موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (23-24)

ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ

غريب الكلمات:


وَعَشِيرَتُكُمْ: العَشِيرَةُ: أهلُ الرَّجل الذين يتكثَّر بهم، أو الجماعةُ التي ترجِعُ إلى عَقدٍ واحدٍ كعَقدِ العشرةِ فما زادَ، ومنه المعاشرَةُ، وهي الاجتماعُ على الشَّيءِ، وَأصلُ (عشر): يدلُّ على مداخلةٍ ومخالطةٍ [315] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/324)، ((المفردات)) للراغب (ص: 567)، ((تفسير القرطبي)) (8/95). .
اقْتَرَفْتُمُوهَا: أي: اكتَسَبتُموها وحصَّلْتُموها، والاقترافُ: الاكْتِسابُ، حُسنًا كان أو سُوءًا، وهو في الإساءةِ أكثرُ استعمالًا، وأصلُ (الاقترافِ): اقتطاعُ الشيءِ مِن مكانِه إلى غيرِه، وأصلُ (قرف): يَدُلُّ عَلَى مُخالطةِ الشَّيءِ، والالتِباسِ به، وادِّراعِه، ومنه: اقْتَرفْتُ الشَّيءَ: اكْتَسَبْتُه، وكأنَّه لابَسَه وادَّرَعه [316] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/384)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 158)،  ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 105)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/73)، ((المفردات)) للراغب (ص: 667)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 136)، ((تفسير القرطبي)) (8/95)، ((تفسير ابن كثير)) (4/124). .
كَسَادَهَا: أي: فَوَاتَ وَقتِ رواجِها، والكَسادُ: خِلافُ النَّفاقِ ونقِيضُه، وأصلُ (كسد): يدلُّ على الشَّيءِ الدُّونِ لا يُرغَبُ فيه [317] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/180)، ((لسان العرب)) لابن منظور (3/380)، ((تفسير أبي السعود)) (4/54)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .
فَتَرَبَّصُوا: أي: انتَظِرُوا وتمهَّلُوا، والتَّربُّصُ: الانتِظارُ بالشَّيءِ، وأصلُ (ربص): يدلُّ على الانتظارِ [318] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/477)، ((المفردات)) للراغب (ص: 338)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 198). .

المعنى الإجمالي:


ينهى اللهُ المُؤمِنينَ عن مُوالاةِ آبائِهم وإخوانِهم في النَّسَبِ إن اختارُوا الكُفرَ باللهِ، وآثَرُوه على الإيمانِ، وأخبَرَ أنَّه مَن يتوَلَّهم فأولئك هم الظَّالِمونَ.
وأمَرَ نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ لهم: إنْ كان آباؤُهم وأبناؤُهم وإخوانُهم وأزواجُهم وعمومُ أقاربِهم، وأموالٌ اكتَسَبُوها، وتَعِبُوا في تحصيلِها، وتجارةٌ يَخافونَ إن هاجَرُوا  أن تكسُدَ، وبيوتٌ يُحِبُّونَها، ولا يُريدونَ مُفارَقتَها؛ أحَبَّ إليهم مِن اللهِ ورَسولِه وجهادٍ لإعلاءِ كلمَتِه- فَلْينتَظِروا حتى يأتيَهم اللهُ بعُقوبةٍ عاجلةٍ أو آجِلةٍ، واللهُ لا يهدي القَومَ الفاسِقينَ.

تفسير الآيتين:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ.
أي: يا أيُّها الذين آمَنوا، لا تتَّخِذوا آباءَكم وإخوانَكم في النَّسَبِ بِطانةً وأصدقاءَ، تُناصِرونَهم، وتُفشُونَ إليهم أسرارَ المُسلِمينَ، وتُؤثِرونَ المُكْثَ بينهم على الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، إن اختارُوا- على وجهِ الرِّضا والمحبَّةِ- الكُفرَ باللهِ، وآثَرُوه على الإيمانِ به سبُحانه [319] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/383)، ((البسيط)) للواحدي (10/340)، ((تفسير ابن عطية)) (3/17)، ((تفسير القاسمي)) (5/366)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/356). قال ابنُ عطية: (ظاهرُ هذه المُخاطَبةِ أنَّها لِجَميعِ المُؤمِنينَ كافَّةً، وهي باقيةُ الحُكمِ إلى يومِ القِيامةِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/17). .
وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
أي: ومَن يتَّخِذْ منكم- أيُّها المُؤمِنونَ- أقارِبَه الكُفَّارَ بِطانةً، يُحِبُّهم ويُناصِرُهم، ويُؤثِرُ المُقامَ بينهم على الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، فأولئك هم الذينَ عَصَوُا اللهَ، وخالَفُوا أمرَه، فوَضَعوا الوَلايةَ في غَيرِ مَوضِعِها، واتَّخَذوا من يَضُرُّهم أولياءَ، وتَرَكوا ما ينفَعُهم مِن الهجرةِ والجِهادِ في سَبيلِ الله تعالى [320] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/383، 384)، ((تفسير ابن عطية)) (3/18)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/151)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/356، 358). .
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كانتِ الأنفُسُ مُختلِفةَ الهِمَمِ، مُتبايِنةَ السَّجايا والشِّيَمِ، كان هذا غيرَ كافٍ في التَّهديدِ لِكُلِّها، فأتبَعَه تَهديدًا أشَدَّ منه بالنِّسبةِ إلى تلك النُّفوسِ، فقال مُنتَقِلًا من أسلوبِ الإقبالِ إلى مقامِ الإعراضِ المُؤذِنِ بزَواجِرِ الغَضَبِ [321] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/421). .
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ.
أي: قل- يا محمَّدُ- للمُتخَلِّفينَ عن الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ: إن كان آباؤُكم وأبناؤُكم، وإخوانُكم في النَّسَبِ وزوجاتُكم، وعمومُ أقارِبِكم [322] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/359). .
وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا.
أي: وأموالٌ اكتسَبْتُموها، وتَعِبتُم في تَحصيلِها، وتجارةٌ تَخافونَ- إن هاجَرْتُم- عدَمَ بَيعِها ورواجِها، أو رُخْصَ سِعرِها ونَقصَ أرباحِها، وبيوتٌ تُحِبُّونَ سُكْناها، فلا تُريدونَ تَرْكَها [323] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/384)، ((تفسير السمرقندي)) (2/48)، ((تفسير الثعلبي)) (5/22)، ((تفسير الماوردي)) (2/349)، ((تفسير النسفي)) (1/671)، ((تفسير ابن كثير)) (4/124)، ((تفسير أبي السعود)) (4/54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/361). .
أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ.
أي: إن كانت تلك الأشياءُ أحبَّ إليكم مِن اللهِ ورَسولِه، وجهادٍ لإعلاءِ كَلِمتِه تعالى [324] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/384، 385)، ((تفسير ابن كثير)) (4/124)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/361). .
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ بهِنَّ حَلاوةَ الإيمانِ: مَن كان اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلَّا لله، وأن يَكرَهَ أن يعودَ في الكُفرِ بعد أن أنقَذَه اللهُ منه، كما يكرَهُ أن يُقذَفَ في النَّارِ )) [325] رواه البخاري (16)، ومسلم (43) واللفظ له. .
وعنه أيضًا، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يُؤمِنُ أحَدُكم، حتى أكونَ أحَبَّ إليه مِن وَلَدِه ووالِدِه والنَّاسِ أجمَعينَ )) [326] رواه البخاري (15)، ومسلم (44) واللفظ له.
وعن عبدِ اللهِ بنِ هِشامٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((كنَّا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، فقال له عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، لأنت أحَبُّ إليَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إلَّا مِن نفسي، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا والذي نفسي بِيَدِه، حتَّى أكونَ أحَبَّ إليك مِن نَفسِك. فقال له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللهِ لأنتَ أحَبُّ إليَّ مِن نَفسي. فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الآنَ يا عُمَرُ )) [327] رواه البخاري (6632). .
فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ.
أي: فانتَظِرُوا- أيُّها المُتخَلِّفونَ عن الهِجرةِ والجِهادِ- حتى يأتيَكم اللهُ بعُقوبةٍ عاجلةٍ أو آجِلةٍ [328] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/343)، ((تفسير الرازي)) (16/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/363). وقيل: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي: فتحِ مكةَ. ونسَبه الواحديُّ للأكثرينَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/385)، ((الوسيط)) للواحدي (2/487). قال الشوكانيُّ: (وفيه بعدٌ؛ فقد رُوي أنَّ هذه السورةَ نزلتْ بعدَ الفتحِ). ((تفسير الشوكاني)) (2/396)، ويُنظر ((تفسير ابن عاشور)) (10/154). .
عن أبي أُمامةَ رَضِيَ الله عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن لم يَغْزُ أو يُجهِّزْ غازِيًا، أو يَخْلُفْ غازيًا في أهلِه بخَيرٍ؛ أصابَه اللهُ سُبحانه بقارعةٍ قبلَ يَومِ القيامةِ )) [329] ​أخرجه أبو داود (2503)​، وابن ماجة (2762)​ واللفظ له، والدارمي (2462​)، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (99)​. ​​صحح إسناده النووي في ((رياض الصالحين)) (437​)، وحسن الحديث الألباني في ((صحيح أبي داود)) (2503​)​. .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن مات ولم يَغزُ، ولم يحدِّث به نفسَه، مات علَى شُعبةٍ من نِفاقٍ )) [330] رواه مسلم (1910). .
وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إذا تَبايَعتُم بالعِينةِ [331] العِينَة: هي أن يبيعَ مِن الرَّجُل سلعةً بثَمَنٍ معلومٍ إلى أجَلٍ مُسمًّى، ثمَّ يَشتَريها منه نقدًا بأقَلَّ مِن الثَّمَنِ الذي باعها به. يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصنعاني (1/616). ، وأخَذْتُم أذنابَ البَقَرِ [332] أخَذْتُم أذنابَ البَقَرِ: كنايةٌ عن الاشتغالِ بالحَرْثِ. يُنظر: ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمناوي (1/84). ، ورَضِيتُم بالزَّرعِ، وتَرَكْتم الجِهادَ؛ سلَّطَ اللهُ عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه، حتى تَرجِعُوا إلى دينِكم )) [333] أخرجه أبو داود (3462 ) واللفظ له، وأحمد (5007 )​، والطبراني في ((المعجم الكبير​)) ​(12/432)​ (13583). قال ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/771): له طريق صحيح​، و​صحح إسناده ابن تيمية في ((بيان الدليل)) (109​)، وقال ابن عبد الهادي في ((المحرر)) (315)​: رجال إسناده رجال الصحيح ​، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (5/318): له طرق يشد بعضها بعضا، وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (11) بمجموع طرقه. .
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
أي: واللهُ لا يوفِّقُ للخَيرِ الخارِجينَ عن طاعَتِه إلى مَعصِيَتِه، المُؤْثِرينَ على محبَّةِ الله تعالى شيئًا مِن تلك المذكوراتِ [334] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/385)، ((البسيط)) للواحدي (10/343)، ((تفسير البغوي)) (2/328)، ((تفسير الشوكاني)) (2/396)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/363). قال الشنقيطي: (مِثلُ هذه الآياتِ فيه سُؤالٌ مَعروفٌ للعُلَماء، كقَولِه تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فاللهُ جلَّ وعلا نفى هدايتَه للفاسِقينَ، ونفى هدايتَه للظَّالِمينَ، مع أنَّا نُشاهِدُ بعضَ الفاسقينَ الظَّالِمينَ يهدِيه اللهُ، وكم من كافرٍ شَديدٍ في الكُفرِ، ظالمٍ فاسقٍ يهديه اللهُ! هذا وجهُ الإشكالِ. وأجاب العُلَماءُ عن هذا بجَوابَينِ: أحدُهما: أنَّ قَولَه: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ من العامِّ المخصوصِ، وأنَّ المُرادَ بها الذين سبَقَ في علمِ اللهِ أنَّهم لا يَهتَدونَ مِن الفَسَقةِ والظَّلَمةِ، الذين قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: 96-97] وقال بعضُ العُلَماءِ: لا يهديهم ما زالوا مُتَّصِفينَ بالظُّلمِ والفِسقِ، فإذا نَزَعوا عن ذلك برحمةِ اللهِ وهِدايتِه، زال عنهم اسمُ الفِسقِ والظُّلمِ، فلا مانع إذَن مِن هُداهم. هكذا قالَه بعضُ العُلَماءِ. واللهُ تعالى أعلَمُ). ((العذب النمير)) (5/364). .

الفوائد التربوية:


1- الحَذرُ مِن مُوالاةِ مَن استحَبُّوا الكُفرَ على الإيمانِ، في ظاهِرِ أمْرِهم أو باطِنِه؛ يُرشِدُنا إلى ذلك قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [335] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/151). .
2- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ هكذا تتقطَّعُ أواصِرُ الدَّمِ والنَّسَبِ، إذا انقطَعَتْ آصِرةُ القَلبِ والعقيدةِ، وتَبطُلُ وَلايةُ القَرابةِ في الأسرةِ، إذا بطَلَت وَلايةُ القَرابةِ في اللهِ؛ فلِلَّه الوَلايةُ الأُولى، وفيها ترتبِطُ البَشَريَّةُ جميعًا، فإذا لم تكُنْ، فلا وَلايةَ بعد ذلك، والحَبلُ مَقطوعٌ، والعُروةُ مَنقوضةٌ 
3- قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّه إذا وقعَ التَّعارُضُ بين مصلحةٍ واحدةٍ مِن مصالِحِ الدِّينِ وبين جميعِ مُهِمَّاتِ الدُّنيا؛ وجب على المُسلِمِ تَرجيحُ الدِّينِ على الدُّنيا [337] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/17). 
4- قال اللهُ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ هذه الآيةُ الكريمةُ أعظَمُ دليلٍ على وُجوبِ محبَّةِ اللهِ ورَسولِه، وعلى تقديمِها على محبَّةِ كُلِّ شَيءٍ، وعلى الوعيدِ الشَّديدِ والمَقْتِ الأكيدِ، على من كان شَيءٌ مِن هذه المذكوراتِ أحَبَّ إليه مِن اللهِ ورَسولِه، وجهادٍ في سبيلِه، وعلامةُ ذلك أنَّه إذا عُرِضَ عليه أمرانِ؛ أحدُهما يُحبُّه اللهُ ورَسولُه، وليس لِنَفسِه فيه هوًى، والآخَرُ تُحبُّه نَفسُه وتَشتَهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا لله ورَسولِه، أو يَنقُصُه؛ فإنَّه إن قدَّمَ ما تهواه نفسُه على ما يُحبُّه الله، دلَّ ذلك على أنَّه ظالِمٌ، تارِكٌ لِما يجِبُ عليه [338] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:332). .
5- قال اللهُ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ هذه آيةٌ شَديدةٌ لا ترى أشَدَّ منها، كأنَّها تنعى على النَّاسِ ما هم عليه مِن رَخاوةِ عَقدِ الدِّينِ، واضطرابِ حَبلِ اليَقينِ، فلْيُنصِفْ أورَعُ النَّاسِ وأتقاهم مِن نَفسِه؛ هل يجدُ عنده من التصَلُّبِ في ذاتِ اللهِ، والثَّباتِ على دينِ الله ما يَستحِبُّ له دينُه، على الآباءِ والأبناءِ والإخوانِ والعشائِرِ والمالِ والمَساكِنِ وجميعِ حُظوظِ الدُّنيا، ويتجَرَّدُ منها لأجلِه، أم يَزوي اللهُ عنه أحقَرَ شَيءٍ منها لِمَصلحتِه، فلا يدري أيُّ طَرَفيه أطولُ؟ ويُغْويه الشَّيطانُ عن أجَلِّ حَظٍّ مِن حظوظِ الدِّينِ، فلا يُبالي، كأنَّما وقَعَ على أنفِه ذُبابٌ فَطَيَّرَه [340] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/257). !
7- قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. فكلُّ من قدَّمَ طاعةَ أحدٍ مِن هؤلاءِ على طاعةِ اللهِ ورَسولِه، أو قَولَ أحدٍ منهم على قَولِ اللهِ ورَسولِه، أو مرضاةَ أحدٍ منهم على مَرضاةِ اللهِ ورَسولِه، أو خَوفَ أحدٍ منهم ورجاءَه والتوكُّلَ عليه، على خَوفِ اللهِ ورَجائِه والتوكُّلِ عليه، أو مُعاملةَ أحَدِهم على مُعامَلةِ الله- فهو ممَّن ليس اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما، وإن قالَه بلِسانِه فهو كَذِبٌ منه، وإخبارٌ بخِلافِ ما هو عليه [341] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن  القيم (1/120). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا افتتَحَ الخِطابَ بـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إشعارًا بأنَّ ما سيُلقى إليهم مِن الوَصايا هو مِن مُقتَضياتِ الإيمانِ وشِعارِه [342] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/151). .
2- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ذَكَرَ الآباءَ والإخوانَ؛ لأنَّهم أهلُ الرَّأيِ والمَشورةِ، ولم يذكُرِ الأبناءَ؛ لأنَّهم في الغالِبِ تبَعٌ لآبائِهم [343] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/390). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون لَمَّا كان الوالِدونَ هم الذينَ يُقاتِلونَ، ويَحتاجُونَ إلى المُوالاةِ والمُناصَرةِ، دونَ الوالِداتِ، اقتصَرَ على ذِكرِهم [344] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/204). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون جَعَلَ التَّحذيرَ مِن أولئكَ بخصوصِ كَونِهم آباءً وإخوانًا؛ تنبيهًا على أقصى الجَدارةِ بالوَلايةِ، لِيُعلَمَ بفحوى الخِطابِ أنَّ مَن دونَهم أَوْلى بحُكمِ النَّهيِ [345] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/151). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ قولُه: إِنِ اسْتَحَبُّوا نبَّه بصيغةِ الاستفعالِ على أنَّ الإيمانَ لِكَثرةِ مَحاسِنِه، وظُهورِ دَلائِلِه، مَعشوقٌ بالطَّبعِ، فلا يتركُه أحَدٌ إلَّا بنوعِ مُعالجةٍ ومُكابرةٍ لِعَقلِه ومُجاهَدةٍ [346] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/420). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ذكَرَ تعالى الأمورَ الدَّاعيةَ إلى مُخالطةِ الكُفَّارِ، وهي أمورٌ أربعةٌ؛ أوَّلها: مُخالطةُ الأقارِبِ، وذكر منهم أربعةَ أصنافٍ على التَّفصيلِ، وهم: الآباءُ والأبناءُ والإخوانُ والأزواجُ، ثمَّ ذكَرَ البقيَّةَ بلفظٍ واحدٍ يتناوَلُ الكُلَّ، وهي لفظُ العَشيرةِ. وثانيها: المَيلُ إلى إمساكِ الأموالِ المُكتَسَبةِ. وثالثها: الرَّغبةُ في تحصيلِ الأموالِ بالتِّجارةِ. ورابعها: الرَّغبةُ في المساكِنِ. ولا شَكَّ أنَّ هذا التَّرتيبَ ترتيبٌ حَسَنٌ؛ فإنَّ أعظَمَ الأسبابِ الدَّاعيةِ إلى المُخالطةِ القَرابةُ، ثمَّ إنَّه يُتوصَّلُ بتلك المُخالَطةِ إلى إبقاءِ الأموالِ الحاصِلةِ، ثمَّ إنَّه يُتوصَّلُ بالمُخالطةِ إلى اكتسابِ الأموالِ التي هي غيرُ حاصلةٍ، وفي آخِرِ المراتِبِ الرَّغبةُ في البِناءِ في الأوطانِ، والدُّورِ التي بُنِيَت لأجلِ السُّكنى، فذكَرَ تعالى هذه الأشياءَ على هذا التَّرتيبِ الواجبِ [347] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/18). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ذكَرَ الأبناءَ هنا؛ لأنَّه ذكَرَ المحبَّةَ، وهم أعلَقُ بالنَّفسِ، بخلافِ الآيةِ قَبلَها فلم يُذكَروا؛ لأنَّ المَقصودَ منها الرَّأيُ والمَشورةُ [348] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/391). .
8- وجهُ الاقترانِ بين محبَّةِ اللهِ ومَحبَّةِ رَسولِه، في قَولِه تعالى: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أنَّه لا تتِمُّ محبَّةُ اللهِ إلَّا بمحَبَّةِ ما يُحِبُّه، وكراهةِ ما يكرَهُه، ولا طريقَ إلى مَعرفةِ ما يُحبُّه وما يَكرَهُه- تعالى- إلَّا مِن جهةِ نبيِّه المُبَلِّغِ عنه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما يُحبُّه وما يَكرَهُه، فصارت مَحبَّةُ اللهِ مُستلزِمةً لِمَحبَّةِ رَسولِه وتَصديقِه ومُتابَعتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [349] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (3/61). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا أخَّرَ هنا حبَّ الزوجيَّةِ عن حُبِّ البَنينَ؛ لأنَّ الكَلامَ في الحُبِّ المُعارِضِ لحُبِّ اللهِ ورَسولِه والجهادِ في سبيلِه، وما يُخشَى مِن حَملِه على مُوالاةِ أهلِ الكُفرِ في الحَربِ على المُؤمِنينَ، وقلَّما تكونُ زَوجُ الرَّجُلِ مُعارِضةً له في دينِه، ووَلايةِ مَن يَدينُ للهِ بِوَلايتِه، كما يُعارِضُه أبوه وابنُه وأخوه مِن أهلِ الحَربِ دونَ امرأتِه. وقدَّمَه على حُبِّ البَنينَ في قَولِه تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ [آل عمران: 14]؛ لأنَّ الكلامَ في الآيةِ على حُبِّ الشَّهَواتِ، وهو أقوى الشَّهواتِ البَشَريَّةِ على الإطلاقِ [350] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/206). .
10- قال الله تعالى: وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا خَصَّ الأموالَ المُقتَرَفةَ بالذِّكرِ؛ لأنَّها أرغَبُ عند أهلِها، وصاحِبُها أشَدُّ حِرصًا عليها ممَّن تأتيه الأموالُ مِن غَيرِ تَعَبٍ ولا كَدٍّ؛ فحُبُّ الأموالِ المُقتَرَفةِ- أي: المُكتَسَبةِ- أقوى في النَّفسِ مِن حُبِّ الأموالِ المَورُوثةِ؛ لأنَّ عَناءَ الإنسانِ في اقترافِها يجعَلُ لها في قَلبِه مِن القيمةِ والمَنزِلةِ ما ليس لِمَا جاءَه عَفوًا، كما هو مشهورٌ بين النَّاسِ عِلمًا وعَمَلًا [351] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/207). .
11- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ خَصَّ الجِهادَ بالذِّكرِ مِن عُمومِ ما يُحبُّه اللهُ منهم؛ تَنويهًا بشأنِه، ولأنَّ ما فيه من الخَطَرِ على النُّفوسِ، ومِن إنفاقِ الأموالِ، ومُفارَقةِ الإلْفِ، جعَلَه أقوى مَظِنَّةً للتقاعُسِ عنه [352] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/153). .
12- دلَّ قولُه تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ على أنَّ مَحبَّةَ اللهِ تعالى فَرْضٌ على العِبادِ؛ لأنَّه سُبحانه توعَّدَ مَن قدَّمَ محبَّةَ غيرِه على مَحبَّتِه ومَحبَّةِ رَسولِه، والوعيدُ لا يقَعُ إلَّا على فَرْضٍ لازمٍ، وحَتمٍ واجِبٍ [353] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (3/297). .

بلاغة الآيتين:


1- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
- قولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ... استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ لافْتِتاحِ غرَضٍ آخَرَ، وهو تَقْريعُ المنافقينَ ومَنْ يُواليهم [354] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/150 ). .
- وصِيغةُ الحَصْرِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ للمُبالَغَةِ، أي: إنَّ ظُلْم غيرِهم كَلَا ظُلمٍ بالنِّسبةِ لعَظَمةِ ظُلْمِهم [355] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/151). .
- والإتيانُ باسمِ الإشارةِ فَأُولَئِكَ لزِيادةِ تمييزِ هؤلاءِ أو هؤلاءِ، وللتَّنبيهِ على أنَّ جَدارتَهم بالحُكمِ المذكورِ بَعْدَ الإشارةِ كانتْ لأجْلِ تِلك الصِّفاتِ، أي: اسْتِحبابِ الكُفْرِ على الإيمانِ [356] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/152). .
2- قولُه تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
- فيه تلوينٌ للخِطابِ، وأَمْرٌ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يُثبِّتَ المؤمنينَ، ويُقوِّيَ عَزائمَهم على الانْتِهاءِ عما نُهُوا عَنْه من موالاةِ الآباءِ والإخوانِ، ويُزهِّدَهم فيهم، وفيمَنْ يَجْري مَجْراهم من الأبناءِ والأزواجِ، ويَقْطَعَ علائِقَهم عن زخارفِ الدُّنيا وزينتِها، على وَجْهِ التَّوبيخِ والتَّرهيبِ [357] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/54). .
- وفيه تَرتيبٌ حَسَنٌ، حَيثُ قدَّم الآباءَ؛ لأنَّهم الذين يَجِبُ برُّهم وإكرامُهم وحُبُّهم، وثنَّى بالأبناء؛ لكونِهم أَعْلَقَ بالقُلوبِ، ولَمَّا ذَكَرَ الأصلَ والفَرْعَ ذكَر الحاشيةَ وهي الإخوانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأزواجَ، وهنَّ في المحبَّةِ والإيثارِ كالأبناءِ، ثُمَّ ذَكَر الأَبعدَ بَعدَ الأقربِ في القرابةِ، فقال: وَعَشِيرَتُكُمْ [358] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/391). .
- وعطَفَ على حُبِّ اللهِ تعالى ورَسولِه الجهادَ في سبيلِه مُنكَّرًا، في قَولِه تعالى: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ؛لأنَّه أظهَرُ آياتِهما، ونُكتةُ تَنكِيرِه وإبهامِه إفادةُ أنَّ كُلَّ نَوعٍ من أنواعِ الجِهادِ في سبيلِ اللهِ- قلَّ أو كَثُرَ- فإنَّ تارِكَه لأجلِ حُبِّ شَيءٍ مِن تلك الأصنافِ الثَّمانيةِ، وتَفضيلِها عليه؛ يستحِقُّ الوعيدَ الذي في الآيةِ [359] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/210). .
- وقوله: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أَمْرٌ مُتضمِّنٌ للتَّهديدِ والوعيدِ [360] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/392). الشَّديدِ، ويؤكِّدُه إبهامُ الأمرِ، وعَدَمُ التَّصريحِ به؛ لتذهَبَ أنفُسُهم كلَّ مَذهَبٍ، وتتردَّدَ بين أنواعِ العُقوباتِ [361] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/396). .
- قولُه: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ تَذييلٌ، والواو اعتراضيَّةٌ، وهذا تهديدٌ بأنَّهم فَضَّلوا قَرابتَهم وأموالَهم على مَحبَّةِ اللهِ ورسولِه وعلى الجِهادِ؛ فقد تَحقَّقَ أنَّهم فاسِقون، واللهُ لا يَهْدي القومَ الفاسقينَ؛ فحَصَلَ بمَوقِعِ التَّذييلِ تَعريضٌ بهم [362] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/154 ). .