موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (99-100)

ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ

غريب الكلمات:


وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ: أي: دعاءَ الرَّسولِ واستغفارَه، وأصلُ (صلى): يدلُّ على الدُّعاءِ [1656] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 31، 191)، ((تفسير ابن جرير)) (11/635)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/300)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 145)، ((النهاية)) لابن الأثير (3/50). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ تعالى أنَّ مِن الأعرابِ مَن يؤمِنُ باللهِ تعالى وبِيَومِ القيامةِ، ويحتَسِبُ ما يُنفِقُه في الخيرِ عند اللهِ، يرجو به القُرْبَ منه عزَّ وجلَّ، ويبتغي دعاءَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عند أخْذِ الصَّدَقةِ منه، ألَا إنَّ دُعاءَ الرَّسولِ قُربةٌ عَظيمةٌ لهم، تُقَرِّبُهم إلى ربِّهم، سيُدخِلُهم ربُّهم في رَحمتِه؛ إنَّه غَفورٌ رَحيمٌ.
ثمَّ أخبَرَ الله تعالى أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذين سبَقوا بالإيمانِ مِن المُهاجِرينَ والأنصارِ، والتَّابعينَ لهم الذين سَلَكوا طريقَهم المُستَقيمَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ؛ رَضِيَ الله عنهم، ورَضُوا عنه، وأعَدَّ لهم جنَّاتٍ تَجري من تحتِ أشجارِها ومبانيها الأنهارُ، لابثينَ فيها على الدَّوامِ، ذلك هو الفَوزُ العظيمُ.

تفسير الآيتين:


وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى أنَّه حصَلَ في الأعرابِ مَن يتَّخِذُ إنفاقَه في سبيلِ اللهِ مَغرمًا؛ بيَّنَ أيضًا أنَّ فيهم قومًا مُؤمِنينَ صالِحينَ مُجاهِدينَ، يتَّخِذُونَ إنفاقَهم في سبيلِ اللهِ مَغنمًا [1657] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/126). ، فقال:
وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
أي: ومِن سُكَّانِ البوادي مَن يُؤمِنُ باللهِ تعالى، وبِيَومِ القيامةِ وما فيه من الثَّوابِ والعِقابِ [1658] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/635)، ((تفسير الشوكاني)) (2/451)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349). .
وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ.
أي: ويحتَسِبُ ما يُنفِقُه في الخيرِ عندَ اللهِ، يرجو به القُرْبَ منه سُبحانَه وتعالى [1659] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/635)، ((تفسير ابن عطية)) (3/74)، ((تفسير ابن كثير)) (4/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/15). .
وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ.
أي: ويبتغي الأعرابُ المؤمِنونَ بنَفَقاتِهم أيضًا دعاءَ الرَّسولِ لهم عند أخْذِه صَدَقاتِهم [1660] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/635)، ((تفسير ابن عطية)) (3/74)، ((تفسير القرطبي)) (8/235)، ((تفسير ابن كثير)) (4/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/15). قال ابنُ عطيةَ: (الصَّلاةُ في هذه الآيةِ: الدُّعاءُ إجماعًا). ((تفسير ابن عطية)) (3/74). .
كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: 103].
وعن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفَى رَضِيَ الله عنهما، قال: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أتاه قومٌ بصَدَقتِهم قال: اللهُمَّ صَلِّ على آلِ فُلانٍ، فأتاه أبي بصَدَقتِه، فقال: اللهمَّ صَلِّ على آلِ أبي أوفى )) [1661] رواه البخاري (1497) واللفظ له، ومسلم (1078). .
أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ.
أي: ألا إنَّ صلواتِ الرَّسولِ [1662] وهو اختيار ابنِ جريرٍ، والواحديِّ، والسعديِّ، أنَّ الضَّميرَ في قولِه تعالى: إِنَّهَا يعودُ على صلواتِ الرَّسولِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/636)، ((التفسير الوسيط)) (2/519)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349). وممَّن اختار عودَه على النَّفَقات: القرطبيُّ، والشوكاني، والقاسمي، ومحمد رشيد رضا، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/235)، ((تفسير الشوكاني)) (2/451)، ((تفسير القاسمي)) (5/484)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/11)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/16). وقيل المعنى: أنَّها شهادةٌ مِن الله للمتصدقِ بصحةِ ما اعتقد- مِن كونِ نفقتِه قرباتٍ وصلواتٍ- وتصديقٌ لرجائِه. وممَّن اختار هذا القول: الزمخشريُّ، والرازيُّ، وأبو حيَّان. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/304)، ((تفسير الرازي)) (16/127)، ((تفسير أبي حيان)) (5/493). قال ابنُ كثيرٍ: (هم الذين يتخذونَ ما ينفقونَ في سبيلِ الله قربةً يتقربون بها عندَ الله، ويبتغونَ بذلك دعاءَ الرسولِ لهم، أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ أي: ألَا إنَّ ذلك حاصلٌ لهم). ((تفسير ابن كثير)) (4/202). قُربةٌ عظيمةٌ لهم، تقرِّبُهم إلى الله تعالى [1663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/636)، ((تفسير ابن عطية)) (3/74)، ((تفسير القرطبي)) (8/235)، ((تفسير ابن كثير)) (4/202)، ((تفسير أبي السعود)) (4/96)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكُرُني، إن ذَكَرني في نفسِه، ذكَرْتُه في نفسي، وإن ذكَرَني في ملأٍ، ذكرتُه في ملأٍ هم خَيرٌ منهم، وإن تقرَّبَ منِّي شِبرًا، تقرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تقرَّبَ إليَّ ذِراعًا، تقرَّبتُ منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً )) [1664] رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675) واللفظ له. .
سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ.
أي: سيُدخِلُ اللهُ هؤلاء الأعرابَ المؤمنينَ في جملةِ عِبادِه المرحومينَ أصحابِ الجنَّةِ [1665] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/636)، ((البسيط)) للواحدي (11/23)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349). .
كما قال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 27 - 30].
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: إنَّ اللهَ غفورٌ لذُنوبِهم فيَستُرُها لهم، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم في الدُّنيا والآخرةِ، فلا يعذِّبُهم، بل يُفيضُ عليهم نِعَمَه، ويوفِّقُهم للخيرِ، ويُثيبُهم عليه [1666] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/636)، ((تفسير أبي السعود)) (4/96)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 349)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/16). .
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى فضائِلَ الأعرابِ الذين يتَّخِذونَ ما يُنفِقونَ قُرباتٍ عند اللهِ وصَلَواتِ الرَّسولِ، وما أعَدَّ لهم مِن الثَّوابِ؛ بيَّنَ أنَّ فوقَ مَنزلتِهم منازِلَ أعلى وأعظَمَ منها، وهي منازِلُ السَّابقينَ الأوَّلينَ [1667] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/127). ، فعقَّبَ بذِكرِ القُدوةِ الصَّالحةِ والمَثَل الكاملِ في الإيمانِ والفَضائِلِ، والنُّصرةِ في سَبيلِ الله؛ لِيَحتَذيَ متطلِّبُ الصَّلاحِ حَذْوَهم، ولئلَّا يخلوَ تقسيمُ القبائِلِ السَّاكنةِ بالمَدينةِ وحَوالَيها وبَواديها، عن ذِكرِ أفضَلِ الأقسامِ تَنويهًا به، وبهذا تمَّ استقراءُ الفِرَقِ وأحوالِها [1668] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/17). .
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ .
أي: وأصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذين سَبَقوا المُسلِمينَ أوَّلًا إلى الإيمانِ، مِن الذين تركوا قومَهم، وفارَقُوا أوطانَهم، ومِن أهلِ المدينةِ الذين نَصَروا الرَّسولَ على الكافرينَ، وآوَوْا أصحابَه المهاجِرينَ [1669] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/637)، ((تفسير البغوي)) (2/382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/17). قال ابنُ عطيةَ: (لو قال قائلٌ: إنَّ السَّابقينَ الأوَّلينَ هم جميعُ مَن هاجرَ إلى أن انقطَعَت الهجرةُ، لكان قولًا يقتضيه اللَّفظُ، وتكونُ مِنْ لِبيانِ الجِنسِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/75). وقال الرازي: (كلمة (مِن) في قولِه: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ليست للتبعيضِ، بل للتَّبيينِ، أي: والسَّابقون الأولونَ الموصوفونَ بوَصفِ كَونِهم مهاجرينَ وأنصارًا، كما في قولِه تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: 30] وكثيرٌ من النَّاسِ ذهبوا إلى هذا القَولِ). ((تفسير الرازي)) (16/129). وعلى هذا فالمدحُ الحاصلُ في هذه الآيةِ يتناولُ جميعَ الصحابة؛ لأنَّ جملةَ الصحابةِ موصوفونَ بكونِهم سابقينَ أوَّلينَ بالنسبةِ إلى سائرِ المسلمينَ. يُنظر: المصدر السابق. وقيل: إنَّ (مِن) تبعيضيةٌ، وعلى ذلك يكونُ معنَى قولِه: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ أي: الذين اتبعوا السَّابقين الأوَّلين مِن المهاجرينَ والأنصارِ، وهم المتأخرونَ عنهم مِن الصحابةِ فمَن بعدَهم إلى يومِ القيامةِ، وقد اختلفوا في السابقينَ الأوَّلين مِن المهاجرينَ والأنصارِ، مَن هم؟ وما هي المدةُ التي عندَها ينتهي وصفُ السَّابقين مِن المهاجرينَ والأنصارِ معًا. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/127)، ((تفسير الشوكاني)) (2/453)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/17). وقال القرطبي: (اتَّفقوا على أنَّ مَن هاجَر قبلَ تحويلِ القِبلةِ، فهو من المهاجِرينَ الأوَّلينَ مِن غَيرِ خِلافٍ بينهم). ((تفسير القرطبي)) (8/236). وقال ابن تيمية: (والسَّابقون الأوَّلونَ أفضَلُ مِن الذين أنفَقوا من بعدِ الفَتحِ وقاتلوا، وهم- على أصَحِّ القولَينِ- الذين بايَعوا تحت الشَّجرةِ عام الحُدَيبيةِ، وقيل: من صلى إلى القِبلَتينِ، وليس بشيءٍ). ((منهاج السنة النبوية)) (4/397). .
كما قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 8-9].
وعن غَيلانَ بنِ جَريرٍ، قال: قلتُ لأنَسِ بنِ مالكٍ: (أرأيتَ اسمَ الأنصارِ، كُنتُم تُسَمَّونَ به أم سمَّاكم اللهُ؟ قال: بل سَمَّانا اللهُ عَزَّ وجَلَّ) [1670] رواه البخاري (3776). .
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ.
أي: والتَّابعونَ للسَّابِقينَ مِن المهاجِرينَ والأنصارِ، الذين سَلَكوا طريقَهم المستقيمَ في الإيمانِ، والعمَلِ الصَّالحِ [1671] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/637، 640)، ((تفسير البغوي)) (2/382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/18). قال البغوي: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ قيل: بقيَّةُ المهاجرينَ والأنصارِ سوى السَّابقينَ الأوَّلين. وقيل: هم الذين سَلَكوا سبيلَهم في الإيمانِ والهِجرةِ أو النُّصرةِ إلى يومِ القيامةِ. وقال عطاءٌ: هم الذين يذكُرونَ المُهاجِرينَ والأنصارَ بالترحُّمِ والدُّعاءِ). ((تفسير البغوي)) (2/382). .
كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10].
رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ.
أي: رَضِيَ اللهُ عن الصَّحابةِ السَّابقينَ، والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ، لِمَا أطاعُوه، ورَضُوا هم عن اللهِ؛ لما أنعَمَ عليهم في الدُّنيا، وأثابَهم في الآخرةِ [1672] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/642)، ((البسيط)) للواحدي (11/25)، ((تفسير ابن عطية)) (3/75)، ((تفسير الرازي)) (16/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/18). .
كما قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 18].
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.
أي: وهيَّأَ اللهُ تعالى لأصحابِ النبيِّ والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ، جَنَّاتٍ في الدَّارِ الآخرةِ تجري تحت أشجارِها وغُرَفِها وقصورِها الأنهارُ [1673] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/642)، ((تفسير أبي السعود)) (4/97)، ((تفسير الشوكاني)) (2/453)، ((تفسير الألوسي)) (6/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350). .
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
أي: لابثينَ فيها على الدَّوامِ بلا انتهاءٍ، فلا يموتونَ فيها، ولا عنها ينتَقِلونَ [1674] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/642)، ((تفسير أبي السعود)) (4/97)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350). .
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
أي: دُخولُ الجنَّةِ والخلودُ فيها أعظَمُ فَوزٍ يحصُلُ به كلُّ مرغوبٍ، وينَدفِعُ به كلُّ مَحذورٍ [1675] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/97)، ((تفسير الألوسي)) (6/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350). .

الفوائد التربوية:


قال اللهُ تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ينبغي للمؤمِنِ أن يؤدِّيَ ما عليه من الحُقوقِ، مُنشرِحَ الصَّدرِ، مطمَئِنَّ النَّفسِ، ويحرِصَ أن تكونَ مَغنَمًا، لا مَغرمًا [1676] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:349). .
في قوله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ مع قوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ حجةٌ في إبطالِ أعمالِ الرياءِ، وإحباطِ أَجْرِ النفقةِ إذا لم تُحْتَسَبْ، وفيه الحَثُّ على استشعارِ الاحتسابِ فيها، واتِّخاذِها قُرْبَةً [1677] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/571). .
في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ إرشادٌ كريمٌ إلى أنَّه لا يُكتَفى بمجَرَّدِ الدَّعوَى في اتِّباعِ الصَّحابةِ الكِرامِ، وإنَّما لا بدَّ أنْ يكونَ المتَّبِعُ مُحسِنًا بأداءِ الفَرائِضِ، واجتنابِ المَحارِمِ؛ لئلَّا يقَعَ الاغترارُ بمجَرَّدِ الموافَقةِ بالقَولِ [1678] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/96). .
في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ إرشادٌ كريمٌ إلى أنْ يُحسِنَ المُتَّبِعُ لهم القولَ فيهم، ولا يقدَحَ فيهم، وقد اشتَرَط اللهُ ذلك؛ لعِلْمِه بأنَّه سيكون أقوامٌ ينالونَ منهم، وهذا مِثلُ قَولِه تعالى بعد أنْ ذكَرَ المُهاجِرينَ والأنصارَ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [1679] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/96). [الحشر: 10].

الفوائد العلمية واللطائف:


لا بدَّ في جميعِ الطَّاعاتِ مِن تقَدُّمِ الإيمانِ؛ قال اللهُ تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ [1680] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/126). .
قال الله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ في هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّ الأعرابَ كأهلِ الحاضِرةِ؛ منهم الممدوحُ، ومنهم المذمومُ، فلم يذُمَّهم اللهُ على مجرَّدِ تَعَرُّبِهم وباديَتِهم، إنَّما ذَمَّهم على تَرْكِ أوامِرِ الله، وأنَّهم في مَظِنَّةِ ذلك [1681] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:349). .
قوله تعالى: وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ جُمِعَ قُرُبات باعتبارِ تعدُّدِ الإنفاقِ، فكُلُّ إنفاقٍ هو قُربةٌ عند الله؛ لأنَّه يُوجِبُ زيادةَ القُرْبِ [1682] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/15). .
قوله تعالى: وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ جُمِعَت كلمةُ (صلوات)؛ لأنَّ كلَّ إنفاقٍ يقَدِّمونَه إلى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو لهم بسبَبِه دعوةً، فبتكَرُّرِ الإنفاقِ تتكرَّرُ الصَّلاةُ [1683] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/15). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ فيه تفضيلُ السَّابقِ إلى الإسلامِ والهِجرةِ، وأنَّ السَّابقينَ مِن الصَّحابةِ أفضَلُ ممَّن تلاهم [1684] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:144). .
قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أخبَرَ اللهُ العظيمُ أنَّه قد رَضِيَ عن السَّابقينَ الأوَّلينَ مِن المهاجِرينَ والأنصارِ والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ، فيا ويلَ مَن أبغَضَهم أو سبَّهم، أو أبغَضَ أو سَبَّ بَعضَهم!
ولا سيَّما سيِّدُ الصَّحابةِ بعد الرَّسولِ وخَيرُهم وأفضَلُهم، الصِّدِّيقُ الأكبَرُ، والخليفةُ الأعظَمُ أبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ، رَضِيَ اللهُ عنه وأَرضاه؛ فإنَّ الطَّائفةَ المَخذولةَ مِن الرَّافضةِ يعادُونَ أفضَلَ الصَّحابةِ، ويُبغِضُونَهم ويَسُبُّونَهم، عياذًا باللهِ من ذلك. وهذا يدلُّ على أنَّ عُقولَهم مَعكوسةٌ، وقلوبَهم مَنكوسةٌ، فأين هؤلاء من الإيمانِ بالقُرآنِ، إذ يسُبُّونَ مَن رَضِيَ اللهُ عنهم؟! وأمَّا أهلُ السنَّةِ فإنَّهم يترَضَّونَ عَمَّن رَضِيَ الله عنه، ويَسبُّونَ مَن سَبَّه اللهُ ورَسولُه، ويُوالونَ مَن يوالي اللهَ، ويُعادونَ مَن يُعادي اللهَ، وهم مُتَّبِعونَ لا مُبتدِعونَ، ويقتَدونَ ولا يَبتَدُونَ؛ ولهذا هم حِزبُ اللهِ المُفلِحونَ، وعِبادُه المؤمِنونَ [1685] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/203). .
قَولُ الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ يدخُلُ في هذا اللَّفظِ التَّابِعونَ، وسائِرُ الأمَّةِ، لكِنْ بِشَرطِ الإحسانِ [1686] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/75). .
دلَّ قولُه تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ على وجوبِ اتِّباعِ الصَّحابةِ الكِرامِ، ووجهُ الدَّلالةِ أنَّ اللهَ تعالى أثنى على مَن اتَّبَعَهم، فإذا قالوا قولًا فاتَّبَعَهم متَّبِعٌ عليه قبل أنْ يَعرِفَ صِحَّتَه، فهو متَّبِعٌ لهم، فيجِبُ أنْ يكون محمودًا على ذلك، وأنْ يستحِقَّ الرِّضوانَ [1687] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/94). .
اقتضى قولُه تعالى: اتَّبَعُوهُمْ الثناءَ على مَن يتَّبِعُ كلَّ واحدٍ منهم؛ لأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ عليهم، فقد تناولَهم مجتَمِعينَ ومُنفَرِدينَ، والأصلُ في الأحكامِ المعَلَّقةِ بأسماءٍ عامَّةٍ ثُبوتُها لكُلِّ فردٍ مِن تلك المسَمَّياتِ [1688] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/94). .
اللهُ سُبحانه رَضِيَ عن الصَّحابةِ السَّابقِينَ رِضًا مُطلقًا، بِقَولِه تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ فَرَضِيَ عن السَّابقينَ مِن غَيرِ اشتراطِ إحسانٍ، ولم يرضَ عن التَّابعينَ إلَّا أن يتَّبِعوهم بإحسانٍ وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [1689] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 572). [الفتح: 18].
دلَّ قولُه تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أنَّهم مِن أهلِ الثَّوابِ في الآخرةِ؛ وأنَّهم يموتونَ على الإيمانِ الذي به يستحِقُّونَ ذلك، فالرِّضا مِن اللهِ صِفةٌ أَزَليَّةٌ؛ فلا يرضى إلَّا عن عبدٍ عَلِمَ أنَّه يُوافِقُه على مُوجِبات الرِّضا، ومَن رَضِيَ اللهُ عنه لم يسخَطْ عليه أبدًا [1690] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 572). .
كلُّ مَن أخبَرَ اللهُ أنَّه رَضِيَ عنه؛ فإنَّه مِن أهلِ الجنَّةِ- وإنْ كان رِضاه عنه بعد إيمانِه وعملِه الصَّالحِ- فإنه يَذْكُرُ ذلك في مَعْرِضِ الثَّناءِ عليه والمَدحِ له، فلو علِمَ أنَّه يَتعقَّبُ ذلك ما يُسخِطُ الرَّبَّ، لم يكن مِن أهلِ ذلك [1691] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 573). .

بلاغة الآيتين:


قولُه تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه مناسَبةٌ حسَنةٌ؛ فإنَّه لَمَّا ذكَر تعالى مَن يتَّخِذُ ما يُنفِقُ مَغرَمًا في قولِه: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا- ذَكَر مُقابِلَه، وهو مَن يتَّخِذُ ما يُنفِقُ مَغنَمًا: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ، وذَكَر هنا الأصلَ الَّذي يتَرتَّبُ عليه إنفاقُ المالِ في القُرباتِ، وهو الإيمانُ باللهِ واليومِ الآخِرِ؛ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ إذ جَزاءُ ما يُنفِقُ إنَّما يَظهَرُ ثوابُه الدَّائمُ في الآخِرَةِ، وفي قصَّةِ أولئك اكتَفى بذِكْرِ نَتيجةِ الكُفرِ، وعدَمِ الإيمانِ، وهو اتِّخاذُه ما يُنفِقُ مَغرَمًا، وتَربُّصُه بالمؤمِنينَ الدَّوائِرَ، فقال: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [1692] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/493). .
قولُه: أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ في استِئْنافِ هذه الجُملةِ، وتَصديرِها بحَرفَيِ التَّنبيهِ والتَّحقيقِ (ألَا، إنَّ)، المُؤْذِنَينِ بثَباتِ الأمرِ وتمكُّنِه: شهادةٌ مِن اللهِ بصِحَّةِ ما اعتَقَده مِن إنفاقِه، فهِي مُستَأنَفةٌ مَسوقةٌ مَساقَ البِشارةِ لهم بقَبولِ ما رَجَوه، ومِثلُه قولُه: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وما في السِّينِ مِن تَحقيقِ الوَعدِ [1693] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/304)، ((تفسير أبي حيان)) (5/493)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/109)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/16). .
وقولُه: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ أيضًا جملةٌ واقِعةٌ مَوقِعَ البيانِ لجُملَةِ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ؛ لأنَّ القُربةَ عِندَ اللهِ هي الدَّرَجاتُ العُلا ورِضْوانُه، وذلك مِن الرَّحمةِ [1694] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/16). .
وقَولُ اللهِ تعالى: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ هذا أبلَغُ مِن مِثلِ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم برحمة منه [التوبة:21]، فإنَّ معنَى إدخالِهم فيها أن يكونوا مَغْمورين فيها، وتكونَ هي محيطةً بهم، شاملةً لهم [1695] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/11). .
قولُه تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
في هذه الآيةِ مُناسَبةٌ حسَنةٌ، فإنَّه تَعالى لَمَّا بَيَّن فَضائِلَ الأعرابِ المؤمِنين المتصَدِّقين، وما أعَدَّ لهم مِن النَّعيمِ، بيَّن حالَ هؤلاءِ السَّابِقين وما أعَدَّ لهم، وشَتَّانَ ما بينَ الإعدادَينِ والثَّناءَينِ؛ فهُناك قال: أَلَا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ، وهنا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهناك: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، وهنا: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، وهناك ختَم: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهنا: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [1696] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/494- 495). .
وفيه تَقديمُ الْمُهَاجِرِينَ؛ لفَضلِهم وشرَفِهم [1697] يُنظر: ((البرهان)) للزركشي (3/255- 256). .
وجملة: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خبَرٌ عَن السَّابِقُونَ، وتَقديمُ المُسنَدِ إليه وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ على خبَرِه الفِعليِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ لقَصدِ التَّقوِّي والتَّأكيدِ [1698] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/18). .
قولُه: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ فيه مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث خالَفَت هذه الآيةُ أخَواتِها؛ إذ لم تُذكَرْ فيها (مِنْ) معَ (تَحْتَهَا)- في غالِبِ المَصاحِفِ، وفي رِوايةِ جُمهورِ القُرَّاءِ- فكانَت خالِيةً مِن التَّأكيدِ؛ إذ ليسَ لِحَرفِ (مِن) مَعنًى معَ أسماءِ الظُّروفِ إلَّا التَّأكيدُ، ويَكونُ خُلُوُّ الجملةِ مِن التَّأكيدِ؛ لِحُصولِ ما يُغْني عنه مِن إفادةِ التَّقوِّي بتَقديمِ المسنَدِ إليه على الخَبَرِ الفِعليِّ، ومِن فِعْلِ (أَعَدَّ) المُؤْذِنِ بكَمالِ العِنايةِ، فلا يَكونُ المعَدُّ إلَّا أكمَلَ نَوعِه [1699] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/19). .
قولُه: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ في التَّعبيرِ باسْمِ الإشارةِ وما فيه مِن مَعنى البُعدِ: بيانٌ لِبُعدِ مَنزلتِهم في مَراتِبِ الفضلِ، وعِظَمِ الدَّرجةِ مِن مُؤمِني الأعرابِ [1700] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/97). .