موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (10-22)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ

غَريبُ الكَلِماتِ:


عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أي: اتَّخذْتَهم عبيدًا، وعَبَّدتُ فلانًا: إذا ذلَّلْتَه، وإذا اتَّخَذْتَه عبدًا، وأصلُ (عبد): يدُلُّ على لِينٍ وذُلٍّ [103] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 316)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 337)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/205)، ((المفردات)) للراغب (ص: 543)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 267)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 250).   .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
قولُه:   ?  ? فيه أوجُهٌ؛ أحدُها: أنَّه في محلِّ رفعٍ عطفُ بيانٍ أو بدَلٌ مِن (تلك). الثاني: أنَّه في محلِّ نصبٍ مفعولٌ مِنْ أجلِه. الثالثُ: أنَّه بدَلٌ من (ها) في تَمُنُّهَا. الرابعُ: أنه في مَوضعِ نصبٍ على تقديرِ (لِأَن عَبَّدْتَ)، ثمَّ حُذِفَ الحرفُ، وحَذْفُه مع (أنْ) كَثيرٌ [104] يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/461)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/87)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/527)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/518).   .

المعنى الإجماليُّ:


يحكي الله تعالى جانبًا مِن قصةِ موسى عليه السلامُ، فيقولُ: واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ كلَّم رَبُّك موسى وأمَرَه أن يذهَبَ إلى القَومِ الظَّالمين؛ قَومِ فِرعَونَ، وأنْ يقولَ لهم: ألَا تتَّقون اللهَ وتتركونَ ظُلمَ عِبادِه؟! فقال موسى: ربِّ، إنِّي أخافُ أن يكَذِّبَني فِرعونُ وقَومُه، ويَضيقُ صَدري بسَبَبِ تَكذيبِهم إيَّاي، ويُحبَسُ لساني عن مُخاطبةِ فِرعَونَ، فلا يُبِينُ ما أرسَلْتَني به، فأرسِلْ أخي هارونَ رَسولًا معي يُعينُني، وإنَّ لِقَومِ فِرعَونَ علَيَّ ذَنبًا؛ لقَتلي رجُلًا منهم، فأخافُ أن يقتُلوني به.
فقال الله لِموسى: كلَّا، لن يَقتُلوك، فاذهَبْ أنت وأخوك إليهم بمُعجِزاتِنا، إنِّي معكما مؤيِّدٌ وحافِظٌ، أسمَعُ ما يدورُ بيْنَكم، فأْتِيَا فِرعونَ فقُولا له: إنَّا مُرسَلانِ لك مِن رَبِّ العالَمينَ، بأنْ تُطلِقَ بني إسرائيلَ، وتترُكَهم يأتون معنا إلى الأرضِ المقَدَّسةِ لعِبادةِ اللهِ وحْدَه.
 ثمَّ يحكي سبحانَه ما دارَ بينَ موسَى وفرعونَ مِن محاوراتٍ، فيقولُ: قال فِرعَونُ لِموسى: ألم نرَبِّك بيْنَنا صغيرًا، ومكثْتَ عندَنا سِنينَ كَثيرةً مِن عُمُرِك، ثمَّ قتَلْتَ رجُلًا منَّا وأنت جاحِدٌ لنِعمتِنا عليك؟! فقال موسى: إنَّما قتلْتُه خطأً، وقد كنتُ مِن الجاهلينَ لم يُوحَ إلَيَّ بعْدُ، فهَرَبتُ منكم خَوفًا مِن أن تقتُلوني، فأعطاني ربِّي عِلمًا وفَهمًا، وجعَلَني رَسولًا إليكم، وتَمُنُّ علَيَّ بهذه المنَّةِ أنْ سخَّرْتَ بني إسرائيلَ، وجعلْتَهم لك عَبيدًا، ولم تَستعبِدْني، فهذه ليست نِعمةً، فكيف تَمُنُّ علَيَّ بها؟!

تَفسيرُ الآياتِ:


وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تعالى تكذيبَ قُرَيشٍ بما جاءَهم مِن الحقِّ وإعراضَهم عنه، ذَكَرَ قصَّةَ موسى عليه السلامُ، وما قاسى مع فرعونَ وقومِه؛ ليَكونَ ذلك مَسلاةً لِمَا كان يَلْقاه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُفَّارِ قريشٍ؛ إذْ كانت قريشٌ قد اتخذَتْ آلهةً مِن دونِ اللهِ، وكان قومُ فرعونَ قد اتَّخَذوه إلهًا، وكان أتْباعُ مِلَّةِ موسى عليه السلامُ هم المجاوِرينَ مَن آمَنَ بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلذا بَدَأَ بقصَّةِ موسى عليه السَّلامُ، ثمَّ ذَكَر بعدَ ذلك ما يأتي ذِكْرُه مِن القَصَصِ [105] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/142).   .
وأيضًا لَمَّا اقتضى وصْفُ العِزَّةِ الإهلاكَ، ووصْفُ الرحمةِ الإمهالَ، وكان الأوَّلُ مقدَّمًا، وكانت عادتُهم تقديمَ ما هم به أهمُّ، وهو لهم أعْنى؛ خِيْفَتْ غائلتُه، فأَتْبَعَ ذلك أخبارَ هذه الأممِ دَلالةً على الوصفين معا ترغيبًا وترهيبًا، ودَلالةً على أنَّ الرحمةَ سبقَتِ الغضبَ -وإنْ قُدِّمَ الوصفُ اللائقُ به-؛ فلا يُعَذِّبُ إلَّا بعْدَ البيانِ، مع طولِ الإمهالِ [106] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/13).   .
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10).
أي: واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ كلَّم اللهُ موسى وأمَرَه أن يذهَبَ إلى الظَّالِمين لأنفُسِهم بالكُفرِ والمعاصي، والظَّالِمين لبني إسرائيلَ باستعبادِهم واضْطِهادِهم وسَومِهم سوءَ العَذابِ [107] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 787)، ((تفسير الخازن)) (3/322)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 589)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/103، 104). قال الشوكاني: (ووَصْفُهم بالظُّلمِ؛ لأنَّهم جَمَعوا بينَ الكفرِ الَّذي ظَلَموا به أنفسَهم، وبينَ المعاصي الَّتي ظَلَموا بها غيرَهم؛ كاستِعبادِ بني إسرائيلَ، وذبحِ أبنائِهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/110).   .
كما قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 4].
وقال عزَّ وجلَّ: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص: 29 - 32].
وقال سُبحانَه: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [النازعات: 15 - 17].
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11).
أي: اذهَبْ إلى القَومِ الظَّالمينَ، وهم قَومُ فِرعونَ القِبطُ، فقُلْ لهم: ألَا تتَّقونَ اللهَ [108] قال ابن عثيمين: (يحتملُ أنَّه مِن المرسَلِ به، يعني: يقولُ لهم: أَلَا يَتَّقُونَ. ويحتملُ أنَّه مِن كلامِ الله سبحانَه وتعالى لِموسى؛ ليُبَيِّنَ له حالَهم، وأنَّهم يتجنَّبون التقْوى، وأنَّ الأليَقَ بهم أن يتَّقوا اللهَ سبحانه وتعالى). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 40). وممَّن قال بأنَّها أمرٌ لموسَى بأن يقولَ لهم ذلك: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جرير، ومكي، وابن عطية، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/259)، ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5281)، ((تفسير ابن عطية)) (4/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 589)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/105). وممَّن ذهب إلى القولِ الثاني، وهو ظاهرُ اختيارِه في الجملةِ: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/301)، ((تفسير البيضاوي)) (4/134)، ((تفسير النسفي)) (2/555)، ((تفسير الشوكاني)) (4/111). وتخافونَ عِقابَه، فتُؤمِنوا به وتَتركوا ظُلْمَ عِبادِه [109] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 787)، ((تفسير الخازن)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 589)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/105).   ؟
كما قال تعالى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات: 17 - 19].
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12).
أي: قال موسى: ربِّ إنِّي أخافُ أن يكَذِّبَني فِرعَونُ وقَومُه، ولا يصَدِّقوا أنِّي رَسولُك إليهم [110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((الوسيط)) للواحدي (3/351)، ((تفسير القرطبي)) (13/92). قال الشنقيطي: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، أي: بسببِ أنِّي قتلْتُ منهم نفْسًا، وفرَرتُ منهم لَمَّا خِفتُ أن يقتلوني بالقتيلِ الذي قتلتُه منهم. ويوضِّح هذا المعنى الترتيبُ بالفاءِ في قولِه تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص: 33]؛ لأنَّ مَن يخافُ القتلَ فهو يتوقَّعُ التكذيبَ). ((أضواء البيان)) (6/87). وقال ابن عثيمين: (هذا جوابُ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ لله مبيِّنًا له حالَه حتى يكونَ الأمرُ لدى موسى واضحًا، فينشَطَ ويَقوى، وليس المرادُ بهذا معارضةَ أمرِ الله؛ فإنَّ موسى لن يُعارِضَ أمرَ الله عزَّ وجلَّ، ولكِنْ يريدُ أن يَستبينَ الأمرَ؛ ماذا تكونُ حالُه مع فِرعونَ وقد اتَّصَف بهذه الصِّفةِ، وهي الخوفُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 43). .
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13).
وَيَضِيقُ صَدْرِي.
أي: ويَضيقُ صَدري بسَبَبِ تَكذيبِهم إيَّاي، فلا ينشَرِحُ [111] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((البسيط)) للواحدي (17/27)، ((تفسير القرطبي)) (13/92)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 44، 45).   .
وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي.
أي: ويَنحَبِسُ لساني عندَ مُخاطَبةِ فِرعَونَ [112] قال ابن عثيمين في قوله: وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي وما كان في لسانِ موسى عليه السلامُ مِن عُقدةٍ قال: (يحتملُ أنَّ العُقدةَ [أي: التي كانت في لسانِه] معنويَّةٌ، بمعنى أنَّه لا يستطيع التعبيرَ بانطلاقٍ وفصاحةٍ. وقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 27، 28]، وقول فرعون في وصفه الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: 52] يحتمِلُ -وهو الأقربُ- أن تكونَ فيه لُثغةٌ، إمَّا سرعة القولِ بنُطقِ الحروفِ، بحيث تتابَعُ الحروفُ حتى لا تفهَمَ؛ لأنَّ مِن الناس مَن يكونُ كذلك، ليس في لسانِه عُقدةٌ حِسِّيَّةٌ، لكنْ تترادفُ الحروفُ في كلامِه بحيث لا تدري ما يقولُ. أو لأنَّه فيه لُثْغةٌ لا تتبيَّنُ الحروف مِن كلامِه، وكل هذا محتملٌ، وهذه العقدةُ ليست كما ذُكِرَ مِن الجَمرةِ، وأنَّ لها أثرًا حِسيًّا يمنعُه مِن الكلامِ، بل هي أثَرٌ خِلْقي، يعني بأصلِ الخِلقةِ. ويحتملُ أنَّها جَهلُ البيان، يعني: ليس فصيحًا في خِطابِه وبيانِه وإقناعِه، لكِنِ الأوَّلُ أَولى، وأنَّها عقدةٌ معنويَّةٌ، وذلك بصفةِ الكلامِ، بحيث لا تتبيَّنُ الحروفُ في كلامِه؛ إمَّا لعجَلتِه، وإما للثغتِه، أو غير ذلك). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 45، 46). وقال ابن عاشور: (وعَطْفُ وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي على يَضِيقُ صَدْرِي يُنبىءُ بأنَّه أراد بضيقِ الصَّدرِ تكاثُرَ خواطِرِ الاستدلالِ في نفْسِه على الَّذين كذَّبوه لِيُقْنِعَهم بصِدقِه، حتَّى يُحِسَّ كأنَّ صدرَه قد امتلأ، والشَّأنُ أنَّ ذلك يَنقُصُ شيئًا بعدَ شيءٍ بمِقدارِ ما يُفصِحُ عنه صاحِبُه مِن إبلاغِه إلى السَّامعينَ، فإذا كانت في لسانِه حُبْسةٌ وعِيٌّ بَقِيَت الخواطِرُ مُتلَجْلِجةً في صدرِه). ((تفسير ابن عاشور)) (19/106). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((البسيط)) للواحدي (17/27)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 480)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/87). ، فلا أستطيعُ أن أُبِينَ له ما أرسَلْتَني به [113] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/552)، ((البسيط)) للواحدي (17/27)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/106).   .
كما قال تعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 25 - 28].
فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ.
أي: فأوحِ -يا رَبِّ- إلى أخي هارونَ؛ لِيَكونَ رَسولًا معي فيُعينَني [114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/553)، ((تفسير القرطبي)) (13/92)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 480)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/107).   .
كما قال تعالى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: 29 - 36].
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14).
أي: ولِقَومِ فِرعَونَ دَعوى ذنْبٍ يَطلُبونَني بها؛ لِقَتلي منهم رجُلًا، فأخشَى أن يقتُلوني به [115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/553)، ((تفسير القرطبي)) (13/92)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137). قال ابن عاشور: (قوله: فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ليس هلَعًا وفرَقًا مِن الموتِ؛ فإنَّه لَمَّا أصبَح في مقامِ الرِّسالةِ ما كان بالذي يُبالي أن يموتَ في سبيلِ الله، ولكِنَّه خَشِيَ العائقَ مِن إتمامِ ما عُهِدَ إليه ممَّا فيه له ثوابٌ جزيلٌ ودرجةٌ عُلْيا). ((تفسير ابن عاشور)) (19/107، 108).   .
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15).
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا.
أي: قال اللهُ لموسى: لن يَقتُلَك قَومُ فِرعَونَ، فاذهَبْ أنت وأخوك هارونُ إليهم بمُعجِزاتِنا الدَّالَّةِ على صِدْقِكما [116] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/554)، ((تفسير القرطبي)) (13/92، 93)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/18)، ((تفسير السعدي)) (ص: 589)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/108). قال ابن عطية: (أُمِرَ موسى وهارونُ بخطابٍ لموسى فقط؛ لأنَّ هارونَ ليس بمُكلَّمٍ بإجماعٍ، ولكِنْ قال لموسى: اذهَبا، أي: أنت وأخوك، والآياتُ تعُمُّ جميعَ ما بعَثَهما الله به، وأعظَمُ ذلك العصا... ولا خِلافَ في أنَّ موسى عليه السلامُ هو الذي حمَّله اللهُ أمرَ النبوَّةِ كُلِّها، وأنَّ هارونَ كان نبيًّا رسولًا، مُعِينًا له وزيرًا). ((تفسير ابن عطية)) (4/227).   .
كما قال تعالى: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص: 35].
إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ.
أي: إنِّي معكما بالتَّأييدِ والحِفظِ، أسمَعُ ما ستَقولانِ لفِرعَونَ وقَومِه، وما سيَرُدُّون به عليكما [117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/554)، ((تفسير القرطبي)) (13/93)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/18)، ((تفسير السعدي)) (ص: 589)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/87، 88)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 50).   .
كما قال تعالى: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 45، 46].
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16).
أي: فَأْتِيا -أنت وهارون- إلى فِرعَونَ فقُولَا له: إنَّا مُرسَلانِ إليك مِن خالِقِ ومالِكِ ومُدَبِّرِ العالَمينَ [118] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/260)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/19، 20)، ((تفسير أبي السعود)) (6/237)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590). وذهَب ابنُ جريرٍ والزجَّاجُ -ونسبه الواحديُّ لجميع النحْويِّينَ- إلى أنَّ الرسولَ هاهنا بمعنى الرِّسالةِ. أي: نحن ذَوو رسالةٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/554)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/85)، ((البسيط)) للواحدي (17/30، 31). وذهَب الأخفشُ وابنُ قُتَيْبةَ إلى أنَّ رَسُولُ هنا مفردٌ بمعنَى الجَمعِ، مثل: العدُوِّ والضَّيفِ، كقَولِه تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: 77]، وقولِه: هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ [الحجر: 68]. يُنظر: ((معاني القرآن)) للأخفش (2/461)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 316). قال البِقاعي: (إِنَّا رَسُولُ أفرَده مُريدًا به الجِنسَ الصَّالحَ للاثنين؛ إشارةً بالتَّوحيدِ إلى أنَّهما في تعاضُدِهما واتِّفاقِهما كالنَّفسِ الواحدةِ، ولا تخالُفَ؛ لأنَّه إمَّا وقَع مرَّتين كُلُّ واحدةٍ بلَونٍ، أو مرَّةً بما يُفيدُ التثنيةَ والاتِّفاقَ، فساغ التعبيرُ بكلٍّ منهما، ولم يُثَنِّ هنا؛ لأنَّ المقامَ لا اقتضاءَ له للتَّنبيهِ على طلَبِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المؤازَرةَ). ((نظم الدرر)) (14/19). وقال ابن عثيمين: (ووجهٌ ثالثٌ أن يقالَ: إنَّ الأصلَ في الرِّسالة موسى، وهو واحِدٌ، وهارونُ مُعِينٌ ووزيرٌ، وإلَّا فالأصلُ أنَّ موسى هو الرسولُ، كما يوجَدُ في آياتٍ كثيرةٍ ذِكرُ موسى بدُونِ ذِكرِ هارونَ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 54). .
كما قال سُبحانَه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزخرف: 46].
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17).
أي: إنَّا رَسولُ رَبِّ العالَمينَ إليك بأنْ تُطلِقَ -يا فِرعَونُ- بني إسرائيلَ مِن قَهرِك وعَذابِك، وتترُكَهم يسيرونَ معنا إلى الأرضِ المقَدَّسةِ؛ لِيَعبُدوا اللهَ ويُقيموا دينَه [119] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/554)، ((تفسير القرطبي)) (13/94)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590).   .
كما قال تعالى: فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ [طه: 47].
وقال سُبحانَه: وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف: 104-105].
وقال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الدخان: 17، 18].
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18).
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا.
أي: قال فِرعَونُ لموسى: ألم نَقُمْ بتربيتِك منذُ كنتَ صَغيرًا في المَهدِ [120] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/555)، ((تفسير القرطبي)) (13/94)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590).   ؟
وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ.
أي: ومَكثْتَ عندَنا سِنينَ كثيرةً مِن عُمُرِك تتنعَّمُ بخَيراتِنا [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/555)، ((تفسير السمرقندي)) (2/552)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137).   !
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19).
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ.
أي: وقتلْتَ رجُلًا منَّا مِن القِبطِ كما تَعلَمُ [122] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/555)، ((البسيط)) للواحدي (17/33)، ((تفسير القرطبي)) (13/94)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590).   .
وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ.
أي: والحالُ أنَّك مِن الجاحِدينَ لنِعمَتِنا عليك؛ حيث جازَيْتَنا على تَربيتِنا لك بقَتلِ رجُلٍ مِنَّا [123] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/556، 557)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/19)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/88، 89). قال البغوي: (قال أكثرُ المفسِّرينَ: معنَى قولِه: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ يعني: مِن الجاحِدينَ لنعمتي، وحَقِّ تربيتي، يقولُ: ربَّيْناكَ فينا فكافأْتَنا أنْ قتلْتَ مِنَّا نفْسًا، وكفَرْتَ بنِعمتِنا). ((تفسير البغوي)) (3/464).   !
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20).
أي: قال موسى مُجيبًا لفِرعَونَ: قتلتُ القِبطيَّ خَطأً وأنا مِن الجاهِلينَ، قبْلَ أن يُوحيَ اللهُ إلَيَّ بالرِّسالةِ [124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/557، 558)، ((تفسير القرطبي)) (13/95)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/89)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 62).   .
كما قال تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص: 15، 16].
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21).
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ.
أي: فخرجتُ مِن بينِكم هاربًا منكم؛ خَوفًا مِن أن تقتُلوني بذلك القِبطيِّ [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/559)، ((الوسيط)) للواحدي (3/352)، ((تفسير القرطبي)) (13/95)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590).   .
كما قال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: 20، 21].
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا.
أي: فأعطاني ربِّي عِلمًا [126] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/260)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/499)، ((تفسير ابن جرير)) (17/559)، ((تفسير القرطبي)) (13/95)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/22)، ((تفسير الألوسي)) (10/69). قال الألوسي: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا أي: نبوَّةً أو عِلمًا وفَهمًا للأشياءِ على ما هي عليه، والأوَّلُ مرويٌّ عن السُّدِّي، وتأوَّل بعضُهم ذلك بأنَّه أراد عِلمًا هو مِن خواصِّ النبوَّةِ، فيكونُ الحُكمُ بهذا المعنى أخَصَّ منه بالمعنى الثاني). ((تفسير الألوسي)) (10/69). ممن اختار أنَّ الحكمَ هنا بمعنى العلمِ والفهمِ في الجملةِ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والثعلبيُّ، والرازي، وجلالُ الدينِ المحليُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/260)، ((تفسير الثعلبي)) (7/161)، ((تفسير الرازي)) (24/496)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 481). وقال البقاعي: ( حُكْمًا أي: علمًا أعملُ به عملَ الحكَّامِ الحكماءِ). ((نظم الدرر)) (14/22). وقال الشنقيطي: (قولُه: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا، قال بعضُهم: الحُكمُ هنا هو النبوَّةُ، وممَّن يُروى عنه ذلك السُّدِّيُّ. والأظهَرُ عندي: أنَّ الحُكمَ هو العِلمُ الذي علَّمَه الله إيَّاه بالوحْيِ. والعِلمُ عندَ الله تعالى). ((أضواء البيان)) (6/91). وذكر ابنُ عثيمين أن تفسيرَ الحُكمِ بالعلمِ تفسيرٌ له بلازمِه؛ لِأَنَّ مِن لازِمِ الحكمِ العلمَ. ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 64، 65). وممن اختار أنَّ المرادَ بالحكمِ: النبوةُ: يحيى بنُ سلام، وابنُ جرير، والواحدي، والبغوي، والخازنُ، والعليمي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/499)، ((تفسير ابن جرير)) (17/559)، ((الوسيط)) للواحدي (3/352)، ((تفسير البغوي)) (3/464)، ((تفسير الخازن)) (3/323)، ((تفسير العليمي)) (5/54). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عطية)) (4/228). وممن اختار أنَّ المرادَ: النبوةُ والعلمُ: السمعاني، والنسفي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/41)، ((تفسير النسفي)) (2/558). .
  وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
أي: وجعَلَني ربِّي مِن جُملةِ رُسُلِه؛ لأُبلِّغَكم رسالتَه [127] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/260)، ((تفسير ابن جرير)) (17/559)، ((تفسير السمرقندي)) (2/552)، ((تفسير النسفي)) (2/558).   .
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22).
أي: وتَمُنُّ عليَّ -يا فِرعَونُ- بتربيتِك لي وإنعامِك علَيَّ، وقد اتَّخَذْتَ قَومي بني إسرائيلَ عَبيدًا لك، فكيف تَمُنُّ علَيَّ بهذه النِّعمةِ أنِ استَعبدْتَ بني إسرائيلَ ولم تَستعبِدْني، فهذه ليست نِعمةً [128] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/499)، ((تفسير الزمخشري)) (3/306)، ((تفسير ابن كثير)) (6/138)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/22، 23)، ((تفسير السعدي)) (ص: 590)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 66). قال يحيى بن سلام: (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 22] موسى بقَولِه لفِرعونَ أراد ألَّا يُسوِّغَ عدوَّ اللهِ ما امتَنَّ به عليه، فقال: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 22] فاتخذْتَ قَومي عبيدًا وكانوا أحرارًا، وأخذْتَ أموالَهم، فأنفقْتَ علَيَّ مِن أموالِهم وربَّيْتني بها، فأنا أحَقُّ بأموالِ قَومي منك). ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/499، 500). وقال الزمخشري: (كرَّ على امتنانِه عليه بالتربية، فأبطَلَه مِن أصلِه، واستأصَلَه مِن سِنْخِه [أي: أساسِه]، وأبى أن يسمِّيَ نعمَتَه إلَّا نِقمةً؛ حيث بيَّن أنَّ حقيقةَ إنعامِه عليه تعبيدُ بنى إسرائيلَ؛ لأنَّ تعبيدَهم وقَصْدَهم بذبحِ أبنائِهم هو السببُ في حصولِه عندَه وتربيتِه، فكأنَّه امتَنَّ عليه بتعبيدِ قَومِه إذا حَقَّقْتَ). ((تفسير الزمخشري)) (3/306). وقال ابنُ كثير: (أي: وما أحسَنْتَ إليَّ وربَّيتَني مقابلَ ما أسأتَ إلى بني إسرائيلَ، فجعَلْتَهم عبيدًا وخَدَمًا، تُصَرِّفُهم في أعمالِك ومشاقِّ رعيَّتِك، أفَيَفي إحسانُك إلى رجُلٍ واحدٍ منهم بما أسأْتَ إلى مجموعِهم؟! أي: ليس ما ذكَرْتَه شيئًا بالنِّسبةِ إلى ما فعلْتَ بهم). ((تفسير ابن كثير)) (6/138). وقال ابنُ عثيمين: (فكأنَّه يقولُ: تَرْكُ الظُّلمِ بالنِّسبةِ إليَّ لا يُعَدُّ نِعمةً؛ لأنَّ الإنسانَ ليس مستحِقًّا له حتى نقولَ: إنَّه عفا عنه وترَكَه... لكِنْ هناك احتِمالٌ آخَرُ، فالإساءةُ إلى قَومِه إساءةٌ له، فكأنَّه يؤكِّدُ نفْيَ النعمةِ، يعني: أين النِّعمةُ وأنت قد عبَّدْتَ بني إسرائيلَ وهم قَومي، فإذا قُدِّرَ أنِّي سَلِمتُ مِن التعبيدِ والظلْمِ، فأنا فَردٌ مِن قبيلةٍ، وقَومي قد عبَّدْتَهم، فأين النِّعمةُ؟!... يعني: يقولُ: أين النِّعمةُ التي أنعمْتَ بها علَيَّ وأنت تُعَبِّدُ بني إسرائيلَ؛ لأنَّ تعبيدَ بني إسرائيلَ خِلافُ النعمةِ في الواقعِ، ومِن المعلومِ أنَّ موسى مِن بني إسرائيلَ، فتعبيدُ بني إسرائيلَ -وهم قومُه- إذلالٌ له، وهذا معنًى جيِّدٌ في الحقيقةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 67، 68). وذهَب الفَرَّاءُ وابنُ جريرٍ إلى أنَّ هذا الكلامَ مِن موسى عليه السلامُ على جهةِ الإقرارِ بالنِّعمةِ، كأنَّه يقولُ: نعمْ، تربيتُك نعمةٌ علَيَّ مِن حيث عبَّدْتَ غيري وترَكْتَني، ولكنْ لا يمنعُ ذلك صحَّةَ رسالتي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/279)، ((تفسير ابن جرير)) (17/559، 560)، ((تفسير القرطبي)) (13/95). ؟!

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قال الله تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ لم يكنْ ذلك استِعفاءً مِن الرِّسالةِ، بل طَلَب مَن يُعينُه؛ ففي هذا دَليلٌ على أنَّ مَن لا يستَقِلُّ بأمرٍ، ويخافُ مِن نفْسِه تقصيرًا: أن يأخُذَ مَن يستعينُ به عليه [129] قال ابن القيِّمِ ناقلًا عن غيرِه: (إذا تحرَّكت النفْسُ لعملٍ مِن الأعمالِ وهَمَّ به العبدُ، وقَف أوَّلًا ونظَر: هل ذلك العملُ مقدورٌ له، أو غيرُ مقدورٍ ولا مستطاعٍ؟ فإن لم يكُنْ مقدورًا لم يُقدِمْ عليه، وإن كان مقدورًا وقَف وقفةً أخرى ونظَر: هل فِعلُه خيرٌ له مِن تركِه، أو تركُه خيرٌ له مِن فعلِه؟ فإن كان الثانيَ ترَكه ولم يُقدِمْ عليه، وإن كان الأوَّلَ وقَف وقفةً ثالثةً ونظَر: هل الباعثُ عليه إرادةُ وجهِ الله عزَّ وجلَّ وثوابِه، أو إرادةُ الجاهِ والثناءِ والمالِ مِن المخلوقِ؟ فإن كان الثانيَ لم يُقدِمْ وإنْ أفضَى به إلى مطلوبِه؛ لئلَّا تعتادَ النفسُ الشركَ، ويخِفَّ عليها العملُ لغيرِ الله، فبقَدْرِ ما يخفُّ عليها ذلك يثقُلُ عليها العملُ لله تعالى، حتى يصيرَ أثقلَ شىءٍ عليها، وإن كان الأوَّلَ وقَف وقفةً أخرى ونظَر: هل هو مُعانٌ عليه، وله أعوانٌ يساعدونَه وينصرونَه إذا كان العملُ محتاجًا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكُنْ له أعوانٌ أمسَك عنه، كما أمسَك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الجهادِ بمكَّةَ حتى صار له شوكةٌ وأنصارٌ، وإن وجَده مُعانًا عليه فلْيُقْدِمْ عليه؛ فإنَّه منصورٌ، ولا يفوتُ النجاحُ إلَّا مَن فوَّت خصلةً مِن هذه الخِصالِ، وإلَّا فمع اجتماعِها لا يفوتُه النجاحُ). ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) (1/81، 82).   ، ولا يلحَقُه في ذلك لَومٌ [130] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/92).   .
2- في قَولِه تعالى: قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ دَليلٌ على مَبدأِ تشجيعِ الإنسانِ في مُهمَّتِه، فهنا التَّشجيعُ حَصَلَ مِن ثلاثِ جهاتٍ: إبطالُ الخوفِ بقَولِه: كَلَّا، واستِصحابُ الدَّليلِ بقولِه: بِآَيَاتِنَا، والعلمُ بالمُدافِعِ، وهو قولُه: مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ، فكلُّ شيءٍ يَحتاجُ إلى تَشجيعٍ، فينبغي للإنسانِ أنْ يُظهِرَ تشجيعَ صاحبِه حتى يَنشَطَ ويؤدِّيَ الرسالةَ على الوجهِ الأكملِ [131] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 52).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قال اللهُ تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ إلى قَولِه: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه أنَّ القومَ والأهلَ وما أشبَهَ ذلك، إذا أُضيفتْ دخَلَ فيها مَن أُضيفتْ له [132] قال ابن القيِّم: (الرجُلُ حيثُ أُضيفَ إلى آلِه دخَل فيه هو؛ كقولِه تعالى: أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46]، وقولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: 33]، وقولِه تعالى: إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: 34]. وقولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي أوفى». وهذا إذا لم يُذكَرْ معه مَن أُضِيف إليه الآلُ، وأمَّا إذا ذُكر معه فقد يُقالُ: ذُكِر مفردًا وداخلًا في الآلِ، وقد يُقالُ: ذِكرُه مفردًا أغنى عن ذِكرِه مضافًا، والأهلُ بخلافِ ذلك، فإذا قلتَ: جاء أهلُ زيدٍ؛ لم يدخُلْ فيهم...). ((جلاء الأفهام)) (ص: 204).   ، ويؤخَذُ ذلك مِن قَولِه: قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ثمَّ قال هنا: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ؛ فدلَّ ذلك على أنَّ فِرعَونَ منهم [133] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 55).   .
2- إثباتُ النِّداءِ للهِ سُبحانه وتعالى؛ لقولِه: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ فيكونُ كلامُه بصوتٍ على هذا؛ وأنَّه بحَرفٍ؛ قال تعالى: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ كلُّها حروفٌ [134] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 41).   .
3- في قَولِه تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ دليلٌ على فضْلِ اللهِ سُبحانه وتعالى على الخَلقِ لإرسالِه الرُّسُلَ؛ فإرسالُ الرُّسُلِ دَليلٌ على فضْلِ اللهِ على الخَلْقِ، وعنايتِه بهم؛ لأنَّ الخلْقَ مهما أُوتوا مِن ذكاءٍ لا يُمكِنُهم أنْ يُدرِكوا ما يَجِبُ للهِ سُبحانَه وتعالى على التَّفصيلِ، والعاقِلُ يُدرِكُ ما يجِبُ لله على وَجهِ الإتمامِ، فإدراكُه أنَّ له الكمالَ المُطلَقَ، وأنَّه المُستحِقُّ العبادةَ على وَجهِ التَّفصيلِ لا يمكِنُ إلَّا عن طريقِ الرُّسُلِ؛ ولهذا قال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [135] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 41).   [النساء: 165].
4- في قَولِه تعالى: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ دَليلٌ على أنَّه لا بأسَ في الإجمالِ في الكلامِ؛ بشرطِ أنْ يأتيَ التَّفصيلُ، وفائدةُ الإجمالِ ثمَّ التفصيلِ بعْدَه الاهتِمامُ، فيكونُ مُتَشوِّفًا ومتطلِّعًا لهذا المُجمَلِ [136] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 42).   .
5- في قَولِه تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ... إلى آخرِ الآياتِ سؤالٌ، وهو: كيف ساغَ لِموسى عليه السَّلامُ أنْ يأمُرَه ربُّه بأمرٍ فلا يَقبَلَه بسَمعٍ وطاعةٍ مِن غيرِ توقُّفٍ وتشبُّثٍ بعِلَلٍ، وقد عَلِمَ أنَّ اللهَ تعالى عليمٌ بحالِه؟!
أُجيبَ: بأنَّه قد امتثلَ وتقبَّلَ، ولكِنَّه التمَسَ مِن ربِّه أن يُعَضِّدَه بأخيه؛ حتى يتعاونَا على تنفيذِ أمرِه، وتبليغِ رسالتِه، فمَهَّدَ قبْلَ التماسِه عُذرًا فيما التمَسَه، ثمَّ التمسَ بعْدَ ذلك، وتمهيدُ العُذرِ في التِماسِ المُعِينِ على تنفيذِ الأمرِ ليس بتوقُّفٍ في امتثالِ الأمرِ، ولا بتعَلُّلٍ فيه، وكفى بطَلَبِ العَونِ دليلًا على التقَبُّلِ، لا على التعَلُّلِ [137] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/302)، ((تفسير الشربيني)) (3/5).   .
6- قولُه تعالى: فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ فيه جوازُ الخَوفِ الطبيعيِّ، وأنَّه ليس بشِركٍ [138] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 48). فالخوفُ الطبيعيُّ الأصلُ أنَّه مباحٌ لوجودِ أسبابِه، بل مشروعٌ، كخَوفِ الإنسانِ مِن اللصوصِ فيُغلِق بابَه، ويحفظ متاعَه، ومِن السباعِ والحياتِ والعقاربِ فيأخذ حذرَه بالأسبابِ الشرعيةِ المباحةِ. وقد يكونُ الخوفُ محرَّمًا إن كان الخوفُ مِن شيءٍ لا يؤثِّرُ على الإنسانِ، فيحملُه ذلك الخوفُ على تركِ واجبٍ أو فعلِ محرَّمٍ. وقد يكونُ شركًا ويسمَّى خوفَ السرِّ،كالخوفِ مِن أصحابِ القبورِ أو غيرِهم مِن الغائبينَ، واعتقادِ نفعِهم وضرِّهم بقدرتِهم الخاصَّةِ. يُنظر: ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) لعبد الرحمن بن حسن (ص: 344)، ((مجموع فتاوى ابن باز)) (8/281)، ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/7). ، فقد خاف موسى أنْ يَقْتلوه به، فدلَّ هذا على أنَّ الخوفَ قد يصحَبُ الأنبياءَ والفضلاءَ والأولياءَ معَ معرفتِهم بالله، وأنَّه لا يقعُ شَيءٌ إلَّا بمشيئتِه وقُدرتِه؛ إذْ قد يسَلِّطُ مَن شاء على مَن شاء [139] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/92).   .
7- جوازُ بيانِ الإنسانِ حالَه إذا لم يَقصِدْ به الشَّكوى؛ لِقولِه تعالى: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي، فإنَّ هذا وَصفٌ له في الضَّعْفِ، وعدَمِ التحَمُّلِ نفسيًّا بضِيقِ الصَّدرِ، وعدمِ الكلامِ المتقَنِ؛ لكونِه لا يَنطلِقُ لسانُه [140] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 46).   .
8- في قَولِه تعالى: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي جوازُ ذِكرِ الوسائلِ التي تَستوجِبُ القَبولَ في الدُّعاءِ؛ حيث ذَكَر معلوماتٍ كثيرةً؛ بكونِه يَضيقُ صَدرُه، ولا يَنطَلِقُ لسانُه، وهذا مِن بابِ التوسُّلِ الزَّائدِ، فذِكرُ حالِه مِن الوسائِلِ التي تستوجِبُ قَبولَ دُعائِه [141] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 46).   .
9- في قَولِه تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ إثباتُ المَعِيَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ، وفي الحقيقةِ معناها: المُصاحبةُ المطْلَقةُ، ولكِنَّها في كلِّ شَيءٍ بحسَبِه، فنقولُ مثلًا: سقاني لبنًا معه ماءٌ، فهذه تقتضي الامتِزاجَ والاختِلاطَ، فتفسيرُ مَعِيَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالإحاطةِ عِلمًا وقُدرةً وسُلطانًا، وبصرًا وسمعًا، وغيرَ ذلك مِن معاني الرُّبوبيَّةِ: ليس تفسيرُها بذلك مِن بابِ التَّأويلِ، بل مِن بابِ ذِكرِ الحقيقةِ؛ لأنَّها بحسَبِ ما تُضافُ إليه [142] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 50).   .
10- في قَولِه تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ حُجَّةٌ واضِحةٌ على مَن يُنكِرُ صِفةَ السَّمعِ للهِ سُبحانَه [143] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/522).   .
11- قال الله تعالى: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ في الآيةِ دَليلٌ على أنَّه ينبغي أنْ يُخاطَبَ الإنسانُ بما تقتضيه حالُه؛ فمُنكِرُ الرُّبوبيَّةِ نخاطبُه بإثباتِ الرُّبوبيةِ، ومُنكِرُ الألوهيَّةِ نخاطبُه بإثباتِ الألوهيةِ؛ لقولِه تعالى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 55).   .
12- في قَولِه تعالى: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ سؤالٌ؛ كيف قال موسى: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ والنَّبِيُّ لا يكونُ ضالًّا [145] يُطلَقُ الضلالُ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ ثلاثةَ إطلاقاتٍ، ومنها إطلاقُه على: الذهابِ عن معرفةِ حقيقةِ الشيءِ، فكلُّ مَن لم يعرِفْ حقيقةَ شيءٍ تقولُ العربُ: «ضلَّ»، وهذا ليس مِن الضلالِ في الدِّينِ، وإنَّما هو الذهابُ عن عِلمِ معرفةِ الشيءِ. وهذا الإطلاقُ كثيرٌ في القرآنِ، ومنه على أصحِّ التفسيراتِ: قولُه تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: 7] أي: ذاهبًا عمَّا تعلَمُه الآنَ مِن العلومِ والأسرارِ، فهداك إليه بالوحيِ؛ لأنَّه لا يُعلَمُ إلَّا بالوحيِ. ومنه بهذا المعنى: قولُ أولادِ يعقوبَ في حقِّ أبيهم: إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: 95]، ?    ?  گ  ?  ? [يوسف: 8]، يَعنون: لفي ذهابٍ عن حقيقةِ الأمرِ، حيثُ فضَّل ابنَيْنِ على عشَرةِ بَنينَ، وحيث رجا يوسفَ أنَّه حيٌّ وهو قد مات، فهو ذاهبٌ عن علمِ الحقيقةِ في زعمِهم. ومِن الضلالِ بهذا المعنى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: 52] أي: لا يخفَى عليه عِلمُ شيءٍ، ولا تذهبُ عليه حقيقةُ شيءٍ. ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا أي: تذهَبَ عن عِلمِ حقيقةِ المشهودِ به بنِسيانٍ ونحوِه، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى[البقرة: 282]). يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/350)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/229)، (2/197، 198).   ؟!
الجوابُ: أراد به: وأنا مِن الجاهلين، أو مِن الناسينَ، كقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [البقرة: 282]، أو مِن المخطئينَ لا مِن المتعمدين، كما يقالُ: «ضَلَّ عن الطريقِ» إذا عَدَلَ عن الصوابِ إلى الخطأِ [146] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 408).   . وعلى هذا فيكونُ الضَّلالُ ينقَسِمُ إلى قِسمَينِ؛ الأوَّلُ: ضَلالٌ يُذَمُّ عليه الفاعِلُ أو الضالُّ، والثَّاني: ضَلالٌ لا يُذَمُّ عليه. والضَّلالُ الذي حصَل أو الذي اتَّصَف به موسى حين قَتْلِه القِبطيَّ ضَلالٌ لا يُلامُ عليه؛ لأنَّه لم يأتِه وَحْيٌ ولا رِسالةٌ حينَئذٍ، فهو مَعذورٌ [147] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 62).   .
13- قال الله تعالى: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ، في قَولِه: مِنَ الْمُرْسَلِينَ ولم يقُل: وجعلَني رَسولًا، كالتَّنبيهِ لفِرعَونَ أنَّه ليس ببِدْعٍ مِن الرُّسُلِ، وأنَّه لم يأتِ بأمرٍ جَديدٍ، بل إنَّ أمامَه رسُلًا، وقد ذكَرَ الله تعالى في سُورةِ (غافرٍ) أنَّ الرجُلَ المؤمِنَ يقولُ لهم: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ [غافر: 34]، فكأنَّه يقولُ له: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين عندَك خبَرُهم، فلستُ ببِدعٍ مِن الرُّسُلِ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 65).   .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
- كلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لتَقريرِ ما قبْلَه؛ مِن إعراضِهم عن كلِّ ما يأْتيهم مِن الآياتِ التَّنزيليَّةِ وتَكذيبِهم بها، إثْرَ بَيانِ إعراضِهم عمَّا يُشاهِدونه مِن الآياتِ التَّكوينيَّةِ [149] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/235).   .
- وهو شُروعٌ في عدِّ آياتٍ على صِدْقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بذِكْرِ عواقبِ المُكذِّبين برُسلِهم؛ لِيَحذَرَ المُخاطَبون بالدَّعوةِ إلى الإسلامِ مِن أنْ يُصِيبَهم ما أصاب المُكذِّبين. وفي ضِمنِ ذلك تَبيِينٌ لبعضِ ما نادَى به الرُّسلُ مِن البراهينِ. وإذ قد كانت هذه الأدلَّةُ مِن المَثُلاتِ قُصِدَ ذِكْرُ كثيرٍ اشتُهِرَ منها، ولم يُقتصَرْ على حادثةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الدَّلالةَ غيرَ العقليَّةِ يَتطرَّقُها احتِمالُ عدَمِ المُلازَمةِ بأنْ يكونَ ما أصاب قَومًا مِن أولئك على وجْهِ الصُّدفةِ والاتِّفاقِ، فإذا تبيَّنَ تكرُّرُ أمثالِها ضَعُفَ احتمالُ الاتِّفاقيَّةِ؛ لأنَّ قِياسَ التَّمثيلِ [150] قياسُ التَّمثيلِ: هو: حَملُ جُزئيٍّ على جُزئيٍّ آخَرَ في حُكمِه؛ لاشتِراكِهما في عِلَّةِ الحُكمِ؛ لأنَّ ذلك الحُكمَ يلزمُ المُشتَرَكَ الكُلِّيَّ، مثلُ: النَّبيذُ حرامٌ؛ قياسًا على الخَمرِ، بجامِعِ الإسكارِ في كلٍّ منهما. وقياسُ التَّمثيلِ: هو القياسُ الأُصوليُّ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (9/120)، ((آداب البحث والمناظرة)) للشنقيطي (2/291، 292).   لا يُفِيد القطْعَ إلَّا بانضمامِ مُقوِّماتٍ له مِن تواتُرٍ وتكرُّرٍ [151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/102، 103).   .
- وإنَّما ابتُدِئَ بذِكْرِ قصَّةِ مُوسى ثمَّ قصَّةِ إبراهيمَ، على خلافِ تَرتيبِ حكايةِ القَصصِ الغالبِ في القرآنِ مِن جَعْلِها على تَرتيبِ سَبْقِها في الزَّمانِ؛ لعلَّه لأنَّ السُّورةَ نزَلَت للرَّدِّ على المُشركينَ في إلْحاحِهم على إظهارِ آياتٍ مِن خوارقِ العاداتِ في الكائناتِ، زاعمينَ أنَّهم لا يُؤمِنون إلَّا إذا جاءتْهم آيةٌ؛ فضرَبَ لهم المَثلَ بمُكابَرةِ فِرعونَ وقومِه في آياتِ مُوسى، وعطَفَ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى عطْفَ جُملةٍ على جُملةٍ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ [الشعراء: 7] بتَمامِها [152] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/103).   .
- و(إذ) مَنصوبٌ على المفعوليَّةِ بمُضمَرٍ خُوطِبَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، أي: واذكُرْ لأولئك المُعرِضينَ المُكذِّبين وقْتَ نِدائِه تعالى إيَّاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذكِّرْهم بما جَرى على قومِ فرعونَ بسَببِ تكذيبِهم إيَّاه؛ زجرًا لهم عمَّا هُم عليه مِن التَّكذيبِ، وتحذيرًا مِن أنْ يَحِيقَ بهم مِثلُ ما حاقَ بأضرابِهم المُكذِّبينَ الظَّالِمين [153] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/235، 236).   . وفي هذا المُقدَّرِ تَذكيرٌ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بما يُسلِّيه عمَّا يَلْقاهُ مِن قَومِه [154] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/103).   .
- وتَوجيهُ الأمْرِ بالذِّكرِ إلى الوقتِ، مع أنَّ المقصودَ تَذكيرُ ما وقَعَ فيه مِن الحوادثِ؛ للمُبالَغةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِمَا أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوقتِ إيجابٌ لذِكْرِ ما وقَعَ فيه، ولأنَّ الوقتَ مُشتمِلٌ عليها، فإذا استُحضِرَ كانت حاضرةً بتَفاصيلِها كأنَّها مُشاهَدةٌ عِيانًا [155] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/79) و(6/236).   .
- قولُه: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَالإتيانُ المأمورُ به هو ذَهابُه لِتَبليغِ الرِّسالةِ إليهم، وهذا إيجازٌ يُبيِّنُه قولُه: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 16] إلى آخِرِه [156] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/104).   .
- قولُه: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ سجَّلَ عليهم بالظُّلمِ بأنْ قدَّمَ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، ثمَّ عطَفَهم عليهم عطْفَ البَيانِ؛ كأنَّ معنَى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وتَرجمَتَه قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وكأنَّهما عبارتانِ تَعتقِبانِ على مُؤدًّى واحدٍ؛ إنْ شاء ذاكِرُهم عبَّر عنهم بالقومِ الظَّالمينَ، وإنْ شاء عبَّرَ بقومِ فِرعونَ [157] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/301)، ((تفسير أبي حيان)) (8/142)، ((تفسير أبي السعود)) (6/236).   .
- واستِحضارُ قومِ فِرعونَ بوَصْفِهم بالقومِ الظَّالمينَ: إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإرسالِ. وفي هذا الإجمالِ تَوجيهُ نفْسِ مُوسى لترقُّبِ تَعيينِ هؤلاء القومِ بما يُبيِّنُه، وإثارةٌ لِغَضبِ مُوسى عليهم؛ حتَّى يَنضَمَّ داعي غضَبِه عليهم إلى داعي امتِثالِ أمْرِ اللهِ الباعِثِهِ إليهم، وذلك أوقَعُ لكلامِه في نُفوسِهم. وفيه إيماءٌ إلى أنَّهم اشْتُهِروا بالظُّلمِ [158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/103، 104).   .
- والمقصودُ مِن سَوقِ هذه القِصَّةِ هو الموعظةُ بعاقِبةِ المُكذِّبينَ؛ وذلك عندَ قولِه تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ إلى قولِه: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: 63- 68]. وأمَّا ما تقدَّمَ ذلك مِن قولِه: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى إلخ، فهو تفصيلٌ لأسبابِ الموعظةِ؛ بذِكْرِ دَعوةِ مُوسى إلى ما أُمِرَ بإبلاغِه، وإعراضِ فرعونَ وقَومِه، وما عقِبَ ذلك إلى الخاتمةِ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/103).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، فقد عدَلَ هنا عن ذِكْرِ ما ابتُدِئَ به نِداءُ مُوسى ممَّا هو في سُورةِ (طه) بقولِه: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إلى قولِه: لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه: 12- 23]؛ لأنَّ المقامَ هنا يَقْتضي الاقتصارَ على ما هو شرحُ دَعوةِ قَومِ فِرعونَ وإعراضِهم؛ للاتِّعاظِ بعاقبتِهم. وأمَّا مقامُ ما في سُورةِ (طه)؛ فلِبَيانِ كرامةِ مُوسى عندَ ربِّه ورسالتِه معًا، فكان مقامَ إطنابٍ، مع ما في ذلك مِن اختلافِ الأسلوبِ في حِكايةِ القصَّةِ الواحدةِ [160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/104).   .
2- قولُه تعالى: قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ
- قولُه: قَوْمَ فِرْعَوْنَ فيه الاقتصارُ على ذِكْرِ قومِه؛ للإيذانِ بشُهرةِ أنَّ نفْسَه أوَّلُ داخلٍ في الحُكمِ [161] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/134)، ((تفسير أبي السعود)) (6/236).   .
- وفي تَكريرِ كلمةِ (قوم) موقعٌ مِن التَّأكيدِ؛ فلمْ يقُلْ: ائتِ قومَ فِرعونَ الظَّالمينَ [162] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/104).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيث قال هنا: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ، وقال في سورةِ (طه): اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه: 24]، وقال في سورةِ (القَصصِ): إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص: 32]؛ فهنا في سورةِ (الشعراء) ذكَرَ قومَ فِرعونَ من دُونِه، ومعلومٌ أنَّه منهم، ومُخاطَبٌ بمثْلِ خِطابِهم، فإذا اتَّقَوا وآمَنُوا، كان فرعونُ وحْدَه لا يَقدِرُ على مُخالَفَتِهم، فترَكَ ذِكْرَه؛ لأنَّه في هذه الحالةِ في حُكْمِ التَّابعِ لهم، وخِطابُهم خِطابُه. وفي سورةِ (طه) ذكَرَ فِرعونَ وحْدَه؛ لأنَّ قومَه تبَعٌ له، وكأنَّهم مذكورونَ معه. أمَّا ما في سورةِ (القصص) فإنَّ الحِكايةَ أتَتْ على فِرعونَ وملَئِه، فبيَّنَت ما انطوَتْ عليه الآياتُ قبْلُ مِنْ ذكْرِ بعضٍ، والاكتفاءِ به عن بعضٍ، وهذا كما قال في موضعٍ لمُوسى وحْدَه: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ [طه: 24]، وفي موضعٍ: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: 10]؛ لأنَّ هارونَ تابعٌ له، وداخِلٌ في حُكْمِه، وأبانَ ذلك في موضعٍ فقال: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 16]، وقال في (طه): فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [163] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 895، 896)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/314)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: ???).   [طه: 47].
- جُملةُ أَلَا يَتَّقُونَ مَستأنَفةٌ استِئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّه لَمَّا أمَرَه بالإتيانِ إليهم لدَعوتِهم، ووصَفَهم بالظَّالمينَ، كان الكلامُ مُثيرًا لسُؤالٍ في نفْسِ مُوسى عليه السلامُ عن مدَى ظُلْمِهم؛ فجِيءَ بما يدُلُّ على توغُّلِهم في الظُّلمِ ودوامِهم عليه؛ تقويةً للباعثِ لمُوسى عليه السلامُ على بُلوغِ الغايةِ في الدَّعوةِ، وتَهيئةً لِتلقِّيه تكذيبَهم بدونِ مُفاجأةٍ؛ فيكونُ (ألَا) مِن قولِه: أَلَا يَتَّقُونَ مُركَّبًا مِن حرفينِ: همزةِ الاستفهامِ، و(لا) النَّافيةِ. والاستفهامُ لإنكارِ انتفاءِ تَقْواهم، وتعجيبِ مُوسى مِن ذلك؛ فإنَّ مُوسى كان مُطَّلِعًا على أحوالِهم؛ إذ كان قد نشَأَ فيهم، وقد علِمَ مظالِمَهم، وأعظَمُها الإشراكُ وقتْلُ أنبياءِ بني إسرائيلَ. ويجوزُ أنْ يكونَ (ألَا) كلمةً واحدةً؛ هي أداةُ العرضِ والتَّحضيضِ، فتكونَ جُملةُ أَلَا يَتَّقُونَ بَيانًا لجُملةِ ائْتِ، والمعنى: قلْ لهم: ألَا تتَّقون، فحكَى مَقالتَه بمعناها لا بلَفْظِها، وذلك واسعٌ في حِكايةِ القولِ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/104، 105)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (3/301)، ((تفسير البيضاوي)) (4/134)، ((تفسير أبي حيان)) (8/142، 143)، ((تفسير أبي السعود)) (6/236).   .
- وحُذِفَ مُتعلَّقُ فِعلِ يَتَّقُونَ؛ لِظُهورِ أنَّ المُرادَ: ألَا يتَّقونَ عواقبَ ظُلْمِهم [165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/105).   .
3- قولُه تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ استئنافٌ مَبْنيٌّ على سُؤالٍ نشَأَ مِن حِكايةِ ما مَضى؛ كأنَّه قِيل: فماذا قال مُوسى عليه السَّلامُ؟ فقِيل: قال مُتضرِّعًا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ: رَبِّ إِنِّي أَخَافُ  ... [166] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/236).   .
- وفي افتِتاحِ مُراجعَتِه بنِداءِ اللهِ بوصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إليه: تَحنينٌ واستسلامٌ [167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/105).   . وجعَلَ نفْسَه خائفًا مِن التَّكذيبِ؛ لأنَّه لمَّا خُلِعَت عليه الرِّسالةُ عن اللهِ، وقَرَ في صَدْرِه الحِرصُ على نَجاحِ رِسالتِه؛ فكان تَكذيبُه فيها مَخُوفًا منه [168] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/105).   .
4- قولُه تعالى: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ
- قولُه: يَضِيقُ... وَلَا يَنْطَلِقُ جاء الفِعلانِ مرفوعينِ عطْفًا على فَأَخَافُ؛ ولذلك حقَّقهُ بحرْفِ التَّأكيدِ؛ لأنَّه أيقَنَ بحُصولِ ذلك؛ لأنَّه جِبِلِّيٌّ عندَ تلقِّي التَّكذيبِ، ولأنَّ أمانةَ الرِّسالةِ والحرصَ على تَنفيذِ مُرادِ اللهِ يُحدِثُ ذلك في نفْسِه لا مَحالةَ، وإذ قد كان انحِباسُ لِسانِه يقينًا عندَه؛ لأنَّه كان كذلك، مِن أجْلِ ذلك التَّيقُّنِ كان فِعلَا يَضِيقُ... وَلَا يَنْطَلِقُ معطوفينِ على ما هو مُحقَّقٌ عنده، وهو حصولُ الخوفِ مِن التَّكذيبِ، ولم يكونَا معطوفينِ على يُكَذِّبُونِ المَخُوفِ منه المُتوقَّعِ، على أنَّ كونَه مُحقَّقَ الحُصولِ يَجعَلُه أحْرى مِن المُتوقَّعِ [169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/106).   .
- وهذا الكلامُ كَلامٌ مُختصَرٌ، وقد بسَطَه في غَيرِ هذا الموضعِ، وقد أحسَنَ في الاختصارِ؛ حيثُ قال: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ؛ فجاء بما يتضمَّنُ معنى الاستنباءِ [170] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/302)، ((تفسير أبي حيان)) (8/144)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/107).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال هنا في سُورةِ (الشُّعراءِ): وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فكَنَّى عن العُقدةِ بما يَقْرُبُ مِن الصَّريحِ، وفي (القَصصِ): وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا [القصص: 34] فكَنَّى عن العقدةِ كنايةً مبهَمةً؛ لأنَّ الأولَ يدُلُّ على ذلك، وفي سورةِ (طه) قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه: 27] صَرَّحَ بالعُقدةِ؛ لأنَّها السابقةُ [171] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/315).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حَيثُ قال هنا في (الشُّعراءِ): فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، وقال في سُورةِ (طه): وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه: 29، 30] صَرَّحَ بالوزيرِ؛ لأنَّه الأولُ في الذِّكْرِ، وكنَّى عنه هنا في (الشُّعراءِ) فقال: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، أي: لِيأتيَني؛ فيكونَ لي وزيرًا، وفي (القَصصِ): فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا [القصص: 34]، أي: اجْعَلْه لي وزيرًا؛ فكَنَّى عنه بقولِه: رِدْءًا؛ لبيانِ الأولِ [172] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/315).   .
5- قولُه تعالى: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
- قولُه: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ، أي: ولهم عليَّ تَبِعةُ ذنْبٍ، وهي قَوَدُ ذلك القتْلِ، فأخافُ أنْ يَقْتلوني به؛ فحُذِفَ المُضافُ. أو سمَّى تَبِعةَ الذنْبِ ذنْبًا كما سُمِّيَ جزاءُ السَّيِّئةِ سَيِّئةً [173] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/303)، ((تفسير أبي حيان)) (8/144)، ((تفسير أبي السعود)) (6/237)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/107).   . وسمَّاهُ ذنْبًا بحسَبِ ما في شرعِ القبْطِ؛ فإنَّه لم يكُنْ يومَئذٍ شرعٌ إلهيٌّ في أحكامِ قتْلِ النَّفسِ. ويصِحُّ أنْ يكونَ سمَّاهُ ذنْبًا؛ لأنَّ قتْلَ أحدٍ في غيرِ قِصاصٍ ولا دفاعٍ عن نفْسِ المُدافِعِ يُعتبَرُ جُرْمًا في قوانينِ جماعاتِ البشرِ مِن عهْدِ قتَلَ أحدُ ابنَيْ آدمَ أخاهُ [174] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/107).   .
- وحُذِفَت ياءُ المُتكلِّمِ مِن يَقْتُلُونِ؛ للرِّعايةِ على الفاصلةِ [175] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/108).   .
- وفيه: تَعريضٌ بسُؤالِ النَّصرِ والتَّأييدِ، وأنْ يَكْفِيَه شرَّ عدُوِّه؛ حتَّى يُؤدِّيَ ما عهِدَ اللهُ إليه على أكمَلِ وجْهٍ [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/107).   .
6- قولُه تعالى: قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ
- كَلَّا حَرفُ إبطالٍ، والإبطالُ لقولِه: فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: 14]، أي: لا يَقْتلونك. وفي هذا الإبطالِ استجابةٌ لِمَا تضمَّنَه التَّعريضُ بالدُّعاءِ حينَ قال: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: 14]. وقولُه: فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا تَفريعٌ على مُفادِ كلمةِ (كلَّا) [177] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/108).   .
- قولُه: فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا وجَّه الخِطابَ إليهما بطريقِ التَّغليبِ [178] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/135)، ((تفسير أبي السعود)) (6/237).   .
- وفي قولِه: بِآَيَاتِنَا رَمزٌ إلى أنَّها تَدفَعُ ما يَخافُه [179] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/237).   . وفيه: وعدٌ بالتَّأييدِ بمُعجِزاتٍ تَظهَرُ عندَ الحاجةِ [180] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/108).   .
7- قولُه: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ جُملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ أمْرَهما بالذَّهابِ إلى فِرعونَ يُثِيرُ في النفْسِ أنْ يَتعامَى فِرعونُ عن الآياتِ، ولا يَرْعوي عندَ رُؤيتِها عن إلْحاقِ أذًى بهما؛ فأُجِيبَ بأنَّ اللهَ معهما، ومُستمِعٌ لكلامِهما وما يُجِيبُ فِرعونُ به [181] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/108).   ، ولازمُ ذلك تأييدُهما، وكفُّ فِرعونَ عن أذاهُما.
- قولُه: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ تَعليلٌ للرَّدعِ عن الخَوفِ، ومَزيدُ تَسليةٍ لهما بضَمانِ كَمالِ الحِفظِ والنُّصرةِ [182] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/237).   .
- وقولُه: مَعَكُمْ قِيل: هو على ظاهِرِه مِن الجَمْعِ، والمُرادُ مُوسى وهارونُ ومَن أُرْسِلَا إليه، حيثُ كان الموعدُ بمَحْضَرٍ من فِرعونَ؛ فاعتُبِرَ هاهنا في المعيَّةِ [183] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/144، 145)، ((تفسير أبي السعود)) (6/237).   .
- وقولُه: مُسْتَمِعُونَ أشدُّ مُبالَغةً مِن (سامِعون)؛ لأنَّ أصلَ الاستماعِ أنَّه تكلُّفُ السَّماعِ، ولازمُ ذلك العِنايةُ واللُّطفُ. والجمْعُ بيْن قولِه: بِآَيَاتِنَا وقولِه: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ: تأكيدٌ للطَّمأنةِ، ورِباطةٌ لِجأْشِهما [184] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/109).   .
8- قولُه تعالى: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- قولُه: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ الفاءُ لتَرتيبِ ما بعْدَها على ما قبْلَها مِن الوعدِ الكريمِ [185] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/237).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ وحَّدَ كلِمةَ رسولٍ في قولِه: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وثنَّاها في قولِه: إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ [طه: 47]. ووجْهُه: أنَّ الرَّسولَ يكونُ بمعنى المُرسَلِ، وبمعنى الرِّسالةِ، فجُعِلَ ثَمَّ بمعنى المُرسَلِ، فلم يكُنْ بُدٌّ مِن تَثْنيتِه، وجُعِلَ هاهنا بمعنى الرِّسالةِ، فجاز التَّسويةُ فيه -إذا وُصِفَ به- بيْن الواحدِ والتَّثنيةِ والجمْعِ، كما يُفعَلُ بالوَصفِ بالمصادرِ. ويجوزُ أنْ يُوحَّدَ؛ لأنَّ حُكْمَهما -لِتَسانُدِهما، واتِّفاقِهما على شريعةٍ واحدةٍ، واتِّحادِهما لذلك، وللأُخوَّةِ- كان حُكْمًا واحدًا؛ فكأنَّهما رسولٌ واحدٌ. أو أُرِيدَ أنَّ كلَّ واحدٍ منَّا رسولٌ. أو أفرَدَهُ نظرًا إلى مُوسى؛ لأنَّه الأصلُ، وهارونُ تَبَعٌ له [186] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/304، 305)، ((تفسير البيضاوي)) (4/135)، ((تفسير أبي حيان)) (8/145)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/315)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 407، 408)، ((تفسير أبي السعود)) (6/237)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/109).   .
- وخِطابُهما فِرعونَ بأنْ وصَفَا اللهَ بصِفَةِ ربِّ العالَمينَ: مُجابَهةٌ لفِرعونَ بأنَّه مَربوبٌ وليس بربٍّ، وإثباتُ رُبوبيَّةِ اللهِ تعالى للعالَمينَ يَقْتضي وَحدانيَّةَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ العالَمينَ شاملٌ جميعَ الكائناتِ؛ فيَشملُ معبوداتِ القِبْطِ؛ كالشَّمسِ وغيرِها، فهذه كلمةٌ جامعةٌ لِمَا يجِبُ اعتقادُه يومَئذٍ [187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/110).   . ونقْضٌ لما كان أبرَمهُ فرعونُ مِن ادِّعاءِ الألوهيَّةِ [188] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/145).   .
9- قولُه تعالى: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
- قولُه: أَلَمْ نُرَبِّكَ طُوِيَ مِن الكلامِ ذَهابُ مُوسى وهارونَ إلى فِرعونَ، واستِئذانُهما عليه، وإبلاغُهما ما أمَرَهما اللهُ أنْ يقولَا لفِرعونَ؛ إيجازًا للكلامِ. وهذا النَّوعُ مِن الاختصارِ كثيرٌ في التَّنزيلِ [189] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/305)، ((تفسير أبي حيان)) (8/146)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/110).   .
- ووجَّهَ فِرعونُ خِطابَه إلى مُوسى وحْدَه؛ لأنَّه علِمَ مِن تَفصيلِ كلامِ مُوسى وهارونَ أنَّ مُوسى هو الرَّسولُ بالأصالةِ، وأنَّ هارونَ كان عَونًا له على التَّبليغِ؛ فلمْ يَشتغِلْ بالكلامِ مع هارونَ [190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/110).   .
- وأعرَضَ فِرعونُ عن الاعتِناءِ بإبطالِ دَعوةِ مُوسى، فعدَلَ إلى تَذكيرِه بتربيتِه فيهم، وتَخويفِه مِن جِنايتِه؛ حُسبانًا بأنَّ ذلك يَقتلِعُ الدَّعوةَ مِن أصْلِها، ويكُفُّ مُوسى عنها، وقصْدُه مِن هذا الخِطابِ إفحامُ مُوسى؛ كي يَتلعثَمَ مِن خشيةِ فِرعونَ؛ حيث أوجَدَ له سببًا يتذرَّعُ به إلى قتْلِه، ويكونُ مَعذورًا فيه؛ حيث كفَرَ نِعمةَ الولايةِ بالتَّربيةِ، واقترَفَ جُرمَ الجِنايةِ على الأنفُسِ [191] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/110).   .
- قولُه: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا الاستفهامُ تقريريٌّ. وجعَلَ التَّقريرَ على نفْيِ التَّربيةِ مع أنَّ المقصودَ الإقرارُ بوُقوعِ التَّربيةِ؛ مُجاراةً لحالِ مُوسى في نظَرِ فِرعونَ؛ إذ رأى في هذا الكلامِ جُرأةً عليه، لا تُناسِبُ حالَ مَن هو مَمنونٌ لأُسرتِه بالتَّربيةِ؛ لأنَّها تَقْتضي المحبَّةَ والبِرَّ، فكأنَّه يُرْخِي له العِنانَ بتَلقينِ أنْ يَجحَدَ أنَّه مُربًّى فيهم، حتَّى إذا أقَرَّ ولم يُنكِرْ، كان الإقرارُ سالمًا مِن التَّعلُّلِ بخَوفٍ أو ضغْطٍ؛ فهذا وجْهُ تَسليطِ الاستِفهامِ التَّقريريِّ على النَّفيِ في حينِ أنَّ المُقرَّرَ به ثابتٌ. والتَّقريرُ مُستعمَلٌ في لازمِه؛ وهو أنْ يُقابِلَ المُقرَّرَ عليه بالبِرِّ والطَّاعةِ، لا بالجَفاءِ. ويجوزُ أنْ يُجعَلَ الاستفهامُ إنكاريًّا عليه؛ لأنَّ لِسانَ حالِ مُوسى في نظَرِ فِرعونَ حالُ مَن يَجحَدُ أنَّه مُربًّى فيهم، ومَن يظُنُّ نِسيانَهم لفِعْلَتِه، فأنكَرَ فِرعونُ عليه ذلك. وكِلا الوجهينِ لا يَخلو مِن تَنزيلِ مُوسى مَنزلةَ مَن يَجحَدُ ذلك [192] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/111).   .
10- قولُه تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
- وبَّخَه بما جَرى على يَدِه مِن قتْلِ نفْسٍ منهم، وعظَّمَ ذلك وفظَّعَه، وعبَّرَ عنها بالمَوصولِ الَّتِي؛ لعِلْمِ مُوسى بها، وفي ذلك تهويلٌ للفَعلةِ، وفي العُدولِ عن ذِكْرِ فَعلةٍ مُعيَّنةٍ إلى ذِكْرِها مُبهمةً مُضافةً إلى ضَميرِه، ثمَّ وصْفِها بما لا يَزيدُ على معنَى الموصوفِ: تَهويلٌ مُرادٌ به التَّفظيعُ، وأن ذلك لِفَظاعتِه ممَّا لا يُنطَقُ به إلَّا مَكنِيًّا عنه، وأنَّها مُشتهِرةٌ مَعلومةٌ، مع تَحقيقِ إلْصاقِ تَبِعَتِها به؛ حتَّى لا يجِدَ تنصُّلًا منها [193] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (3/305)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/334)، ((تفسير أبي حيان)) (8/146)، ((تفسير أبي السعود)) (6/238)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/112)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/64).   .
11- قولُه تعالى: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
- ابتدَأَ بالإقرارِ بفَعلتِه؛ ليَعلَمَ فِرعونُ أنَّه لم يَجِدْ لكلامِه مدخلَ تأثيرٍ في نفْسِ مُوسى. وأخَّرَ مُوسى الجوابَ عن قولِ فِرعونَ: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: 18]؛ لأنَّه علِمَ أنَّ القصْدَ منه الإقصارُ مِن مُواجَهتِه بأنَّ ربًّا أعلى مِن فِرعونَ أرسَلَ مُوسى إليه. وابتدَأَ بالجوابِ عن الأهمِّ مِن كلامِ فِرعونَ، وهو وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ [الشعراء: 19]؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّه أدخَلُ في قَصْدِ الإفحامِ، ولِيُظهِرَ لفِرعونَ أنَّه لا يَوْجَلُ مِن أنْ يُطالِبوه بثَأرِ ذلك القَتيلِ؛ ثِقةً بأنَّ اللهَ يُنجِّيه مِن عُدوانِهم [194] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/113).   .
- وقيل: أجابَ مُوسى عن كَلامِه الأخيرِ المُتضمِّنِ للقتلِ؛ إذ كان الاعتذارُ فيه أهَمَّ مِن الجوابِ في ذِكْرِ النِّعمةِ بالتَّربيةِ؛ لأنَّه فيه إزهاقُ النَّفْسِ [195] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/146).   .
- وقدَّمَ فَعَلْتُهَا على (إذنْ)؛ مُبادَرةً بالإقرارِ؛ ليَكونَ كِنايةً عن عدَمِ خَشيتِه مِن هذا الإقرارِ [196] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/113).   .
- كلمةُ (إذنْ) هنا قيل: هي حرفُ جوابٍ وجزاءٍ، ومعنى الجزاءِ في قولِه: فَعَلْتُهَا إِذًا أنَّ قولَ فرعونَ: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ قصَد به إفحامَ مُوسى وتَهديدَه، فجعَلَ مُوسى الاعترافَ بالفَعلةِ جزاءً لذلك التَّهديدِ على طَريقةِ القولِ بالمُوجَبِ [197] القولُ بالموجَبِ: هو عبارةٌ عن تسليمِ مقتضَى ما جعَله المستدِلُّ دليلًا لحُكمٍ، مع بقاءِ الخلافِ بيْنَهما فيه. أو: تسليمُ الدَّليلِ معَ بقاء النزاعِ، ومعنى ذلك: أن يسلمَ الخصمُ الدليلَ الذى استدلَّ به المستدِلُّ، إلَّا أنَّه يقولُ: هذا الدليلُ ليس فى محلِّ النزاعِ، إنَّما هو في غيرِه؛ فيبقَى الخلافُ بيْنَهما. يُنظر: ((تقريب الوصول إلي علم الأصول)) لابن جُزَي (ص: 189)، ((نهاية السول شرح منهاج الوصول)) للإسنوي (ص: 346)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/201).   ، أي: لا أتهيَّبُ ما أردْتَ [198] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/114).   .
- وجوابُ مُوسى فيه اعترافٌ بظاهرِ التَّقريرِ، وإبطالٌ لِمَا يَستتْبِعُه مِن جَعْلِه حُجَّةً لتَكذيبِه برسالتِه عن اللهِ؛ ولذلك قابَلَ قولَ فِرعونَ: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء: 19] بقولِه: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ؛ إبطالًا لأنْ يكونَ يومَئذٍ كافرًا، ولذلك كان هذا أهَمَّ بالإبطالِ. وبهذا يَظهَرُ وجْهُ الاسترسالِ في الجوابِ بقولِه: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 21]، أي: فكان فِراري قد عقِبَه أنَّ اللهَ أنعَمَ علَيَّ، فأصلَحَ حالي وعلَّمَني، وهَداني وأرسَلَني؛ فليس ذلك مِن مُوسى مُجرَّدَ إطنابٍ، بل لأنَّه يُفِيد معنَى أنَّ الإنسانَ ابنُ يَومِه لا ابنُ أمْسِه، والأحوالُ بأواخرِها، فلا عجَبَ فيما قصدْتُ؛ فإنَّ اللهَ أعلَمُ حيثُ يَجعَلُ رِسالاتِه [199] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/114).   .
12- قولُه تعالى: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
- قولُه: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ جمَعَ الضَّميرَ في مِنْكُمْ و خِفْتُكُمْ مع إفرادِه في تَمُنُّهَا و عَبَّدْتَ؛ لأنَّ الخوفَ والفِرارَ لم يكونَا منه وحْدَه، ولكنْ منه ومِن مَلَئِه المُؤتمرينَ بقتْلِه؛ بدليلِ قولِه: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص: 20]، وأمَّا الامتنانُ فمِنْهُ وحْدَه، وكذلك التَّعبيدُ [200] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/306)، ((تفسير البيضاوي)) (4/136)، ((تفسير أبي حيان)) (8/147)، ((تفسير أبي السعود)) (6/238).   .
13- قولُه تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
- قولُه: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ ... عادَ إلى أوَّلِ الكلامِ، فكَرَّ على امتنانِه عليه بالتَّربيةِ فأبطَله، وأبى أنْ يُسمِّيَه نِعمةً؛ فقولُه: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ إشارةٌ إلى النِّعمةِ الَّتي اقتضاها الامتنانُ في كلامِ فِرعونَ؛ إذ الامتنانُ لا يكونُ إلَّا بنِعمةٍ. ثمَّ إنْ جعلْتَ جُملةَ أَنْ عَبَّدْتَ بَيانًا لاسمِ الإشارةِ، كان ذلك لزِيادةِ تَقريرِ المعنى، مع ما فيه مِن قلْبِ مقصودِ فِرعونَ، وهو على حدِّ قولِه تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر: 66]؛ إذ قولُه: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ بَيانٌ لقولِه: ذَلِكَ الْأَمْرَ. ويجوزُ أنْ يكونَ أَنْ عَبَّدْتَ في مَحلِّ نصْبٍ على نزْعِ الخافضِ، وهو لامُ التَّعليلِ، والتَّقديرُ: لأنْ عبَّدْتَ بني إسرائيلَ. وقيل: الكلامُ استفهامٌ بحذْفِ الهمزةِ، وهو استفهامُ إنكارٍ. وكلامُ مُوسى على التَّقاديرِ الثَّلاثةِ نقْضٌ لامتنانِ فِرعونَ؛ بقلْبِ النِّعمةِ نِقمةً، بتَذكيرِه أنَّ نِعمةَ تَربيتِه ما كانت إلَّا بسَببِ إذلالِ بني إسرائيلَ [201] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/115). ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (8/148)، ((تفسير أبي السعود)) (6/238).   .