موسوعة التفسير

سورةُ لُقمانَ
الآيتان (14-15)

ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ

غَريبُ الكَلِماتِ:


وَهْنًا: أي: ضَعْفًا، وأصلُ (وهن): يدُلُّ على ضَعفٍ [158] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 344)، ((تفسير ابن جرير)) (18/550)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/149)، ((المفردات)) للراغب (ص: 887)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 336). .
وَفِصَالُهُ: أي: فِطامُه، وأصلُ (فصل): يدُلُّ على تمييزِ الشَّيءِ مِن الشَّيءِ، وإبانتِه عنه [159] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 344)، ((تفسير ابن جرير)) (18/551)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/505)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 294)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 336). .
أَنَابَ: أي: رجَعَ وتابَ، وأصلُ (نوب): يدُلُّ على اعتيادِ مكانٍ، ورُجوعٍ إليه [160] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 341)، ((تفسير ابن جرير)) (18/554)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 66)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/367)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 251). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قولُه تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
قَولُه: وَهْنًا مَنصوبٌ على الحالِ مِن أُمُّهُ أي: ذاتَ وَهْنٍ، أو مَوهونةً؛ أو مِن مَفعولِ حَمَلَتْهُ وهو: الولدُ، أي: حملَتْه ضعيفًا؛ عَلَقةً، ثمَّ نُطْفةً، ثُمَّ مُضغةً. وعَلَى وَهْنٍ مُتعَلِّقٌ بمَحذوفٍ صِفةٌ لـ وَهْنًا.
قَولُه تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي: (أنْ) مُفَسِّرةٌ لِفِعلِ (وَصَّينا)؛ لأنَّ فيه معنى القَولِ دونَ حُروفِه، وجملةُ (اشكُرْ) تفسيريَّةٌ لا محَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويجوزُ أن تكونَ (أن) مَصدريَّةً في مَوضِعِ نَصبٍ أو جَرٍّ على حَذفِ الخافِضِ، وهو مُتعَلِّقٌ بـ (وصَّينا)، أي: (بأن اشكُرْ)، أو (لأنِ اشكُرْ)، أو يكونُ مَوضِعُ المصدَرِ المؤَوَّلِ: أَنِ اشْكُرْ بدَلَ اشتِمالٍ من (والِدَيه)، كأنَّه قيل: وصَّيْنا الإنسانَ بوالِدَيه بشُكرِهما. وعلى هذه الأوجُهِ يكونُ قَولُه تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ إلى عَامَيْنِ اعتِراضًا للتَّعليلِ مُؤكِّدًا للتَّوصيةِ في حَقِّ الأُمِّ خُصوصًا.
قَولُه: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا مَعْرُوفًا نائِبٌ عن المَصدَرِ مَنصوبٌ على المفعوليَّةِ المُطلَقةِ، صِفةٌ لِمَصدرٍ مَحذوفٌ، أي: صِحابًا، أو مُصاحَبًا مَعروفًا [161] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/196)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/565)، ((التبيان)) للعكبري (2/1044)، ((تفسير ابن عطية)) (4/349)، ((تفسير أبي حيان)) (8/413)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/63)، ((تفسير الألوسي)) (11/85). .

المعنى الإجماليُّ:


 يقولُ الله تعالى مبيِّنًا علوَّ منزلةِ الوالدينِ: وعَهِدْنا إلى الإنسانِ ببِرِّ والِدَيه والإحسانِ إليهما؛ ثمَّ يُبيِّنُ سبحانه السَّببَ الموجبَ لذلك، فيَذكُرُ ما بذَلَتْه الأُمُّ مِن جهدٍ يُوجِبُ الإحسانَ إليها، فيقولُ: حملَتْه أمُّه في بَطنِها، وعانت في حَملِه ضَعْفًا على ضَعفٍ، وثِقْلًا وشِدَّةً، وفِطامُه في عامَينِ مِن وِلادتِه، ووصَّيْنا الإنسانَ بالشُّكرِ لله تعالى، ولِوالِدَيه؛ فإلى الله وَحْدَه لا إلى غَيرِه المرجِعُ والمآبُ، فيَسألُك -أيُّها الإنسانُ- عن شُكرِه وشُكرِ والِدَيك، ويُجازيك على عَمَلِك.
ثمَّ يُبيِّنُ الله سبحانَه حدودَ الطَّاعةِ للوالدينِ، فيقولُ: وإن كان والِداك مُشرِكَينِ، وجاهَداك على أن تُشرِكَ باللهِ ما لا بُرهانَ على صِحَّةِ ألوهيَّتِه؛ فلا تُطِعْهما، وصاحِبْهما في الدُّنيا مُصاحَبةً حَسَنةً.
ثمَّ يرشِدُ سبحانَه إلى وجوبِ اتِّباعِ أهلِ الحقِّ، فيقول: واسلُكْ طَريقَ الَّذين تابوا إلَيَّ، واقتَدِ بهم، ثمَّ إلَيَّ مَصيرُكم جَميعًا -أيُّها النَّاسُ- فأُنَبِّئُكم بجَميعِ أعمالِكم، وأُجازيكم عليها.

تَفسيرُ الآيتَينِ:


وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ لُقمانُ لابنِه أنَّ الشِّركَ ظُلْمٌ، ونهاه عنه؛ كان ذلك حَثًّا على طاعةِ اللهِ، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الطَّاعةَ أيضًا تكونُ للأبوَينِ، وبيَّنَ السَّبَبَ في ذلك [162] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/413). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى ما أوصى به لُقمانُ وَلَدَه مِن شُكرِ المُنعِمِ الأوَّلِ الَّذي لم يَشرَكْه في إيجادِه أحَدٌ، وذكَرَ ما عليه الشِّركُ مِن الفَظاعةِ والشَّناعةِ والبَشاعةِ- أتبَعَه سُبحانَه وصيَّتَه للولَدِ بالوالِدِ؛ لِكَونِه المنعِمَ الثَّانيَ، المتفَرِّدَ سُبحانَه بكَونِه جَعَلَه سَبَبَ وُجودِ الوَلَدِ [163] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/162، 163). .
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.
أي: وعَهِدْنا إلى الإنسانِ وأمَرْناه ببِرِّ والِدَيه، والإحسانِ إليهما [164] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/550)، ((الوسيط)) للواحدي (3/413)، ((تفسير ابن كثير)) (6/336). .
كما قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: 36].
وقال سُبحانَه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... [الإسراء: 23، 24].
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لما خصَّ الله تعالى الأُمَّ بالمشقَّاتِ مِن الحَملِ والنِّفاسِ والرَّضاعِ والتَّربيةِ؛ نبَّه على السببِ الموجِبِ للإيصاءِ بها [165] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/413). ، فقال:
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ.
أي: حمَلَت الأمُّ ولَدَها في بَطنِها، وهي تزدادُ ضَعفًا على ضَعفٍ، وِثقلًا وشِدَّةٍ، إلى أن تضَعَه بمشَقَّةٍ وألمٍ [166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/550)، ((تفسير القرطبي)) (14/64)، ((تفسير ابن كثير)) (6/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ .
أي: وفِطامُ الولَدِ في عامَينِ مِن ولادتِه، فلا ينفَصِلُ مِن أمِّه إلَّا بعدَ عامَينِ، تُعاني فيهما الأمُّ مَشقَّةَ رَضاعِه، وتَربيتِه، والقيامِ على شُؤونِه [167] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/551)، ((تفسير ابن كثير)) (6/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 86). .
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ.
أي: ووصَّيْنا الإنسانَ أنِ اشكُرِ اللهَ على إنعامِه عليك، وذلك بالقيامِ بعُبوديَّتِه وطاعتِه وَحْدَه، وأداءِ حُقوقِه، واشكُرْ والِدَيك على تحمُّلِهما ما لَقِيَا مِنَ المشَقَّةِ، وما بَذَلاه مِنَ الجُهدِ لأجْلِك؛ فأطِعْهما، وأحسِنْ إليهما [168] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/551)، ((الوسيط)) للواحدي (3/443)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648). قال القُشَيْريُّ: (أوجَب الله شُكرَ نفْسِه وشُكرَ الوالدَينِ. ولَمَّا حصَل الإجماعُ على أنَّ شُكْرَ الوالدينِ بدَوامِ طاعتِهما، وألَّا يُكْتَفى فيه بمُجرَّدِ النُّطقِ بالثَّناءِ عليهما؛ عُلِم أنَّ شُكرَ الحقِّ لا يَكفي فيه مجرَّدُ القولِ ما لم تَكُنْ فيه موافقةُ العملِ؛ وذلك بالتِزامِ الطَّاعةِ، واستِعمالِ النِّعمةِ فى وجهِ الطَّاعةِ، دُونَ صَرفِها فى الزَّلَّةِ). ((تفسير القشيري)) (3/131). .
إِلَيَّ الْمَصِيرُ.
أي: إلَيَّ لا إلى غَيري مَرجِعُك -أيُّها الإنسانُ- فأسألُك عن شُكري، وشُكرِ والِدَيك، وأُجازيك على عَمَلِك [169] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/551)، ((تفسير ابن كثير)) (6/336)، ((تفسير الشوكاني)) (4/274)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه وَصِيَّتَه بالوالِدَينِ، وأكَّد حَقَّهما؛ أتبَعَه الدَّليلَ على ما ذَكَر لُقمانُ مِن قَباحةِ الشِّركِ، فقال [170] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/166). :
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا.
أي: وإن اجتَهَد والِداك المُشرِكانِ -أيُّها المسلِمُ- وحَرَصا كُلَّ الحِرصِ على أن تجعَلَ لي شَريكًا، لا بُرهانَ على صِحَّةِ ألوهيَّتِه؛ فلا تُطِعْهما فيما يأمُرانِك به مِنَ الشِّركِ [171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/553)، ((تفسير ابن كثير)) (6/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
عن عليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا طاعةَ في مَعصيةٍ، إنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ)) [172] رواه البخاري (7257) واللفظ له، ومسلم (1840). .
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا.
أي: وصاحِبْهما في الدُّنيا [173] قيل: المرادُ: مُصاحبَتُهما في أمورِ الدُّنيا الَّتي لا تَتعلَّقُ بالدِّينِ مُدَّةَ حياتِهما. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (15/168). قال ابنُ عثيمين: (يحتمِلُ أن يكونَ المرادُ بالدُّنيا شُؤونَها، يعني: في أمورِ الدُّنيا صاحِبْهما مَعروفًا، أمَّا في أمور الدِّينِ فلا تَتعَدَّ ما أمَرَك الله به. ويحتمِلُ أن يكونَ فِي الدُّنْيَا أي: في هذه الدُّنيا. لكِنَّ المعنى الأوَّلَ أبلَغُ؛ لأنَّه مِنَ المعلومِ أنَّ المصاحَبةَ بينَ الوالِدَينِ والولَدِ إنَّما تكونُ في الدُّنيا، فلا حاجةَ إلى التَّقديرِ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 92). مُصاحَبةً حَسَنةً؛ بالإحسانِ إليهما، والطَّاعةِ لهما فيما لا إثمَ فيه عليك [174] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/553)، ((تفسير ابن كثير)) (6/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.
أي: واسلُكْ طَريقَ الَّذين أقبَلوا علَيَّ، ورَجَعوا وتابوا إلَيَّ، واقتَدِ بهم [175] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/553)، ((تفسير القرطبي)) (14/66)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/169)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/161). .
كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115].
وقال سُبحانَه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100].
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
أي: ثمَّ إلَيَّ مَصيرُكم جميعًا -أيُّها النَّاسُ- فأُنَبِّئُكم بجَميعِ أعمالِكم: خَيرِها وشَرِّها [176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/554)، ((تفسير السعدي)) (ص: 648)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/161)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 95، 96). .

الفَوَائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، في قولِه تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ بيانُ عِظَمِ حُقوقِ الوالِدَينِ؛ ولهذا جعَلَها اللهُ وَصيَّةً، والوصيَّةُ: هي أنْ يُعهَدَ إلى شَخصٍ بأمرٍ هامٍّ [177] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 88). ، ثمَّ قال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ أي: بالإحسانِ إليهما؛ بالقَولِ اللَّيِّنِ، والكَلامِ اللَّطيفِ، والفِعلِ الجَميلِ، والتَّواضُعِ لهما، وإكرامِهما وإجلالِهما، والقيامِ بمَؤونتِهما، واجتنابِ الإساءةِ إليهما مِن كُلِّ وَجهٍ، بالقَولِ والفِعلِ [178] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
2- في قَولِه تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ أنَّه يَنبغي أنْ يُذكَرَ للمُخاطَبِ ما يحمِلُه على امتِثالِ ما وُجِّهَ إليه [179] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 88). .
3- في قَولِه تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أنَّه ينبغي تقويةُ الجانبِ الضَّعيفِ بما يُقَوِّيه؛ فإنَّ اللهَ تعالى ذَكَرَ ما يَحسُنُ للأمِّ إغراءً للقيامِ بحَقِّها، ولم يَذْكُرْ ما يَحسُنُ للأبِ؛ لأنَّ الأمَّ ضَعيفةٌ تحتاجُ إلى مَن يُقوِّي جانِبَها [180] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 88). .
4- في قَولِه تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا تَحريمُ طاعةِ الوالِدَينِ إذا أمَرَا بالشِّركِ؛ لِقَولِه تعالى: فَلَا تُطِعْهُمَا، ويُقاسُ على ذلك كلُّ مَعصيةٍ أمَرَا بها، فإنَّهما لا يُطاعان؛ لِقَولِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لا طاعةَ في معصيةِ الله، إنَّما الطاعةُ في المعروفِ)) [181] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 96). والحديث رواه البخاري (7257) واللفظ له، ومسلم (1840). .
5- قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا فأمَرَ اللهُ بمُصاحَبةِ الوالِدَينِ بالمعروفِ في الدُّنيا مع أنَّهما مُشرِكانِ ويُجاهِدانِ ولَدَهما على الشِّركِ؛ فدَلَّ هذا على أنَّ المعاصيَ لا تُوجِبُ قَطيعةَ الرَّحِمِ، ولا عُقوقَ الوالِدَينِ [182] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (12/313). ، ففُسوقُ الوالِدَينِ وكُفرُهما لا يُسقِطُ حقَّهما مِن البِرِّ [183] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 97). ، فذِكرُ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا إثرَ قَولِه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي فُهِمَ مِنه أنَّ الأمرَ بمُعاشَرتِهما بالمعروفِ شامِلٌ لحالةِ كَونِ الأبوَينِ مُشرِكَينِ؛ فإنَّ على الابنِ مُعاشَرتَهما بالمعروفِ، كالإحسانِ إليهما وصِلَتِهما [184] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/161). .
6- في قَولِه تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ دَلالةٌ على أنَّ حقَّ الأمِّ أوجَبُ مِن حَقِّ الأبِ؛ فاللهُ تعالى ذَكَرَ ما تُعانيه الأمُّ مِن المَشاقِّ؛ إشارةً إلى أنَّها أحَقُّ [185] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 88). .
7- في قَولِه تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أنَّ أقلَّ الحَملِ سِتَّةُ أشهرٍ، وقد قال تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15]؛ فإذا أَسقَطْتَ عامَينِ مِن ثلاثينَ شَهرًا بَقِيَ سِتَّةُ أشهُرٍ [186] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 89). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (28/15)، ((تفسير البيضاوي)) (5/113، 114). وذكَر ابنُ كثيرٍ أنَّ عليًّا رَضِيَ الله عنه استدلَّ بقولِه تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15] معَ قولِه: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان: 14]، وقَولِه: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: 233]: على أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَملِ سِتَّةُ أشهُرٍ، ثم قال: (وهو استِنباطٌ قَويٌّ صَحيحٌ، ووافَقَه عليه عثمانُ وجماعةٌ مِن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم). ((تفسير ابن كثير)) (7/280). .
8- قَولُ الله تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا يُفهَمُ منه اجتِنابُ ما يُنكَرُ في مُصاحَبتِهما، فشَمِلَ ذلك مُعامَلةَ الابنِ أبوَيَه بالمُنكَرِ، وشَمِلَ ذلك أن يدعُوَ الوالِدُ إلى ما يُنكِرُه اللهُ ولا يَرضى به؛ ولذلك لا يُطاعانِ إذا أمَرَا بمَعصيةٍ [187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/161). .
9- قال الله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا قَولُه: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إشارةٌ إلى أنَّه لا يُمكِنُ أن يَدُلَّ عِلمٌ مِن أنواعِ العُلومِ على شَيءٍ مِنَ الشِّركِ بنَوعٍ مِن أنواعِ الدَّلالاتِ، بل العُلومُ كُلُّها دالَّةٌ على الوحدانيَّةِ على الوَجهِ الَّذي تطابَقَت عليه العُقولُ، وتظافَرَت عليه مِنَ الأنبياءِ والرُّسُلِ النُّقولُ [188] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/167). .
10- قَولُ الله تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ فيه حَثٌّ على مَعرفةِ الرِّجالِ بالحَقِّ، وأمرٌ بحَكِّ المشايخِ وغَيرِهم على مَحَكِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فمَن كان عَمَلُه مُوافِقًا لهما اتُّبِعَ، ومَن كان عمَلُه مُخالِفًا لهما اجتُنِبَ [189] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/169، 170). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ أنَّه سُبحانَه أرحمُ بالوالِدَينِ مِن أولادِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوصَى الأولادَ بالوالِدَينِ [190] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 87). .
2- قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ لَمَّا خَصَّ تعالى الأمَّ بدَرَجةِ ذِكرِ الحَملِ، وبدَرَجةِ ذِكرِ الرَّضاعِ، حَصَل لها بذلك ثلاثُ مراتِبَ، وللأبِ واحِدةٌ، وأشبَهَ ذلك قَولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جاء إليه رجُلٌ، فقال: ((يا رسولَ الله، مَن أحقُّ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أمُّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمُّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمُّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أبوك )) [191] أخرجه البخاري (5971) واللفظ له، ومسلم (2548) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . فجعَل له الرُّبُعَ مِنَ المبَرَّةِ كما في هذه الآيةِ [192] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/64). .
3- قَولُ الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، ذكَرَ الفِصالَ في مَعرضِ تَعليلِ حَقِّيَّةِ الأمِّ بالبِرِّ؛ لأنَّه يَستلزِمُ الإرضاعَ مِن قبْلِ الفِصالِ، وللإشارةِ إلى ما تَتحمَّلُه الأمُّ مِن كدَرِ الشَّفقةِ على الرَّضيعِ حينَ فِصالِه، وما تُشاهِدُه مِن حُزْنِه وألَمِه في مَبدأِ فِطامِه [193] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/159). .
4- قال الله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، التَّعبيرُ بـ (في) يشيرُ إلى أنَّ الوالِدَينِ لهما أن يَفطِماه قبْلَ تمامِهما، على حَسَبِ ما يحتَمِلُه حالُه، وتدعو إليه المصلَحةُ مِن أمْرِه [194] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/165). .
5- قَولُ الله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ فيه رَدٌّ على مَن قال: مُدَّةُ الرَّضاعِ ثلاثونَ شَهرًا، أو ثلاثُ سِنينَ [195] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 208). .
6- قَولُه تعالى: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ هو قَيدٌ لبيانِ الواقعِ، وليس قَيدًا احترازيًّا؛ لأنَّه لا يمكِنُ أنْ يوجَدَ عِلْمٌ بأنَّ لله تعالى شَريكًا، وهذا كقَولِه تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: 117]. فإنْ قال قائِلٌ: ما فائِدةُ هذا القَيدِ، وقد عُلِمَ أنَّه لن يُوجَدَ؟
فالجوابُ: أنَّ الفائِدةَ فيه تحقيقُ هذا الأمرِ حتَّى لا يحاوِلَ أحدٌ أن يبحَثَ ويَطلُبَ عِلمًا أو بُرهانًا بأنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى له شَريكٌ، فكأنَّه يقولُ: هذا هو حَقيقةُ الواقعِ، وما كان حقيقةَ الواقعِ فلا يمكِنُ أنْ يَتخلَّفَ [196] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 90). .
7- في قَولِه تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وكذا في قَولِه سُبحانَه: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت: 8]- دَلالةٌ على وُجوبِ الإنفاقِ على الأقارِبِ وإنِ اختلفَ الدِّينانِ؛ فإنَّه ليس مِن الإحسانِ ولا مِن المعروفِ تَرْكُ الإنسانِ لأبيه وأمِّه في غايةِ الضَّرورةِ والفاقةِ، وهو في غايةِ الغِنى [197] يُنظر: ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/791). .
8- قَولُ الله تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا فيه سُؤالٌ: هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على الأمرِ ببِرِّ الوالِدَينِ الكافِرَينِ، وقد جاءت آيةٌ أُخرى يُفهَمُ منها خِلافُ ذلك، وهي قَولُه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: 22]، ثمَّ نصَّ على دُخولِ الآباءِ في هذا بقَولِه: وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ [المجادلة:22]؟
الجوابُ: أنَّه لا مُعارَضةَ بينَ الآيتَينِ، ووجهُ الجَمعِ بيْنَهما أنَّ المصاحَبةَ بالمعروفِ أعَمُّ مِن الموادَّةِ؛ لأنَّ الإنسانَ يُمكِنُه إسداءُ المعروفِ لِمَن يَوَدُّه ومَن لا يَوَدُّه، والنَّهيُ عن الأخَصِّ لا يَستلزِمُ النَّهيَ عن الأعَمِّ؛ فكأنَّ الله تعالى حَذَّر مِن الموَدَّةِ المُشعِرةِ بالمحبَّةِ، والموالاةِ بالباطِنِ لجَميعِ الكُفَّارِ، يدخُلُ في ذلك الآباءُ وغَيرُهم، وأمَرَ الإنسانَ بألَّا يفعَلَ لوالِدَيه إلَّا المعروفَ، وفِعلُ المعروفِ لا يَستلزِمُ الموَدَّةَ؛ لأنَّ المودَّةَ مِن أفعالِ القُلوبِ لا مِن أفعالِ الجوارحِ، وممَّا يدُلُّ لذلك إذْنُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ أن تَصِلَ أمَّها، وهي كافِرةٌ [198] يُنظر ما أخرجه البخاري (2620)، ومسلم (1003). ، وقال بعضُ العُلَماءِ: إنَّ قِصَّتَها سَبَبٌ لِنُزولِ قَولِه تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [199] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 182). [الممتحنة: 8].
9- قال الله تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ فيه وُجوبُ اتِّبَاعِ السَّلَفِ، لأنَّ السَّلَفَ المؤمنينَ مُنِيبُون [200] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/500). ، وكُلٌّ مِنَ الصَّحابةِ مُنيبٌ إلى اللهِ، فيَجِبُ اتِّباعُ سَبيلِه، وأقوالُه واعتِقاداتُه مِن أكبَرِ سَبيلِه، والدَّليلُ على أنَّهم مُنيبونَ إلى اللهِ تعالى أنَّ الله تعالى قد هداهم، وقد قال: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [201] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/100). [الشورى: 13].
10- قوله تعالَى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ يدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الإجماعِ؛ لأنَّ في الأُمَّةِ لا مَحالةَ مَنْ أنابَ إليه، فوَجَب اتِّباعُ جَماعَتِها، فإذا أجْمَعَت الأُمَّةُ على شَيءٍ فقد عَلِمْنا أنَّ المُنيبينَ الَّذين فيها قد قالوا ذلك واعتَقَدوه، فهو حُكْمُ اللهِ تعالَى لا مَحالةَ [202] يُنظر: ((الفصول في الأصول)) للجصاص (3/263). ويُنظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (19/178). .
11- في قَولِه تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ وُجوبُ اتِّباعِ سَبيلِ المؤمِنينَ، ويؤيِّدُه قولُه سُبحانه وتعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [203] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 97). [النساء: 115].

بلاغةُ الآيتَينِ:


1- قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
- الآيتانِ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ووَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي كلامٌ مُستأنَفٌ، اعتُرِضَ بهِ على نَهجِ الاستِطرادِ في أثناءِ وصيَّةِ لُقمانَ؛ تأْكيدًا لِما فيها مِن النَّهيِ عن الشِّركِ، كأنَّه قال: وقد وصَّيْنا بمِثلِ ما وصَّى به [204] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/494)، ((تفسير البيضاوي)) (4/214)، ((تفسير أبي حيان)) (8/413)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 446)، ((تفسير أبي السعود)) (7/71). . وذَكَرَ الوالدينِ؛ للمُبالَغةِ في ذلك؛ فإنَّهما مع أنَّهما تِلْوَ الباري في استِحقاقِ التَّعظيمِ والطَّاعةِ لا يجوزُ أنْ يَستحِقَّاهُ في الإشراكِ، فما ظنُّك بغَيرِهما [205] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/214). ؟!
- وهذا الكلامُ اعتراضٌ بيْنَ كلامَيْ لُقمانَ؛ لأنَّ صِيغةَ هذا الكلامِ مَصوغةٌ على أُسلوبِ الإبلاغِ والحِكايةِ لقولٍ مِن أقوالِ اللهِ، والضَّمائرُ ضمائرُ العَظَمةِ جرَّتْه مُناسَبةُ حِكايةِ نهْيِ لُقمانَ لابنِه عن الإشراكِ وتَفظيعِه بأنَّه ظُلْمٌ عظيمٌ، فذكَرَ اللهُ هذا؛ لتأْكيدِ ما في وَصيَّةِ لُقمانَ مِن النَّهيِ عن الشِّركِ بتَعميمِ النَّهيِ في الأشخاصِ والأحوالِ؛ لئلَّا يَتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنَّ النَّهيَ خاصٌّ بابنِ لُقمانَ أو ببعضِ الأحوالِ؛ فحَكى اللهُ أنَّ اللهَ أَوصى بذلك كلَّ إنسانٍ، وأنْ لا هوادةَ فيه ولو في أحرَجِ الأحوالِ؛ وهي حالُ مُجاهَدةِ الوالدَينِ أولادَهم على الإشراكِ. وأحسَنُ مِن هذه المُناسَبةِ: أنْ تُجعَلَ مُناسَبةُ هذا الكلامِ أنَّه لَمَّا حكى وِصايةَ لُقمانَ لابنِه بما هو شُكْرُ اللهِ بتَنزيهِه عن الشِّركِ في الإلهيَّةِ؛ بيَّن اللهُ أنَّه تعالى أسبَقُ مِنَّةً على عِبادِه؛ إذ أَوصى الأبناءَ ببِرِّ الآباءِ؛ فدخَلَ في العُمومِ المِنَّةُ على لُقمانَ جزاءً على رَعْيِه لحقِّ اللهِ في ابتداءِ مَوعظةِ ابنِه، فاللهُ أسبَقُ بالإحسانِ إلى الَّذين أحْسَنوا برَعْيِ حَقِّه. ويُقوِّي هذا التَّفسيرَ اقترانُ شُكْرِ اللهِ وشُكْرِ الوالدينِ في الأمْرِ [206] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/156، 157). .
- وجُملةُ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ في مَوضعِ التَّعليلِ للوِصايةِ بالوالدينِ؛ قصْدًا لتأْكيدِ تلك الوِصايةِ؛ لأنَّ تَعليلَ الحُكْمِ يُفِيدُه تأْكيدًا، ولأنَّ في مَضمونِ هذه الجُملةِ ما يُثِيرُ الباعثَ في نفْسِ الولَدِ على أنْ يَبَرَّ بأُمِّه ويَستتبِعَ البِرَّ بأبِيه. وإنَّما وقَعَ تَعليلُ الوِصايةِ بالوالدينِ بذِكرِ أحوالٍ خاصَّةٍ بأحَدِهما -وهي الأمُّ-؛ اكتِفاءً بأنَّ تلك الحالةَ تَقْتضي الوِصايةَ بالأبِ أيضًا للقياسِ؛ فإنَّ الأبَ يُلَاقي مَشاقَّ وتعَبًا في القيامِ على الأمِّ؛ لتَتمكَّنَ مِن الشُّغلِ بالطِّفلِ في مُدَّةِ حَضانتِه، ثمَّ هو يَتولَّى تربيتَه والذَّبَّ عنه حتَّى يَبلُغَ أشُدَّهُ ويَسْتغنيَ عن الإسعافِ، كما قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24]، فجمَعَهما في التَّربيةِ في حالِ الصِّغَرِ ممَّا يَرجِعُ إلى حِفْظِه وإكمالِ نشْأتِه، فلمَّا ذُكِرَت هنا الحالةُ الَّتي تَقْتضي البِرَّ بالأمِّ مِن الحمْلِ والإرضاعِ، كانتْ مُنبِّهةً إلى ما للأبِ مِن حالةٍ تَقْتضي البِرَّ به على حِسابِ ما تَقْتضيهِ تلك العلَّةُ في كِلَيْهما قوَّةً وضَعفًا. وقد نبَّه على هذا القياسِ تَشْريكُهما في الحُكْمِ عقِبَ ذلك بقولِه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، وقولِه: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وحصَلَ مِن هذا النَّظمِ البديعِ قَضاءُ حقِّ الإيجازِ [207] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/158). وقال البقاعي: (ولَمَّا كانت الأمُّ في مَقامِ الاحتقارِ؛ لِما للأبِ مِن العَظَمةِ بالقُوَّةِ والعَقلِ والكَدِّ عليها وعلى وَلَدِها؛ نَوَّهَ بها، ونَبَّه على ما يختَصُّ بها من أسبابِ وُجودِ الولَدِ وبقائِه عن الأبِ؛ مِمَّا حَصَل لها مِنَ المشَقَّةِ بسَبَبِه، وما لها إليه مِن التربيةِ). ((نظم الدرر)) (15/164). .
- وأيضًا قولُه: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ اعتِراضٌ بيْنَ المفسَّرِ والمُفسِّرِ، بينَ الوَصيَّةِ والمُوصَى به، وهو اعتِراضٌ في أعلَى درجاتِ الحُسْنِ؛ لأنَّه لَمَّا وصَّى بالوالدينِ، ذَكَر ما تُكابِدُه الأمُّ وتُعانِيه مِن المَشاقِّ والمَتاعبِ في حمْلِه وفِصالِه هذه المُدَّةَ المُتطاوِلةَ؛ إيجابًا للتَّوصيةِ بالوالدةِ خُصوصًا، وتذْكيرًا بحَقِّها العظيمِ مُفْردًا [208] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/494، 495)، ((تفسير البيضاوي)) (4/214)، ((تفسير أبي حيان)) (8/413)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 224)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 446)، ((تفسير أبي السعود)) (7/71). .
- وانتصَبَ وَهْنًا على الحالِ مِن أُمُّهُ؛ مُبالَغةً في ضَعْفِها، حتَّى كأنَّها نفْسُ الوهْنِ [209] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/157). .
- وذكَرَ لِمُدَّةِ فِطامِه أقْصاها -وهو عامانِ-؛ لأنَّ ذلك أنسَبُ بالتَّرقيقِ على الأمِّ [210] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/159). .
- وجُملةُ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ تَفسيرٌ لفِعلِ (وصَّينا)، وما بيْنَهما اعْتِراضٌ مُؤكِّدٌ للوصيِّةِ في حَقِّها خاصَّةً، وإنَّما فُسِّرتِ الوصيَّةُ بالوالدَينِ بما فيه الأمْرُ بشُكْرِ اللهِ مع شُكْرِهما على وجْهِ الإدماجِ [211] الإدماجُ: هو أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المبالَغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمدِ. يُنظر: ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 225)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). ؛ تمْهيدًا لقولِه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي [212] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/72)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/160). .
- وجُملةُ إِلَيَّ الْمَصِيرُ استئنافٌ للوعْظِ، والتَّحذيرِ مِن مُخالَفةِ ما أوْصى اللهُ به مِن الشُّكرِ له [213] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/414)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/160). . وتَعليلٌ أيضًا لوُجوبِ الامتثالِ، أي: إلَيَّ الرُّجوعُ لا إلى غيرِي، فأُجازِيك على ما صَدَر عنْك مِن الشُّكرِ والكُفرِ [214] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/72). .
- وتَعريفُ المصيرِ في قولِه: إِلَيَّ الْمَصِيرُ تعريفُ الجِنسِ، أي: مَصيرُ النَّاسِ كلِّهم. ولك أنْ تَجعَلَ (أل) عِوَضًا عن المُضافِ إليه. وتقْديمُ المجرورِ للحصْرِ، أي: ليس للأصنامِ مَصيرٌ في شَفاعةٍ ولا غيرِها [215] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/160). .
2- قوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ المقصودُ مِن هذا الكلامِ -وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ... إلى قولِه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- هو قولُه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي إلى آخِرِه، وما قَبْلَه تمْهيدٌ له، وتقريرٌ لواجِبِ بِرِّ الوالدينِ؛ لِيَكونَ النَّهيُ عن طاعتِهما إذا أمَرَا بالإشراكِ باللهِ نهْيًا عنه في أَولى الحالاتِ بالطَّاعةِ؛ حتَّى يكونَ النَّهيُ عن الشِّركِ فيما دونَ ذلك مِن الأحوالِ مَفهومًا بفَحْوى الخِطابِ [216] فَحْوى الخِطابِ: هو إثباتُ حُكمِ المنطوقِ به للمَسكوتِ عنه بطَريقِ الأَولى، وهو نوعانِ: الأوَّلُ: تَنبيهٌ بالأقَلِّ على الأكثَرِ، كقَولِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23]؛ فإنَّه نَبَّه بالنَّهيِ عن قَولِ أُفٍّ على النَّهيِ عن الشَّتمِ والضَّربِ وغيرِ ذلك، ومِثلُه قَولُه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75]. الثَّاني: تنبيهٌ بالأكثَرِ على الأقَلِّ، كقَولِه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75]. يُنظر: ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب البغدادي (1/233)، ((تقريب الوصول إلى علم الأصول)) لابن جزي (ص: 163). ، مع ما في ذلك مِن حُسنِ الإدماجِ المُناسِبِ لحِكمةِ لُقمانَ [217] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/157). .
- وفي قولِه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي أشارَ بصِيغةِ المُفاعَلةِ إلى مُخالفَتِهما، وإنْ بالَغا في الحَمْلِ على ذلك، وأشارَ بأداةِ الاستِعلاءِ إلى أنَّه لا مَطْمَعَ لِمَن أطاعَهُما في ذلك -ولو باللَّفظِ فقطْ- أنْ يكونَ في عِدادِ المحسنينَ، وإنْ كان الوالدانِ في غايةِ العُلوِّ والتَّمكُّنِ مِن الأسبابِ الفاتنةِ له، بخِلافِ سُورةِ (العنكبوتِ)؛ فإنَّها لِمُطلَقِ الفِتنةِ، وليست لقوَّةِ الكفَّارِ، فعبَّرَ فيها بلامِ العِلَّةِ، فقال: لِتُشْرِكَ بِي [العنكبوت: 8]؛ إشارةً إلى مُطلَقِ الجِهادِ الصَّادقِ بقَوِيِّهِ وضَعيفِه، ففي الموضعينِ نوعُ رمْزٍ إلى أنَّه إنْ ضعُفَ عنهما أطاع باللِّسانِ، ولم يُخرِجْه ذلك عن الإيمانِ، كما أخْرَجَه هنا عن الوصْفِ بالإحسانِ، ولذلك حذَّرَ في الآيةِ الَّتي بعدَ تلك مِن النِّفاقِ؛ لأجْلِ الفِتنةِ [218] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/166، 167). .
- وفي قولِه: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فنُّ عكْسِ الظَّاهرِ، أو نفْيُ الشَّيءِ بإيجابِه؛ فقد أراد بنفْيِ العِلْمِ نفْيَه، أي: لا تُشرِكْ بي ما ليس بشَيءٍ، يُرِيد الأصنامَ، على حدِّ قولِ الشَّاعرِ [219] القائلُ هو امرُؤ القيسِ. يُنظر: ((ديوان امرئ القيس)) (ص: 96). :
على لاحبٍ لا يُهتَدى بمَنارِه [220] اللاحبُ: الطَّريقُ الواضحُ، ولم يُرِدْ أن فيه منارًا لا يُهتدَى به، ولكنَّه نفَى أن يكون به منارٌ. والمعنى: لا منارَ فيه فيُهتدَى به. يُنظر: ((خزانة الأدب)) للبغدادي (10/193).
أي: ما ليس بإلهٍ، فيكون لك عِلْمٌ بإلهيَّتِه [221] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/494)، ((تفسير البيضاوي)) (4/214)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/291)، ((تفسير الألوسي)) (11/86)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/539). .
- وذِكرُ فِي الدُّنْيَا؛ لِتَهوينِ أمرِ الصُّحبةِ، والإشارةِ إلى أنَّها في أيامٍ قلائِلَ وَشيكةِ الانقِضاءِ، فلا يَضُرُّ تحَمُّلُ مَشقَّتِها؛ لقِلَّةِ أيَّامِها، وسُرعةِ انصرامِها. وقيل: للإشارةِ إلى أنَّ الرِّفقَ بهما في الأمورِ الدُّنيويَّةِ دونَ الدِّينيَّةِ [222] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (11/86). .
- قولُه: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ مَعطوفٌ على الجُمَلِ السَّابقةِ، و(ثمَّ) للتَّراخي الرُّتْبيِّ المُفيدِ للاهتمامِ بما بعْدَها. وتقْديمُ المَجرورِ؛ للاهتِمامِ بهذا الرُّجوعِ، أو هو للتَّخصيصِ، أي: لا يَنفَعُكم شَيءٌ ممَّا تَأملُونه مِن الأصنامِ. وجُملةُ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ وعْدٌ ووَعِيدٌ [223] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/161، 162). .
- قولُه: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في هذه الضَّمائرِ تَغليبُ الخِطابِ على الغَيبةِ؛ لأنَّ الخِطابَ أهمُّ؛ لأنَّه أعرَفُ [224] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/162). .
- في قَولِه تعالى: فَأُنَبِّئُكُمْ بُلوغُ الغايةِ في البلاغةِ في القُرآنِ الكريمِ، فلم يَقُلْ سُبحانَه: «فأُجازيكم»؛ وذلك أنَّه قد يُنَبَّأُ الإنسانُ يومَ القيامة بما عَمِلَ، ثمَّ يُغفَرُ له، فذَكَرَ اللهُ تعالى الإنباءَ لأنَّه مُؤكَّدٌ، أمَّا المجازاةُ فإنَّ اللهَ تعالى قد يغفِرُ للمُذنِبِ ذُنوبَه [225] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 97). . وقيل: الإنباءُ كِنايةٌ عن إظْهارِ الجزاءِ على الأعمالِ؛ لأنَّ المُلازَمةَ بيْنَ إظهارِ الشَّيءِ وبيْنَ العِلْمِ به ظاهرةٌ [226] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/161). .