موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (25-27)

ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ

غريب الكلمات:


رَحُبَتْ: أي: اتَّسَعَت، وأصلُ (رحب): يدل على سَعَةٍ [363] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 193)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/499)، ((المفردات)) للراغب (ص: 346)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 136، 148)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 485). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: لقد نَصَرَكم اللهُ- أيُّها المُؤمِنونَ، أصحابَ رَسولِ اللهِ- على أعدائِكم الكُفَّارِ في غَزَواتٍ كَثيرةٍ، ونَصَرَكم أيضًا يوم حُنَينٍ حين أعجَبَتْكم كَثرَتُكم، فلم تُفِدْكم تلك الكَثرةُ شَيئًا، وضاقت عليكم الأرضُ على سَعَتِها؛ لِشِدَّةِ ما أصابَكم، ثم فرَرْتُم من الكُفَّارِ مُنهَزِمينَ.
ثمَّ أنزَلَ اللهُ ثَباتَه وطُمأنينَتَه على رَسولِه وعلى المُؤمِنينَ، وأنزَلَ جُنودًا مِنَ الملائكةِ لم تَرَوْها، وعذَّبَ اللهُ يومَ حُنَينٍ الذين كَفَروا، بأيدي المُؤمِنينَ، وذلك جزاءُ الكافِرينَ.
ثم يتوبُ اللهُ على من يشاءُ أن يتوبَ عليه مِنَ الكُفَّارِ، فيَهدِيه إلى الإسلامِ، واللهُ غَفورٌ رحيمٌ.

تفسير الآيات:


لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تقَدَّمَ قَولُه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [التوبة:14] واستطرَدَ بعد ذلك بما استطرَدَ؛ ذَكَّرَهم تعالى نَصْرَه إيَّاهم في مَواطِنَ كَثيرةٍ [364] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/364). .
وأيضًا لَمَّا تضَمَّنَتِ الآياتُ السَّابقةُ الحَثَّ على قِتالِ المُشرِكينَ ابتداءً مِن قَولِه تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5]، وكان التَّمهيدُ للإقدامِ على ذلك مُدَرَّجًا؛ بإبطالِ حُرمةِ عَهدِهم لِشِرْكِهم، وبإظهارِ أنَّهم مُضمِرونَ العَزمَ على الابتداءِ بِنَقضِ العُهودِ التي بينهم وبين المُسلِمينَ، لو قُدِّرَ لهم النَّصرُ على المسلمين، وهَمِّهم بإخراجِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، حتى إذا انتهى ذلك التَّمهيدُ المُدَرَّجُ إلى الحَثِّ على قتالِهم، وضَمانِ نَصرِ اللهِ المُسلِمينَ عليهم، وما اتَّصَل بذلك ممَّا يُثيرُ حماسةَ المُسلِمينَ- جاء في هذه الآيةِ بِشَواهِدِ ما سبق مِن نَصرِ اللهِ المُسلِمينَ في مواطِنَ كَثيرةٍ، وتذكيرٍ بِمُقارنةِ التَّأييدِ الإلهيِّ لِحالةِ الامتثالِ لأوامِرِه، وأنَّ في غَزوةِ حُنَينٍ شَواهِدَ تَشهدُ للحالَينِ [365] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/154). .
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ.
أي: لقد نصَرَكم اللهُ- أيُّها المُؤمِنونَ أصحابَ رَسولِ الله- على أعدائِكم الكُفَّارِ في غَزَواتٍ كثيرةٍ [366] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/386)، ((البسيط)) للواحدي (10/343)، ((تفسير ابن كثير)) (4/125)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/155). قال القاسمي: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أي: في مَواقِفِ حروبٍ كَثيرةٍ، ووَقَعاتٍ شَهيرةٍ؛ كغزوةِ بدرٍ وقُريظةَ، والنَّضيرِ والحُدَيبيَةِ، وخَيبر وفَتحِ مكَّة. وكانت غَزَواتُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلم- على ما ذُكِرَ في الصَّحيحينِ من حديثِ زيدِ بنِ أرقَمَ- تِسعَ عَشرةَ غَزوةً. زاد بُريدةُ في حديثٍ: قاتَلَ في ثمانٍ منهُنَّ، ويقال: إنَّ جَميعَ غَزَواتِه وسَراياه وبُعوثِه سبعونَ، وقيل: ثَمانونَ). ((تفسير القاسمي)) (5/368). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/259)، ((تفسير الرازي)) (16/18)، ((منهاج السنة)) لابن تيمية (4/81-83)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/365). .
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا.
أي: ونَصَرَكم اللهُ  أيضًا في غَزوةِ حُنَينٍ، حين أعجَبَتْكم كَثْرَتُكم، فلم تُفِدْكم تلك الكَثرةُ شَيْئًا [367] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/386، 387)، ((البسيط)) للواحدي (10/344، 347)، ((تفسير ابن كثير)) (4/125)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/155)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/365). قال ابنُ جرير: (حُنينٌ: وادٍ  بين مكَّةَ والطَّائِفِ). ((تفسير ابن جرير)) (11/386). وقال ابن كثير: (كانت وقعةُ حُنينٍ بعدَ فَتحِ مكَّةَ في شوَّال سنةَ ثمانٍ مِن الهجرةِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/125). .
وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.
أي: وضاقَت عليكم الأرضُ مع سَعَتِها؛ لِشِدَّةِ ما أصابَكم [368] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/387)، ((البسيط)) للواحدي (10/347)، ((تفسير القرطبي)) (8/100)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/157)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/389). قال الواحدي: (ومعنى الآية: إنَّكم لشِدَّةِ ما لَحِقَكم من الخَوفِ، ضاقَت عليكم الأرضُ، فلم تَجِدوا فيها موضِعًا يصلُحُ لكم لِفِرارِكم عن عَدُوِّكم). ((البسيط)) (10/347). وقال السعدي: (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بما أصابَكم مِنَ الهَمِّ والغَمِّ حين انهَزَمْتم). ((تفسير السعدي)) (ص: 332). وقال الشنقيطي: (والخائفُ يضيقُ عليه فضاءُ الأرضِ الواسعُ؛ لأن مَنِ اشتَدَّ خوفُه ضَاقَتِ الأرضُ في عينِه، وإن كانت طويلةً عريضةً واسعةً). ((العذب النمير)) (5/389). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/100). .
ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ.
أي: ثمَّ فَرَرتُم مِن الكُفَّارِ مُنهَزِمينَ [369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/387)، ((تفسير البغوي)) (2/333)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير الشعراوي)) (8/5003). قال الشوكاني: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ أي: انهزَمْتُم حالَ كَونِكم مُدبِرينَ، أي: مُوَلِّينَ أدبارَكم، جاعلينَ لها إلى جِهةِ عَدُوِّكم). ((تفسير الشوكاني)) (2/397). .
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لَمَّا كان يومُ حُنَينٍ أقبَلَت هوازِنُ وغَطَفانُ وغَيرُهم بنَعَمِهم وذَرارِيِّهم، ومع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم عَشرةُ آلافٍ، ومِنَ الطُّلَقاءِ، فأدبَرُوا عنه حتى بَقِيَ وَحدَه، فنادى يومَئذٍ نِداءَينِ، لم يَخلِطْ بينهما؛ التفَتَ عن يمينِه فقال: يا معشَرَ الأنصارِ. قالوا: لبَّيكَ يا رسولَ اللهِ، أبشِرْ نَحن معَك، ثمَّ التفَتَ عن يَسارِه فقال: يا مَعشَرَ الأنصارِ. قالوا: لبَّيكَ يا رسولَ اللهِ، أبشِرْ نَحنُ معك، وهو على بَغلةٍ بَيضاءَ، فنزَلَ فقال: أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، فانهزَمَ المُشرِكونَ )) [370] رواه البخاري (4337) واللفظ له، ومسلم (1059). .
وعن العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ رَضِيَ الله عنه، قال: ((شَهِدْتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ حُنَينٍ، فلَزِمْتُ أنا وأبو سفيانَ بنُ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلم نُفارِقْه، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على بغلةٍ له بيضاءَ، أهداها له فَروةُ ابنُ نُفاثةَ الجُذاميُّ، فلمَّا التقى المُسلِمونَ والكُفَّارُ ولَّى المُسلِمونَ مُدبِرينَ، فطَفِقَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُركِضُ بَغلَتَه قِبَل الكُفَّارِ، قال عبَّاسٌ: وأنا آخِذٌ بلِجامِ بَغلةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكُفُّها؛ إرادةَ ألَّا تُسرِعَ، وأبو سُفيانَ آخِذٌ برِكابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيْ عبَّاسُ، نادِ أصحابَ السَّمُرةِ. فقال عبَّاس- وكان رَجُلًا صَيِّتًا-: فقُلتُ بأعلى صوتي: أين أصحابُ السَّمُرةِ؟ قال: فواللهِ، لكأنَّ عَطفَتَهم- حين سَمِعوا صوتي- عَطفةُ البَقَرِ على أولادِها، فقالوا: يا لبَّيكَ، يا لبَّيكَ، قال: فاقتَتَلوا والكُفَّارَ، والدُّعوةُ في الأنصارِ يقولون: يا مَعشرَ الأنصارِ، يا مَعشرَ الأنصارِ. قال: ثمَّ قَصُرَت الدَّعوةُ على بني الحارِثِ بنِ الخَزْرجِ، فقالوا: يا بَني الحارِثِ بنِ الخَزرج، يا بني الحارِثِ ابنِ الخزرج، فنظَرَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو على بَغلَتِه كالمُتطاوِلِ عليها إلى قِتالِهم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا حينَ حِمِيَ الوَطيسُ. ثم أخذَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَصَياتٍ فرمى بهِنَّ وُجوهَ الكُفَّارِ، ثم قال: انهَزَموا وربِّ مُحمَّدٍ.قال: فذهَبْتُ أنظُرُ، فإذا القِتالُ على هَيئَتِه فيما أرى، قال: فواللهِ، ما هو إلَّا أن رماهم بحَصَياتِه، فما زِلْتُ أرى حَدَّهم كَليلًا، وأمْرَهم مُدبِرًا) ) [371] رواه مسلم (1775). .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((افتَتَحْنا مكَّةَ، ثم إنَّا غَزَوْنا حُنَينًا، فجاء المُشركون بأحسَنِ صُفوفٍ رأيتُ، فصُفَّتِ الخَيلُ، ثم صُفَّتِ المُقاتِلة، ثم صُفَّتِ النِّساءُ مِن وراء ذلك، ثمَّ صُفَّتِ الغَنَمُ، ثم صُفَّتِ النَّعَمُ، ونحن بَشَرٌ كثيرٌ، وعلى مُجَنِّبةِ خَيلِنا خالدُ بنُ الوليد، فجَعَلَتْ خيلُنا تلوي خَلْفَ ظُهورِنا، فلم نلبَثْ أن انكشَفَت خَيلُنا، وفرَّتِ الأعرابُ ومَن نعلَمُ مِن النَّاسِ، فنادى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا لَلمُهاجِرينَ، يا لَلمُهاجِرينَ. ثم قال: يا لَلأنصارِ، يا لَلأنصارِ. قُلنا: لبَّيك يا رسولَ الله، قال: فتقَدَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَايْمُ اللهِ، ما أتَيناهم حتَّى هَزَمَهم اللهُ، فقَبَضْنا ذلك المالَ، ثم انطَلَقْنا إلى الطَّائِفِ فحاصَرْناهم أربعينَ ليلةً، ثم رَجَعْنا إلى مكَّةَ، فنَزَلْنا، فجعل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعطي الرَّجُلَ المِئةَ مِن الإبِلِ)) [372] رواه مسلم (1059). .
وعن أبي إسحاقَ، قال: ((قال رجلٌ للبَراءِ: يا أبا عُمارةَ، أفرَرْتم يومَ حُنَينٍ؟! قال: لا واللهِ، ما ولَّى رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكِنَّه خرَجَ شُبَّانُ أصحابِه وأخِفَّاؤُهم حُسَّرًا، ليس عليهم سِلاحٌ أو كثيرُ سِلاحٍ، فلَقُوا قومًا رُماةً، لا يكادُ يَسقُطُ لهم سَهمٌ؛ جمْعَ هوازِنَ وبني نَصرٍ، فرَشَقوهم رشْقًا ما يكادُونَ يُخطِئونَ، فأقبَلُوا هناك إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على بَغلَتِه البَيضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ يقودُ به، فنزل فاستنصَرَ، وقال: أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ )) [373] رواه البخاري (2864)، ومسلم (1776) واللفظ له. .
ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (26).
ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
أي: ثمَّ بعد أن ولَّى المُسلِمونَ مُدبِرينَ يومَ حُنَينٍ، أنزَلَ اللهُ ثَباتَه وطُمأنينَتَه على رسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى أصحابِه المُؤمِنينَ، فأذهَبَ خَوفَهم [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/395)، ((البسيط)) للواحدي (10/349)، ((تفسير ابن عطية)) (3/20)، ((تفسير القرطبي)) (8/101)، ((تفسير ابن كثير)) (4/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/390). قال الشنقيطي: (قال بعضُ العُلَماءِ: المُرادُ بالمُؤمِنينَ الذينَ أنزَلَ اللهُ سَكينتَه عليهم: مَن ثَبَتوا معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وقال بعضُ العُلَماءِ: يدخُلُ فيهم الذينَ رَجَعوا بعد الفِرارِ والهَزيمةِ، وقاتلوا معه عَدُوَّه. والتَّحقيقُ: أنَّ اللهَ أنزَلَ سكينَتَه على الجَميعِ: الذين بَقُوا معه ولم يَفِرُّوا، والذين رَجَعوا إليه). ((العذب النمير)) (5/390). .
وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا.
أي: وأنزَلَ اللهُ يومَ حُنَينٍ جُنودًا مِن الملائِكةِ، لم تَرَوْها- أيُّها المُسلِمونَ- أنزَلَها اللهُ تعالى لِتَجْبينِ الكُفَّارِ، وتَقويةِ قُلوبِ المُؤمنينَ، وتَثبيتِهم، وتَبشيرِهم بالنَّصرِ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/395)، ((البسيط)) للواحدي (10/349)، ((تفسير ابن كثير)) (4/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332). قال الرازي: (لا خلافَ أنَّ المُرادَ إنزالُ المَلائكةِ). ((تفسير الرازي)) (16/20). وقال القرطبي: (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وهم الملائكةُ؛ يُقَوُّونَ المُؤمِنينَ بما يُلقونَ في قُلوبِهم مِن الخواطِرِ والتَّثبيتِ، ويُضْعِفونَ الكافِرينَ بالتَّجبينِ لهم من حيثُ لا يَرَونَهم، ومن غيرِ قِتالٍ؛ لأنَّ الملائكةَ لم تُقاتِلْ إلَّا يومَ بَدرٍ). ((تفسير القرطبي)) (8/101). وقال الشنقيطي: (قد قَدَّمْنَا في سورةِ الأنفالِ أنَّ أَظْهَرَ الأقوالِ أنَّ الملائكةَ قَاتَلَت يومَ بدرٍ، وأنَّها لم تُقَاتِلْ في غيرِها، بل تأتي لِتَجبينِ الكُفَّارِ، وتقويةِ قلوبِ المؤمنينَ وَنُصرتِهم، هذا هو الظَّاهرُ). ((العذب النمير)) (5/393). .
وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ.
أي: وعذَّب اللهُ يومَ حُنَينٍ الكافرينَ، بأيدي المُؤمِنينَ؛ بقَتلِهم وأسْرِهم، وأخْذِ أمْوالِهم، وسَبْيِ أهالِيهم وذَراريِّهم [376] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/395، 396)، ((تفسير الرازي)) (16/20)، ((تفسير القرطبي)) (8/102)، ((تفسير ابن كثير)) (4/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/158). .
وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ.
أي: وذلك التَّعذيبُ الذي أصابَهم، هو جَزاءُ أهلِ الكُفرِ في الدُّنيا؛ بسبَبِ كُفرِهم [377] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/396)، ((تفسير الرازي)) (16/20)، ((تفسير البيضاوي)) (3/77)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332). .
  ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (27).
  ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء.
أي: ثمَّ يُوفِّقُ اللهُ للتَّوبةِ- مِن بعدِ تَعذيبِ الكافِرينَ في الدُّنيا- مَن يشاءُ أن يتوبَ عليه مِنهم، فيَهديه إلى الإسلامِ [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/396)، ((تفسير البغوي)) (2/333)، ((تفسير الرازي)) (16/20)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/247)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/221)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/158، 159)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/401). وقال ابنُ عاشور: (هذا إشارةٌ إلى إسلامِ هَوازِنَ بعد تلك الهزيمةِ؛ فإنَّهم جاؤوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مسلمينَ تائِبينَ، وسألُوه أن يرُدَّ إليهم سَبْيَهم وغنائِمَهم، فذلك أكبَرُ مِنَّةٍ في نَصرِ المُسلِمينَ؛ إذ أصبحَ الجُندُ العَدُوُّ لهم مُسلِمينَ معهم، لا يَخافونَهم بعد ذلك اليَومِ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/158-159). قال ابنُ كثير: (قد تاب اللهُ على بقيَّةِ هوازِنَ، وأسلموا وقَدِموا عليه مُسلِمينَ، ولَحِقوه وقد قاربَ مكَّةَ عند الجِعْرَانةِ، وذلك بعد الوَقعةِ بقَريبٍ مِن عشرينَ يَومًا، فعند ذلك خَيَّرَهم بين سَبْيِهم وبين أموالِهم، فاختاروا سَبْيَهم، وكانوا ستَّةَ آلافِ أسيرٍ ما بين صبيٍّ وامرأةٍ، فردَّه عليهم، وقسَمَ أموالَهم بين الغانِمينَ، ونفَّلَ أناسًا مِن الطُّلَقاءِ؛ لِيَتألَّفَ قُلوبَهم على الإسلامِ، فأعطاهم مئةً مئةً مِن الإبِلِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/130).  وقال الشنقيطي: (قال بعضُ العُلَماءِ: يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ يدخُلُ فيه المُنهَزِمونَ الذين انهَزَموا عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ مَن رجَعَ منهم وكَرَّ، ومَن لم يرجِعْ. قالوا: ويدخُلُ فيه الكافِرونَ الذين قال الله [فيهم]: وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لأنَّ كَثيرًا منهم تابوا فتابَ الله عليهم... ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ على من يشاءُ أن يتوبَ عليه، وهذه يُفهَمُ منها أنَّه تعالى تاب على الذينَ انَهَزموا وإن لم يُصَرِّحْ بها). ((العذب النمير)) (5/394، 396). .
وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: واللهُ غَفورٌ لِذُنوبِ التَّائِبينَ إليه، فيستُرُها عليهم، ويتَجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رَحيمٌ بهم فيُوفِّقُهم- سُبحانَه- للتَّوبةِ، ويَقبَلُها منهم، ولا يُعَذِّبُهم بَعدَها [379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/396)، ((البسيط)) للواحدي (10/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 333).  .

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ يَذكُرُ تعالى للمُؤمِنينَ فَضلَه عليهم، وإحسانَه لَدَيهم في نَصرِه إيَّاهم في مواطِنَ كَثيرةٍ مِن غَزَواتِهم مع رَسولِه، وأنَّ ذلك مِن عِندِه تعالى، وبِتَأييدِه وتَقديرِه، لا بعَدَدِهم ولا بعُدَدِهم، ونبَّهَهم على أنَّ النَّصرَ مِن عِندِه، سواءٌ قَلَّ الجَمعُ أو كَثُرَ [380] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/125). .
2- الإعجابُ سُمٌّ قاتِلٌ للأسبابِ، أدَّبَنا اللهُ سبحانه بذِكرِ سُوءِ أثَرِه؛ لِنَحذَرَه، فقال: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [381] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/424). .
3- إنَّ اللهَ إذا امتحَنَ عِبادَه بالغَلَبةِ والكَسرةِ والهَزيمةِ، ذَلُّوا وانكَسَروا وخَضَعوا، فاستوجَبُوا منه العِزَّ والنَّصرَ؛ فإنَّ خِلْعةَ النَّصرِ إنَّما تكونُ مع وِلايةِ الذُّلِّ والانكسارِ؛ قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا فهو سُبحانه إذا أراد أن يُعِزَّ عَبدَه ويَجبُرَه وينصُرَه، كَسَرَه أوَّلًا، ويكونُ جَبرُه له ونَصْرُه، على مقدارِ ذُلِّه وانكسارِه [382] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/198). .
4- في قَولِه تعالى: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا دَلالةٌ على وقوعِ العُقوبةِ على الإعجابِ بالكَثرةِ [383] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (6/179). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ تَخصيصُ يومِ حُنَينٍ بالذِّكرِ مِن بينِ أيَّامِ الحُروبِ؛ لأنَّ المُسلِمينَ انَهَزموا في أثناءِ النَّصرِ، ثمَّ عاد إليهم النَّصرُ؛ فتخصيصُه بالذِّكرِ؛ لِما فيه مِن العِبرةِ بحُصولِ النَّصرِ عند امتثالِ أمرِ اللهِ ورسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحُصولِ الهَزيمةِ عند إيثارِ الحُظوظِ العاجلةِ على الامتثالِ [384] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/155). .
6- قال اللهُ تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه الآياتُ تذكيرٌ للمُؤمِنينَ بأنَّ عِنايةَ اللهِ تعالى وتأييدَه لِرَسولِه وللمُؤمِنينَ بالقُوى المعنويَّةِ؛ أعظَمُ شأنًا، وأدنى إلى النَّصرِ منِ القُوَّةِ الماديَّةِ، كالكثرةِ العَدَديَّةِ وما يتعلَّقُ بها، وجُعِلَ هذا التَّذكيرُ تاليًا للنَّهيِ عن وَلايةِ آبائِهم وإخوانِهم مِن الكُفَّارِ، وللوعيدِ على إيثارِ حُبِّ القَرابةِ والزوجيَّةِ والعشيرةِ- ولو كانوا مُؤمِنينَ- والمالِ والسَّكَنِ، على حبِّ اللهِ ورَسولِه والجهادِ في سبيلِه؛ تفنيدًا لوَسوسةِ شياطينِ الجِنِّ والإنسِ- مِن المنافِقينَ ومَرْضى القُلوبِ- لهم، وإغرائِهم باستنكارِ عَوْدِ حالةِ الحَربِ مع المُشرِكين، وتنفيرِهم مِن قِتالِهم لِكَثرتِهم، ولقرابةِ بَعضِهم، ولِكَسادِ التِّجارةِ التي تكونُ معهم، وذلك بعدَ إقامةِ الدَّلائِلِ على كَونِ ذلك مِن الحَقِّ والعَدلِ، والمَصلحةِ العامَّةِ في الدِّينِ والدُّنيا [386] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/217). .
7- قال اللهُ تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ *  ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكثرةَ لَتَكونُ أحيانًا سببًا في الهزيمةِ؛ لأنَّ بعضَ الدَّاخِلينَ فيها، التَّائِهينَ في غِمارِها- ممَّن لم يُدرِكوا حقيقةَ العَقيدةِ التي يَنساقُونَ في تيَّارِها- تتزَلْزَلُ أقدامُهم، وترتَجِفُ في ساعةِ الشِّدَّةِ، فيُشِيعونَ الاضطرابَ والهزيمةَ في الصُّفوفِ، فوق ما تَخدَعُ الكثرةُ أصحابَها، فتَجعَلُهم يتهاوَنونَ في تَوثيقِ صِلَتِهم باللهِ؛ انشغالًا بهذه الكَثرةِ الظَّاهِرةِ، عن اليَقَظةِ لِسِرِّ النَّصرِ في الحياةِ، لقد قامَتْ كُلُّ عقيدةٍ بالصَّفوةِ المُختارة، لا بالزَّبَدِ الذي يذهَبُ جُفاءً، ولا بالهَشيمِ الذي تَذْرُوه الرِّياحُ

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا أسنَدَ سُبحانه الفِعلَ للجَمعِ؛ إشارةً إلى أنَّهم لعُلُوِّ مَقامِهم ينبغِي ألَّا يكونَ منهم مَن يقولُ مثلَ ذلك [388] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/424). .
2- قولُه تعالى: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فيه تنبيهٌ على خَطئِهم في الأدبِ مع اللهِ، المناسِبِ لمَقامِهم، أي: ما كان يَنبغي لكم أن تَعْتمِدوا على كَثرتِكم [389] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/155-156). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
- قولُه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فيه تأكيدُ الكلامِ بـلَقْدَ؛ لتَحقيقِ هذا النَّصرِ؛ لأنَّ القومَ كأنَّهم نَسُوه أو شَكُّوا فيه، فنُزِّلوا مَنْزلةَ مَنْ يَحتاجُ إلى تَأكيدِ الخَبَرِ [390] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/155). .
- وأُسْنِدَ النَّصرُ إلى اللهِ تعالى بالصَّراحةِ في قولِه: نَصَرَكُمُ اللَّهُ؛ لإظهارِ أنَّ إيثارَ مَحبَّةِ اللهِ، وإنْ كان يُفوِّتُ بعضَ حُظوظِ الدُّنيا، ففيه حَظُّ الآخِرةِ، وفيه حُظوظٌ أُخرى من الدُّنيا، وهي حُظوظُ النَّصْرِ بما فيه مِن تأييدِ الجامعةِ، ومن المغانِمِ، وحِمايةِ الأُمَّةِ مِن اعْتِداءِ أعدائها، وذلك مِن فَضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ [391] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/155). .
2- قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
- قولُه: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ في تَعليقِ السَّكينةِ بإنزالِ اللهِ تعالى وإضافتِها إلى ضميرِهِ: تَنويهٌ بشأنِها وبَرَكتِها، وإشارةٌ إلى أنَّها سَكينةٌ خارقةٌ للعادةِ، ليستْ لها أسبابٌ ومُقدِّماتٌ ظاهرةٌ، وإنَّما حَصَلتْ بمَحْضِ تَقديرِ اللهِ وتكوينِه أُنُفًا؛ كَرامةً لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإجابةً لنِدائهِ النَّاسَ؛ ولذلك قَدَّم ذِكرَ الرَّسولِ قَبْلَ ذِكْرِ المؤمنين [392] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/158). .
- قولُه: وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فيه إعادةُ حَرْفِ (على) بعدَ حَرْفِ العَطْفِ؛ للتَّنبيهِ على تَجديدِ تعليقِ الفِعْلِ بالمجرورِ الثَّاني؛ للإيماءِ إلى التَّفاوتِ بين السَّكِينتينِ؛ فسكينةُ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ سَكينةُ اطمئنانٍ على المسلمينَ الذين معَه، وثِقةٍ بالنَّصرِ، وسكينةُ المؤمنين سَكينةُ ثباتٍ وشجاعةٍ بَعْدَ الجَزَعِ والخوفِ [393] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/158).  .
3- قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قولُهُ: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ فيه التَّعبيرُ بالفِعْلِ المُضارِعِ يَتُوبُ دونَ الفِعْلِ الماضي؛ للإشارةِ إلى إفادةِ تَجدُّدِ التَّوبةِ على كُلِّ مَن تابَ إلى اللهِ تعالى [394] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/159). .
- وقولُه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذييلٌ للكلامِ؛ لإفادةِ أنَّ المَغْفرةَ مِن شأنِهِ تعالى، وأنَّه رَحيمٌ بعبادِهِ إنْ أَنابوا إليه، وتَرَكوا الإشراكَ به [395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/159). .