موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (20-22)

ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ

غريب الكلمات:


مُقِيمٌ: أي: دائِمٌ ثابتٌ مُستمِرٌّ، ويُعبَّر بالإقامةِ عن الدوامِ، وأصلُ (قوم): يدلُّ على انتصابٍ أو عَزمٍ [288] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/406)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 693)، ((تفسير ابن كثير)) (7/101)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 884). .

المعنى الإجمالي:


يُبيِّنُ تعالى أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذين آمَنُوا وترَكُوا ديارَ الكُفرِ إلى ديارِ الإيمانِ بِهجرَتِهم إلى المدينةِ، وجاهَدُوا بأموالِهم وأنفُسِهم؛ لِتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العليا؛ هم أرفَعُ درجةً مِن سُقاةِ الحاجِّ وعُمَّارِ المسجِدِ الحرامِ مِن المُشرِكينَ، وأولئك هم الفائِزونَ، يُبشِّرُهم ربُّهم جلَّ وعلا برحمةٍ عظيمةٍ، ورضًا منه، وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ دائِمٌ لا يزولُ، ماكثينَ فيها على الدَّوامِ، إنَّ اللهَ عنده أجرٌ عَظيمٌ.

تفسير الآيات:


الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما حكَم الله تعالى بأنَّ الصنفينِ لا يستوون بقولِه: لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ؛  بيَّن ذلك وأوضَحه، فعدَّد الإيمانَ والهجرةَ والجهادَ، وحكَم أنَّ أهلَ هذه الخصالِ أعْظمُ دَرَجَةً عندَ اللَّهِ مِن جميعِ الخلق، ثم حكَم لهم بالفوزِ برحمتِه ورضوانِه، مع تفصيلٍ للجهادِ المذكورِ في قولِه: وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ بأنَّه الجِهادُ بالأموالِ والأنفُسِ [289] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/17)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/148). .
الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ.
أي: أصحابُ مُحمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، الذين آمَنوا باللهِ تعالى، وبِكُلِّ ما يجِبُ عليهم الإيمانُ به، وهاجَرُوا مِن أوطانِهم ودِيارِهم إلى مَدينةِ رَسولِ اللهِ، وجاهَدوا لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى بأموالِهم وأنفُسِهم، أولئك أرفَعُ مَنزلةً، وأعلى مكانةً عِندَ اللهِ مِن سُقاةِ الحاجِّ، وعُمَّارِ المَسجِدِ الحَرامِ مِن المُشركينَ [290] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/382)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/438)، ((البسيط)) للواحدي (10/339)، ((تفسير ابن عطية)) (3/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/148)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/343). .
كما قال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 95-96].
وقال سبحانه: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: 10].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: قال النَّبيُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحَدَكم أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بلغ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصِيفَه [291] النَّصيفُ: أي: نِصفُ الْمُدِّ. والمعنى: لا ينالُ أحَدُكم بإنفاقِ مِثلِ أُحُدٍ ذَهبًا مِن الأجْرِ والفَضلِ، ما ينالُ أحدُهم بإنفاقِ مُدِّ طَعامٍ أو نِصفٍ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (9/3875). ) [292] رواه البخاري (3673) واللفظ له، ومسلم (2540). .
  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
أي: وأولئك- الذين آمَنوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سبيلِ اللهِ- هم الذينَ يَظفَرونَ بِمَطلوبِهم بِدُخولِ الجنَّةِ، والنَّجاةِ مِن النَّارِ [293] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/382)، ((البسيط)) للواحدي (10/339، 340)، ((تفسير ابن عطية)) (3/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/343). .
كما قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: 185].
وقال سُبحانه: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 20].
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما قال الله تعالى: أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، وقال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ؛ أتبَعه ببيانِ هذه الدَّرَجةِ العَظيمةِ، وهذا الفَوزِ المُجمَلِ [294] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/198)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/149). ، فقال:
   يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ.
أي: يُعْلِمُ اللهُ الذين آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ، بأنَّ لهم رحمةً عظيمةً مِن ربِّهم، يزولُ بها عنهم الشرورُ، ويصلُ إليهم بها كلُّ خيرٍ، وأنَّه رَضِيَ عنهم رضًا كامِلًا، فلا يسخطُ عليهم أبدًا [295] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/382)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/439)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 458)، ((تفسير أبي حيان)) (5/389)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/149). .
كما قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100].
وقال عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف: 10 - 13].
وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ يقولُ لأهلِ الجنَّةِ: يا أهلَ الجنَّةِ. فيقولون: لبَّيكَ رَبَّنا وسَعْدَيكَ، والخيرُ في يديكَ. فيقولُ: هل رَضِيتُم؟ فيقولونَ: وما لنا لا نَرضَى يا رَبِّ، وقد أعطيتَنا ما لم تُعطِ أحدًا مِن خَلْقِك؟! فيقولُ: ألَا أُعطِيكم أفضَلَ مِن ذلك؟ فيقولونَ: يا ربِّ، وأيُّ شَيءٍ أفضَلُ مِن ذلك؟! فيقولُ: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بَعدَه أبدًا )) [296] رواه البخاري (7518)، ومسلم (2829). .
وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ.
أي: ويُبَشِّرُهم اللهُ أيضًا بجنَّاتٍ لهم فيها نعيمٌ دائِمٌ لا يَزولُ [297] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/382)، ((البسيط)) للواحدي (10/340)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/353). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: 8].
وقال سُبحانه: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: 11].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ في الجنَّةِ مِئةَ درجةٍ، أعَدَّها اللهُ للمُجاهِدينَ في سبيلِه، كُلُّ دَرَجتَينِ ما بينهما كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سألتُمُ اللهَ فَسَلُوه الفِردَوسَ؛ فإنَّه أوسَطُ الجَنَّةِ، وأعلى الجنَّةِ، وفَوقَه عَرشُ الرَّحمنِ، ومنه تفَجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ )) [298] رواه البخاري (7423). .
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22).
َالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
أي: ماكِثينَ في تلك الجَنَّاتِ بلا نهايةٍ [299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/354). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 107- 108].
إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
أي: إنَّ اللهَ عنده جزاءٌ وثوابٌ كَبيرٌ على الأعمالِ الصَّالحةِ، يمنَحُه للمُؤمِنينَ في الآخرةِ [300] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/354). .
كما قال تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17].
وقال سُبحانه: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف: 68-73].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ قال في وَصفِهم أَعْظَمُ دَرَجَةً مع أنَّه ليس للكُفَّارِ دَرَجةٌ؛ لِوجوهٍ:
الأول: أنَّ هذا ورَدَ على حسَبِ ما كانوا يُقَدِّرونَ لأنفُسِهم مِن الدَّرَجةِ والفَضيلةِ عند اللهِ.
الثاني: أن يكونَ المُرادُ أنَّ أولئك أعظَمُ دَرَجةً مِن كلِّ مَن لم يكُنْ مَوصوفًا بهذه الصِّفاتِ؛ تنبيهًا على أنَّهم لَمَّا كانوا أفضَلَ مِن المؤمنينَ الذين ما كانوا مَوصوفِينَ بهذه الصِّفاتِ، فبِألَّا يُقاسُوا إلى الكُفَّارِ أَوْلى.
الثالثُ: أن يكونَ المُرادُ أنَّ المُؤمِنَ المُجاهِدَ المُهاجِرَ أفضَلُ ممَّن على السِّقايةِ والعِمارةِ، والمُرادُ منه ترجيحُ تلك الأعمالِ على هذه الأعمالِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّقايةَ والعِمارةَ مِن أعمالِ الخَيرِ، وإنَّما بطَلَ إيجابُهما للثَّوابِ في حقِّ الكُفَّارِ؛ لأنَّ قِيامَ الكُفرِ- الذي هو أعظَمُ الجِناياتِ- يمنَعُ ظُهورَ ذلك الأثَرِ [301] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/14). .
2- في قولِه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ إلى قولِه سبحانه: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ رَدٌّ على المرجئةِ فيما يزعمون أنَّ المرءَ بكلمةِ الإخلاصِ وحدَها مستكملٌ الإيمانَ؛ ومَن كان مستكملَ الإيمان فهو في الجنةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يشهدْ بالفوزِ بالجنةِ والرحمةِ والرضوانِ في هذه الآيةِ إلَّا بالهجرةِ والجهادِ بالأموالِ والأنفسِ [302] يُنظر: ((النُّكتُ الدّالّة على البيان)) للقَصَّاب (1/499). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ لَمَّا كانت الأوصافُ التي تحَلَّوا بها، وصارَوا بها عَبِيدَه حقيقةً، هي ثلاثةً: الإيمانُ، والهِجرةُ، والجِهادُ بالمالِ والنَّفسِ- قُوبِلوا في التَّبشيرِ بثَلاثةٍ: الرَّحمةِ، والرِّضوانِ، والجنَّاتِ. فبدَأَ بالرَّحمةِ؛ لأنَّها الوَصفُ الأعَمُّ النَّاشِئُ عنها تيسيرُ الإيمانِ لهم، وثنَّى بالرِّضوانِ؛ لأنَّه الغايةُ مِن إحسانِ الرَّبِّ لِعَبدِه، وهو مُقابِلُ الجهادِ؛ إذ هو بَذْلُ النَّفسِ والمالِ، وقُدِّمَ على الجنَّاتِ؛ لأنَّ رِضا اللهِ عن العَبدِ أفضَلُ مِن إسكانِهم الجنَّةَ، وأتى ثالثًا بِقَولِه: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، أي: دائِمٌ لا ينقطِعُ. وهذا مُقابِلٌ لِقَولِه: وَهَاجَرُوا لأنَّهم تركُوا أوطانَهم التي نَشَؤوا فيها، وكانوا فيها مُنعَّمِينَ، فآثَرُوا الهِجرةَ على دارِ الكُفرِ إلى مُستَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالةِ، فقُوبِلوا على ذلك بالجَنَّاتِ ذواتِ النَّعيمِ الدَّائِمِ، فجاء التَّرتيبُ في أوصافِهم على حسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثمَّ الهِجرةُ، ثمَّ الجِهادُ. وجاء التَّرتيبُ في المُقابِلِ على حسَبِ الأعَمِّ، ثمَّ الأشْرَفِ، ثمَّ التَّكميلِ [303] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/389، 390). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ قَولُه: وَرِضْوَانٍ أي: نَوعٍ مِن الرِّضَا التَّامِّ الكامِلِ، الذي لا يَشُوبُه ولا يَعقُبُه سَخَطٌ؛ يدُلُّ على هذا المعنى زيادةُ لَفظِ (رِضوانٍ) في المبنى على لَفظِ (رِضا) مع تنكيرِه [304] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/199). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
- قَولُ الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ المفضَّل عليه محذوفٌ؛ لظهورِه: أي أعظمُ درجةً عندَ الله مِن أصحابِ السِّقاية والعمارةِ الذين آمنوا ولم يُهاجروا، ولم يُجاهدوا الجهادَ الكثيرَ الذي جاهده المسلمونَ أيامَ بقاءِ أولئك في الكفرِ [305] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/148). . وقيل: لم يُعيِّنْ ذِكرَهم، فلم يقُلْ: (أعظَمُ درجةً مِن المشتَغِلينَ بالسِّقايةِ والعِمارةِ)؛ لأنَّه لو عيَّنَ ذِكرَهم لأوهَمَ أنَّ فَضيلَتَهم إنَّما حصَلَت بالنِّسبةِ إليهم، ولَمَّا ترَكَ ذِكرَ المَرجوحِ، دلَّ ذلك على أنَّهم أفضَلُ مِن كلِّ مَن سِواهم على الإطلاقِ؛ لأنَّه لا يُعقَلُ حُصولُ سَعادةٍ وفَضيلةٍ للإنسانِ أعلى وأكمَلَ مِن هذه الصِّفاتِ [306] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/13-14). .
- قولُه: وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ جملةٌ مَعطوفةٌ على أَعْظَمُ دَرَجَةً، أي: أَعْظمُ، وهم أصحابُ الفَوزِ، وتَعريفُ الْفائِزُونَ باللَّامِ مُفيدٌ للقَصْرِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائيٌّ؛ للمُبالَغةِ في عِظَمِ فوزِهِم، حتى إنَّ فوزَ غيرِهم بالنِّسبةِ إلى فوزِهِم يُعَدُّ كالمعدومِ [307] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/148). .
- والإتيانُ باسمِ الإشارةِ (أُولئِكَ)؛ للتَّنبيهِ على أنَّهم اسْتَحقُّوا الفوزَ لأجْلِ تِلك الأوصافِ التي مَيَّزتْهم، وهي: الإيمانُ، والهِجْرةُ، والجِهادُ بالأموالِ والأنْفُسِ [308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/148).  .
2- قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ
- قولُه: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فيه التَّعرُّضُ لعُنوانِ الربوبيَّة؛ تأكيدًا للمُبشَّرِ به، وتَربيةً له [309] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/53). ؛ فأُسْنِدَ التَّبشيرُ إلى رَبُّهُمْ؛ لِمَا في ذلك من الإحسانِ إليهم بأنَّ مالِكَ أَمْرِهم، والنَّاظِرَ في مصالِحهم هو الذي يُبشِّرُهم [310] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/389). .
- وإسنادُ التَّبشيرِ إلى اسمِ الجَلالةِ بِصيغةِ المُضارِعِ- المُفيدِ للتَّجَدُّدِ- مُؤذِنٌ بتَعاقُبِ الخَيراتِ عليهم، وتَجَدُّدِ إدخالِ السُّرورِ بذلك لهم؛ لأنَّ تجَدُّدَ التَّبشيرِ يُؤذِنُ بأنَّ المُبَشَّرَ به شَيءٌ لم يكُن معلومًا للمبشَّرِ، وإلَّا لكان الإخبارُ به تحصيلًا للحاصِلِ [311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/149). .
- قولُه: بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ فيه تَنكيرُ الرَّحمةِ والرِّضوانِ؛ للتَّفخيمِ والتَّعظيمِ [312] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/390). .
3- قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
- قولُه: خالِدِينَ فِيها أَبَدًا أكَّدَ الخُلُودَ بالتَّأبيدِ؛ لأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ للمُكْثِ الطَّويلِ [313] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/75)، ((تفسير أبي السعود)) (4/53). .
- وقولُه: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ استئنافٌ وَقَعَ تعليلًا لِمَا سَبَق [314] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/53). ، مع ما فيه من التَّأكيدِ بـ(إنَّ) واسميَّةِ الجُمْلةِ.