موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (103-104)

ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ

غريب الكلمات:


وَتُزَكِّيهِمْ: أي: تُطَهِّرُهم، وتُنَمِّيهم وتَرفَعُهم، وأصلُ (زكو): يدلُّ على نماءٍ وزيادةٍ [1746] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/17)، ((المفردات)) للراغب (ص: 380، 381). .
وَصَلِّ: أي: استَغفِرْ وادعُ لهم [1747] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 31، 192)، ((المفردات)) للراغب (ص: 491)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 146)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 48). .
سَكَنٌ: أي: تثبيتٌ لهم، وطُمأنينةٌ وسكونٌ، وأصلُ (سكن): يدلُّ على خِلافِ الاضطرابِ والحَرَكةِ [1748] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 192)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 297)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/88)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 146)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 228). .

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ الله نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يأخُذَ مِن أموالِ المُسلِمينَ صَدَقةً يُطَهِّرُهم بها مِن دَنَس ذُنوبِهم، ويُزَكِّيهم بها، كما أمَرَه بالدُّعاءِ لهم عند أخذِ الصَّدَقاتِ؛ لأنَّ دُعاءَه لهم طُمأنينةٌ، وراحةٌ لِقُلوبِهم، واللهُ سَميعٌ عَليمٌ.
ألم يَعلَموا أنَّ الله وَحْدَه هو مَن يَقبَلُ التَّوبةَ مِن التَّائبينَ، ويقبَلُ صَدَقاتِ عِبادِه، وأنَّه هو التَّوابُ الرَّحيمُ.

تفسير الآيتين:


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّهم لَمَّا أظهَروا التَّوبةَ والنَّدامةَ، عن تخلُّفِهم عن غزوةِ تَبوكَ، وهم أقَرُّوا بأنَّ السَّبَبَ الموجِبَ لذلك التخَلُّفِ حُبُّهم للأموالِ، وشِدَّةُ حِرصِهم على صَونِها عن الإنفاقِ، فكأنَّه قيل لهم: إنَّما يظهرُ صِحَّةُ قَولِكم في ادِّعاءِ هذه التَّوبةِ والنَّدامةِ، لو أخرَجتُم الزَّكاةَ الواجِبةَ، ولم تُضايقوا فيها؛ لأنَّ الدَّعوى لا تتقَرَّرُ إلَّا بالمعنى، وعند الامتحانِ يُكرَمُ الرَّجُلُ أو يهانُ؛ فإن أدَّوا تلك الزَّكَواتِ عن طِيبةِ النَّفسِ، ظهَرَ كَونُهم صادقينَ في تلك التَّوبةِ والإنابةِ، وإلَّا فهم كاذِبونَ مُزَوِّرونَ بهذا الطَّريقِ [1749] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/134). .
وأيضًا لَمَّا كان مِن شَرطِ التَّوبةِ تَدارُكُ ما يمكِنُ تَدارُكُه ممَّا فات، وكان التخلُّفُ عن الغَزوِ مُشتَمِلًا على أمرينِ، هما: عدمُ المُشاركةِ في الجهادِ، وعَدَمُ إنفاقِ المالِ في الجهادِ؛ جاء في هذه الآيةِ إرشادٌ لِطَريقِ تَدارُكِهم ما يمكِنُ تَدارُكُه ممَّا فات، وهو: نفعُ المُسلِمينَ بالمالِ [1750] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/22). .
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
أي: خُذ- يا محمَّدُ- من أموالِ المُسلِمينَ [1751] ذهَب بعضُ المفسِّرينَ إلى أن الضَّميرَ في قولِه:أَمْوَالِهِمْ يعودُ إلى الذين اعتَرَفوا بذنوبِهم، فتابوا منها. وممن اختار ذلك: ابنُ جريرٍ، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/22). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ ابنُ عبَّاسٍ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقتادةُ، والضحَّاك، وابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659). وذهب بعضُهم إلى أنَّ المرادَ العمومُ، وممَّن اختار ذلك: ابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/207)، ((تفسير الشوكاني)) (2/454). صَدقةً [1752] قيل: المرادُ بها: الزَّكاةُ المفروضةُ، وممَّن اختار ذلك: السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 350). وأكثرُ الفقهاءِ استدلُّوا بهذه الآيةِ في إيجابِ الزَّكوات. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/134). تُطَهِّرُهم [1753] قال القرطبي: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا حالَينِ للمُخاطَبِ، التقديرُ: خُذْها مُطَهِّرًا لهم ومُزَكِّيًا لهم بها. ويجوزُ أن يجعَلَهما صِفَتينِ للصَّدقة، أي صدقةً مُطَهِّرةً لهم مُزَكِّيةً، ويكون فاعِلُ تُزَكِّيهِمْ المُخاطَب، ويعودُ الضَّميرُ الذي في بِهَا على الموصوفِ المُنكَّرِ). ((تفسير القرطبي)) (8/249). وقال ابنُ عاشور: (التاءُ في تُطَهِّرُهُمْ تحتمِلُ أن تكونَ تاء الخطابِ؛ نَظرًا لِقَولِه: خُذْ، وأن تكونَ تاء الغائبةِ عائدةً إلى الصَّدقةِ. وأيًّا ما كان، فالآية دالَّةٌ على أنَّ الصَّدَقةَ تُطَهِّرُ وتزَكِّي). ((تفسير ابن عاشور)) (11/22). مِن دَنَسِ ذُنوبِهم [1754] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659)، ((تفسير القرطبي)) (8/249)، ((تفسير ابن كثير)) (4/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/22). .
عن جابِرِ بنِ عبدِ الله رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((والصَّدَقةُ تُطفِئُ الخَطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ )) [1755] أخرجه أحمد (15284 )، وأبو يعلى في ((المسند)) (1999 )، وابن حبان في ((الصحيح)) (1723 )، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5377). صحَّح إسنادَه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (2/58)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (866)، وحسَّنه الوادعي في ((صحيح دلائل النبوة)) (564). .
وَتُزَكِّيهِم بِهَا.
أي: وتُنَمِّي أموالَهم، وتزيدُ في أخلاقِهم الحسَنةِ، وأعمالِهم الصَّالحةِ، وفي ثوابِهم الدُّنيويِّ والأُخرويِّ [1756] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659، 662)، ((البسيط)) للواحدي (11/35)، ((تفسير ابن عطية)) (3/78)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/23). .
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ.
أي: وادْعُ- يا مُحمَّدُ- للمُسلِمينَ عند أخْذِك صَدَقاتِهم؛ لأنَّ دُعاءَك لهم طُمأنينةٌ، وراحةٌ لقُلوبِهم [1757] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659)، ((البسيط)) للواحدي (11/38)، ((تفسير ابن عطية)) (3/78)، ((تفسير القرطبي)) (8/250)، ((تفسير ابن كثير)) (4/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/23). .
عن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفى رَضِيَ الله عنهما، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أتاه قومٌ بصَدَقَتِهم قال: اللَّهُمَّ صَلِّ عليهم، فأتاه أبي أبو أوفَى بصَدَقتِه، فقال: اللهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أوفَى [1758] اللهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أوفَى: أي: اغفِرْ لهم وارحمْهم. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/79). ) [1759] رواه البخاري (1497)، ومسلم (1078). .
وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي: واللهُ سَميعٌ لأقوالِ عبادِه، مُجيبٌ لِدُعائِهم- ومن ذلك سماعُه دُعاءَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عليمٌ بنِيَّاتِهم وأحوالِهم، ويُجازيهم بحسَبِ أعمالِهم [1760] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/659)، ((البسيط)) للواحدي (11/39)، ((تفسير ابن عطية)) (3/78)، ((تفسير الرازي)) (16/139)، ((تفسير ابن كثير)) (4/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 350)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/23). .
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا حكى اللهُ تعالى عن القومِ الذينَ تقَدَّمَ ذِكرُهم أنَّهم تابوا عن ذُنوبِهم، وأنَّهم تصَدَّقوا، وهناك لم يُذكَرْ إلَّا قولُه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وما كان ذلك صريحًا في قَبولِ التَّوبةِ؛ ذكَرَ في هذه الآيةِ أنَّه يقبَلُ التَّوبةَ، وأنَّه يأخُذُ الصَّدَقاتِ، والمقصودُ ترغيبُ مَن لم يتُبْ في التوبةِ، وترغيبُ كلِّ العُصاةِ في الطاعةِ [1761] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/139). .
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ.
أي: ألَم يَعلَمُوا [1762] قال محمد رشيد رضا: (أي: ألم يعلَمْ أولئك التائبونَ من ذَنبِهم أنَّ الله هو الذي يقبلُ توبةَ التَّائبينَ مِن عبادِه، ولم يجعَلْ ذلك لرسولِه، بَلْهَ مَن دونه مِن خَلْقِه، فالاستفهامُ لتقريرِ ما دلَّ عليه القرآنُ، وكونه هو الذي حمَلَهم على التَّوبةِ- أو ألمْ يعلَمِ المؤمنون كافَّةً هذا، وهو مقتضى الإيمانِ ومُوجِبُه؟ والاستفهامُ على هذا تحضيضٌ على هذا العِلمِ وما يستلزِمُه من التَّوبة. وقبولُ التوبةِ عنهم. قيل: إنَّه بمعنى قَبولِها منهم، نحو: لا صدقةَ إلَّا عن غنًى ومِن غِنًى، وقيل: إنَّ القبولَ هنا قد تضمَّنَ معنى التجاوُزِ والصَّفحِ، أي: هو الذي يقبَلُها منهم متجاوِزًا عن ذنوبِهم عَفوًا عنها، وهذا أبلَغُ). ((تفسير المنار)) (11/26). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/24). أنَّ اللهَ وَحْدَه هو الذي يقبَلُ التَّوبةَ من التَّائبينَ، ويقبَلُ الصَّدَقاتِ مِن عبادِه إذا كانت طيِّبةً خالصةً للهِ ربِّ العالَمينَ [1763] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/664)، ((البسيط)) للواحدي (11/39)، ((تفسير ابن عطية)) (3/79)، ((تفسير الشوكاني)) (2/455)، ((تفسير السعدي)) (ص: 351). ؟
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمَرَ المؤمنينَ بما أمَرَ به المُرسَلينَ، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يمُدُّ يَدَيه إلى السَّماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حَرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حَرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!)) [1764] رواه مسلم (1015). .
وعن أبي هريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما تصدَّقَ أحدٌ بصدقةٍ من طيِّبٍ- ولا يقبلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخَذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تكونَ أعظمَ من الجبلِ، كما يُربِّي أحدُكم فَلُوَّه [1765] الفَلُوُّ: المُهرُ، وهو الصَّغِيرُ من أولادِ الفَرَسِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه فُصِلَ وعُزِلَ عن أمه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/99). أو فصيلَه [1766] الفَصيلُ: ولَدُ النَّاقةِ إذا فُصِلَ مِن إرضاعِ أمِّه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/99). ) [1767] رواه البخاري (1410)، ومسلم (1014) واللفظ له. .
وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
أي: وأيضًا ألم يعلموا أنَّ الله كثيرُ التَّوبةِ عن عبادِه، ويعفو عمَّن تاب إليه، ولو تكرَّرَ منه الذَّنبُ مِرارًا، واسِعُ الرَّحمةِ بالتَّائبينَ، فلا يُعاقِبُهم بل يُثيبُهم [1768] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/664)، ((تفسير أبي السعود)) (4/100)، ((تفسير الشوكاني)) (2/455)، ((تفسير الألوسي)) (6/16)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/27)، ((تفسير السعدي)) (ص: 351). .

الفوائد التربوية:


في قَولِ الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا أنَّ العَبدَ لا يُمكِنُه أن يتطهَّرَ ويتزكَّى حتى يُخرِجَ زكاةَ مالِه، وأنَّه لا يُكَفِّرُها شيءٌ سوى أدائِها؛ لأنَّ الزكاةَ والتطهيرَ متوقِّفٌ على إخراجِها [1769] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:350). .
قال الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يُؤخَذُ من المعنى أنَّه ينبغي إدخالُ السُّرورِ على المؤمِنِ بالكلامِ اللَّيِّنِ، والدُّعاءِ له، ونحو ذلك ممَّا يكونُ فيه طُمأنينةٌ وسكونٌ لِقَلبِه مشروعٌ [1770] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:350). .
قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يُؤخَذُ من المعنى أنَّه ينبغي تنشيطُ مَن أنفَقَ نفقةً، وعَمِلَ عملًا صالحًا، بالدُّعاءِ له والثَّناءِ ونحوِ ذلك [1771] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:350). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً فيه دَلالةٌ على وجوبِ الزَّكاةِ في جميعِ الأموالِ، وهذا إذا كانت للتِّجارةِ ظاهرةً، فإنَّها أموالٌ تُنمَّى ويُكتسَبُ بها، فمِنَ العَدلِ أن يُواسى منها الفُقراءُ، بأداءِ ما أوجَبَ الله فيها من الزَّكاةِ، وما عدا أموالَ التِّجارةِ، فإن كان المالُ يُنمَّى، كالحُبوب، والثِّمار، والماشية المُتَّخَذة للنَّماءِ والدَّرِّ والنَّسل، فإنها تجِبُ فيها الزكاةُ، وإلَّا لم تجِبْ فيها؛ لأنَّها إذا كانت للقِنيةِ، لم تكُن بمنزلةِ الأموالِ التي يتَّخِذُها الإنسانُ في العادةِ مالًا يُتمَوَّلُ، ويُطلَبُ منه المقاصِدُ الماليَّةُ، وإنَّما صُرِفَ عن الماليَّةِ بالقِنيةِ ونَحوِها [1772] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:350). .
قَولُ الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يُستدَلُّ به في وجوبِ الزَّكاةِ في الماشيةِ والثِّمارِ؛ لأنَّها أكثَرُ أموالِ الصَّحابةِ إذ ذاك [1773] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:144). .
قَولُ الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يدلُّ على أنَّ القَدرَ المأخوذَ بعضُ تلك الأموالِ لا كُلُّها؛ إذ مقدارُ ذلك البعضِ غيرُ مذكورٍ هاهنا بصريحِ اللَّفظِ، بل المذكورُ هاهنا قولُه: صَدَقَةً، ومعلومٌ أنَّه ليس المرادُ منه التَّنكيرَ حتى يكفِيَ أخْذُ أيِّ جزءٍ كان، وإن كان في غايةِ القِلَّةِ، مثل الحبَّةِ الواحدة من الحِنطةِ، أو الجزءِ الحَقيرِ مِن الذَّهَب، فوجبَ أن يكونَ المرادُ منه صدَقةً مَعلومةَ الصِّفةِ والكيفيَّة والكمِّيَّة عندَهم، حتى يكونَ قَولُه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً أمرًا بأخذِ تلك الصَّدَقةِ المعلومةِ، فحينئذٍ يزولُ الإجمالُ، ومعلومٌ أنَّ تلك الصَّدَقةَ ليست إلَّا الصَّدَقاتِ التي وصَفَها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَّنَ كَيفيَّتَها، فكان قَولُه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً أمرًا بأن يأخُذَ تلك الأشياءَ المخصوصةَ والأعيانَ المخصوصةَ، وظاهِرُ الآيةِ للوُجوبِ [1774] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/134- 135). .
ظاهِرُ عُمومِ قَولِ الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يوجِبُ الزكاةَ في مالِ المَديونِ، وفي مالِ الضَّمانِ [1775] يُنظر: ((تفسير الرازي))  (16/135). .
قَولُ الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً فيه دليلٌ على أنَّ الإمامَ هو الذي يتولَّى أخذَ الصَّدَقاتِ وينظُرُ فيها [1776] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/499). .
قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ إنَّما حسُنَ جعْلُ الصَّدَقةِ مُطهِّرةً؛ لِما جاء أنَّ الصَّدَقةَ أوساخُ النَّاسِ، فإذا أُخِذَت الصَّدَقةُ فقد اندَفَعَت تلك الأوساخُ، فكان اندفاعُها جاريًا مَجرى التَّطهيرِ، والله أعلم [1777] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/135). .
قَولُ اللهِ تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ فيه استحبابُ الدُّعاءِ مِن الإمامِ أو نائِبِه لِمَن أدَّى زكاتَه بالبَرَكةِ، وأنَّ ذلك ينبغي أن يكونَ جهرًا، بحيث يسمَعُه المتصَدِّقُ فيسكُنُ إليه [1778] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:350). .
في قَولِه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ دليلٌ على أنَّ عمَلَ الحسَناتِ يُطَهِّرُ النفسَ ويزكِّيها من الذُّنوبِ السَّالفةِ [1779] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/635). .
في قَولِه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا دليلٌ على أنَّ الصَّدَقةَ تُوجبُ الطَّهارةَ من الذُّنوبِ، وتُوجِبُ الزكاةَ، التي هي العمَلُ الصالحُ [1780] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (15/387). .
التَّطهيرُ من الذَّنبِ يكونُ إمَّا بألَّا يفعلَه العبدُ، وإمَّا بأنْ يتوبَ منه، كما في قَولِه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [1781] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (7/80). .
قَولُ الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ في التَّعبيرِ بأخذِ اللهِ تعالى بعدَ قَولِه للنبيِّ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تشريفٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ بِكونِه تعالى هو الذي يأخُذُ ما أمَرَه بأخْذِه [1782] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/27). ، كما أنَّ في إسنادِ الأخذِ إليه سُبحانه بعد أمْرِه لِرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأخْذِها، تشريفًا عظيمًا لهذه الطَّاعةِ، ولِمَن فعَلَها [1783] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/455). .
قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا، في قولِه: تُطَهِّرُهُمْ إشارةٌ إلى مقامِ التَّخليةِ عن السَّيِّئاتِ، وقولُه: وَتُزَكِّيهِمْ إشارةٌ إلى مقامِ التَّحليةِ بالفضائِلِ والحَسَناتِ، ولا جرَمَ أنَّ التَّخليةَ مُقَدَّمةٌ على التَّحليةِ [1784] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/22). .
دلَّ قولُه تعالى: إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أنَّ المُؤمِنَ ينتَفِعُ بما ليس مِن سَعْيِه- كما قد ثبَتَ بالنُّصوصِ المُتواتِرةِ وإجماعِ سَلَفِ الأمَّةِ- كدُعاءِ المُصَلِّينَ للمَيِّتِ، ولِمَن زاروا قبرَه مِن المُؤمِنينَ [1785] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/499). .
قَولُ الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ نزَّلَ جميعَهم منزلةَ مَن لا يعلَمُ قَبولَ التَّوبةِ؛ لأنَّ حالَهم حالُ مَن لا يعلَمُ ذلك، سواءٌ في ذلك مَن يعلَمُ قَبولَها، ومن لا يعلَمُ حَقيقةً، وكان الكلامُ أيضًا مَسوقًا للتَّحضيضِ [1786] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/24). .

بلاغة الآيتين:


قولُه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قولُه: إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ تعليلٌ للأَمرِ بالصَّلاةِ علَيهِم بأنَّ دُعاءَه سكَنٌ لهم، أي: سبَبُ سكَنٍ لهم، أي: خيرٍ [1787] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/23). ، مع ما فيه مِن التَّأكيدِ بـ(إنَّ) واسميَّةِ الجُملةِ.
قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قولُه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ استئنافٌ بيانيٌّ ناشئٌ عن التَّعليلِ بقولِه: إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لهم؛ لأنَّه يُثيرُ سؤالَ مَن يَسأَلُ عَن مُوجِبِ اضطِرابِ نُفوسِهم بعدَ أن تابوا، فيَكونُ الاستِفْهامُ تقريرًا مَشوبًا بتَعْجيبٍ مِن تَردُّدِهم في قَبولِ توبتِهم، والمقصودُ منه التَّذكيرُ بأمرٍ معلومٍ؛ لأنَّهم جرَوْا على حالِ نِسْيانِه، ويَكونُ ضميرُ يَعْلَمُوا عائدًا إلى الَّذين اعتَرَفوا بذُنوبِهم [1788] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/24). .
قولُه: أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، هُوَ للتَّخصيصِ والتَّأكيدِ أنَّ اللهَ تعالى مِن شأنِه قَبولُ توبةِ التَّائبين، ومعنى التَّخصيصِ في هُوَ أنَّ ذلك ليس إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّما اللهُ سُبحانَه هو الَّذي يَقبَلُ التَّوبةَ ويَرُدُّها، فاقصِدوه بها، ووَجِّهوها إليه [1789] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/308)، ((تفسير ابن عطية)) (3/79)، ((تفسير أبي حيان)) (5/500)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/27). .
قَولُ الله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ هذه الجملةُ الاسميَّةُ المؤكَّدةُ بـ(أنَّ) وبضميرِ الفَصلِ (هو)، الدَّالَّة على الحصرِ، وما فيها من صيغةِ المبالغةِ بمعنى الكثرةِ مِن التَّوبةِ، ومُبالغةِ الصِّفةِ الرَّاسخة من الرَّحمةِ؛ تفيدُ أعظَمَ البُشرى للتَّائِبينَ، وأبلغَ التَّرغيبِ في التَّوبة للمُذنِبينَ [1790] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/27). .