موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (5 - 6)

ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ

غريب الكلمات:


انْسَلَخَ: أي: انقَضَى ومَضَى وخرَج، وأصلُ (سلخ): يدلُّ على إخراجِ الشَّيءِ عَن جِلدِه؛ مِن: سَلَخْتُ جِلدَ الشَّاةِ سَلخًا [64] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/342)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 104)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/94)، ((المفردات)) للراغب (ص: 419)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 121)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 212، 221). .
وَاحْصُرُوهُمْ: أي: احبِسُوهم، وامنَعوهم، وأصلُ (حصر): يدلُّ على حبسٍ ومَنعٍ [65] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 183)، ((تفسير ابن جرير)) (11/343)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/72)، ((المفردات)) للراغب (ص: 238)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 134)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 221). .
مَرْصَدٍ: أي: طَريقٍ ومَرقَبٍ، وأصلُ (رصد): يدلُّ على التَّهيُّؤِ لمُراقَبةِ شَيءٍ على مَسلَكِه [66] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 183)، ((تفسير ابن جرير)) (14/134)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 417)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/400)، ((المفردات)) للراغب (ص: 355). .
فَخَلُّوا: أي: اتركُوهم، ولا تتعَرَّضوا لَهُم، وأصلُ (خلو): يدلُّ على تعَرِّي الشَّيءِ من الشَّيءِ [67] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس  (2/204)، ((المفردات)) للراغب (ص: 298)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 222)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 437). .
اسْتَجَارَكَ: أي: استأمَنَك، وسألَ جِوارَك، أي: أمانَك وذِمامَك [68] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/346)، ((تفسير القرطبي)) (8/75)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 90)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 116). .
مَأْمَنَهُ: أي: دارَ قَومِه، والموضِعَ الذي يأمَنُ فيه، وأصلُ الأمنِ: يدلُّ على طُمأنينةِ النَّفسِ، وزوالِ الخَوفِ [69] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 91)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 135)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 222). .

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ اللهُ عِبادَه أن يَقتُلوا المُشرِكينَ في أيِّ مَكانٍ وَجَدوهم، بعد أن تَنقَضيَ الأشهُرُ الحُرُمُ، وأن يأخُذُوهم أسرَى، ويُضَيِّقُوا عليهم، ويمنعوهم مِن الانتشارِ في الأرضِ، والدخولِ إليهم، ويُحاصِرُوهم، ويَقعُدوا لِقَتلِهم وأسْرِهم بكلِّ طَريقٍ يَمُرُّونَ به، فإن تابُوا وأدَّوُا الصَّلاةَ المفروضةَ على وَجهِها الأكمَلِ، وأعطَوُا الزَّكاةَ لِمُستحقِّيها، فأمَرَ اللهُ عبادَه المؤمنينَ أن يترُكوهم، ولا يتعَرَّضوا لهم؛ إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ.
ثم أمَرَ اللهُ نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعطِيَ الأمانَ كُلَّ مَن أستأمَنَه مِن المُشرِكينَ الذين أُمِرَ بِقتالِهم، حتى يسمَعَ القُرآنَ، ثمَّ إنْ لم يُسلِمْ فَلْيترُكْه يرجِعْ إلى بلَدِه وديارِه التي يأمَنُ فيها؛ ذلك بأنَّهم قَومٌ لا يَعلمونَ.

تفسير الآيتين:


فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا قرَّرَ اللهُ تعالى أمْرَ البراءةِ مِن المُشركينَ إثباتًا ونفيًا؛ أمَرَ بما يُصنَعُ بعد ما ضَرَبَه لهم مِن الأجَلِ [70] يُنظر:  ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/380). ، فقال تعالى:
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ.
الناسخُ والمنسوخُ:
قيل: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد: 4]، وقيل: هي محكمةٌ [71] قال النحَّاس: (للعُلَماءِ في هذه الآيةِ ثلاثةُ أقوالٍ؛ فمنهم من قال: هي منسوخةٌ، وقال: لا يحِلُّ قَتلُ أسيرٍ صَبرًا، وإنَّما يُمَنُّ عليه أو يُفادى، وقالوا: الناسِخُ لها قَولُه تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد: 4] فمِمَّن قال هذا: الحسَنُ... وهذا قولُ الضحَّاك، والسُّدِّي... وهو قولُ عطاء... ومِن العلماءِ من قال: لا يجوز في الأُسارى من المشركين إلَّا القتلُ، ولا يجوز أن يؤخَذَ منهم فِداءٌ، ولا يُمَنُّ عليهم، وجعَلوا قولَه تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ناسخًا لقولِه تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد: 4] وهذا قولُ قتادة ومرويٌّ عن مجاهد... والقول الثالث: أنَّ الآيتين جميعًا مُحكَمتانِ، وهو قولُ ابنِ زيد، وهو قول صحيحٌ بيِّنٌ؛ لأنَّ إحداهما لا تنفي الأُخرَى، قال جلَّ وعز: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ [التوبة: 5] أي: وخُذوهم أَسرى للقتلِ أو الْمَنِّ أو الفِداء، فيكونُ الإمامُ ينظرُ في أمورِ الأُسارى على ما فيه الصَّلاحُ؛ مِن القتل أو المَنِّ أو الفِداء، وقد فعل هذا كلَّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حروبِه). ((الناسخ والمنسوخ)) (ص: 493-494)، ويُنظر: ((نواسخ القرآن)) لابن الجوزي(2/ 464-465). وهذه الآيةُ هي آيةُ السَّيفِ، فمن أهلِ العلمِ مَن ذهب إلى أنَّها ناسخةٌ لجميع الآياتِ التي فيها الصَّفحُ والكَفُّ عمَّن لم يقاتِلْ من المشركين، ومنهم من ذهب إلى أنَّها ليست ناسخةً، ولكنَّ الأحوالَ تختلفُ، فإذا قوِيَ المسلمون وصارت لهم السُّلطة والقُوَّة والهيبة استَعمَلوا آيةَ السيف وما جاء في معناها وعمِلوا بها، وإذا ضَعُفَ المسلمون ولم يقوَوا على قتالِ الجميعِ، فلا بأسَ أن يقاتِلوا بحسَبِ قُدرتِهم، ويكُفُّوا عمَّن كفَّ عنهم إذا لم يستطيعوا ذلك، فيكون الأمرُ إلى وليِّ الأمر؛ إن شاء قاتَلَ، وإن شاء كفَّ، وإن شاء قاتلَ قومًا دون قومٍ، على حسب القوَّة والقدرة والمصلحة للمسلمين، لا على حسَبِ هواه وشَهوتِه، ولكنْ ينظرُ للمسلمين وينظرُ لحالهم وقوَّتِهم. قال ابن باز: (وهذا القولُ أظهرُ وأبينُ في الدليلِ؛ لأنَّ القاعدةَ الأصوليَّةَ أنَّه لا يُصارُ إلى النسخِ إلَّا عند تعذُّرِ الجمعِ بين الأدلَّة، والجمعُ هنا غيرُ متعَذِّر). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/194). ويُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 221). .
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ.
أي: فإذا انقَضَتِ الأشهُرُ الحُرُمُ [72] قيل: المُرادُ بالأشهُرِ الحُرُمِ: الأشهُرُ التي جعَلَها اللهُ لِلمُشركينَ يَسيحونَ في الأرضِ آمنينَ، لا يُقاتِلُهم المُسلِمونَ فيها، وأوَّلُها: يومُ إعلامِهم بالبَراءةِ؛ يوم النَّحرِ: العاشِر مِن ذي الحِجَّةِ مِن السَّنةِ التَّاسعةِ، وآخِرُها: العاشِرُ مِن ربيعٍ الآخر من السَّنة العاشرةِ للهِجرةِ. وممَّن اختار ذلك: ابنُ تيميةَ، وابنُ القيِّم، وابنُ كثيرٍ، والسعديُّ والشنقيطيُّ. ونسبه ابنُ تيميَّة إلى جمهورِ العلماءِ. يُنظر: ((الصفدية)) (2/320)، ((الجواب الصحيح)) (1/175)، ((زاد المعاد)) (3/144، 145)، ((أحكام أهل الذمة)) (2/880)، ((تفسير ابن كثير)) (4/110، 111)، ((تفسير السعدي)) (ص: 329)، ((دفع إيهام الاضطراب)) (ص:110). قال الشنقيطي: (وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ في روايةِ العوفِيِّ عنه وبه قال مجاهدٌ وعمرُو بنُ شعيبٍ ومحمدُ بنُ إسحاقَ وقتادةُ وَالسُّدِّيُّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ). ((دفع إيهام الاضطراب)) (ص:110). قال أبو حيان: (الظَّاهِرُ أنَّ هذه الأشهُرَ هي التي أُبيحَ للنَّاكثينَ أن يَسيحوا فيها، ووُصِفَت بالحُرُمِ؛ لأنَّها مُحرَّمٌ فيها القِتالُ). ((تفسير أبي حيان)) (5/371). وقيل: المرادُ بالأشهُرِ الحُرُمِ: ذو القَعدةِ وذو الحِجَّة ومُحَرَّم، والمعنى: فإذا انقضى شَهرُ مُحَرَّم فاقتلوا المُشركينَ حيث لَقِيتُموهم، وهذا اختيارُ ابن جرير، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/343). ، فاقتُلوا المُشرِكينَ [73] قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عامٌّ في كلِّ مُشرِكٍ، لكنَّ السُّنَّةَ خَصَّت منه المرأةَ والراهبَ والصبيَّ وغَيرَهم. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/72). أينَما لَقِيتُموهم من الأرضِ [74] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/342، 343)، ((تفسير القرطبي)) (8/72)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/144)، ((تفسير ابن كثير)) (4/111). قال ابنُ كثير: (هذه الآيةُ الكريمةُ هي آيةُ السَّيفِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/112). وقد اختلف العلماءُ في هذه الآيةِ الكريمةِ هل هي ناسخةٌ لقولِه تعالى: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: 191] على قولين: فذهب الجمهورُ، ومنهم ابنُ جريرٍ، إلى أنَّ آيةَ السيفِ ناسخةٌ لآيةِ البقرةِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/298)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 111)، ((تفسير ابن عطية)) (1/263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/266). وقيل: الآيةُ محكمةٌ، وممن ذهَب إلى ذلك: ابنُ الجوزي- ونسَبه إلى مجاهدٍ والمحققين- والقرطبيُّ، ونسَبه لطاوس وأبي حنيفةَ وأصحابِه. يُنظر: ((نواسخ القرآن)) (1/251- 254)، ((تفسير القرطبي)) (2/351). .
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ.
أي: وخُذوا- أيُّها المُؤمِنونَ- الكُفَّارَ أسرَى، وضيِّقوا عليهم، وامنعوهم مِن الانتشارِ في الأرضِ، والدخولِ إليكم، وحاصِروهم إن تحَصَّنوا، واقعُدوا لِقَتلِهم أو أسْرِهم على كلِّ طَريقٍ يَمُرُّونَ منه [75] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/343)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/430)، ((البسيط)) للواحدي (10/294)، ((تفسير القرطبي)) (8/73)، ((تفسير ابن كثير)) (4/111)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/273، 274). .
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ.
أي: فإن رجَعَ المُشرِكونَ عن الكُفرِ إلى الإيمانِ، وأدَّوا ما فرَضَ اللهُ عليهم من الصَّلَواتِ؛ بالإتيانِ بها على وجهِها الأكمَلِ، وأعطَوُا الزَّكاةَ مُستحقِّيها؛ فاترُكوا- أيُّها المُسلِمونَ- طَريقَهم، لا تقعُدُوا عليها، ودَعُوهم يذهبونَ حيثما يَشاؤونَ، دون أن تتعَرَّضوا لهم [76] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/343، 344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 329)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/276). .
عن ابنِ عُمَرَ رضِيَ الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّ الإسلامِ، وحِسابُهم على اللهِ )) [77] رواه البخاري (25) واللفظ له، ومسلم (3100). .  
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: إنَّ الله غَفورٌ لِمَن تاب مِن عِبادِه، فيستُرُ ذُنوبَهم، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم، ومِن رَحمتِه أنْ وفَّقَهم للتَّوبةِ، وقَبِلَها منهم، ولا يُعاقِبُهم بعدها [78] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 329)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/278). .  
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (6).
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ.
أي: وإنِ استأمَنَك- يا محمَّدُ- أحدٌ مِن المُشرِكينَ الذين أمرتُك بقِتالِهم، فأمِّنْه حتى [79] ذهب بعضُ المفَسِّرين إلى أنَّ حَتَّى بمعنَى (إلى)، أي: إلى أن يَسمَعَ كلامَ الله تعالى. ومنهم: الزجَّاج، وابن عاشور. يُنظر: ((معاني القرآن)) (2/431)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/119). وبعضُهم جعَلَها للتَّعليلِ. أي: لكي يسمَعَ كلامَ الله تعالى. ومنهم: ابن جرير، والقرطبي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/346)، ((تفسير القرطبي)) (8/75)، ((تفسير السعدي)) (ص: 329). قال الرازي: (ليس في الآيةِ ما يدُلُّ على أنَّ مِقدارَ هذه المُهلةِ كم يكونُ، ولعَلَّه لا يُعرَفُ مِقدارُه إلَّا بالعُرفِ، فمتى ظهَرَ على المُشرِك علاماتُ كَونِه طالِبًا للحَقِّ، باحثًا عن وجهِ الاستدلالِ، أُمهِلَ وتُرِكَ، ومتى ظهَرَ عليه كونُه مُعرِضًا عن الحَقِّ، دافعًا للزَّمانِ بالأكاذيبِ، لم يُلتَفَتْ إليه. والله أعلم). ((تفسير الرازي)) (15/531). تتلوَ عليه القرآنَ، ويسمعَه، ويفهمَ ما أُنزِل عليك؛ ليكونَ على بصيرةٍ مِن أمرِه، وتقومَ عليه حُجَّةُ اللَّهِ [80] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/346)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/431)، ((تفسير القرطبي)) (8/75)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (1/220)، ((تفسير ابن كثير)) (4/113)، ((تفسير السعدي)) (ص: 329). قال ابن عاشور: (لم يُبَيِّنْ سبَبَ الاستجارةِ؛ لأنَّ ذلك مُختلِفُ الغَرَض، وهو موكولٌ إلى مقاصِدِ العُقَلاءِ؛ فإنَّه لا يستجيرُ أحَدٌ إلَّا لغَرَضٍ صحيحٍ. ولمَّا كانت إقامةُ المُشرِك المستجيرِ عند النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسلامُ لا تخلو من عَرْضِ الإسلامِ عليه، وإسماعِه القُرآنَ- سواءٌ كانت استجارتُه لذلك أم لِغَرَضٍ آخرَ؛ لِما هو معروفٌ من شأنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الحِرصِ على هُدَى النَّاسِ- جُعل سَماعُ هذا المُستجيرِ القُرآنَ غايةً لإقامَتِه الوقتيَّةِ عند الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدلَّت هذه الغايةُ على كلامٍ محذوفٍ إيجازًا، وهو ما تشتَمِلُ عليه إقامةُ المستجيرِ مِن تفاوُضٍ في مُهِمٍّ، أو طلَبِ الدُّخولِ في الإسلامِ، أو عَرْضِ الإسلام عليه، فإذا سَمِعَ كَلامَ الله فقد تمَّت أغراضُ إقامَتِه؛ لأنَّ بَعضَها من مَقصِدِ المُستجيرِ وهو حَريصٌ على أن يبدأَ بها، وبعضَها مِن مَقصِدِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو لا يترُكُه يعودُ حتى يعيدَ إرشادَه، ويكونَ آخِرَ ما يدورُ معه في آخِرِ أزمانِ إقامَتِه إسماعُه كلامَ اللهِ تعالى). ((تفسير ابن عاشور)) (10/118، 119). وقال ابن كثير: (ومِن هذا كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعطي الأمانَ لِمَن جاءَه مُسترشِدًا أو في رسالةٍ، كما جاءَه يومَ الحُدَيبيَةِ جماعةٌ مِن الرُّسُلِ مِن قُريشٍ؛ منهم: عُروةُ بن مسعودٍ، ومِكْرَزُ بنُ حَفصٍ، وسُهيلُ بنُ عَمرٍو، وغيرُهم واحدًا بعد واحدٍ، يتردَّدونَ في القضيَّةِ بينه وبين المشركين، فرَأَوْا من إعظامِ المُسلِمينَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما بَهَرَهم، وما لم يُشاهِدوه عند ملِكٍ ولا قَيصرٍ، فرَجَعوا إلى قَومِهم فأخبَرُوهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه من أكبَرِ أسبابِ هِدايةِ أكثَرِهم... والغرَضُ أنَّ مَن قَدِمَ من دار الحَربِ إلى دار الإسلامِ في أداءِ رِسالةٍ أو تجارةٍ، أو طلَبِ صُلحٍ أو مُهادنةٍ، أو حمْلِ جِزيةٍ، أو نحوِ ذلك من الأسبابِ، فطَلَبَ مِن الإمامِ أو نائِبِه أمانًا؛ أُعطِيَ أمانًا ما دام متردِّدًا في دار الإسلامِ، وحتى يرجِعَ إلى مأمَنِه ووطَنِه. لكِن قال العلماءُ: لا يجوزُ أن يُمكَّنَ مِن الإقامةِ في دارِ الإسلامِ سَنةً، ويجوزُ أن يُمكَّنَ من إقامةِ أربعةِ أشهُرٍ، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعةِ أشهُرٍ ونقَصَ عن سنَةٍ قَولانِ، عن الإمامِ الشافعيِّ وغيرِه من العُلَماءِ- رَحِمَهم الله). ((تفسير ابن كثير)) (4/113- 114). .
ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ.
أي: ثم إنْ لم يُسلِمْ، فاترُكْه يرجِعْ إلى بلَدِه ودِيارِه التي يأمَنُ فيها [81] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/346)، ((تفسير ابن عطية)) (3/9)، ((تفسير القرطبي)) (8/75)، ((تفسير ابن كثير)) (4/113). قال ابنُ عاشور: (معنى أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أمْهِلْه ولا تُهيِّجْه، حتى يبلُغَ مأمَنَه، فلمَّا كان تأمينُ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إيَّاه سببًا في بلوغِه مأمَنَه، جعَلَ التأمينَ إبلاغًا، فأمر به النبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهذا يتضمَّنُ أمرَ المُسلِمينَ بألَّا يتعرَّضوا له بسوءٍ حتى يبلُغَ بلادَه التي يأمَنُ فيها، وليس المرادُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتكلَّفُ تَرحيلَه، ويبعَثُ مَن يُبلِّغُه، فالمعنى: اترُكْه يبلغْ مَأمَنَه). ((تفسير ابن عاشور)) (10/119). .
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ.
أي: أعطِ- يا مُحَمَّدُ- المُشركينَ الأمانَ، حتى يسمَعُوا القرآنَ؛ مِن أجلِ أنَّهم قومٌ جَهَلةٌ لا يَعلمونَ دِينَ اللهِ وثَوابَه وعِقابَه، فيحصُلَ لهم العِلمُ بِسَماعِه، وتقومَ عليهم حُجَّةُ الله على عبادِه [82] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/347)، ((البسيط)) للواحدي (10/299)، ((تفسير ابن كثير)) (4/113)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/284). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ عمَّ جميعَ المُشرِكينَ، وعمَّ البِقاعَ والأماكِنَ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ إلَّا ما خصَّصَتْه الأدلَّةُ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ [83] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/372)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/115). .
2- قَولُ الله تعالى: وَخُذُوهُمْ فيه أنَّه يجوزُ الأسْرُ بَدَلَ القَتلِ، والتَّخييرُ بينهما [84] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:138). .
3- قَولُ الله تعالى: وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فيه جوازُ حِصارِهم والإغارةِ عليهم وبَيَاتِهم [85] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:138). .
4- كلمةُ (كُلَّ) في قَولِ الله تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ مُستعملةٌ في تعميمِ المراصِدِ المظنونِ مُرورُهم بها؛ تحذيرًا للمُسلِمينَ مِن إضاعَتِهم الحراسةَ في المراصدِ، فيأتيَهم العدُوُّ منها، أو مِن التَّفريطِ في بعضِ مَمارِّ العَدُوِّ، فينطلِقَ الأعداءُ آمنين فيَستخِفُّوا بالمُسلمينَ، ويتَسامَعَ جماعاتُ المُشرِكينَ أنَّ المُسلِمينَ ليسُوا بِذَوي بأسٍ ولا يَقَظةٍ، فيؤُولُ معنى (كُلَّ) هنا إلى معنى الكَثرةِ؛ للتَّنبيهِ على الاجتهادِ في استقصاءِ المراصِدِ [86] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/115). .
5- التعبيرُ بالقُعودِ في قَولِ اللهِ تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ للإرشادِ إلى التأنِّي [87] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/381). .
6- في الترصُّدِ والاستقرارِ والتمَكُّنِ وإيصالِ الفِعلِ إلى الظَّرفِ في قَولِ اللهِ تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ؛ إشارةٌ إلى أن يشغَلوا في الترصُّدِ كُلَّ جُزءٍ مِن أجزاءِ كُلِّ مَرصدٍ، إن قَدَروا على ذلك، بخلافِ ما لو عبَّرَ بـ (في كُلِّ مَرصدٍ) فإنَّه إنما يدلُّ على شغلِ كُلِّ مَرصدٍ الصَّادِقُ بالكَونِ في موضعٍ واحدٍ منه، أيُّ موضعٍ كان [88] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/381). .
7- الأمرُ في قولِه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ للإذنِ والإباحة باعتبارِ كلِّ واحدٍ من المأموراتِ على حِدَةٍ، أي: فقد أُذِن لكلٍّ في قتْلِهم وفي أخْذِهم، وفي حِصارِهم، وفي مَنْعِهم مِنَ المرورِ بالأرضِ الَّتي تحتَ حكمِ الإسلامِ، وقدْ يَعْرِضُ الوجوبُ إِذا ظَهَرتْ مصلحَةٌ عَظيمَةٌ [89] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/115). .
8- قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ هذه الآيةُ دالَّةٌ على أنَّ مَن قال: قد تُبتُ، أنَّه لا يُجتزَأُ بِقَولِه حتى ينضافَ إلى ذلك أفعالُه المُحقِّقةُ للتَّوبةِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ شَرَطَ هنا مع التَّوبةِ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ؛ ليُحَقِّقَ بهما التَّوبة. وقال في آيةِ الرِّبا: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: 279]. وقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [90] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/75). [البقرة: 160].
9- في قولِه تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ دلالةٌ على أنَّ التوبةَ مِن الشركِ تُسمَّى توبةً، كما تُسمَّى مِن الذنبِ؛ لأنَّ معناها الرجوعُ عما كان عليه [91] يُنظر: ((النُّكتُ الدّالّة على البيان)) للقَصَّاب (1/480). .
10- قَولُ اللهِ تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ لم يُكتَفَ في تخليةِ السَّبيلِ بالتَّوبةِ مِن الشِّركِ، حتى يُقيمُوا الصَّلاةَ ويُؤتُوا الزَّكاةَ، فاستدَلَّ به من قال بقَتلِ تارِكِ الصَّلاةِ، وقتالِ مانِعِ الزَّكاةِ، واستدَلَّ به من قال بتَكفيرِهما [92] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:138)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص:329). .
11- قَولُ اللهِ تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ الآيةُ تُفيدُ دَلالةَ إقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، على الإسلامِ، وتوجِبُ لِمَن يُؤدِّيهما حُقوقَ المُسلمينَ؛ مِن حِفظِ دَمِه ومالِه، إلَّا بما يُوجِبُه عليه شَرعُه من جنايةٍ تقتضي حدًّا مَعلومًا، أو جريمةً تُوجِبُ تَعزيرًا أو تغريمًا [93] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/152). .
12- قولُه تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه لطيفةٌ، وهو أنَّه تعالى ضيَّقَ عليهم جميعَ الخَيراتِ، وألقاهم في جميعِ الآفاتِ، ثم بيَّنَ أنَّهم لو تابوا عن الكُفرِ، وأقاموا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، فقد تخلَّصوا عن كلِّ تلك الآفاتِ في الدُّنيا، فنرجو مِن فَضلِ اللهِ أن يكونَ الأمرُ كذلك يومَ القيامةِ [94] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/529). .
13- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ يدلُّ على أنَّ المقصودَ مِن شَرعِ القتلِ قَبولُ الدِّينِ، والإقرارُ بالتَّوحيدِ [95] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/529). .
14- الخطابُ بِقَولِه: اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ يدلُّ على أنَّ أمانَ السُّلطانِ جائِزٌ [96] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/375). .
15- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ فيه إشارةٌ إلى وجوبِ الدَّعوةِ قبل القِتالِ [97] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:138). .
16- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ فيه حُجَّةٌ صَريحةٌ لِمَذهَبِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، القائلينَ بأنَّ (القُرآنَ كَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ)؛ لأنَّه تعالى هو المتكَلِّمُ به، وأضافه إلى نفسِه إضافةَ الصِّفةِ إلى موصوفِها، وبُطلانُ مذهَبِ المُعتَزلةِ ومَن أخذَ بِقَولهم: إنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ [98] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:329). .
17- قولُه تعالى: حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ نصٌّ صريحٌ في أنَّ هذا الذي نَقرؤُه ونَتلُوه، هو بِعَينِه كلامُ الله، فالصَّوتُ صَوتُ القارِئِ، والكلامُ كَلامُ البارِئِ؛ لأنَّ اللهَ صرَّح بأنَّ هذا المُشرِكَ المُستجيرَ يَسمَعُ كَلامَ اللهِ، يتلوه عليه نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فهذا المحفوظُ في الصُّدورِ، المقروءُ في الألسِنةِ، المكتوبُ في المصاحِفِ؛ هو كلامُ اللهِ جَلَّ وعلا، بمعانيه وألفاظِه [99] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/280). .
18- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُون في الكلامِ تَنويهٌ بمعالي أخلاقِ المُسلِمينَ، وغَضٌّ من أخلاقِ أهلِ الشِّركِ، وأنَّ سبَبَ ذلك الغَضِّ الإشراكُ الذي يُفسِدُ الأخلاقَ؛ ولذلك جُعِلوا (قومًا لا يَعلمونَ) دونَ أن يُقالَ (بأنَّهم لا يَعلمونَ)؛ للإشارةِ إلى أنَّ نَفيَ العِلمِ مُطَّرِدٌ فيهم، فيشيرُ إلى أنَّ سبَبَ اطِّرادِه فيهم هو نَشأتُه عن الفِكرةِ الجامعةِ لأشتاتِهم، وهي عقيدةُ الإشراكِ [100] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/120). .

بلاغة الآيتين:


1- قَولُه تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قولُه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فيه وضْعُ المُظْهَرِ مَوضِعَ المُضْمَرِ- حيثُ لم يَقُل: (فإذا انسلختْ فاقْتُلوا...)-؛ ليكون ذريعةً إلى وَصْفِها بالحُرمةِ؛ تأكيدًا لِمَا يُنبِئ عنه إباحةُ السِّياحةِ من حُرْمةِ التعرُّضِ لهم، مع ما فيهِ من مَزيدِ الاعتناءِ بشأنِها [101] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/43). .
- قولُه: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ هذا المُركَّبُ مُستَعمَلٌ هنا تَمثيلًا في عدمِ الإضرارِ بهم ومُتاركتِهم [102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/116). ، وهو كِنايةٌ عن الكفِّ عنهم، وإجرائِهم مجرَى المسلمين في تصرُّفاتهم حيثُما شاؤوا [103] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/373). .
- قولُه تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ فيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ قال تعالى هنا في سُورةِ التوبةِ: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، وقال بَعدَه في التَّوبةِ أيضًا: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ؛ فالشَّرطُ فيهما واحدٌ، لكنِ اختَلَف الجوابُ؛ ووجهُ هذه المُناسَبةِ أنَّ قولَه: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ورَدَ بعدَ الأمْرِ بقَتلِ المشركين؛ فناسَبَ أن يكونَ جوابُ الشرطِ فيها الأمرَ بتَرْكِه، وهو قوله تعالى: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، أمَّا قولُ اللهِ تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، فورَدَ بعدَ إثباتِ رُسوخِ المشركين في كُفرِهم وضَلالِهم، وصَدِّهم عن سَبيلِ الله، وكونِه هو الباعثَ لهم على قِتالِ المؤمنِينَ ابتداءً، ثم على نَقْضِ عُهودِهم؛ فناسَبَ أنْ يُذكَرَ في جوابِ شَرطِها فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ؛ لأنَّ هذِه أجلبُ لقُلوبِهم، وأشدُّ استمالةً لهم إلى الإسلامِ [104] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/127).
- وجُملةُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذييلٌ أُريدَ به حثُّ المسلِمينَ على عَدمِ التعرُّضِ بالسُّوءِ للذين يُسْلِمونَ من المُشركينَ، وعدَم مُؤاخذتِهم لِمَا فَرَط منهم؛ فالمعنى: اغْفِروا لهم؛ لأنَّ الله غَفَر لهم، وهو غَفورٌ رحيمٌ [105] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/117).  .
2- قَولُه تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ
- قولُه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ عطْفٌ على جملةِ: فَإِنْ تَابُوا؛ لتَفصيلِ مَفهومِ الشَّرْطِ، أو عطْفٌ على جُملة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ؛ لتَخصيصِ عُمومِه، أي: إلَّا مُشرِكًا استجارَك لمصلحةٍ؛ للسِّفارةِ عن قَومِه، أو لمعرفةِ شرائعِ الإسلامِ، وصِيغَ الكلامُ بطَريقةِ الشَّرْطِ؛ لتأكيدِ حُكْمِ الجوابِ، وللإشارةِ إلى أنَّ الشأنَ أنْ تقَعَ الرَّغبةُ في الجِوارِ مِن جانبِ المشركين [106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/117). .
- وجِيءَ بحرْفِ (إن) التي شأنُها أنْ يكونَ شَرْطُها نادرَ الوقوعِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ هذا شَرْطٌ فَرْضيٌّ؛ لكيلَا يَزعمَ المشرِكون أنَّهم لم يَتمكَّنوا من لِقاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتَّخِذوه عُذْرًا للاستمرارِ على الشِّركِ إذا غَزاهُم المسلِمون [107] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/117). .
- وجِيءَ بلَفْظِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دونَ لِفْظِ (مُشْرِكٍ)؛ للتَّنصيصِ على عُمومِ الجِنْس [108] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/117). .
- وتَقديمُ أَحَدٌ على اسْتَجَارَكَ؛ للاهْتِمامِ بالمُسنَدِ إليه؛ ليكونَ أوَّلَ ما يَقْرعُ السَّمعَ، فيَقع المُسنَدُ بعدَ ذلك من نَفْسِ السَّامعِ مَوقِعَ التمكُّن [109] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/118). .
- وجُملةُ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ في مَوضِعِ التَّعليلِ؛ لتأكيدِ الأَمْرِ بالوَفاءِ لهم بالإجارةِ إلى أن يَصِلوا دِيارَهم؛ فلذلك فُصِلتْ عن الجُملةِ التي قَبْلها، ولم تُعطَف عليها [110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/120). .