موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (26-28)

ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ

غَريبُ الكَلِماتِ:


اسْتَأْجِرْهُ: الاستِئجارُ: طَلَبُ الشَّيءِ بالأُجرةِ، وأصلُ (أجر) هنا: يدُلُّ على الكِراءِ على العَمَلِ [329] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/62)، ((المفردات)) للراغب (ص: 65). .
حِجَجٍ: أي: سِنينَ، جمعُ حِجَّةٍ، وأصلُ (حج): يدُلُّ على قَصدٍ، لَمَّا كان الحَجُّ في السَّنةِ لا يكونُ إلَّا مرَّةً واحدةً، فكأنَّ العامَ سُمِّيَ بما فيه مِن الحَجِّ حِجَّةً [330] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/229)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/31)، ((تفسير ابن كثير)) (6/230)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 328). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى مبَيِّنًا ما أشارَتْ به إحدَى الفتاتينِ على أبيها: قالت إحدى المرأتَينِ: يا أبتِ استأجِرْ هذا الرَّجُلَ؛ لِرَعيِ غَنَمِنا وسَقْيِها، إنَّ خيرَ مَن تستأجِرُه القويُّ الأمينُ. قال الأبُ لموسى: إنِّي أريدُ أنْ أُزَوِّجَك إحدى ابنَتَيَّ هاتينِ على أن ترعَى لي الغنَمَ ثمانيَ سِنينَ، فإنْ أتممْتَ المدَّةَ إلى عشْرِ سِنينَ فذلك تفضُّلٌ وإحسانٌ منك، وما أُريدُ أن أُكَلِّفَك ما يَشُقُّ عليك، ستَجِدُني إن شاء الله مِن الصَّالحينَ.
قال موسى له: ذلك الذي اتَّفَقْنا عليه واجِبٌ بيْني وبيْنَك، على كُلِّ واحدٍ مِنَّا الوفاءُ لصاحِبِه بما أوجَبَ له على نفْسِه، أيَّ الأجلينِ -الثَّماني أو العَشر سِنينَ- قضَيْتُ، فليس لك أن تَظلِمَني وتُطالِبَني بأكثَرَ مِن ذلك، واللهُ على ما قُلْنا حفيظٌ وشاهِدٌ.

تَفسيرُ الآياتِ:


قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26).
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ.
أي: قالت إحدَى المرأتينِ اللَّتينِ سقَى لهما موسى عليه السَّلامُ: يا أبتِ استأجِرْ هذا الرَّجُلَ؛ لِرَعيِ غَنَمِنا وسَقْيِها [331] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/224)، ((تفسير ابن كثير)) (6/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). .
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
أي: إنَّ خيرَ مَن تَستأجِرُه القَويُّ على عَمَلِه، الأمينُ الَّذي لا يَخونُ ما ائتُمِنَ عليه [332] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/224)، ((الوسيط)) للواحدي (3/396)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/380)، ((تفسير السعدي)) (ص: 614). قال ابن الجوزي: (وإِنَّما سمَّتْه قويًّا، لرفعِه الحجَرَ على رأسِ البئرِ. وقيل: لأنَّه استقَى بدَلْوٍ لا يُقِلُّها إِلَّا العددُ الكثيرُ مِن الرِّجالِ، وسمَّتْه أمينًا؛ لأنَّه أمَرَها أن تمشيَ خلفَه). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/380). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للزَّجَّاج (4/141)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/269). وقيل: الأمانةُ والقوةُ أُخِذَتا مِن سَقْيِه، فأمَّا القوَّةُ فعُرِفتْ مِن نزعِه الدَّلْوَ، وأمَّا الأمانةُ فلِكَونِه يَسْقي سقيًا كاملًا، فيدَعُ الغنَمَ حتَّى تَروَى، ولأنَّه لم يأخذْ شيئًا منها. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 107). .
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27).
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ.
أي: قال أبو المرأتَينِ لِموسى: إنِّي أُريدُ أن أزَوِّجَك إحدى ابنتَيَّ هاتينِ على أن ترعى لي الغَنَمَ ثمانيَ سِنينَ [333] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/229)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 817)، ((تفسير ابن جزي)) (2/112)، ((تفسير ابن كثير)) (6/229، 230)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ.
أي: فإنْ أتممْتَ رعْيَ أغنامي عَشْرَ سِنينَ، فهذه الزِّيادةُ تفَضُّلٌ وإحسانٌ منك، وليسَت بواجبةٍ عليك [334] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/229)، ((البسيط)) للواحدي (17/377)، ((تفسير ابن كثير)) (6/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ.
أي: وما أُريدُ أن أكَلِّفَك ما يَشُقُّ عليك [335] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/229)، ((البسيط)) للواحدي (17/377)، ((تفسير ابن كثير)) (6/230)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 113). قال السَّعدي: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ فأُحَتِّمَ عَشْرَ السِّنينَ، أو ما أُريدُ أن أستأجِرَك لأُكَلِّفَك أعمالًا شاقَّةً، وإنَّما استأجِرُك لعمَلٍ سَهلٍ يسيرٍ لا مشَقَّةَ فيه). ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
أي: ستَجِدُني إن شاء اللهُ مِنَ الصَّالحينَ في حُسنِ المعاملةِ والصُّحبةِ، ولِينِ الجانبِ، والوفاءِ بالمعاهدةِ [336] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/229)، ((تفسير البيضاوي)) (4/176)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/109). قال الزمخشري: (المرادُ باشتراطِ مَشيئةِ الله فيما وعَدَ مِن الصَّلاحِ: الاتِّكالُ على توفيقِه فيه ومعونتِه، لا أنَّه يَستعمِلُ الصَّلاحَ إنْ شاء الله، وإنْ شاء استعمَلَ خِلافَه!). ((تفسير الزمخشري)) (3/405). .
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28).
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
أي: قال موسى لأبي المرأتينِ: ذلك الذي قُلْتَه وشارَطْتَني عليه قد رَضِيتُ به، وتمَّ فيما بيْني وبيْنَك، لا يَخرُجُ كِلانا عنه؛ لا أنا عمَّا شَرَطْتَ علَيَّ، ولا أنت عمَّا شرَطْتَ على نفْسِك، وعلى كلِّ واحدٍ مِنَّا الوفاءُ لصاحِبِه [337] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/230)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 817)، ((تفسير الزمخشري)) (3/405)، ((تفسير ابن كثير)) (6/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/109). .
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ.
أيْ: أيَّ أجَلٍ مِن الأجَلَينِ قَضَيتُ -أطولَهما الذي هو العَشرُ، أو أقصَرَهما الَّذي هو الثَّمانِي- فليس لك أن تَظلِمَني وتعتدِيَ علَيَّ، فتُطالِبَني بأكثَرَ مِن ذلك [338] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/230)، ((البسيط)) للواحدي (17/378، 379)، ((تفسير ابن كثير)) (6/230، 231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615). .
وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ.
أي: واللهُ على ما قُلْنا وتعاقَدْنا عليه حَفيظٌ وشاهدٌ علينا، مُراقِبٌ لنا؛ فليس لأيٍّ مِنَّا الخروجُ عن شَيءٍ ممَّا اتفَقْنا عليه [339] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/232)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 817)، ((تفسير الشوكاني)) (4/196)، ((تفسير السعدي)) (ص: 615)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 118). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ مشورةُ الأدنَى للأعلَى؛ لِقَولِها: اسْتَأْجِرْهُ؛ لأنَّ الأمرَ هنا ليس للإلزامِ، ولكنْ للمَشورةِ والعَرْضِ؛ فقد يكونُ الأدنَى أعلَى مِن الأعلَى في بعضِ الأمورِ، كما أنَّ المفضولَ قد يكونُ أفضلَ مِن الفاضلِ في بعضِ الأمورِ [340] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 109). ، ويُستفادُ بيانُ أنَّ مَشورةَ الإنسانِ على أبيه لا تُعَدُّ مِنَ التَّنقُّصِ له [341] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 120). .
2- في قَولِه تعالى: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ تَلَطُّفُ هذه المرأةِ في مُخاطبةِ أبيها؛ لِقَولِها: يَا أَبَتِ، ولهذا قالوا: لا ينبغي للإنسانِ أنْ يُناديَ والدَه باسمِه، كأنْ يقولَ مثلًا: يا عبدَ الرَّحمنِ! يا عبدَ العزيزِ! وما أشبَهَ ذلك، حتى إنَّ بعضَهم يقولُ: إذا نادى أباه باسمِه يُعَزَّرُ؛ لأنه نوعٌ مِن الاحتقارِ له، وأمَّا الخبرُ عنه باسمِه فلا بأسَ، مِثْلَ أنْ يقولَ: قال فُلانٌ، فلا حَرَجَ؛ ولهذا كثيرًا ما نَسمَعُ في الأحاديثِ أنَّ ابنَ عُمَرَ يقولُ: «قال عُمَرُ» وما أشبَهَ ذلك، وهذا لا بأسَ به، بخِلافِ النداءِ؛ فالنِّداءُ له حالٌ، والخبرُ له حالٌ أخرى [342] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 120). .
3- في قَولِه تعالى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الاستِثناءُ في غيرِ الدُّعاءِ [343] عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إذا دعا أحدُكم فلْيَعْزِمِ المسألةَ، ولا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئتَ فأَعْطِني؛ فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ له)). رواه البخاري (6338)، ومسلم (2678). وعن أبي هُرَيرةَ رضيَ الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((لا يَقُولَنَّ أحدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئتَ، اللَّهُمَّ ارحَمْني إنْ شِئتَ، لِيَعْزِمِ المسألةَ؛ فإنَّه لا مُكْرِهَ له)). رواه البخاري (6339) واللفظ له ومسلم (2679). ، وقد قال إسماعيلُ لأبيه إبراهيمَ عليهما السَّلامُ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102]، وقال موسى للخَضِرِ عليهما السَّلامُ: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف: 69]. والاستِثناءُ في غيرِ الدُّعاءِ توحيدٌ وتفويضٌ إلى الله، وبَراءةٌ مِنَ الحَوْلِ والقوَّةِ [344] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 203، 204). .
4- يُستفادُ مِن قَولِه تعالى:   سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أنَّه لا ينبغي للمَرءِ أنْ يَعزِمَ على فِعلِ الشَّيءِ إلَّا مَقرونًا بالمشيئةِ، بل إنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى نهى نبيَّه أن يَعزِمَ على فِعلِ الشَّيءِ بدونِ قَرْنِه بالمشيئةِ، فقال تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [345] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 127). [الكهف: 23، 24].
5- أنَّ مِن مكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُحسِنَ المرءُ خُلُقَه لأجيرِه وخادمِه، ولا يَشُقَّ عليه بالعَمَلِ؛ لِقَولِه تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، فصاحِبُ مَدْيَنَ قد رَغَّب موسى عليه السَّلامُ في سهولةِ العملِ، وفي حُسنِ المعامَلةِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ الرَّجُلَ الصَّالحَ ينبغي له أن يُحسِنَ خُلُقَه مهما أمْكَنَه، وأنَّ الَّذي يُطلَبُ منه أبلَغُ مِن غيرِه [346] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 615، 619). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- العِبرةُ مِن سِياقةِ هذا الجُزءِ مِن القِصَّةِ المُفتتَحِ بقَولِه تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص: 22] إلى قَولِه: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 28] هو ما تضمَّنَتْه مِن فضائِلِ الأعمالِ، ومناقِبِ أهلِ الكمالِ، وكيف هيَّأَ الله تعالى موسى لِتَلَقِّي الرِّسالةِ بأنْ قَلَّبَه في أطوارِ الفَضائِلِ، وما تتضَمَّنُه مِن خِصالِ المروءةِ والفُتوَّةِ التي استكَنَّتْ في نفْسِه؛ مِن فِعلِ المعروفِ، وإغاثةِ الملهوفِ، والرَّأفةِ بالضَّعيفِ، والزُّهدِ، والقَناعةِ، وشُكرِ رَبِّه على ما أسدى إليه، ومِن العَفافِ، والرَّغبةِ في عِشرةِ الصَّالحينَ، والعملِ لهم، والوَفاءِ بالعَقدِ، والثَّباتِ على العَهدِ، حتَّى كان خاتِمةَ ذلك تشريفُه بالرِّسالةِ؛ لِيَعتبِرَ المُشرِكون بذلك -إن كان لهم اعتِبارٌ- في مُقايَسةِ تلك الأحوالِ بأجناسِها مِن أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فيَهتَدوا إلى أنَّ ما عَرَفوه به مِن زَكيِّ الخِصالِ قبْلَ رِسالتِه، وقَويمِ سيرتِه، وزَكاءِ سَريرتِه، وإعانتِه على نوائِبِ الحَقِّ، وتزَوُّجِه بأفضَلِ امرأةٍ مِن نِساءِ قَومِه: إنْ هي إلَّا خِصالٌ فاذَّةٌ فيه بيْنَ قَومِه، وإنْ هي إلَّا بَوارِقُ لانهطالِ سَحابِ الوَحيِ عليه. واللهُ أعلَمُ حيثُ يجعَلُ رِسالاتِه؛ ولِيأتسيَ المُسلِمونَ بالأُسوةِ الحَسَنةِ مِن أخلاقِ أهلِ النُّبوَّةِ والصَّلاحِ [347] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/110، 111). .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ أنَّ هذين الوَصفَينِ ينبغي اعتبارُهما في كلِّ مَن يَتولَّى للإنسانِ عَمَلًا بإجارةٍ أو غَيرِها؛ فإنَّ الخَللَ لا يكونُ إلَّا بفَقْدِهما أو فَقْدِ إحداهما، وأمَّا باجتماعِهما فإنَّ العَمَلَ يتمُّ ويَكمُلُ [348] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 614). . فهذا الكلامُ كلامٌ جامِعٌ للمَقصودِ؛ لأنَّ مَنِ اجتمَعَت فيه الكفاءةُ والأمانةُ جَديرٌ بتَفويضِ الأشغالِ إليه، والتَّعويلِ في النُّهوضِ بأعبائِها عليه [349] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/527). .
3- في تقديمِ القوَّةِ على الأمانةِ في قَولِه تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ دَليلٌ على أنَّها أهَمُّ مِن الأمانةِ؛ لأنَّه كم مِن إنسانٍ أمينٍ، ولا يُخشى منه الخيانةُ أبدًا، لكِنَّه ضعيفٌ لا يُنتِجُ ولا يُثمِرُ! وكم مِن إنسانٍ قويٍّ في أداءِ عمَلِه، لكِنَّه ضعيفٌ في أمانتِه! فالثَّاني أحسَنُ لإقامةِ العَمَلِ؛ ولهذا تجدُ كثيرًا مِن الناس -الَّذين لَدَيْهم قوَّةٌ وحزمٌ وتصرُّفٌ- تجدُهم يُنتِجونَ مِن الأعمالِ أكثرَ بكثيرٍ مِن قَومٍ ضُعَفاءَ وعِندَهم أمانةٌ [350] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/259). !
4- في قَولِه تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ دَليلٌ على أنَّ ظاهِرَ عَمَلِ الطَّاعةِ في الإنسانِ يُستدَلُّ به على عدالتِه وأمانتِه [351] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/556). .
5- الزَّواجُ مِن سُنَنِ المُرسَلينَ، كما قال الله عزَّ وجَلَّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: 38]، وكما فعَلَ صاحِبُ مَدْينَ مع موسى بنِ عِمْرانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حينَ قال له: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [352] يُنظر: ((اللقاء الشهري)) لابن عثيمين (اللقاء رقْم: 76). .
6- في قولِه تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إلى آخرِ الآياتِ: اعتِبارُ الإيجابِ والقَبولِ في عقْدِ النِّكاحِ [353] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 203). : الإيجابِ مِن صاحِبِ مَدْيَنَ؛ لِقَولِه: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي [القصص: 27]، والقَبولِ مِن موسى، بقَولِه: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، ومعناه: إنِّي مُوافِقٌ وقابِلٌ [354] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 115). .
7- قال الله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ احتَجَّ بها بعضُهم على جوازِ أنْ يُكتَبَ في الصَّدَاقِ «أنكَحْتُه إيَّاها»، خلافًا لِمَنِ اختارَ «أنكحتُها إيَّاه» قائلًا: لأنَّه إنَّما يملكُ النِّكاحَ عليها لا عليه [355] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 204). ويُنظر أيضًا: ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/407). !
8- قَولُه تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ استُدِلَّ به على أنَّ اليَسارَ لا يُعتبَرُ في الكفاءةِ؛ فإنَّ موسى عليه السَّلامُ كان حينَئذٍ فَقيرًا [356] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 204). .
9- قال صاحِبُ مَدْيَنَ لموسى عليه السَّلامُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ولم يقُلْ: (أنكَحْتُك على أن تَأْجُرَني)، وهذا يدُلُّ على أنَّ العُقودَ تنعقِدُ بما دلَّ عليها؛ لأنَّ الإرادةَ عن الشَّيءِ ليست هي الشَّيءَ؛ ولذلك فلو قال الرَّجُلُ لامرأتِه: أُريدُ أنْ أُطَلِّقَكِ، فلا يكونُ طلاقًا؛ لأنَّ الإرادةَ غيرُ الفِعلِ، لكِنْ هذا يدُلُّ على القَولِ الرَّاجِحِ، وهو أنَّ العُقودَ تنعَقِدُ بما دلَّ عليها، وليس لها صِيغةٌ مُعَينةٌ، حتى إنَّه رُبَّما تنعقِدُ بالفِعلِ كما في انعقادِ البَيعِ بالمُعاطاةِ [357] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 116). .
10- قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ  ... الآيةَ. فيه عَرْضُ الوليِّ ابنتَه على الرَّجلِ، وهذه سُنَّةٌ قائمةٌ؛ عرَضَ صالحُ مَدْيَنَ ابنتَه على صالحِ بني إسرائيلَ، وعرَض عمرُ بنُ الخطَّابِ ابنتَه حفصةَ على أبي بكرٍ وعثمانَ، قال ابنُ عمرَ: لَمَّا تأيَّمَتْ حفصةُ قال عمرُ لعثمانَ: إنْ شِئْتَ أنكحْتُك حفصةَ بنتَ عمرَ... الحديثَ [358] أخرجه البخاري (4005). . فمِنَ الحسَنِ عَرْضُ الرَّجُلِ وليَّتَه على الرَّجلِ الصَّالحِ؛ اقتِداءً بالسَّلفِ الصَّالحِ [359] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/271). .
11- في قَولِه تعالى: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ دليلٌ على أنَّ وَلِيَّ البنتِ في التَّزويجِ أبوها [360] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/561). ، فالإنكاحُ إلى الوَليِّ، لا حقَّ للمرأةِ فيه، خِلافًا لأبي حَنيفةَ في بعضِ صُوَرِه، بأنْ تكونَ بالغةً عالِمةً بمصالحِ نفْسِها؛ فإنَّها تَعقِدُ على نفْسِها بمَحضَرٍ مِن الشُّهودِ [361] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/299). لا يصِحُّ النِّكاحُ بدونِ وليٍّ، وهو مذهبُ الجمهورِ. يُنظر: ((الشرح الكبير)) للدردير (2/220)، ((روضة الطالبين)) للنووي (7/50)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (5/48). وذلك خلافًا للحنفيَّةَ. يُنظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهُمام (3/255). !
12- قال تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ استدَلَّ مالكٌ بهذه الآيةِ على إنكاحِ البكرِ بغيرِ استئمارٍ؛ لأنَّه لم يَذكُرْ فيها استِئْمارًا [362] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/407). قال ابن العربي: (وقال به الشَّافعيُّ، وكثيرٌ مِنَ العلماءِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا بلغَتِ الصَّغيرةُ فلا يُزَوِّجُها أحدٌ إلَّا برِضاها؛ لأنَّها بلغَتْ حدَّ التَّكليفِ، فأمَّا إذا كانت صغيرةً فإنَّه يُزَوِّجُها بغيرِ رِضاها؛ لأنَّه لا إذْنَ لها، ولا رِضاءَ، بغيرِ خِلافٍ). ((أحكام القرآن)) (3/506). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/271)، ((تفسير أبي حيان)) (8/299). ، وهو أخذٌ بظاهرِ الآيةِ [363] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/109). ثمَّ قال: (ولِمَن يَمنَعُ ذلك أن يقولَ: إنَّ عدَمَ التَّعرُّضِ له لا يَقتضي عدَمَ وُقوعِه). ((المصدر السابق)). .
13- في قَولِه تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي أنَّه تجوزُ الإجارةُ بالمَنفعةِ، ولو كانتِ المنفعةُ بُضعًا [364] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). .
14- قولُه تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي دلَّ على أنَّه يجوزُ أن يُشْرَطَ لِلْوَليِّ منفعةٌ وعلى أنَّ عَقدَ النِّكاحِ لا تُفسِدُه الشُّروطُ التي لا يُوجِبُها العَقدُ [365] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/591)، ((تفسير ابن عادل)) (15/243). .
15- قولُه تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي استُدِلَّ به على صِحَّةِ الإجارةِ بالطُّعمةِ والكِسوةِ،كما جرَتْ به العادةُ [366] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/230)، ((تفسير ابن عادل)) (15/243). .
16- قَولُه تعالى: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فيه جوازُ الإجارةِ على كلِّ عملٍ معلومٍ في نفعٍ معلومٍ أو زمنٍ مسمًّى، وأنَّ مَرَدَّ ذلك إلى العُرفِ [367] يُنظر: ((تيسير اللطيف المنان)) للسعدي (1/229). .
17- في قَولِه تعالى: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ دَليلٌ على أنَّ الإجارةَ على ما لا يمكِنُ أن يَخلُصَ مِن المجهولِ، وليس في وُسْعِ الأجيرِ والمستأجِرِ: جائزةٌ حلالٌ لا يُفسِدُها المجهولُ الَّذي لا يمكِنُ تَعريتُها منه؛ إذ لو جَهِدَ الرَّاعي أو صاحِبُ الغنَمِ أنْ يُسَمِّيَا موضِعَ المَرْعَى والمسرَحِ، ومِقدارَه، والسَّقْيَ وأورادَه؛ ما قَدَروا عليه بوجهٍ مِن الوُجوهِ [368] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/561). .
18- في قَولِه تعالى: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ أنَّه يجوزُ أنْ يَجعلَ الإنسانُ العَمَلَ عَمَلينِ: عَمَلًا واجبًا، وعَمَلًا تبَرُّعًا؛ فيجوزُ للإنسانِ أنْ يَطلُبَ استئجارَ شَيءٍ ما -مثلًا- عَشْرَ سنَواتٍ بالأجْرِ، وسَنَتينِ تبَرُّعًا مِن صاحبِها برَغبتِه ومَشيئتِه [369] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 126). .
19- قَولُ الله تعالى حِكايةً عن صاحِبِ مَدْيَنَ مُخاطِبًا موسى عليه السَّلامُ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ليس هذا مِن تزكيةِ النَّفْسِ المَنهيِّ عنه؛ لأنَّ المَنْهيَّ عنه ما قَصَد به قائِلُه الفَخرَ والتَّمَدُّحَ؛ فأمَّا ما كان لغَرَضٍ في الدِّينِ أو المعامَلةِ، فذلك حاصِلٌ لداعٍ حَسَنٍ، كما قال يوسُفُ عليه السَّلامُ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [370] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/109). [يوسف: 55].
20- قَولُه تعالى: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ استُدِلَّ به على أنَّ العُقودَ ليست لها صِيَغٌ مُعَيَّنةٌ، فتَنعَقِدُ بما دَلَّتْ عليها، وكذلك الفُسوخُ، وكذلك الوِلاياتُ؛ كلُّ التصَرُّفاتِ مِن عُقودٍ وفُسوخٍ ووِلاياتٍ فإنَّها تَصِحُّ بما دلَّ عليها، ولا يُشتَرطُ لها لَفظٌ مُعَيَّنٌ، بل تجري على ما يَتعارَفُه النَّاسُ بيْنَهم [371] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 129). .
21- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أنَّ العُقودَ عهودٌ في الحقيقةِ، وهو كذلك؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يَعقِدُ مع شخصٍ فَقَدِ التزَمَ ألَّا يَخونَه، والتزمَ أنْ يفيَ له بمقتضى هذا العَقدِ؛ فيكونُ بذلك عهدًا [372] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 130). .
22- جوازُ عقْدِ الإجارةِ وغيرِها مِن العقودِ مِن دونِ إشهادٍ؛ لِقَولِه: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [373] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 619). واستُدِلَّ بالآيةِ أيضًا على عدمِ اشتراطِ الإشهادِ في النِّكاحِ؛ لأنَّه اكتفَى بشهادةِ الله، ولم يُشهِدْ أحدًا مِن الخلْقِ. يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 204). ويُنظر أيضًا: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/509). لكنَّ مذهبَ الجمهورِ مِنَ الحنفيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلةِ عدَمُ صحَّةِ عَقدِ النِّكاحِ بدونِ شُهودٍ. يُنظر: ((الفتاوى الهندية)) (1/267)، ((روضة الطالبين)) للنووي (7/45)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (5/65). أمَّا المالِكيَّةُ فيَرَوْنَ أنَّ الإشهادَ واجبٌ وهو مندوبٌ عندَ العقدِ، فإن لم يحصُلِ الإشهادُ عندَ العقدِ فإنَّه يكونُ واجبًا عندَ البناءِ، وإن بنى بها بدونِ إشهادٍ فُسِخَ النِّكاحُ بطلقةٍ مِن قِبَلِ الحاكِمِ. يُنظر: ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (2/216). .
23- في قَولِه تعالى: عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ جوازُ تخصيصِ العمومِ لغَرَضٍ، أي: جوازُ تعليقِ الشَّيءِ العامِّ بأمرٍ خاصٍّ بغَرَضٍ؛ فإنَّ قَولَه: عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يقتضي تخصيصَ وكالةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى بما قالاهُ فقط، ولكِنَّ الأمرَ ليس كذلك، إنَّما خُصِّصَ هذا لغَرَضِ العنايةِ به [374] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 131). .
24- في قَولِه تعالى: عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ جوازُ إشهادِ اللهِ على العَقدِ، ولكنْ شرعًا لا يُقتصَرُ على ذلك، لكنْ باطنًا فيما بيْنَهم وبيْنَ اللهِ يُكتفى به؛ ويستفيدُ الرَّجُلُ إذا أشهدَ اللهَ أو جَعَلَه الوكيلَ الحفيظَ المراقِبَ أنْ يُذَكِّرَ بانتقامِ اللهِ منه إذا خالَفَ أو خان؛ فمَن أشهدَ اللهَ ثمَّ خان فقد استَخَفَّ به، وهي كذلك في حقِّ المخلوقينَ، فما بالُك أنْ تكونَ في حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ [375] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 131). ؟!

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ حُذِفَ ما لَقِيَه مُوسى مِن الجَزاءِ بإضافتِه وإطعامِه، وانتُقِلَ منه إلى عَرضِ إحدَى المرأتينِ على أبِيها أنْ يَستأجِرَه للعملِ في ماشِيَتِه؛ إذ لم يكُنْ لهم ببَيتِهم رجُلٌ يقومُ بذلك، وقد كبِرَ أبوهما، فلمَّا رأتْ أمانتَه ووَرَعَه رأتْ أنَّه خيرُ مَن يُسْتأجَرُ للعملِ عندَهم؛ لقُوَّتِه على العملِ وأمانتِه [376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/105). .
- قولُه: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ تَعليلٌ جارٍ مَجرى الدَّليلِ على أنَّه حَقيقٌ بالاستِئجارِ [377] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/10)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/105). . وهو أيضًا كلامٌ حكيمٌ جامعٌ؛ لأنَّه إذا اجتَمَعتْ هاتانِ الخَصْلتانِ -الكِفايةُ والأمانةُ- في القائمِ بالأمرِ، فقد فرَغَ البالُ، وتمَّ المُرادُ، وقد اسْتغْنَتْ بإرسالِ هذا الكلامِ الذي سِياقُه سِياقُ المثَلِ والحِكمةِ أنْ تقولَ: استأْجِرْه لِقُوَّتِه وأمانتِه. وهو أيضًا أجمَلُ في مَدْحِ النِّساءِ للرِّجالِ مِن المدْحِ الخاصِّ، وأبْقَى للحِشْمةِ، وخُصوصًا إنْ كانتْ فَهِمَتْ أنَّ غرَضَ أبِيها أنْ يُزَوِّجَها منه [378] يُنظر: ((تفسير الزمخشري – حاشية ابن المنير)) (3/403)، ((تفسير أبي حيان)) (8/299)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/105)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/308). .
- وأيضًا مَجِيءُ هذا العمومِ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ عقِبَ الحديثِ عن شخصٍ مُعيَّنٍ يُؤذِنُ بأنَّ المُتحدَّثَ عنه ممَّن يَشمَلُه ذلك العمومُ؛ فكان ذلك مُصادِفًا المَحَزَّ مِن البلاغةِ؛ إذ صار إثباتُ الأمانةِ والقوَّةِ لهذا المُتحدَّثِ عنه إثباتًا للحُكمِ بدليلٍ، فتَقديرُ معنى الكلامِ: استأْجِرْه؛ فهو قويٌّ أمينٌ، وإنَّ خيرَ مَنِ استأْجَرَ مُستأْجِرٌ القَويُّ الأمينُ؛ فكانت الجُملةُ مُشتمِلةً على خُصوصيَّةِ تَقديمِ الأهَمِّ، وعلى إيجازِ الحذْفِ، وبذلك استوَفَتْ غايةَ مُقْتضى الحالِ؛ فكانتْ بالِغةً حدَّ الإعجازِ [379] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/106). .
- وجُعِلَ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ اسمًا لـ (إنَّ)، وجُعِلَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ خبرًا، مع صِحَّةِ جَعلِ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ هو اسم (إنَّ) -فإنَّهما مُتساويانِ في المعرفةِ- مِن حيثُ إنَّ المُرادَ بالتَّعريفِ في الموصولِ المُضافِ إليه خَيْرَ، وفي المُعرَّفِ باللَّامِ هنا: العُمومُ في كِلَيهما؛ فأُوثِرَ بالتَّقديمِ في جُزأَيِ الجُملةِ ما هو أهَمُّ وأولَى بالعِنايةِ، وهو: خيرُ أجيرٍ؛ لأنَّ الجُملةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّعليلِ لجُملةِ اسْتَأْجَرْتَ، فوَصْفُ الأجيرِ أهَمُّ في مَقامِ تَعليلِها، ونفْسُ السَّامعِ أشدُّ تَرقُّبًا لحالِه. أو هو مِن القَلْبِ للمُبالَغةِ. ولَمَّا كان مُقْتضى الحالِ -أي: شَيخوختُه وحياؤُهما- هو الَّذي أوجَبَ قَيِّمًا يَهتَمُّ بها، ومُستأْجَرًا يَستأجِرونه لها؛ كان ذلك مطلوبًا لِذَاتِه، وكانت القوَّةُ والأمانةُ تابعتينِ له تُعرَفُ بالذَّوقِ. أو يُقال: إنَّ الفاصلةَ هي التي استَدْعَت تأخيرَ الْأَمِينُ، والْأَمِينُ اسْتَدْعى مُقارَنةَ الْقَوِيُّ معه [380] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/403، 404)، ((تفسير البيضاوي)) (4/175)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/38)، ((تفسير أبي السعود)) (7/10)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/105، 106). .
- وورَدَ الفِعلُ اسْتَأْجَرْتَ بلَفظِ الماضي؛ للدَّلالةِ على أنَّه أمْرٌ قد جُرِّبَ وعُرِفَ [381] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/406). .
2- قَولُه تعالى: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
- في قولِه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ إيجازٌ بَليغٌ؛ فحَقيقةُ: شقَقْتُ عليه، وشقَّ عليه الأمْرُ: أنَّ الأمرَ إذا تَعاظَمَك، فكأنَّه شقَّ عليك ظنُّك باثنَينِ؛ تقولُ تارةً: أُطِيقُه، وتارةً: لا أُطِيقُه، فهو مُترجِّحٌ بيْن اليأسِ والرَّجاءِ [382] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/405)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/310). .
3- قَولُه تعالى: قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
- قولُه: قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وقَعَتْ (ما) في أَيَّمَا صِلَةً للتَّأكيدِ؛ لِيَصيرَ الموصولُ شَبيهًا بأسماءِ الشَّرطِ؛ لأنَّ تأكيدَ (ما) في اسمِ الموصولِ مِن الإبهامِ يُكسِبُه عُمومًا، فيُشْبِهُ الشَّرطَ؛ فلذلك جُعِلَ له جوابٌ كجَوابِ الشَّرطِ [383] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/406)، ((تفسير أبي حيان)) (8/300)، ((تفسير أبي السعود)) (7/11)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/110). .
- وقولُه: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ أبلَغُ في إثباتِ الخِيَرةِ، وتَساوي الأجَلَينِ في القضاءِ مِن أنْ يُقالَ: (إنْ قضَيْتُ الأقصَرَ فلا عُدوانَ علَيَّ) [384] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/176)، ((تفسير أبي السعود)) (7/10). .