موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (29-35)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ

غَريبُ الكَلِماتِ:


آَنَسَ: أي: أبصَرَ وأحَسَّ، والإيناسُ: الرُّؤيةُ، والإحساسُ بالشَّيءِ، وأصلُ (أنس): يدُلُّ على ظُهورِ الشَّيءِ [385] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 21)، ((تفسير ابن جرير)) (18/238)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/145). .
الطُّورِ: الطُّورُ اسمُ جبلٍ مخصوصٍ، وقيل: اسمٌ لكلِّ جبلٍ، وقيل: هو الجبلُ المنبِتُ دونَ غيرِه، وأصلُ (طور): يدُلُّ على الامتدادِ في شَيءٍ مِن مكانٍ أو زمانٍ [386] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 52، 281)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/430)، ((المفردات)) للراغب (ص: 528)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 459)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 79). .
جَذْوَةٍ: أي: قِطعةٍ غَليظةٍ مِنَ الحَطَبِ فيها نارٌ لا لهبَ فيها [387] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 332)، ((تفسير ابن جرير)) (18/239)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 182). .
تَصْطَلُونَ: أي: تَستَدفِئونَ، والصَّلا: النَّارُ العظيمةُ، وأصلُ (صلى) هنا: النَّارُ [388] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/241)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 152)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/300)، ((المفردات)) للراغب (ص: 490)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 273). .
شَاطِئِ: أي: جانِبِ [389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/241)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/185)، ((المفردات)) للراغب (ص: 455)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 281). .
الْبُقْعَةِ: أي: القطعةِ مِن الأرضِ المتميِّزةِ عن غيرِها، وأصلُ (بقع): مُخالَفةُ الألوانِ بعضِها بعضًا [390] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/281)، ((البسيط)) للواحدي (17/383)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/383)، ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (20/347)، ((تفسير الألوسي)) (10/282)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/113). .
جَانٌّ: جِنسٌ من الحيَّاتِ خَفيفٌ سَريعٌ، وأصلُ (جنن): يدُلُّ على سَتْرٍ [391] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 176)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421)، ((المفردات)) للراغب (ص: 205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 358). .
يُعَقِّبْ: أي: يَرجِعْ، وأصلُ (عقب): يدُلُّ على تأخيرِ شَيءٍ، وإتيانِه بعدَ غيرِه [392] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 322)، ((تفسير ابن جرير)) (18/14)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 535)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/77)، ((المفردات)) للراغب (ص: 576). .
اسْلُكْ: أي: أدْخِلْ، وأصلُ (سلك): يدُلُّ على نُفوذِ شَيءٍ في شَيءٍ [393] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 333)، ((تفسير ابن جرير)) (18/244)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 94)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/97). .
جَيْبِكَ: أي: جَيبِ قَميصِك، وهو مَدخَلُ الرَّأسِ منه المفتوحُ إلى الصَّدرِ [394] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 94)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/491، 497)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 358). .
جَنَاحَكَ: أي: يَدَك، وأصلُ (جنح): يدُلُّ على المَيلِ، وسُمِّيَ الجناحانِ جَناحَينِ؛ لِمَيلِهما في الشِّقَّينِ [395] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 333)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 94)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/484)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 281)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 328). .
الرَّهْبِ: أي: الخَوفِ والرَّهبةِ، والرَّهْبةُ والرَّهْبُ: مخافةٌ مع تحرُّزٍ واضْطِرابٍ، وأصلُ (رهب): يدُلُّ على خَوفٍ [396] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/245)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/447)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 281)، ((المفردات)) للراغب (ص: 366). .
فَذَانِكَ: أي: العصا واليدُ، وذانِك: اسمُ إشارةٍ، تثنيةُ (ذاك)، وبالتَّشديدِ (ذَانِّكَ) تثنيةُ (ذلك) [397] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/246)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/251)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 281). .
رِدْءًا: أي: مُعينًا، يُقالُ: فلانٌ رِدْءٌ لفُلانٍ: أي: يَنصُرُه ويَشُدُّ ظَهرَه، وأصلُه مِن قَولِهم: ردأتُ الحائِطَ: إذا دعَمْتَه بخَشَبٍ أو نحوِه؛ لئلَّا يَسقُطَ [398] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 333)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 249)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/507)، ((البسيط)) للواحدي (17/393). .
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ: أي: سنُعينُك، ونقَوِّيك، وأصلُ (شدد): يدُلُّ على قوَّةٍ في الشَّيءِ، والعَضُدُ: ما بيْنَ المِرفَقِ إلى الكَتِفِ، وكلُّ مُعِينٍ فهو عضُدٌ، وعاضَدَني فلانٌ، أي: عاوَنَني، وشَدُّ العَضُدِ مَثَلٌ في التَّقويةِ والإعانةِ؛ وذلك أنَّ مَن قَوَّيتَ عَضُدَه فقد أعَنْتَه [399] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/251)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/179) و(4/348)، ((البسيط)) للواحدي (14/51) و(17/396)، ((المفردات)) للراغب (ص: 571)، ((تفسير القرطبي)) (11/2)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 916). .
سُلْطَانًا: أي: حُجَّةً، وبُرهانًا، وأصْلُ السُّلطانِ: القوَّةُ والقهرُ، مِنَ التَّسلُّطِ؛ ولذلك سُمِّي السُّلطانُ سُلطانًا [400] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((تفسير ابن جرير)) (18/252)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 247، 420، 724)، ((تفسير القرطبي)) (13/287)، ((تفسير ابن كثير)) (6/137). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى: فلمَّا أنهى موسى سَنواتِ رَعْيِه للغنَمِ، وسار بأهلِه إلى مِصرَ؛ أبصَرَ مِن جهةِ الجبَلِ نارًا مُضيئةً، فقال لأهلِه: الزَموا مكانَكم؛ فإنِّي أبصَرْتُ نارًا، سأذهَبُ إليها؛ لعلِّي أرجِعُ إليكم مِن عندِها بخبرٍ يدُلُّنا على الطَّريقِ، أو آتي بقِطعةٍ مُشتعِلةٍ مِن النَّارِ؛ لِتَستدفِئوا بها مِن البَردِ.
فلمَّا أتَى موسى إلى النَّارِ ناداه اللهُ مِن عن يمينِ موسى فى البُقعةِ المبارَكةِ مِن ناحيةِ الشَّجَرةِ، فقال له: يا موسى، إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالَمينَ الَّذي يكَلِّمُك، واطرَحْ عَصاك. فألقى موسى عصاهُ، فلمَّا رآها تتحرَّكُ بسُرعةٍ كأنَّها حيَّةٌ، ولَّى مُسرِعًا ولم يلتَفِتْ؛ لشِدَّةِ خَوفِه، فقال اللهُ له: يا موسى، ارجِعْ ولا تخَفْ؛ إنَّك مِنَ الآمِنينَ، أدخِلْ يَدَك في جَيبِك -وهو فَتحةُ الثَّوبِ مكانَ دُخولِ الرَّأسِ- تخرُجْ بَيضاءَ بياضًا عظيمًا مِن غيرِ عَيبٍ أو مَرَضٍ، واضمُمْ يَدَك إلى صَدرِك؛ فيذهَبَ ما أصابك مِن الخَوفِ، فهاتان آيتانِ مِن رَبِّك إلى فِرعَونَ وأشرافِ قَومِه؛ إنَّهم كانوا قومًا كافرينَ خارِجينَ عن طاعةِ الله.
 قال موسى: ربِّ إنِّي قتَلْتُ مِن قَومِ فِرعَونَ نفْسًا، فأخافُ أن يقتُلوني، وأخي هارونُ هو أفصَحُ مني لِسانًا، وأحسَنُ بيانًا؛ فاجعَلْه رَسولًا معي إلى فِرعَونَ، ومُعينًا لي على دَعوتِهم؛ إنِّي أخافُ أن يكَذِّبوني.
قال اللهُ له: سنُقَوِّيك بإرسالِ أخيك معك، ونجعَلُ لكما حُجَّةً على فِرعَونَ وقَومِه، وتمتَنِعانِ منهم بسبَبِ آياتِنا؛ فلا يُصيبونَكما بضَرَرٍ، أنتما وأتباعُكما غالِبونَ لهم.

تَفسيرُ الآياتِ:


فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29).
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا.
أي: فلمَّا أنهى موسى سَنَواتِ رَعْيِه للغَنَمِ، وسار بزَوجِه إلى مِصرَ؛ أبصَرَ مِن جِهةِ الجَبَلِ نارًا مُضيئةً [401] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/234، 238)، ((تفسير ابن جزي)) (2/113)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). قال السعدي: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ يحتمِلُ أنَّه قضَى الأجلَ الواجبَ، أو الزائدَ عليه، كما هو الظنُّ بموسى ووفائِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 615) ممن اختار أنَّه قضَى العشرَ سنين: مقاتلُ بن سليمان، ومكي، وابنُ كثير، والشوكاني، والشنقيطي، ونسبه ابنُ عثيمين إلى أكثرِ المفسرينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/343)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5525)، ((تفسير ابن كثير)) (6/231)، ((تفسير الشوكاني)) (4/196)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/13)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 134). وممن اختار هذا القولَ مِن السلف: ابنُ عبَّاسٍ، ثبَت ذلك عنه، وأخرَجه البخاريُّ في ((صحيحه)) (2684) بسندِه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عندَما سأَله يهوديٌّ: أيَّ الأجلينِ قضَى موسَى؟ فسأَل سعيدُ ابنُ جُبيرٍ ابنَ عبَّاسٍ رضِي الله عنهما، فأجابَه بأنَّ موسى عليه السلامُ قضَى أكثرَهما. وذكَر ابنُ كثيرٍ أنَّه قد يُستفاد هذا أيضًا مِن الآيةِ الكريمةِ مِن قولِه: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ أي: الأكملَ منهما. ينظر:((تفسير ابن كثير)) (6/234). وأيضًا فهذا هو الظنُّ بموسَى عليه السلامُ وكرمِه ووفائِه. ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 134). ويحتملُ أنَّه قضَى الأجلَ الواجبَ ثماني سنين؛ فإنَّه هو الواجبُ عليه، وموسَى كان في اشتياقٍ إلى بلادِه بمصرَ، وقد قال فيما سبَق معتذرًا أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ، وهذه جملةٌ قد تشيرُ إلى أنَّه يريدُ أن يقتصرَ على الأجلِ الواجبِ، وإلا فمِن المعلومِ أنَّه إذا قضَى الأجلَ الواجبَ فإنَّه لا أحدَ يلومُه، أو يعتدي عليه. ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 134). قال البقاعي: (والظَّاهِرُ أنَّه مكَثَ عندَه بعدَ الأجَلِ أيضًا مدَّةً؛ لأنَّه عطف بالواو قَولَه: وَسَارَ، ولم يجعَلْه جوابًا لِلَمَّا). ((نظم الدرر)) (14/277). .
عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: (سألَني يهوديٌّ مِن أهلِ الحِيرةِ: أيَّ الأجَلَينِ قضى موسى؟ قلتُ: لا أدري، حتَّى أقدَمَ على حَبرِ العَربِ فأسألَه، فقَدِمتُ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: قضى أكثَرَهما وأطْيَبَهما؛ إنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا قال فعَلَ) [402] رواه البخاري (2684). .
قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ.
أي: قال موسى لامرأتِه: أقيموا مَكانَكم؛ فإنِّي أبصَرْتُ نارًا، سأذهَبُ إليها راجيًا أن أرجِعَ إليكم مِن عندِها بخبَرٍ عن الطَّريقِ [403] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/239)، ((تفسير السمرقندي)) (2/606)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 135، 136). واختار الزَّجَّاجُ ومكِّيٌّ أنَّ معنى لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أي: لعلِّي أعلَمُ لِمَ أُوقِدَتْ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/142)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5525). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الماوردي)) (4/250). .
أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
أي: أو آتيكم مِن النَّارِ بقِطعةِ حَطَبٍ مُشتَعلةٍ، راجيًا أن تَستدفِئوا بها مِن البَردِ [404] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/239، 241)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 818)، ((تفسير البيضاوي)) (4/176)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234). .
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30).
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ .
أي: فلمَّا أتَى موسَى إلى النَّارِ الَّتي أبصَرَها عندَ الجَبَلِ، ناداه اللهُ تعالى مِن جانِبِ الوادي الواقِعِ على يمينِ موسى عليه السَّلامُ [405] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/241)، ((تفسير القرطبي)) (13/281)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/279)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/112)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 140، 141). قال ابنُ كثير: (أي: مِن جانِبِ الوادي ممَّا يلي الجبَلَ عن يمينِه، مِن ناحيةِ الغَربِ، كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ [القصص: 44]، فهذا ممَّا يُرشِدُ إلى أنَّ موسى قصَدَ النَّارَ إلى جهةِ القِبْلةِ، والجَبَلَ الغربيَّ عن يمينِه). ((تفسير ابن كثير)) (6/234). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/112). .
كما قال تعالى: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: 15، 16].
وقال سُبحانَه: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: 52].
فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ.
أي: ناداه في قِطعةِ الأرضِ الَّتي أحَلَّ اللهُ فيها البَرَكةَ [406] قال الواحدي: (الْمُبَارَكَةِ بتَكليمِ الله سُبحانَه فيها موسى عليه السَّلامُ، وإتيانِه النُّبوَّةَ). ((الوجيز)) (ص: 818). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/287)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/113). مِن ناحيةِ الشَّجَرةِ الَّتي في جانِبِ الوادي الأيمَنِ [407] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/242)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 818)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (1/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/113)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 141-144). .
أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
أي: نادَى اللهُ موسَى فقال له: يا موسَى، إنَّ الَّذي يُكَلِّمُك هو أنا اللهُ ربُّ جميعِ الخلائِقِ، الَّذي لا إلهَ غيري [408] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/243)، ((تفسير ابن كثير)) (6/234)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31).
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ.
أي: واطرَحْ عصاك الَّتي معك على الأرضِ [409] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/243)، ((تفسير السمرقندي)) (2/607)، ((تفسير ابن فورك)) (1/345)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 149). .
فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ.
أي: فألقَى موسَى عصاه، فلمَّا رآها تتحرَّكُ وتَضْطَرِبُ كأنَّها حيَّةٌ في سُرعةِ حَرَكتِها، وشِدَّةِ اهتِزازِها؛ هرَبَ منها مُسرِعًا ولم يَرجِعْ أو يلتَفِتْ؛ لشِدَّةِ خَوفِه [410] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/243، 244)، ((تفسير البيضاوي)) (4/177)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، (نظم الدرر)) للبقاعي (14/280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 149، 150). .
يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ.
أي: قال اللهُ له: يا موسى، عُدْ إلى مكانِك ولا تخَفْ؛ إنَّك في أمنٍ مِن أن ينالَك مَكروهٌ [411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/244)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/143)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32).
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.
أي: أدخِلْ يَدَك في فَتحةِ قَميصِك -وهي الفتحةُ العُلويَّةُ مكانَ دُخولِ الرَّأسِ- فإذا أخرَجْتَها تخرُجُ بيضاءَ بياضًا عظيمًا مِن غيرِ عَيبٍ أو مَرَضٍ [412] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/244، 245)، ((تفسير القرطبي)) (13/285)، ((تفسير النسفي)) (2/641)، ((تفسير ابن جزي)) (2/113)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). !
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ.
أي: واضمُمْ يَدَك إلى صَدرِك؛ فيذهَبَ ما أصابَك مِن الخَوفِ [413] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/591)، ((تفسير ابن جرير)) (18/245)، ((تفسير السمعاني)) (4/139)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 156، 157). وممَّن قال بأنَّ المرادَ ضَمُّ اليَدِ إلى الصَّدرِ؛ لإذهابِ خَوفِه: يحيى بنُ سلام، وابن جرير، والسمعاني، وابن كثير، وابن عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. قال الواحدي: (وقوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قال مجاهدٌ: اضمُمْ إليك يدَك مِنَ الفَرَقِ. وهذا قولُ جميعِ المفسِّرينَ؛ قالوا: لَمَّا ألقى موسى عصاه فصارتْ جانًّا رَهِبَ وفَزِعَ، فأمَرَه الله أن يَضُمَّ إليه جَناحَه؛ لِيَذهَبَ عنه الفَزَعُ). ((البسيط)) (17/385). وقيل: المرادُ ضَمُّ يَدِه الَّتي صارت بيضاءَ إلى جَسدِه؛ لِتَعودَ إلى لَونِها الطَّبيعيِّ. وممَّن قال بهذا: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (14/281). قال العُلَيمي: (إذا هالَكَ أمرُ يدِك، وما تَرَى مِن شعاعِها، فأدخِلْها في جيبِك، تَعُدْ إلى حالتِها الأُولَى). ((تفسير العليمي)) (5/193). .
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ.
أي: فهاتانِ آيَتانِ وحُجَّتانِ مِن رَبِّك -تَحَوُّلُ عَصاكَ إلى حَيَّةٍ، وخُروجُ يَدِك منِ جَيبِك بَيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ- تَدُلَّانِ على الحَقِّ، أُرسِلُك بهما إلى فِرعَونَ وأشرافِ قَومِه وكُبَرائِهم [414] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/246، 249)، ((الوسيط)) للواحدي (3/398)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
أي: أُرسِلُك بهاتينِ الآيتَينِ؛ لأنَّ فِرعَونَ ومَلأَه قَومٌ مَطبوعونَ على الكُفرِ، مُتَّصِفونَ بالخُروجِ عن طاعةِ اللهِ [415] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/249)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235)، ((نظم الدرر)) (14/282)، ((تفسير الشوكاني)) (4/197)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 159). .
كما قال تعالى لموسى عليه السَّلامُ: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل: 12].
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا قال تعالى: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ تضمَّنَ ذلك أنْ يذهَبَ موسى بهذينِ البُرهانَينِ إلى فِرعَونَ وقَومِه؛ فعندَ ذلك طَلَبَ مِن اللهِ تعالى ما يُقوِّي قلْبَه، ويُزيلُ خَوفَه، فقال [416] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/596). :
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33).
أي: قال موسى: ربِّ إنِّي قَتلْتُ مِن قَومِ فِرعَونَ نفْسًا، فأخافُ -إنْ رأَوْني وحيدًا بلا ظَهيرٍ ومُعِينٍ يُبَيِّنُ لهم ما أُريدُ مِن القَولِ- أن يَقتُلوني قبلَ أن أتمكَّنَ مِن دَعوتِهم إلى الحَقِّ [417] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/249)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/283)، ((الفواتح الإلهية)) للشيخ علوان (2/82)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). قال الرازي: (أجمَع المفسِّرون على أنَّ المرادَ منه قَتْلُ ذلك القِبطيِّ بذلك الوَكزِ). ((تفسير الرازي)) (10/176). .
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34).
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي.
أي: وأخي هارونُ هو أحسَنُ مِنِّي بيانًا؛ فاجعَلْه رَسولًا معيَ إلى فِرعَونَ وقَومِه، ووزيرًا ومُعِينًا لي على دَعوتِهم، يُبَيِّنُ ما أقولُ لهم [418] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/249، 251)، ((تفسير الرازي)) (24/596)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((الفواتح الإلهية)) للشيخ علوان (2/82)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). قال ابنُ عاشور: (معنى تصديقِه إيَّاه: أن يكونَ سَببًا في تصديقِ فِرعَونَ وَملَئِه إيَّاه؛ بإبانتِه عن الأدلَّةِ الَّتي يُلقيها موسى في مقامِ مُجادَلةِ فِرعَونَ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/116). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/409). .
كما قال تعالى حاكيًا دُعاءَ موسى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه: 27 - 35].
إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ.
أي: أيِّدْني بأخي هارونَ؛ لأنِّي أخافُ ألَّا يُصَدِّقَني فِرعَونُ وقَومُه [419] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/251)، ((تفسير السمرقندي)) (2/608)، ((تفسير السمعاني)) (4/139)، ((تفسير الشربيني)) (3/99). .
كما قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ [الشعراء: 12، 13].
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35).
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ.
أي: قال اللهُ لِموسى: سنُقوِّيك ونُعينُك بإرسالِ أخيك معك [420] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/251)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((تفسير المظهري)) (7/164)، ((تفسير السعدي)) (ص: 616). .
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا.
أي: ونجعَلُ لكما حُجَّةً على فِرعَونَ وقَومِه، ومَهابةً في قُلوبِهم منكما، فيكونُ لكما الظُّهورُ والغَلَبةُ عليهم، وتَمتَنِعانِ منهم؛ بسَبَبِ آياتِنا، فلا يؤذونَكما [421] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/252، 253)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/285، 286)، ((تفسير السعدي)) (ص: 616)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/117)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 168، 169). اختلَف المفسِّرون في تفسيرِ قولِه تعالى: بِآَيَاتِنَا على عدَّةِ أقوالٍ؛ منها: أنَّ المعنى: تمتنعانِ منهم بآياتِنا وحُجَجِنا، فلا يَصِلُون إليكما. وممَّن قال بهذا القولِ في الجملةِ: القرطبيُّ، وابن كثير، والبِقاعي، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/287)، ((تفسير ابن كثير)) (6/236)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/286)، ((تفسير الشوكاني)) (4/200)، ((تفسير السعدي)) (ص: 616)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 169-171). وقيل: هو مُتعلِّقٌ بما بعْدَه، فالمعنى: بآياتِنا أنتما ومَنِ اتَّبَعكما الغالِبون، أي: تَغلِبون بآياتِنا. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والثعالبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/253)، ((تفسير الثعالبي)) (4/272). قال ابن كثير: (ووجَّه ابنُ جريرٍ على أنَّ المعنى: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا، ثمَّ يَبتدئُ فيقولُ: بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ، تقديرُه: أنتُما ومَنِ اتَّبعَكما الغالِبون بآياتِنا. ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى صحيحٌ، وهو حاصلٌ مِنَ التَّوجيهِ الأوَّلِ، فلا حاجةِ إلى هذا، واللهُ أعلَمُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/237). وقيل: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديرُه: ونجعَلُ لَكما سُلطانًا بآياتِنا، فلا يَصِلُون إليكما. وممَّن جوَّز هذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/118). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عطية)) (4/288)، ((تفسير البيضاوي)) (4/177). وقيل: عنى بالآياتِ هنا: سائرَ مُعجِزاتِ موسى عليه السَّلامُ. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: القرطبيُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/287)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/118). قال ابن عاشور: (وعلى الوُجوهِ كلِّها فالآياتُ تشمَلُ خوارِقَ العاداتِ المُشاهَدةَ؛ مِثلُ: الآياتِ التِّسعِ، وتشمَلُ المعجزاتِ الخفيَّةَ؛ كصَرفِ قَومِ فِرعَونَ عن الإقدامِ على أذاهما معَ ما لَدَيْهم من القُوَّةِ، وما هم عليه مِن العَداوةِ، بحيث لولا الصَّرفةُ مِن اللهِ لأهلَكوا موسى وأخاه). ((تفسير ابن عاشور)) (20/118). .
أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
أي: أنتما وأتْباعُكما المنصورونَ على فِرعَونَ ومَلَئِه، القاهِرونَ لهم [422] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/253)، ((تفسير ابن عطية)) (4/288)، ((تفسير القرطبي)) (13/287)، ((البحر المديد)) لابن عجيبة (4/251)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/118). .
كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: 51].
وقال سُبحانَه: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21].

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ :


1- في قَولِه تعالى: قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا سؤالٌ: أنَّ قولَه: امْكُثُوا خطابُ جماعةِ الذكورِ؛ فما وجهُ خِطابِ المرأةِ بخِطابِ جماعةِ الذُّكورِ؟
الجوابُ عن هذا مِن ثلاثةِ أوجُهٍ:
الأوَّل: أنَّ الإنسانَ يُخاطِبُ المرأةَ بخِطابِ الجماعةِ؛ تعظيمًا لها، ونظيرُه قولُ الشَّاعرِ [423]  ينظر: ((ديوان العرجي)) (ص 206). :
فإنْ شِئتِ حَرَّمتُ النِّساءَ سِواكُمُ
الثَّاني: أنَّ معها خادمًا، والعرَبُ رُبَّما خاطبَتِ الاثنينِ خِطابَ الجماعةِ.
الثَّالثِ: أنَّه كان له مع زوجتِه ولَدانِ له [424] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 177). .
2- في قَولِه تعالى: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ دَليلٌ على حُسنِ مُعاملةِ موسى لأهلِه؛ إذْ جَعَلَ يَتطلَّبُ لهم ما يُدفِّئُهم، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((خَيرُكم خَيرُكم لأهلِه، وأنا خَيرُكم لأهلي)) [425] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 139). والحديث أخرجه الترمذي (3895)، وابن حبان (4177) واللَّفظُ لهما، والبيهقيُّ (16117) مختصرًا، مِن حديثِ عائشةَ رضي الله عنها. قال الترمذي: (حسَنٌ غريبٌ صحيحٌ)، وصحَّح إسنادَه الطبريُّ في ((تهذيب الآثار- مسند عمر)) (1/408)، وصحَّحه الشَّوكانيُّ في ((فتح القدير)) (1/635)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3895). .
3- في قَولِه تعالى: فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي أنَّ اتِّخاذَ الأعْوانِ هو مِن أسبابِ النَّجاةِ، وهذا أمرٌ مَعلومٌ مِن قديمِ الزَّمانِ وحَديثِه؛ أنَّه كلَّما كان الإنسانُ معه مَن يُعينُه ويُساعِدُه، كان ذلك أقرَبَ إلى نجاحِه مِنِ انفرادِه [426] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 166). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ إثباتُ أنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى قد يُقَدِّرُ للمَرءِ مِن الأسبابِ ما يُوصِلُه إلى الكَمالِ؛ ذلك أنَّ رَعْيَ الغَنَمِ فيه مَصلَحةٌ لرِعايةِ الخلْقِ فيما بَعدُ؛ ولهذا أخبرَ النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه ((ما بَعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا رعَى الغَنَمَ)) [427] أخرجه البخاري (2262) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فإذا كان الإنسانُ يَتعوَّدُ الرِّعايةَ ومَسؤوليةَ الرَّعيَّةِ، فإنَّ هذا فيه تَوطِئةٌ لِمَا يُوكَلُ إليه فيما بَعْدُ [428] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 137). .
2- قَولُه تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ دليلٌ على أنَّ للرَّجُلِ أن يذهَبَ بأهلِه حيثُ شاء؛ لِما له عليها مِن فَضلِ القواميَّةِ، وزيادةِ الدَّرجةِ، إلَّا أن يلتَزِمَ لها أمرًا؛ فالمؤمِنونَ عند شُروطِهم، و((أحَقُّ الشُّروطِ أن تُوفُوا به ما استَحلَلْتُم به الفُروجَ )) [429] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/511). والحديث أخرجه البخاري (2721) واللفظ له، ومسلم (1418) من حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه. .
3- في قَولِه تعالى: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ -حتَّى قبْلَ النُّبوَّةِ- هم كغيرِهم مِن البشَرِ؛ يُحِسُّون بآلامِ البَردِ، وكذلك بآلامِ الجوعِ وغيرِه، ويَهتَدون إلى الطَّريقِ، وقد يَضِلُّون عنه، فهنا فائدتانِ شَرعيَّتانِ:
الأُولى: أنَّهم لا يَعلمونَ الغَيبَ؛ إذْ لو كانوا يَعلمونَ الغيبَ ما ضَلُّوا عن الطَّريقِ.
الثَّانيةُ: أنَّهم لا يَملِكونَ لأنفُسِهم نفعًا ولا ضَرًّا، فإذا كانوا لا يَملكون ضَرًّا ولا نفعًا لأنفُسِهم، فلِغَيرِهم مِن بابِ أَولى، وهذا مُصَرَّحٌ به في قَولِه تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: 50]، وقال اللهُ تعالى لنبيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [430] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 138). [الجن: 21، 22].
4- في قَولِه تعالى: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أنَّ اللهَ تعالى إذا أراد أمرًا هَيَّأَ أسبابَه؛ فإنَّ اللهَ لَمَّا أراد أنْ يوحِيَ إلى نبيِّه موسى عليه السَّلامُ في ذلك المكانِ، هَيَّأَ له أسبابًا تُوصِلُه إلى النَّارِ الَّتي رآها وقَصَدَها [431] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 138). .
5- في قَولِه تعالى: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أنَّ اتِّخاذَ الأسبابِ لا يُنافي التَّوكُّلَ، بل هو مِن تمامِ التَّوكُّلِ، ومِن تمامِ معرفةِ الإنسانِ باللهِ سُبحانَه وتعالى، لكنَّ المحظورَ أنْ يَعتمِدَ الإنسانُ على السَّبَبِ، ويَظُنَّ أنَّه هو الغايةُ [432] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 139). !
6- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إثباتُ كلامِ اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ لأنَّ المُناديَ في قَولِه: نُودِيَ هو اللهُ؛ لِقَولِه تعالى في آيةٍ أخرى: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [433] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 146). [النازعات: 16]. والنِّداءُ لا يكونُ إلَّا صَوتًا مَسموعًا، ولا يُعقَلُ في لُغةِ العَرَبِ لفظُ النِّداءِ بغيرِ صَوتٍ مَسموعٍ، لا حَقيقةً ولا مَجازًا [434] يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل)) لابن تيمية (3/97). ، وفيه رَدٌّ على الأشاعرةِ الَّذين يقولون: «إنَّ كَلامَ اللهِ هو المعنى القائمُ بنَفْسِه»، ولا شكَّ أنَّ المعنى القائمَ بالنَّفْسِ لا يُسمَّى كلامًا، ولا يُسمَعُ، وكلامُ اللهِ تعالى يُسمَعُ [435] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 146). .
7- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ الرَّدُّ على الجَهميَّةِ والمُعتَزلةِ الَّذين يقولون: «إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ»، ووجْهُ ذلك: أنَّه ثَبَتَ أنَّ النِّداءَ مِن اللهِ سُبحانه وتعالى، والنِّداءُ قَولٌ، والقَولُ لا يُؤخَذُ إلَّا بقائلٍ؛ فيكونُ القَولُ قولَ اللهِ، وكلُّ صفةٍ مِن صفاتِ اللهِ فإنَّها غيرُ مخلوقةٍ؛ لأنَّها وصْفٌ لِمَنِ اتَّصفَ بها، فإذا كانت وَصْفًا للخالقِ فهي غيرُ مَخلوقةٍ [436] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 147). .
8- قولُه تعالى: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فيه إثباتُ أنَّ كلامَ اللهِ سُبحانَه وتعالى بحرفٍ؛ لأنَّ هذه جُمَلٌ مُكَوَّنةٌ مِن حروفٍ [437] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 147). .
9- في قَولِه تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ أنَّه يجوزُ على الأنبياءِ ما يجوزُ على غَيرِهم مِن الخَوفِ الطَّبيعيِّ، مع أنَّ موسى عليه السَّلامُ -كما هو معلومٌ- كان مِن الرِّجالِ الأقوياءِ، لكِنَّه يَعتريه ما يعتري غيرَه مِن البَشَرِ [438] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 152). .
10- قال تعالى: يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ، قولُه: أَقْبِلْ يقتضي الأمرَ بإقبالِه، ويجبُ عليه الامتثالُ، ولكن قد يكونُ إقبالُه وهو لم يزلْ في الأمرِ المخوفِ، فقال: وَلَا تَخَفْ، ولكن يبقَى احتمالٌ، وهو أنَّه قد يُقبِلُ وهو غيرُ خائفٍ، ولكن لا تحصُلُ له الوقايةُ والأمنُ مِن المكروهِ، فقال: إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ، فحينئذٍ اندفَع المحذورُ مِن جميعِ الوجوهِ، فأقبَل موسى عليه السلامُ غيرَ خائفٍ ولا مرعوبٍ، بل مطمئنًّا، واثقًا بخبرِ ربِّه، قد ازداد إيمانُه، وتمَّ يقينُه، فهذه آيةٌ، أراه الله إيَّاها قبلَ ذهابِه إلى فرعونَ، ليكونَ على يقينٍ تامٍّ، فيكونَ أجرأَ له، وأقوَى وأصلبَ [439] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
11- قال الله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ رُبَّما إذا استعمل أحَدٌ ذلك على سبيلِ الاقتداءِ، فوضَعَ يَديه على فؤادِه؛ فإنَّه يَزولُ عنه ما يجِدُ أو يَخِفُّ، إن شاء اللهُ، وبه الثِّقةُ [440] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/113)، ((تفسير ابن كثير)) (6/235). ، قال ابنُ عبَّاس: (ليس مِن أحدٍ يَدخُلُه رُعبٌ بعدَ موسَى، ثمَّ يُدخِلُ يدَه فيَضعُها على صدرِه؛ إلَّا ذهَب عنه الرُّعبُ) [441] يُنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (5/179). قال ابن كثير: (وهذا وإن كان خاصًّا به، إلَّا أنَّ ببركةِ الإيمانِ به حقَّ الإيمانِ ينتفعُ مَن استعمَل ذلك على وجهِ الاقتداءِ بالأنبياءِ). ((البداية والنهاية)) (2/57). .
12- في قَولِه تعالى: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ أنَّ اللهَ تعالى يُعطي الأنبياءَ مِن الآياتِ ما يُناسِبُ الوقتَ وحالَ المُرسَلِ إليهم؛ لأنَّ هذا مِن الحِكمةِ أنْ تأتيَ الآياتُ مُطابِقةً للواقعِ [442] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 160). ، فموسى عليه السَّلامُ كانت مُعجِزتُه ممَّا يُناسِبُ أهلَ زمانِه، فكانوا سَحَرةً أذكياءَ، فبُعِث بآياتٍ بَهَرَتِ الأبصارَ، وخضعَتْ لها الرِّقابُ [443] يُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/486). .
13- في قَولِه تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يُجَدِّدُ لهذه الأُمَّةِ دينَها كُلَّما خرَجوا عنه؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ يُرسِلُ الرُّسلَ عندَ الحاجةِ إليهم، وعندَما لا يكونُ هناك رسولٌ -كحالِ أُمَّتِنا- يَبعثُ دُعاةً صالحينَ مُصلِحينَ للخَلْقِ [444] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 161). .
14- في قَولِه تعالى: فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ أنَّ الخَوفَ الطَّبيعيَّ لا يُنافي مقامَ الرِّسالةِ [445] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 162). ، وإنَّما هو مُباحٌ في الأصلِ، لكنْ إنْ حمَل على ترْكِ واجبٍ أو فِعلِ محرَّمٍ؛ فهو محرَّمٌ، وإنِ استَلزَمَ شيئًا مباحًا كان مباحًا [446] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (2/68). .
15- في قَولِه تعالى: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا أنَّ فَصاحةَ اللِّسانِ لها تأثيرٌ قَويٌّ في القَبولِ أو الرَّفضِ، وقد قال النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((إنَّ مِن البَيانِ لَسِحْرًا )) [447] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 167). والحديث أخرجه البخاري (5767) من حديثِ عبدِ الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما. .
16- في قَولِه تعالى: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَضيلةُ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لإقرارِه بالفَضلِ لأخيِه [448] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 167). !
17- في قَولِه تعالى: فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي أنَّ الخَبرَ يَزدادُ ثبوتًا وتَبيينًا بتَعَدُّدِ مُخبِريه؛  ولهذا طلَب موسى عليه السَّلامُ من الله أن يُرسِلَ معه هارُونَ؛ لِتزدادَ رسالتُه قوَّةً ووُضوحًا عندَ آلِ فِرعَونَ؛ لأنَّ الرِّسالةَ خبرٌ، فإذا كان معه مَن يُقَوِّيه على هذا الخَبرِ ويُثَبِّتُه ويُصَدِّقُه، فإنه يكونُ أقوى، والآيةُ شاهِدٌ له [449] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 167). .
18- قَولُه تعالى: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ استَجابَ اللهُ له دَعْوَتَيه، وزادَهُ تَفضُّلًا بما لم يَسأَلْه؛ فاستِجابةُ الدَّعوةِ الثَّانيةِ بقولِه:   سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ، واستِجابةُ الأُولى بقولِه: فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا، والتَّفضُّلُ بقولِه: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا، فأعطَى مُوسى ما يُماثِلُ ما لهارونَ مِن المَقدِرةِ على إقامةِ الحُجَّةِ؛ إذ قال: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا [450] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/117). .
19- في قَولِه تعالى: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ أنَّ التمَسُّكَ بشريعةِ اللهِ سببٌ للغلبةِ، فإذا كان هذا في بني إسرائيلَ: أنَّه مَنِ اتَّبَعَ موسى عليه السَّلامُ فهو الغالبُ؛ فمِن بابِ أَولى مَنِ اتَّبَعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّه غالِبٌ؛ قال اللهُ تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33]، ومعنى لِيُظْهِرَهُ: يُعلِيَه؛ لأنَّ الظَّهرَ والظُّهورَ كلُّه يدُلُّ على الغَلَبةِ [451] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 173). .
20- في قَولِه تعالى: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ دَليلٌ على أنَّ الإنسانَ يُنصَرُ ويَغلِبُ باتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وأنَّه لا طريقَ إلى النَّصرِ والغَلَبةِ إلَّا بالدُّخولِ في طريقِ الرُّسلِ، واتِّباعِهم، وعليه فتكونُ مِن هذه قاعدةُ: (كلُّ مَن كان للرَّسولِ أتبَعَ، كان إلى النَّصرِ أقربَ؛ وكلُّ مَن كان مِنِ اتِّباعِ الرَّسولِ أبْعَدَ، كان عن النَّصرِ أبعَدَ)؛ لأنَّه مِن المعلومِ في القواعدِ المقرَّرةِ: (أنَّ الحُكمَ إذا عُلِّقَ بوَصفٍ كان ثبوتُه -قوَّةً وضَعفًا، ووُجودًا وعدمًا- بحَسَبِ ذلك الوَصفِ) [452] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 171). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ لم يَذكُرِ القرآنُ أيَّ الأجلَينِ قَضى مُوسى؛ إذ لا يَتعلَّقُ بتَعيينِه غرَضٌ في سِياقِ القصَّةِ [453] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/111). .
- والفاءُ في قولِه: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ فَصيحةٌ، أي: فعَقَدَا العَقدينِ، وباشَرَ مُوسى ما الْتزَمهُ، فلمَّا أتمَّ الأجَلَ... [454] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/11). .
- قَولُه: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ الجَذوةُ: العودُ الغليظُ، قيل: مُطلقًا، وقيل: المُشتعِلُ؛ فإنْ كان الأوَّلَ؛ فوَصْفُ الجَذوةِ بأنَّها مِن النَّارِ وصْفٌ مُخصِّصٌ، وإنْ كان الثَّانيَ فهو وصْفٌ كاشفٌ، و(مِن) على الأوَّلِ بَيانيَّةٌ، وعلى الثَّاني تَبعيضيَّةٌ [455] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/111). .
2- قَولُه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
- التَّعريفُ في الشَّجَرَةِ تَعريفُ الجِنسِ، وعُدِلَ عن التَّنكيرِ؛ للإشارةِ إلى أنَّها شَجرةٌ مَقصودةٌ، وليس التَّعريفُ للعهْدِ؛ إذ لم يَتقدَّمْ ذِكْرُ الشَّجرةِ [456] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/113). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال تعالى في سُورةِ (النَّملِ): نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [النمل: 8]، وقال في (طه): نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 11- 12]، وقال هاهنا: نُودِيَ إلى قولِه: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، ولا مُنافاةَ بيْنَ هذه الأشياءِ؛ فهو تعالى ذَكَرَ الكُلَّ، إلَّا أنَّه حَكَى في كُلِّ سُورةٍ بَعضَ ما اشتَمَلَ عليه ذلك النِّداءُ [457] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/593)، ((تفسير البيضاوي)) (4/177)، ((تفسير أبي حيان)) (8/302)، ((تفسير أبي السعود)) (7/12). .
3- قَولُه تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ
- الفاءُ في قولِه: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ فَصيحةٌ مُفصِحةٌ عن جُمَلٍ قد حُذِفَت؛ تَعويلًا على دَلالةِ الحالِ عليها، وإشعارًا بغايةِ سُرعةِ تَحقُّقِ مَدلولاتِها، أي: فألْقاها، فصارت ثُعبانًا، فاهتزَّتْ... [458] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/177)، ((تفسير أبي السعود)) (7/12). .
- قَولُه: يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ زِيادةُ أَقْبِلْ هنا -وهي تَصريحٌ بمَضمونِ قولِه: (لَا تَخَفْ) في سُورةِ (النَّملِ) يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل: 10]-؛ لأنَّه لَمَّا أدْبَر خَوفًا مِن الحيَّةِ كان النَّهيُ عن الخَوفِ يدُلُّ على معنى طَلبِ إقبالِه؛ فكان الكلامُ هنالك إيجازًا، وكان هنا مُساواةً [459] المساواةُ: هي أن يكونَ اللَّفظُ مُساويًا للمعنى بحيثُ لا يَزيدُ عليه ولا يَنقُصُ عنه، بأن يكونَ لِكُلِّ معنًى قصَدَه المتكلِّمُ لفظٌ يدُلُّ عليه، ظاهرٌ أو مُقَدَّرٌ، فإذا نقَصَتِ الألفاظُ عن عددِ المعاني مع إيفائِها بجميعِ تلك المعاني، فذلك (الإيجازُ). وإذا زادَتِ الألفاظُ على عددِ المعاني مع عدَمِ زيادةِ المعاني، فذلك (الإطنابُ). قيل: ومِن المساوةِ قولُه تعالى: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: 110]، وقولُه تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]. يُنظر: ((نقد الشعر)) لقدامة بن جعفر (ص: 55)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/179)، ((موجز البلاغة)) لابن عاشور (ص: 30)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (2/807). ؛ تفنُّنًا في حِكايةِ القصَّتينِ. وكذلك زِيادةُ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ هنا، ولم يُحْكَ في سُورةِ (النَّملِ)، وهو تأكيدٌ لِمُفادِ وَلَا تَخَفْ. وفيه زِيادةُ تَحقيقِ أمْنِه بما دلَّ عليه التَّأكيدُ بـ (إنَّ)، وجَعْلِه مِن جُملةِ الآمِنينَ؛ فإنَّه أشَدُّ في تَحقيقِ الأمْنِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّك آمِنٌ [460] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/113). ؛ وذلك لِيَتذكَّرَ أنَّ هناك آمِنينَ، فإذا كان هناك آمِنونَ فإنَّه لا غَرابةَ أنْ تأْمَنَ؛ فالإنسانَ إذا ذُكِّرَ بما حدَثَ لغَيرِه صار أشدَّ طُمأنينةً في حُصولِ ذلك الشَّيءِ، ونَظيرُه بالعَكْسِ، هو قولُ فِرعونَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29]، ولم يقُلْ: لَأسجُنَنَّك؛ لأجْلِ أنْ يُرْهِبَه بأنَّ عندَه مَن هو مَسجونٌ، وأنَّه ليس يُعجِزُنا أنْ نَسجُنَك. والحاصلُ: أنَّ مِثلَ هذا يُقالُ مِن أجْلِ أنْ يَتذكَّرَ مُوسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ هناك أناسًا آمِنينَ، فيَأمَنَ أكثرَ [461] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 151). .
4- قولُه تَعالَى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
- قد جُعِلَ الجَناحُ -وهو اليَدُ- في أحدِ الموضِعَين مَضمومًا، وفي الآخَرِ مَضمومًا إليه؛ وذلك قولُه هنا: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ، وقولُه في سُورةِ (طه): وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ [طه: 22]؛ لأنَّ المُرادَ بالجَناحِ المضمومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبالمَضمومِ إليه اليدُ اليُسرى، وكلُّ واحدةٍ مِن يُمْنى اليدينِ ويُسراهما جَناحٌ [462] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/409)، ((تفسير الرازي)) (24/595)، ((تفسير أبي حيان)) (8/303)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/321، 322). .
- قولُه: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ، أي: انْكفِفْ عن التَّخوُّفِ مِن أمْرِ الرِّسالةِ. وفي الكلامِ إيجازٌ، وهو ما دَلَّ عليه قولُه بعْدَه: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص: 33]، فقولُه: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ في معنَى قولِه تعالى: بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [463] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/114). [القصص: 35].
- قولُه: مِنْ رَبِّكَ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: كائنانِ منه، وكذلك قولُه: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: مُرْسَلانِ، أو واصِلانِ إليهم [464] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/197). . وقيل: يتعلَّقُ بمَحذوفٍ دَلَّ عليه المعنى، تَقديرُه: اذهَبْ إلى فِرعونَ... [465] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/304). .
- قولُه: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ تَعليلٌ لجُملةِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ؛ لِتَضمُّنِها أنَّهم بحيث يُقرَعونَ بالبراهينِ، فبيَّنَ أنَّ سببَ ذلك تَمكُّنُ الكُفرِ مِن نُفوسِهم حتَّى كان كالجِبِلَّةِ فيهم، وبه قِوامُ قَوْمِيَّتِهم؛ لِمَا يُؤذِنُ به قولُه: كَانُوا، وقولُه: قَوْمًا [466] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/115). .
- قولُه: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ... إلى قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص: 30 - 32]، تقدَّمَ مِثلُ هذا في سُورةِ (النَّملِ)، إلَّا مُخالفةَ ألْفاظٍ؛ مِثلُ أَتَاهَا هنا وجَاءَهَا [النمل: 8] هناك، إِنِّي أَنَا اللَّهُ هنا، إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ [النمل: 9] هناك، بضَميرٍ عائدٍ إلى الجَلالةِ هنالك، وضَميرُ الشَّأنِ هنا، وهما مُتساويانِ في المَوقعِ؛ لأنَّ ضَميرَ الجلالةِ شأْنُه عظيمٌ. وقولُه هنا: رَبِّ الْعَالَمِينَ، وقولُه هنالك: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: 9]، وهذا يَقْتضي أنَّ الأوصافَ الثَّلاثةَ قِيلَت له حينَئذٍ. والقولُ في نُكتةِ تَقديمِ صِفةِ اللهِ تعالى قبْلَ إصدارِ أمْرِه له بإلقاءِ العصَا: أنَّ وصْفَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يدُلُّ على أنَّ جميعَ الخلائقِ مُسَخَّرةٌ له؛ لِيَثْبُتَ بذلك قلْبُ مُوسى مِن هَولِ تلقِّي الرِّسالةِ. وَأَنْ أَلْقِ هنا، وَأَلْقِ هناك [النمل: 10]، واسْلُكْ هنا، وَأَدْخِلْ هناك [النمل: 12]، وتلك المُخالَفةُ تفنُّنٌ في تَكريرِ القصَّةِ؛ لِتُجدِّدَ نَشاطَ السَّامعِ لها، وإلَّا زِيادةَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [467] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/112). .
5- قولُه تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ جَرَى التَّأكيدُ على الغالِبِ في استِعمالِ أمثالِه مِن الأخبارِ الغريبةِ؛ لِيَتحقَّقَ السَّامعُ وُقوعَها، وإلَّا فإنَّ اللهَ قد عَلِمَ ذلك لَمَّا قال له: (اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)، والمعنى: فأخافُ أنْ يَذكُروا قَتْليَ القِبطيَّ فيَقْتُلوني؛ فهذا كالاعتِذارِ، وهو يَعلَمُ أنَّ رِسالةَ اللهِ لا يُتخلَّصُ منها بعُذرٍ، ولكنَّه أرادَ أنْ يَكونَ في أمْنٍ إلهيٍّ مِن أعدائِه؛ فهذا تَعريضٌ بالدُّعاءِ، ومُقدِّمةٌ لطَلبِ تأْييدِه بهارونَ أخيهِ [468] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/115). .
6- قولُه تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ هذا سُؤالٌ صَريحٌ يدُلُّ على أنَّ مُوسى لا يُريدُ بالأوَّلِ التَّنصُّلَ مِن التَّبليغِ، ولكنَّه أراد تأْييدَه بأخيه. وإنَّما عيَّنَه ولم يَسأَلْ مُؤيِّدًا ما؛ لعِلْمِه بأمانتِه وإخلاصِه للهِ ولأخيهِ، وعِلْمِه بفَصاحةِ لِسانِه [469] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/116). .
- وجُملةُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ تَعليلٌ لسُؤالِ تأْييدِه بهارونَ؛ فهذه مَخافةٌ ثانيةٌ مِن التَّكذيبِ، والأُولى مَخافةٌ مِن القتْلِ [470] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/116). . ولَمَّا كان جُلُّ غَرضِه عليه السَّلامُ الدِّينَ، وكان يُؤْثِرُه على حَظِّ نفْسِه؛ جاء بـ (إنَّ) في هذا التَّعليلِ، وبالفاءِ في الأوَّلِ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ؛ لأنَّه تَعليلٌ لتَصديقِ القَومِ، كأنَّه قِيل: أرْسِلْه معي رِدْءًا لِأنْ يُصدِّقَني قَومي؛ لأنِّي أخافُ أنْ يُكذِّبونِي [471] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/55). .
7- قَولُه تعالى: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
- قَولُه: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ لَمَّا أكَّدَ أمْرَ الطَّلبِ بهارونَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أكَّد له سُبحانَه أمْرَ الإجابةِ بقولِه مُستأنِفًا: قَالَ سَنَشُدُّ، وذَكَر أَوْلَى الأعضاءِ بمُزاولةِ المَكارِهِ، فقال: عَضُدَكَ؛ فشَدُّ عَضُدِه كِنايةٌ عن تَقويتِه؛ لأنَّ اليَدَ تشتَدُّ بشِدَّةِ العَضُدِ [472] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/486)، ((تفسير الألوسي)) (20/78). .