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].
وقال سُبحانَه: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 57 - 59].
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6).
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ.
أي: ونُوطِّئَ لبني إسرائيلَ في الأرضِ، ونجعَلَهم مُقتَدِرينَ على التَّصرُّفِ والاستقرارِ فيها [24] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/154)، ((تفسير البغوي)) (3/522)، ((تفسير الزمخشري)) (3/392)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((تفسير أبي السعود)) (7/3). قيل: الأرضُ هنا هي أرضُ مِصرَ والشَّامِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والبغوي، والزمخشري، والقرطبي، وأبو السعود. يُنظر: المصادر السابقة. .
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ.
أي: ونريدُ أن نُريَ فِرعَونَ وهامانَ [25] قال ابن عطية: (وهامانُ هو وزيرُ فِرعونَ، وأكبرُ رجالِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/276). وممَّن ذكر أنَّه كان وزيرَ فِرعَونَ: البِقاعي، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/242، 243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/72). وجُنودَهما ما كانوا يخافونَه مِن زَوالِ مُلكِهم على أيدي بني إسرائيلَ [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/154)، ((تفسير السمرقندي)) (2/598)، ((تفسير القرطبي)) (13/249)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/242، 243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 612)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/72). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ أنَّ مَن علا في الأرضِ، وطَلَبَ العُلُوَّ على الخلْقِ؛ فهو شبيهٌ بفِرعَونَ ووارثُه، وبئسَ الرَّجُلُ مَن كان فِرعَونُ إمامَه [27] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 12). !
2- قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ تمهيدُ القِصَّةِ بعُلُوِّ فِرعَونَ وفسادِ أعمالِه يشيرُ إلى أنَّ ذلك هو سببُ الانتقامِ منه، والأخْذِ بنصرِ المستضعَفينَ؛ لِيَحذرَ الجبابرةُ سوءَ عاقبةِ ظُلمِهم، ولِيَرجوَ الصابرون على الظُّلمِ أنْ تكونَ العاقبةُ لهم [28] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/85). .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أنَّ العُلُوَّ في الأرضِ، والعُتُوَّ على الخلْقِ، والسَّعْيَ بيْنَهم بالتَّفريقِ: يُعَدُّ مِن الإفسادِ، وذلك من قَولِه تعالى: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، ويَتَّضِحُ مِن الآيةِ أنَّه مَن كان على نقيضِ ذلك؛ مِن التَّواضُعِ للحقِّ والخلْقِ، وجَمْعِ شمْلِ الأُمَّةِ، وقَصْرِ عُدوانِه عنها: يكونُ مِن المصلِحِينَ، وكما قيلَ: «وبضِدِّها تتميَّزُ الأشياءُ» [29] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 13). .
4- في قَولِه تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَّ الأُمَّةَ المُستضعَفةَ -ولو بلغتْ في الضَّعْفِ ما بلغَتْ- لا ينبغي لها أنْ يستوليَ عليها الكَسلُ عن طَلَبِ حقِّها، ولا الإياسُ مِن ارتقائِها إلى أعلَى الأمورِ، خصوصًا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذَ اللهُ أُمَّةَ بني إسرائيلَ -الأُمَّةَ الضَّعيفةَ- مِن أسْرِ فِرعَونَ ومَلَئِه، ومَكَّنَهم في الأرضِ، ومَلَّكَهم بلادَهم [30] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 618). .
5- في قَولِه تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ إظهارُ أنَّ العُلُوَّ الحقَّ للهِ تعالى وللمؤمِنينَ، وأنَّ عُلُوَّ فِرعَونَ لم يُغْنِ عنه شَيئًا في دفْعِ عواقبِ الجَبروتِ والفسادِ؛ لِيَكونَ ذلك عِبرةً لجبابرةِ المُشرِكين مِن أهلِ مكَّةَ [31] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/85). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- أنَّ هذا القرآنَ مكتوبٌ؛ لِقَولِه تعالى: الْكِتَابِ، ومعلومٌ أنَّ كتابةَ القرآنِ مُتحقِّقةٌ في ثلاثةِ أماكنَ: في اللَّوحِ المحفوظِ، وفي صُحُفِ الملائكةِ، وفي المصاحفِ الَّتي بينَ أيدينا [32] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 8). .
2- في قَولِه تعالى: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أنَّ آياتِ اللهِ تعالى وعِبَرَه وأيَّامَه في الأممِ السَّابقةِ إنَّما يَستفيدُ بها ويَستنيرُ المؤمِنون، فعلى حَسَبِ إيمانِ العبدِ تكونُ عِبرَتُه، وإنَّ اللهَ تعالى إنَّما يَسوقُ القَصَصَ لأجْلِهم، وأمَّا غيرُهم فلا يَعبَأُ اللهُ بهم، وليس لهم منها نورٌ وهدًى [33] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 618). .
3- قال الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا، في قَولِه تعالى: وَجَعَلَ أَهْلَهَا أنَّ بني إسرائيلَ هم مِن أهلِ مصرَ، مع أنَّهم في الأصلِ مِن أهلِ الشَّامِ، فيتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أنَّ مَن سَكَنَ أرضًا وأقامَ فيها -وإنْ لم يكُنْ مِن أهلِها في الأصلِ- نُسِبَ إليها، وصار مِن أهلِها [34] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 13). .
4- في قَولِه تعالى: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أنَّ تفريقَ الأُمَّةِ سببٌ لفَشَلِها وذُلِّها، وفِرعَون هو أوَّلُ مَن جَعَل أهلَ الأرضِ شِيَعًا؛ حتى يَسُودَ عليهم [35] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 13). .
5- في قَولِه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وقولِه: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه: 24]، وقولِه: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: 10]؛ دَلالةٌ على أنَّ الأفعالَ قد تكونُ قبيحةً مذمومةً قبْلَ مجيءِ الرَّسولِ إلى النَّاسِ، فقد أخبرَ سُبحانَه عن فِرعَونَ أنَّه ظالمٌ وطاغٍ ومُفسِدٌ هو وقَومُه -وهذه أسماءُ ذَمِّ الأفعالِ-؛ والذَّمُّ إنَّما يكونُ في الأفعالِ السَّيِّئةِ القبيحةِ؛ إلَّا أنَّهم لا يَستحِقُّونَ العذابَ إلَّا بعدَ مجيءِ الرَّسولِ إليهم؛ لقولِه تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [36] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/37). [الإسراء: 15].
6- النَّاسُ أربَعةُ أقسامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: يُريدونَ العُلُوَّ على النَّاسِ والفسادَ في الأرضِ، وهو مَعصيةُ اللهِ، وهؤلاء الملوكُ والرُّؤساءُ المُفسِدونَ؛ كفِرعَونَ وحِزبِه. وهؤلاء هم شِرارُ الخَلقِ؛ قال الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لا يَدخُلُ الجنَّةَ مَن كان في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ ...))، ثمَّ قال: ((الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ )) [37] أخرجه مسلم (91) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. . فبطَرُ الحَقِّ: دَفْعُه وجَحْدُه. وغَمْطُ النَّاسِ: احتِقارُهم وازدِراؤُهم، وهذا حالُ مَن يريدُ العلُوَّ والفَسادَ.
والقِسْمُ الثَّاني: الَّذين يريدونَ الفَسادَ بلا علُوٍّ؛ كالسُّرَّاقِ، والمجرِمينَ مِن سَفِلةِ النَّاسِ.
والقِسمُ الثَّالثُ: يريدونَ العُلُوَّ بلا فسادٍ؛ كالَّذين عندَهم دِينٌ يُريدون أن يَعلُوا به على غيرِهم مِنَ النَّاسِ.
وأمَّا القِسمُ الرَّابعُ: فهُم أهلُ الجنَّةِ الَّذين لا يريدونَ علوًّا في الأرضِ ولا فَسادًا، مع أنَّهم قد يكونونَ أعلَى مِن غَيرِهم، كما قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139]، وقال تعالى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: 35]، وقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [38] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/392). [المنافقون: 8].
7- قال الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وكم ممَّن يريدُ العُلوَّ ولا يَزيدُه ذلك إلَّا سُفولًا؟! وكم ممَّن جُعِلَ مِن الأعلَينَ، وهو لا يريدُ العلُوَّ ولا الفَسادَ؟! وذلك لأنَّ إرادةَ العُلوِّ على الخَلقِ ظُلْمٌ؛ لأنَّ النَّاسَ مِن جِنسٍ واحدٍ؛ فإرادةُ الإنسانِ أن يكونَ هو الأعلَى، ونظيرُه تحتَه: ظُلْمٌ، ومع أنَّه ظُلمٌ فالنَّاسُ يُبغِضونَ مَن يكون كذلك ويُعادونَه؛ لأنَّ العادِلَ منهم لا يحِبُّ أن يكونَ مَقهورًا لِنَظيرِه، وغيرُ العادِلِ منهم يُؤْثِرُ أن يكونَ هو القاهِرَ، ثمَّ إنَّه مع هذا لا بُدَّ له -في العَقلِ والدِّينِ- مِن أن يكونَ بَعضُهم فوقَ بَعضٍ، كما أنَّ الجَسَدَ لا يَصلُحُ إلَّا برأسٍ؛ قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ [الأنعام: 165]، وقال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: 32]، فجاءت الشَّريعةُ بصَرفِ السُّلطانِ والمالِ في سَبيلِ الله. فإذا كان المقصودُ بالسُّلطانِ والمالِ هو التقَرُّبَ إلى اللهِ، وإنفاقَ ذلك في سَبيلِه؛ كان ذلك صلاحًا للدِّينِ والدُّنيا، وإن انفرَدَ السُّلطانُ عن الدِّينِ، أو الدِّينُ عن السُّلطانِ؛ فسَدَت أحوالُ النَّاسِ [39] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/393). .
8- قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ أرادَ فرعونُ بحَوْلِه وقوَّتِه أنْ ينجوَ مِن موسَى، فما نَفَعه ذلك مع قَدَرِ الملِكِ العظيمِ الَّذي لا يُخالَفُ أمرُه القَدَريُّ، بل نَفَذ حُكمُه، وجرَى قَلَمُه في القِدَمِ بأنْ يكونَ إهلاكُ فِرعونَ على يَدَيه، بل يكونُ هذا الغلامُ الَّذي احترَزْتَ مِن وُجودِه، وقتلْتَ بسببِه ألوفًا مِنَ الوِلْدانِ إنَّما مَنْشَؤُه ومَرْباهُ على فِراشِكَ وفي دارِك، وغذاؤُه مِن طعامِكَ وشرابِكَ، وأنت تُرَبِّيه وتُدلِّلُه وتَتَفَدَّاه، ثمَّ يكونُ حَتْفُك وهلاكُكَ وهلاكُ جنودِك على يدَيه؛ لِتَعلَمَ أنَّ ربَّ السَّمواتِ العُلا هو القادرُ الغالبُ العظيمُ، العزيزُ القويُّ الشَّديدُ المِحالِ، الَّذي ما شاءَ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ [40] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/221)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/34، 35). .
9- أنَّ مَنِ استُضعِفَ لقيامِه بالحقِّ، فلا بُدَّ أنْ تكونَ العاقبةُ له؛ لأنَّ قولَه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وإنْ كان في سياقِ بني إسرائيلَ، فغيرُهم داخلٌ في العمومِ اللَّفظيِّ إذا قُلْنا عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في أيِّ مكانٍ وزمانٍ، أو العمومِ المعنويِّ وذلك بقياسِ غيرِهم عليهم.
فإن قيل: إنَّ هناك أُناسًا استُضعِفوا بالحقِّ، وقُتِلوا، أو طُرِدوا، أو ما أشبَهَ ذلك؛ فأين العاقبةُ الَّتي تزعمون؟!
فالجوابُ: أنَّ العاقبةَ لا تكونُ للشَّخصِ الجسديِّ فقط! بل تكونُ أيضًا لِلشَّخصِ المعنويِّ؛ فمقالتُه هذه لا بُدَّ أنْ تُنْصَرَ، فالنَّصرُ لقائلِ الحقِّ في حياتِه، أو لمقالتِه بعدَ وفاتِه [41] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 17). .
10- في قَولِه تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا الإشارةُ إلى حكمةِ قولِه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216] في جانبِ بني إسرائيلَ، و قولِه: وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة: 216] في جانبِ فِرعَونَ؛ إِذْ كانوا فَرِحينَ باستخدامِ بني إسرائيلَ، وتدبيرِ قطْعِ نسْلِهم [42] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/85). !
11- في قَولِه تعالى: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ أنَّ المسلمينَ إذا استَولَوا على بلادِ الكفَّارِ مَلَكوها، والوارثُ يَمْلِكُ ما وَرِثَ، فهُمُ الَّذين يَجعلُهم اللهُ الوارثينَ؛ ولهذا قال أهلُ العلمِ: «إنَّ الأراضيَ تُمْلَكُ» [43] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 19). .
12- في قَولِه تعالى: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أنَّ تمكينَ الإنسانِ في الأرضِ هو مِن نعمةِ اللهِ عليه؛ لأنَّ هذا مِن جملةِ ما أُنعِمَ به على بني إسرائيلَ: أنْ مَكَّنَهم في الأرضِ [44] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 21). .
13- في قَولِه تعالى: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ أنَّ الحَذَرَ لا يُنجي مِن القَدَرِ [45] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/85). .
14- هنا إشكالٌ، وهو: كيف أَراهم اللهُ تعالى ما كانوا يَحذَرونَ مع أنَّهم هلَكوا؟
والجوابُ: أنَّهم أدركوا ذلك في آخرِ لحظاتِ حياتِهم، وقبْلَ خروجِ الرُّوحِ، وذلك ظاهرٌ في قولِ فِرعَونَ عندَما أدرَكَه الغرقُ: آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: 90].
وقال بعضُهم في قَولِه تبارك وتعالى: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ: ليس المرادُ الهلاكَ، بل المرادُ: بما كانوا يَحذرون مُنازعةَ آلِ فِرعَونَ؛ فإنَّ بني إسرائيلَ لَمَّا بُعِث موسى استَقْوَوْا، وقِصَّةُ السَّحَرةِ واضحةٌ في هذا، لَمَّا اجتَمَعوا واجتمَعَ النَّاسُ في يومِ عيدِهم، وفي الضُّحى في رابعةِ النَّهارِ، وصارت الهزيمةُ على آلِ فِرعَونَ، هزيمةً حِسِّيَّةً ومعنويَّةً: هُزِموا حِسًّا بأنَّ عصا موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جعلَتْ تَلْقَفُ ما يَأْفِكون، وهُزِموا معنًى بأنَّ السَّحرةَ أنفُسَهم آمَنوا، وصرَّحوا للمَلأِ بأنَّ فِرعَونَ هو الَّذي أكرَهَهم على السِّحرِ، وبَيَّنوا أنَّ الرَّبَّ الحقيقيَّ هو ربُّ موسى وهارُونَ سُبحانَه وتعالى، فهذه هزيمةٌ معنويَّةٌ، بالإضافةِ إلى الهزيمةِ الحِسِّيَّةِ [46] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 22). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ المُشارُ إليه ما هو مَقروءٌ يومَ نُزولِ هذه الآيةِ مِن القُرآنِ؛ تَنويهًا بشأْنِ القرآنِ، وأنَّه شأنٌ عظيمٌ [47] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/63). .
- وفي الإشارةِ إليه بالبُعدِ تِلْكَ آَيَاتُ بيانُ عِظَمِ القرآنِ وعُلُوِّهِ [48] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 7). .
- وحَذْفُ مُتَعَلَّقِ الْمُبِينِ يُستفادُ منه عمومُ إبانةِ القرآنِ لكلِّ شيءٍ [49] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 8). .
2- قَولُه تعالى: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
- قولُه: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ هذه الجُملةُ مُستأنَفةٌ استئنافًا ابتدائيًّا، ومهَّدَ لـ   نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بقولِه: نَتْلُوا عَلَيْكَ؛ للتَّشويقِ لهذا النَّبأِ؛ لِمَا فيه مِن شتَّى العِبَرِ بعَظيمِ تَصرُّفِ اللهِ في خلْقِه [50] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/63، 64). .
- وفي قولِه: نَتْلُوا عَلَيْكَ جُعِلَت التِّلاوةُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّه الَّذي يَتلقَّى ذلك المَتلُوَّ. وعُبِّرَ عن هذا الخبرِ بالنَّبأِ؛ لإفادةِ أنَّه خبرٌ ذو شأْنٍ وأهمِّيَّةٍ [51] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/64). .
- قولُه: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فيه تَخصيصُ المؤمنينَ بذلكَ مع عُمومِ الدَّعوةِ والبَيانِ للكلِّ؛ لأنَّهم المُنتفِعونَ بِه [52] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/391)، ((تفسير البيضاوي)) (4/171)، ((تفسير أبي حيان)) (8/285)، ((تفسير أبي السعود)) (7/2). . والمُرادُ بـ (قومٍ يُؤمِنون) قومٌ الإيمانُ شأْنُهم وسَجيَّتُهم. وللإشارةِ إلى معنى تَمكُّنِ الإيمانِ مِن نُفوسِهم أُجْرِيَ وَصفُ الإيمانِ على كلمةِ (قَومٍ)؛ لِيُفِيدَ أنَّ كَوْنَهم مُؤمِنينَ هو مِن مُقوِّماتِ قَوميَّتِهم. وجِيءَ بصِيغَةِ المُضارِعِ يُؤْمِنُونَ؛ للدَّلالةِ على أنَّ إيمانَهم مَوجودٌ في الحالِ، ومُستمِرٌّ مُتجدِّدٌ. وفي هذا إعراضٌ عن العَبْءِ بالمُشرِكين في سَوقِ هذه القصَّةِ بما يُقصَدُ فيها مِن العِبرةِ والموعظةِ؛ فإنَّهم لم يَنتفِعوا بذلك، وإنَّما انتفَعَ بها مَنْ آمَنَ ومَنْ سيُؤمِنُ بعدَ سماعِها [53] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/65). .
- واللَّامُ في لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لامُ التَّعليلِ، أي: نَتلو عليك لأجْلِ قومٍ يُؤمِنون؛ فكانتِ الغايةُ مِن تِلاوةِ النَّبأِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هي أنْ يَنتفِعَ بذلك قومٌ يُؤمِنون؛ فالنَّبيُّ يُبلِّغُ ذلك للمؤمِنين [54] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/64). .
3- قَولُه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ابتُدِئَت القصَّةُ بذِكْرِ أسبابِها؛ لتَكونَ عِبرةً للمُؤمنِينَ يَتَّخِذون منها سُننًا يَعلَمون بها عِلَلَ الأشياءِ ومَعلولاتِها، ويَسِيرون في شُؤونِهم على طَرائقِها؛ فلولا تجبُّرُ فِرعونَ -وهو مِن قَبيحِ الخِلالِ- ما حلَّ به وبقَومِه الاستِئصالُ، ولَمَا خرَجَ بنو إسرائيلَ مِن ذُلِّ العُبوديَّةِ. وهذا مِصداقُ المثَلِ: مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ، وقولِه تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216]. وصُوِّرَت عَظَمةُ فِرعونَ في الدُّنيا بقولِه: عَلَا فِي الْأَرْضِ؛ لِتَكونَ العِبرةُ بهَلاكِه بعدَ ذلك العُلوِّ أكبَرَ العِبَرِ [55] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/66). .
- قولُه: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا جُملةٌ مُسْتأنَفةٌ، وهي جاريةٌ مجرَى التَّفسيرِ؛ كالتَّفسيرِ للمُجمَلِ الموعودِ، كأنَّ قائلًا قال: وكيف كان نَبؤُهما؟ فقال:...، وهذه الجُملةُ وما عُطِفَ عليها بيانٌ لجُملةِ نَتْلُوا [القصص: 3]، أو بيانٌ لـ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ [القصص: 3]؛ فقُدِّمَ له الإجمالُ؛ للدَّلالةِ على أنَّه نبأٌ له شأنٌ عظيمٌ، وخَطرٌ بما فيه مِن شَتَّى العِبَرِ [56] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/391)، ((تفسير البيضاوي)) (4/171)، ((تفسير أبي السعود)) (7/2)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/66). .
- وتَصديرُ الجُملةِ بحَرفِ التَّأكيدِ؛ للاهتِمامِ بالخَبرِ، وللاعتناءِ بتَحقيقِ مَضمُونِ ما بعدَه، أي: إنَّه تَجبَّر وطغَا في أرضِ مِصرَ، وجاوَزَ الحُدودَ المَعهودةَ في الظُّلمِ والعُدوانِ [57] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/2)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/66). .
- وأيضًا في قولِه: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا احتِباكٌ [58] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِنَ الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِنَ الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ فقد ذَكَر العُلُوَّ أوَّلًا دليلًا على السُّفولِ ثانيًا؛ والافتِراقَ ثانيًا دليلًا على الاجتماعِ أوَّلًا [59] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/240). .
- ومِن البَلاغةِ اختِيارُ قولِه: شِيَعًا هنا؛ لِيَدُلُّ على أنَّه جعَلَ أهلَ بلادِ القِبطِ فِرَقًا ذاتَ نَزعاتٍ تَتشيَّعُ كلُّ فِرقةٍ إليه، وتُعادي الفِرقةَ الأخرى؛ لِيَتِمَّ له ضَربُ بعضِهم ببعضٍ، وقد أغْرى بيْنَهم العداوةَ؛ لِيَأمَنَ تألُّبَهم عليه، كما يُقال: فرِّقْ تَحكُمْ، وهي سِياسةٌ لا تَلِيقُ إلَّا بالمكرِ بالضِّدِّ والعَدوِّ، ولا تَلِيقُ بسِياسةِ وَليِّ أمْرِ الأُمَّةِ الواحِدةِ [60] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/67). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التَّفسيرِ.
- جُملةُ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ أُبدِلَتْ مِن جُملةِ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ بَدلَ اشتِمالٍ؛ لأنَّه ما فعَلَ ذلك بهم إلَّا لأنَّه عَدَّهم ضُعفاءَ، أي: أذِلَّةً، فكان يَسومُهم العذابَ، ويُسخِّرُهم للأعمالِ الشَّاقَّةِ [61] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/67، 68). .
- قَولُه: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... صِفةُ الكِبْرِ هي أمُّ المفاسدِ وجِماعُها؛ ولذلك قُدِّمتْ على ما يُذكَرُ بعدَها، ثمَّ أُعقِبَت بأنَّه كان مِن المُفسِدين [62] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). .
- وجُملةُ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تَعليلٌ لجُملةِ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ؛ إذ ليس في ذلك إلَّا مُجرَّدُ الفَسادِ. وقولُه: مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي: الكامِلينَ في الفَسادِ، والمعدودينَ في زُمْرَتِهم، وهو دالٌّ على شِدَّةِ تَمكُّنِ الإفسادِ مِن خُلقِه ممَّا لو قِيل: كان فاسدًا، ولفِعلِ الكونِ إفادةُ تمكُّنِ خَبرِ الفِعلِ مِنِ اسمِه؛ فحصَلَ تأكيدٌ لمَعنى تَمكُّنِ الإفسادِ مِن فِرعونَ؛ ذلك أنَّ فِعلَه هذا اشتَمَلَ على مَفاسدَ عظيمةٍ [63] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/392)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/8)، ((تفسير أبي حيان)) (8/286)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/68). .
4- قَولُه تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
- عُطِفَت جُملةُ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ... على جُملةِ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ؛ لمُناسَبةِ ما في تلك الجُملةِ مِن نَبأِ تَذبيحِ الأبناءِ، واستِحياءِ النِّساءِ؛ فذلك مِن عُلوِّ فِرعونَ في الأرضِ، وهو بَيانٌ لـ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ؛ فإنَّ إرادةَ اللهِ الخيرَ بالَّذين استَضْعَفهم فِرعونُ مِن تَمامِ نَبأِ مُوسى وفِرعونَ، وهو مَوقِعُ عِبرةٍ عظيمةٍ مِن عِبَرِ هذه القصَّةِ. وجِيءَ بصِيغَةِ المُضارِعِ وَنُرِيدُ في حِكايةِ إرادةٍ مَضَتْ؛ لاستِحضارِ ذلك الوقتِ كأنَّه في الحالِ؛ لأنَّ المعنى: أنَّ فِرعونَ يَطْغى عليهم، واللهُ يُرِيدُ في ذلك الوقتِ إبطالَ عمَلِه، وجَعْلَهم أمَّةً عَظيمةً [64] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/70). .
- ونُكتةُ إظهارِ الاسمِ الموصولِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا دونَ إيرادِ ضَميرِ الطَّائفةِ؛ للتَّنبيهِ على ما في الصِّلةِ مِن التَّعليلِ؛ فإنَّ اللهَ رَحيمٌ بعِبادِه، ويَنصُرُ المُستضعفينَ المظلومينَ الَّذين لا يَسْتطيعون حِيلةً ولا يَهتَدون سَبيلًا [65] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/70). . وأيضًا لإبانةِ قَدْرِ النِّعمةِ في المِنَّةِ بذِكْرِ حالتِهم السَّابقةِ المُبايِنةِ لها [66] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/3). .
- وخُصَّ بالذِّكرِ مِن المَنِّ أربعةُ أَشياءَ، عُطِفَت على فِعلِ نَمُنَّ عطْفَ الخاصِّ على العامِّ؛ وهي: جَعلُهم أئمَّةً، وجَعلُهم الوارثينَ، والتَّمكينُ لهم في الأرضِ، وأنْ يكونَ زوالُ مُلكِ فِرعونَ على أيدِيهم، في نِعَمٍ أُخرَى جمَّةٍ، ذُكِرَ كثيرٌ منها في سُورةِ البقرةِ [67] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/71). .
- والتَّعريفُ في الْوَارِثِينَ تَعريفُ الجِنسِ المفيدُ أنَّهم أهلُ الإرثِ الخاصِّ، وهو إرثُ السُّلطةِ في الأرضِ بعدَ مَن كان قبْلَهم مِن أهْلِ السُّلطانِ [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/71). . وقيل: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ لجَميعِ ما كان مُنتظِمًا في سلْكِ مُلكِ فِرعونَ وقومِه وِراثةً مَعهودةً فيما بيْنَهم، كما يُنبِئُ عنه تَعريفُ الْوَارِثِينَ. وتأخيرُ ذِكْرِ وِراثتِهم له عن ذِكْرِ جَعلِهم أئمَّةً -مع تَقدُّمِها عليه زَمانًا-؛ لانحِطاطِ رُتبتِها عن الإمامةِ، ولئلَّا يَنفصِلَ عنه ما بعْدَه مع كَونِه مِن رَوادفِه، أي: قولُه تعالى: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [69] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/3). .
5- قَولُه تعالى: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ فيه احتباكٌ [70] تقدم تعريفه قريبًا. ، حيثُ ذَكَرَ الاستِضعافَ أوَّلًا دليلًا على القوَّةِ ثانيًا، وإراءةَ المحذورِ ثانيًا دليلًا على إرادةِ المحبوبِ أوَّلًا، وسِرُّ ذلك أنه ذَكَرَ المُسَلِّي والمُرجِّي ترغيبًا في الصبرِ وانتظارِ الفرجِ [71] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/242). .
- وخُصَّ هامانُ بالذِّكْرِ -وهو وزيرُ فِرعونَ وأحدُ رِجالِه-؛ لِنَباهتِه في قَومِه ومَحلِّه مِن الكُفرِ [72] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/286). .