موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (18-21)

ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ

غَريبُ الكَلِماتِ:


يَتَرَقَّبُ: أي: ينتظرُ سوءًا يَنالُه منهم، أو ينتظرُ الأخبارَ، والترقُّبُ: انتظارُ المكروهِ، وأصلُ (رقب): يدُلُّ على انتصابٍ لمراعاةِ شَيءٍ [220] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 330)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/427)، ((تفسير الثعلبي)) (7/241)، ((الوسيط)) للواحدي (3/393)، ((تذكرة الاريب)) لابن الجوزي (280). .
يَسْتَصْرِخُهُ: أي: يستغيثُ به، ويطلُبُ ما يُزيلُ ما يَصرُخُ بسببِه مِن الضرِّ، وأصلُ (صرخ): يدُلُّ على صَوتٍ رفيعٍ [221] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 330)، ((تفسير ابن جرير)) (18/193)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 518)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/348)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 280)، ((تفسير القرطبي)) (13/264)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 327)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259). .
لَغَوِيٌّ: أي: لَمُضِلٌّ، والغَوِيُّ: الشَّديدُ الغَوايةِ، وهي الضَّلالُ، وسُوءُ النَّظَرِ، وأصلُ (غوي): يدُلُّ على خِلافِ الرُّشدِ [222] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/399)، ((البسيط)) للواحدي (17/361)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). .
يَبْطِشَ: البَطْشُ: الأخذُ بعُنفٍ، وأصلُ (بطش): أخْذُ الشَّيءِ بقَهرٍ وقُوَّةٍ وغَلَبةٍ [223] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/262)، ((المفردات)) للراغب (ص: 129)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). .
جَبَّارًا: الجبارُ: القاتلُ ظُلمًا بغيرِ حقٍّ، والَّذي لا يَتواضعُ لأمرِ اللهِ، ويُقالُ لِمَن يَجبُرُ نقيصتَه بادِّعاءِ منزلةٍ مِنَ التَّعالي لا يَستحِقُّها، وأصلُ الجَبْرِ: إصلاحُ الشَّيءِ بضربٍ مِن القهرِ، وقد يقالُ الجبرُ تارةً في الإصلاحِ المجرَّدِ، وتارةً في القهرِ المجرَّدِ، وأصلُ (جبر): جنسٌ مِن العظمةِ والعُلُوِّ والاستقامةِ [224] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/197)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/137)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/501)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (1/310)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 183)، ((تفسير الشوكاني)) (4/190). .
الْمَلَأَ: أي: أشرافَ النَّاسِ ووجوهَهم ورؤساءَهم، ويُقالُ: فلانٌ مِلءُ العيونِ، أي: معظَّمٌ عندَ مَن رآه، كأنَّه ملأَ عينَه مِن رؤيتِه، وأصلُ (ملأ): يدُلُّ على الكمالِ في الشَّيءِ [225] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92)، ((تفسير ابن جرير)) (4/435)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/346). .
يَأْتَمِرُونَ: أي: يَتشاورونَ، ويأمُرُ بَعضُهم بَعضًا، يُقالُ: ائتمَرَ القَومُ في كذا وتآمَروا: إذا شاوَرَ بعضُهم بعضًا، وأصلُه مِن الأمرِ الَّذي هو ضِدُّ النَّهيِ [226] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/137)، ((الغريبين)) للهروي (1/102)، ((البسيط)) للواحدي (17/365)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 280). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى مبيِّنًا ما كان مِن أمرِ موسى عليه السَّلامُ: فأصبَحَ موسى في المدينةِ الَّتي قَتَل فيها القِبطيَّ خائِفًا يُراقِبُ ما يتحدَّثُ به النَّاسُ في شأنِه، فإذا بالرَّجُلِ الإسرائيليِّ الَّذي طلب منه النُّصرةَ على القِبطيِّ بالأمسِ يَصرُخُ طالِبًا منه أن يَنصُرَه على قِبطيٍّ آخَرَ! فقال موسى للإسرائيليِّ الَّذي استغاث به: إنَّك لَظاهِرُ الغَوايةِ، كثيرُ الاقتتالِ لِمَن لا تُطيقُ دَفعَ شَرِّه!
فلمَّا أراد موسى أن يأخُذَ القِبطيَّ الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ ويَضرِبَه، قال: يا موسى، أتُريدُ أن تقتُلَني اليَومَ كما قتلْتَ القِبطيَّ بالأمسِ؟! ما تريدُ إلَّا أن تكونَ قاهِرًا متكَبِّرًا في الأرضِ، وما تريدُ أن تكونَ مِن المُصلِحينَ.
وجاء رجُلٌ مِن آخِرِ المدينةِ مُسرِعًا إلى موسى، قال له ناصِحًا: يا موسى، إنَّ أشرافَ قَومِ فِرعَونَ يَتشاوَرونَ في قَتلِك، فاخرُجْ مِن هذه المدينةِ، إنِّي لك مِن النَّاصِحينَ.
فخرَج موسى مِنَ المدينةِ خائفًا يَتلفَّتُ خَشيةَ أن يلحَقوا به فيَقتُلوه، وقال داعيًا ربَّه: رَبِّ نجِّني مِن قَومِ فِرعَونَ الظَّالمينَ.

تَفسيرُ الآياتِ:


فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكرَ سُبحانَه القَتلَ، وأتبَعَه ما هو الأهَمُّ مِن أمْرِه بالنَّظَرِ إلى الآخرةِ؛ ذَكَر ما تسبَّبَ عنه مِن أحوالِ الدُّنيا، فقال [227] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259). :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ.
أي: فأصبَحَ موسى في المدينةِ -التي قُتِلَ فيها القِبطيُّ- خائِفًا أن يُؤخَذَ بجنايتِه، يُراقِبُ الأخبارَ، وينتَظِرُ ما يتحدَّثُ به النَّاسُ في شأنِه [228] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/192)، ((تفسير ابن كثير)) (6/225)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 613)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/93)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 80). قال ابن كثير: (يخبرُ تعالى أنَّ موسَى أصبَح بمدينةِ مصرَ خائفًا أي: مِن فرعونَ وملئِه، أن يعلموا أنَّ هذا القتيلَ الذي رُفِع إليه أمرُه إنَّما قتَله موسى في نصرةِ رجلٍ مِن بني إسرائيلَ، فتقوَى ظنونُهم أنَّ موسى منهم، ويترتَّبُ على ذلك أمرٌ عظيمٌ). ((البداية والنهاية)) (2/42). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ معنى يَتَرَقَّبُ: يَنتظِرُ الأخبارَ، ويُراقِبُ ما يُقالُ في شأنِه، وما يَتحدَّثُ به النَّاسُ ممَّا هم صانِعون في أمرِه وأمرِ قتيلِه: ابنُ جرير، والثعلبي، ومكِّي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/192)، ((تفسير الثعلبي)) (7/241)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5506)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/93). وقيل: المرادُ: يَنتظِرُ سُوءًا يَنالُه منهم بسببِ قتلِه القِبطيَّ. وممَّن اختاره في الجملةِ: الواحديُّ، والبغوي، وابن الجوزي، والرسعني، والخازن، وجلال الدين المحلي، والعليمي. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/393)، ((تفسير البغوي)) (3/527)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/378)، ((تفسير الرسعني)) (5/523)، ((تفسير الخازن)) (3/360)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 509)، ((تفسير العليمي)) (5/180). !
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ.
أي: فتفاجَأ موسى بالرَّجُلِ الإسرائيليِّ الَّذي طلَبَ منه النُّصرةَ على الفِرعَونيِّ بالأمسِ يَصرُخُ ويَصيحُ به اليَومَ، طالِبًا أن يَنصُرَه على فِرعَونيٍّ آخَرَ [229] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/193)، ((تفسير القرطبي)) (13/264)، ((تفسير ابن كثير)) (6/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 613). !
قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ.
أي: قال موسى للإسرائيليِّ الَّذي استغاث به: إنَّك ظاهِرُ الغَوايةِ، كَثيرُ المُخاصَمةِ والمُنازَعةِ لِمَن لا تُطيقُ دَفْعَ شَرِّه [230] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/193)، ((تفسير الرازي)) (24/587)، ((تفسير القرطبي)) (13/265)، ((تفسير ابن كثير)) (6/225)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 613)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). قال السمعاني: (قولُه: قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ الأكثرونَ أنَّ هذا قاله موسَى للإسرائيليِّ... ويُقالُ: إنَّ هذا قالَه للقبطيِّ). ((تفسير السمعاني)) (4/129). وممَّن نصَّ على أنَّ الخِطابَ هنا للاسرائيليِّ: ابنُ جرير، والبقاعي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/193)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 81). .
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19).
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا.
أي: فلمَّا أراد موسى أن يأخُذَ القِبطيَّ الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ بعُنفٍ وشِدَّةٍ، ويَضرِبَه [231] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/195)، ((تفسير السمرقندي)) (2/602)، ((البسيط)) للواحدي (17/362)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). .
قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ.
أي: قال [232] قيل: القائِلُ هو الإسرائيليُّ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والواحديُّ -وحكَى فيه الإجماعَ-، وابنُ الجوزي، وابنُ كثير، والبِقاعي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/340)، ((تفسير ابن جرير)) (18/195)، ((البسيط)) للواحدي (17/362)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/378)، ((تفسير ابن كثير)) (6/225)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/260). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عباسٍ، وقَتادةُ، وابنُ جُرَيجٍ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/195)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2958)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/401). قال ابنُ الجوزي: (هذا قَولُ الإسرائيليِّ مِن غيرِ خِلافٍ عَلِمناه بيْنَ المفسِّرين، قالوا: لَمَّا رأى الإسرائيليُّ غَضَبَ موسى عليه حينَ قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ورآه قد هَمَّ أن يبطِشَ بالفِرعَونيِّ، ظنَّ أنه يُريدُه، فخاف على نفْسِه فـ  قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي؟!). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/378). قال جمهورُ المفسِّرينَ -كما نسَبه إليهم الشوكاني-: ولم يَكُنْ قد عَلِم أحدٌ مِن أصحابِ فرعونَ أنَّ موسَى هو الَّذي قَتَل القِبطيَّ بالأمسِ حتَّى أفشَى عليه الإسرائيليُّ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/190). وقيل: القائِلُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ هو القِبطيُّ. وممَّن استظهر هذا القَولَ: الرازيُّ، والشوكانيُّ، وقال به السعديُّ، ورجَّحه ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/587)، ((تفسير الشوكاني)) (4/190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 84، 85). قال الشوكاني: (وهذا هو الظَّاهرُ، وقد سبَقَ ذِكرُ القِبطيِّ قبلَ هذا بلا فَصلٍ؛ لأنَّه هو المرادُ بقولِه: عَدُوٌّ لَهُمَا، ولا مُوجبَ لمُخالفةِ الظَّاهرِ حتَّى يَلزَمَ منه أنَّ المؤمنَ بموسى المُستغيثَ به المَرَّةَ الأُولى والمرَّةَ الأُخرى هو الَّذي أفشى عليه. وأيضًا أنَّ قولَه: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ لا يَليقُ صُدورُ مِثلِه إلَّا مِن كافرٍ). ((تفسير الشوكاني)) (4/190). : يا موسى، أتُريدُ أن تقتُلَني اليومَ كما قتَلْتَ القِبطيَّ بالأمسِ [233] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/195)، ((تفسير ابن كثير)) (6/225، 226)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). ؟!
إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ.
أي: ما تُريدُ -يا موسى- بقَتلِك النَّاسَ ظُلمًا بغيرِ حَقٍّ إلَّا أن تكونَ قاهِرًا غالِبًا، تأخُذُ النَّاسَ بالشِّدَّةِ والقوَّةِ، فلا يكونُ فَوقَك أحَدٌ [234] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/196)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/137)، ((تفسير الرازي)) (24/587)، ((تفسير القرطبي)) (13/265)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 85). !
وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.
أي: وما تريدُ أن تكونَ ممَّن يعملُ في الأرضِ بما فيه صلاحُ أهلِها مِنْ طاعَةِ اللَّهِ، وما هكذا يكونُ الإصلاحُ [235] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/197)، ((تفسير الماوردي)) (4/244). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ معنى: مِنَ الْمُصْلِحِينَ أيْ: مِنَ الَّذينَ يُصلِحونَ بيْنَ النَّاسِ بالقولِ والفعلِ، فتدفَع التَّخاصُمَ بالَّتي هي أحسَنُّ: القرطبيُّ، والبيضاوي، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/265)، ((تفسير البيضاوي)) (4/174)، ((تفسير أبي السعود)) (7/7)، ((تفسير الشوكاني)) (4/190)، ((تفسير الألوسي)) (10/268)، ((تفسير القاسمي)) (7/518)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). وممن اختار أنَّ معنى: مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي: المطيعين لله: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/340)، ((تفسير السمرقندي)) (2/602). وقال ابنُ جرير: (ما تريدُ أنْ تكونَ مِمَّنْ يعملُ في الأرضِ بما فيه صلاحُ أهلِها، مِنْ طاعَةِ اللَّهِ). ((تفسير ابن جرير)) (18/197). .
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20).
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى .
أي: وجاء رجُلٌ مِن آخِرِ المدينةِ وأبعَدِها يمشي مُسرِعًا إلى موسى [236] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/200)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/262)، ((تفسير الشوكاني)) (4/190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 87، 88). قال ابنُ عاشورٍ: (الظَّاهرُ أنَّ أَقْصَى الْمَدِينَةِ هو ناحيةُ قُصورِ فِرعونَ وقومِه؛ فإنَّ عادةَ الملوكِ السُّكنَى في أطْرافِ المُدُنِ؛ تَوقِّيًا مِن الثَّوراتِ والغاراتِ؛ لِتَكونَ مَساكنُهم أسعَدَ بخُروجِهم عندَ الخوفِ. وقد قِيل: الأطرافُ منازِلُ الأشرافِ... وبهذا يَظهَرُ وجْهُ ذِكْرِ المكانِ الَّذي جاء منه الرَّجلُ، وأنَّ الرَّجلَ كان يَعرِفُ مُوسى). ((تفسير ابن عاشور)) (20/95). وقال ابنُ عثيمين: (قد يكونُ هذا الإسراعُ... حتى يَسبِقَ مَن أُرسِلَ إلى موسى لِيَقتُلَه، وقد يكونُ خَوفًا مِن تنفيذِ ما ائتَمَروا عليه في شأنِه، والأخيرُ هو الأفضَلُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 88). .
قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ.
أي: قال ناصِحًا لموسى: يا موسَى، إنَّ الأشرافَ والرُّؤساءَ مِن قَومِ فِرعَونَ يَتشاوَرونَ في قَتلِك، ويأمُرُ بَعضُهم بَعضًا بذلك [237] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/201)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/138)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 815)، ((تفسير القرطبي)) (13/266)، ((تفسير ابن كثير)) (6/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). قال القِنَّوْجي: (يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي: يتشاورونَ في قتلِك ويتآمَرونَ بسببِك، وإنَّما سُمِّي التَّشاورُ ائتِمارًا؛ لأنَّ كلًّا مِن المتشاورين يأمرُ الآخَرَ ويأتمرُ به). ((تفسير القنوجي)) (10/102). ويُنظر أيضًا: ((تفسير البيضاوي)) (4/174). قال الواحديُّ: (معنَى الائتمارِ في كلامِ العربِ: المُشاوَرةُ، وهو يعودُ إلى أن يأمُرَ بعضُهم بعضًا). ((البسيط)) (17/365). .
فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.
أي: فاخرُجْ مِن هذه المدينةِ، إنِّي مِن النَّاصِحينَ لك في أمرِك بالخُروجِ منها [238] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/201)، ((البسيط)) للواحدي (17/366)، ((تفسير ابن كثير)) (6/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). .
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21).
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا.
أي: فخرَج موسى مِنَ المدينةِ وهو خائِفٌ مِن قَومِ فِرعَونَ، يتلفَّتُ ويَنظُرُ: هل يَلحَقونَ به ويدركونَه [239] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/201)، ((تفسير القرطبي)) (13/266)، ((تفسير ابن كثير)) (6/226)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/262، 263)، ((تفسير الشوكاني)) (4/191)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). ؟!
قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
أي: قال موسى داعيًا رَبَّه، وهو هارِبٌ مِن مدينةِ فِرعَونَ: رَبِّ خَلِّصْني مِن قَومِ فِرعَونَ الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالكُفرِ، وإرادةِ قَتلي على ما وقَع منِّي مِن قتلٍ بالخَطأِ [240] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/202)، ((تفسير البيضاوي)) (4/174)، ((تفسير ابن كثير)) (6/226)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/96). !

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- النَّميمةُ مَفسَدةٌ محرَّمةٌ، لكنَّها جائزةٌ أو مأمورٌ بها إذا اشتملَتْ على مصلحةٍ للمَنْمومِ إليه، مثالُه: إذا نُقِل إلى مسلمٍ أنَّ فلانًا عزَم على قتلِه في ليلةِ كذا وكذا، أو على أخذِ مالِه في يومِ كذا وكذا، أو على التعرُّضِ لأهلِه في وقت كذا وكذا، فهذا جائزٌ، بل واجبٌ؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى دفعِ هذه المفاسدِ عن المسلمِ، وإنْ شئتَ قلْتَ: لأنَّه سبُّبٌ إلى تحصيلِ مصالحِ أضْدادِ هذه المفاسدِ. ويدُلُّ على ذلك كلِّه قولُه تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ الآيةَ [241] يُنظر: ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) للعز بن عبد السلام (1/114). ، فإخبارُ الرَّجُلِ غيرَه بما قيلَ فيه على وجهِ التَّحذيرِ له مِن شَرٍّ يقعُ فيه: لا يكونُ ذلك نميمةً، بل قد يكونُ واجبًا، كما أخبَرَ ذلك الرَّجلُ موسى ناصِحًا له ومُحذِّرًا [242] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). ويُنظر أيضًا: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 203). .
2- في قولِه تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ المُسارَعةُ إلى النُّصحِ في الدِّماءِ، وكذلك المُسارَعةُ في كلِّ أمرٍ دِينيٍّ يُخافُ فَوْتُه. وقد تجبُ المُسارَعةُ؛ كالمُسارَعةِ في النُّهوضِ إلى القتال، وكما لو رأَيْنا مَن يَقتُلُ مسلِمًا لو تَبَطَّأْنا عليه لَقَتَلَه، فالمُسارَعةُ إلى تخليصِه واجبةٌ؛ إذْ ليستِ الأناةُ محمودةً في كلِّ شَيءٍ، بل لها مَواطِنُ تُحمَدُ فيها، ومَواطِنُ تُذَمُّ فيها، وكذلك المُسارَعةُ واللِّينُ والغِلظةُ وغيرُها [243] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 197). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- أنَّ مَن قَتَل النُّفوسَ بغيرِ حقٍّ، وزَعَمَ أنَّه يريدُ الإصلاحَ في الأرضِ، وتَهييبَ أهلِ المعاصي، فإنَّه كاذبٌ في ذلك، وهو مُفسِدٌ، كما حكى اللهُ قولَ القِبطيِّ -على أحدِ القولينِ-: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ على وجهِ التَّقريرِ له، لا الإنكارِ [244] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). .
2- قال الله تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى وصفه بالرُّجوليَّةِ؛ لأنَّه خالَف الطَّريقَ، فسلَك طريقًا أقرَبَ مِن طريقِ الَّذين بُعِثوا وراءَه، فسبَق إلى موسَى [245] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/226). .
3- في قَولِه تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا أنَّه إذا خاف الإنسانُ القَتلَ والتَّلَفَ في الإقامةِ، فإنَّه لا يُلقي بيدِه إلى التَّهلُكةِ، ولا يَستَسلِمُ لذلك، بل يذهَبُ عنه، كما فَعَلَ موسى عليه السَّلامُ [246] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). .
4- في قَولِه تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا أنَّه عندَ تزاحُمِ المفسدتَينِ -إذا كان لا بُدَّ مِنِ ارتكابِ إحداهما- أنَّه تُرتكَبُ الأخَفُّ منهما والأسلَمُ، كما أنَّ موسى -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- لَمَّا دار الأمرُ بيْنَ بقائِه في مِصرَ ولكنَّه يُقتلُ، أو يذهَبُ إلى بعضِ البُلْدانِ البعيدةِ الَّتي لا يَعرِفُ الطَّريقَ إليها، وليس معه دليلٌ يدُلُّه غير ربِّه -ولكنَّ ذلك يكونُ أقرَبَ للسَّلامةِ مِن بقائِه- اختار موسى ما هو أقرَبُ لسلامتِه [247] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). .
5- قال موسى عليه السلامُ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وصَفَهم بالظُّلْمِ؛ لأنَّهم مُشرِكون، ولأنَّهم رامُوا قتْلَه قِصاصًا عن قتْلٍ خطَأٍ، وذلك ظُلْمٌ؛ لأنَّ الخطَأَ في القتْلِ لا يَقْتضي الجزاءَ بالقتْلِ في نَظَرِ العقلِ والنَّقلِ [248] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/96). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
- قولُه: فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ الاستِصراخُ: المُبالَغةُ في الصُّراخِ، أي: النِّداءِ، وهو المُعبَّرُ عنه في القصَّةِ الماضيةِ بالاستِغاثةِ؛ فخُولِفَ بيْنَ العِبارتينِ للتَّفنُّنِ [249] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). .
2- قَولُه تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
- أشارَ بالفاءِ في قولِه: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ  ... إلى المبادَرةِ إلى إصراخِه، قيل: أثبَتَ الحرْفَ الَّذي أصلُه المصدرُ؛ تأكيدًا لمعنَى الإرادةِ فقال: أَنْ أَرَادَ [250] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/259، 260). . وقيل: إنَّما زادَ (أنْ) للإشعارِ بأنَّ مُوسى عليه السَّلامُ لم تكُنْ مُسارعتُه الى قَتْلِ الثاني كما كانتْ مُسارعتُه إلى قَتْلِ الأوَّلِ، بل كان عِندَه إبطاءٌ في بَسْطِ يَدِه إليه؛ فعبَّرَ القرآنُ عن ذلك الإبطاءِ بزِيادةِ (أنْ) [251] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/295). .
- والتَّنوينُ في عَدُوٌّ للتَّفخيمِ، أي: عَدوٌّ عظيمُ العَداوةِ، ولإرادةِ ذلك لم يُضِفْهُ [252] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (20/57). .
- والاستِفهامُ في قولِه: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ مُستعمَلٌ في الإنكارِ [253] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/94). .
3- قَولُه تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
- فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال اللهُ تعالى هنا: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وفي سُورةِ (يس) في قصَّةٍ أُخرَى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس: 20] ؛ فقَدَّمَ في الأُولى رَجُلٌ على مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وفي الثَّانيةِ أَخَّرَها؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ قِصَّةَ سُورةِ (القصصِ) فيها اهتمامٌ بالخبرِ الَّذي جاء به ذلك الرَّجلُ؛ فقُدِّمَ ذِكْرُه على ذِكْرِ المكانِ، فكَوْنُه جاء مِنَ الأقصَى أو مِن الأدنَى لا يُؤَثِّرُ، أمَّا في قصَّةِ الرُّسُلِ الثَّلاثةِ في سُورةِ (يس) ففيها اهتمامٌ بكونِ هذا الرَّجلِ بعيدًا عن الرُّسلِ، وما جاء إلَّا لِيُؤكِّدَ صِحَّةَ ما جاؤوا به قبْلَه؛ فلَمَّا كان الأمرُ في سُورةِ (القَصصِ) مُهِمًّا يَحتاجُ إلى مَزيدِ عزْمٍ، وعِظَمِ قوَّةٍ؛ قَدَّمَ فاعلَ المَجِيءِ على مُتعلَّقِه، بخلافِ ما في سورةِ (يس).
- وقيل: الفائدةُ في تَقديمِ ذِكْرِ الرَّجلِ في (القَصصِ) وتأْخيرِه في (يس): أنَّ ذِكْرَ الأوصافِ قبْلَ ذِكْرِ الموصوفِ أبلَغُ في المدْحِ مِن تَقديمِ ذِكْرِه على وَصْفِه؛ فإنَّ النَّاسَ يقولونَ: الرَّئيسُ الأجَلُّ فُلانٌ؛ فالَّذي زِيدَ في مَدْحِه -وهو صاحبُ (يس)- أمَرَ بالمعروفِ، وأعانَ الرُّسلَ، وصبَرَ على القتْلِ، والآخَرُ إنَّما حذَّرَ مُوسَى مِن القتْلِ، فسَلِمَ مُوسَى بقَبولِه مَشورتَه؛ فالأوَّلُ هو الآمِرُ بالمعروفِ والنَّاهي عن المُنكَرِ، والثَّاني هو ناصحُ الآمرِ بالمعروفِ؛ فاستحَقَّ الأوَّلُ الزِّيادةَ. وذُكِرَ (أقصى المدينةِ)؛ لأنَّ الرَّجلينِ جاءَا مِن بُعدٍ في الأمرِ بالمعروفِ، ولم يَتقاعَدا لبُعدِ الطَّريقِ [254] هذه الفائدةُ للوزيرِ ابنِ هُبَيْرةَ، نقَلها عنه ابنُ الجوزي في ((المقتبس))، كما في: ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (2/149). .
- يَأْتَمِرُونَ قيل: ضُمِّن معنى (يَهُمُّون)؛ فعُدِّي بالباءِ، فكأنَّه قيل: يأتمرونَ ويَهمُّون بقتلِك [255] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/96). .
- قولُه: فَاخْرُجْ مُتعلَّقُ الخُروجِ مَحذوفٌ؛ لدَلالةِ المقامِ عليه، أي: فاخرُجْ مِن المدينةِ [256] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/96). .
- قولُه: إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ تَعليلٌ لأمْرِه بالخُروجِ. وتَقديمُ المجرورِ لَكَ؛ لرِعايةِ الفاصلةِ [257] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/96). .