موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (189 - 195)

ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ

غريب الكلمات:


مَوَاقِيتُ: جمْع مِيقات، وهو مِفْعالٌ من الوقت، وهو الوقتُ المضروبُ للشيء، والوعدُ الذي جُعِل له وَقْتٌ، وقد يُقال المِيقَاتُ للمكان الذي يُجعَل وَقْتًا للشيء، كمِيقَاتِ الحجِّ [1721] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/132)، ((المفردات)) للراغب (ص: 879)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .
ثَقِفْتُمُوهُمْ: وجدتُموهم، وظفِرتم بهم، وأصل ثقِف: الحِذق في إدراك الشَّيء وفِعله، وإقامة عِوَج الشيء [1722] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 76)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 168)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/382)، ((المفردات)) للراغب (ص: 173)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 29)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .
التَّهْلُكَةِ: الهَلَاك، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدرى أين هو [1723] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 135)، ((المفردات)) للراغب (ص: 161)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 29)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .

المعنى الإجمالي:


سأَل النَّاسُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن الحِكمة من تغيُّر أحوال القمَر صِغرًا وكِبرًا على مراحلَ، فأعلَمه الله سبحانه بالجواب الذي يردُّ به على تساؤلِهم، وهو أنَّ الحكمةَ من خَلْق ذلك أنْ يضبطَ به النَّاس شوؤنهم المؤقَّتة بأوقاتٍ؛ كصومِهم، وفِطرهم، وعدَّة نسائهم، وآجالِ ديونهم، وأوقات حَجِّهم، وغيرها.
ثم أخبَر سبحانه أنَّه ليس من الخير ما كان يفعلُه أهلُ الجاهليَّة من غير القُرَشيين، حيث يمتنعون حالَ إحرامِهم من دخول البيوت من قِبَل الأبواب، وإنَّما من الخَلْف، وأعلَمهم أنَّ البِرَّ والخيرَ في تقوى الله تعالى بامتثال أوامرِه، واجتناب مناهيه، وعليهم أنْ يدخلوا البيوتَ من أبوابها، وأن يلتزموا بالتَّقوى؛ بفعلهم المأمورَ، وتركِهم المنهيَّ عنه، رجاء أنْ يصِلوا بتقواهم تلك إلى الظَّفَر بما يطلُبون، والنَّجاةِ ممَّا يحذَرون.
ثمَّ أمَر الله المؤمنين بالقتال في سبيله، مَن يقاتِلُهم مِن مُقاتِلة الكفَّار، ولا يتجاوزوا ذلك إلى قَتْل النِّساء والأطْفال والشيوخ، وغيرهم ممَّن لم يشتركوا في قتالهم؛ فإنَّ ذلك تعدٍّ، والله تعالى لا يحبُّ المتجاوزين لحدودِ ما شرَع.
ثمَّ أمرَ اللهُ تعالى المؤمنين أنْ يقتلوا الكفَّار المقاتِلين لهم في أيِّ موضعٍ وجَدوهم، وأن يقوموا بإخراجِهم من الأماكن الَّتي أخرَجوا الَّذين آمَنوا منها من قبلُ؛ فإنَّ ما هم فيه من الشِّرك بالله تعالى أعظمُ من إزهاق أنفسِهم، كما أنَّ صدَّ المشركين للمؤمنين عن دِينهم؛ ليصيروا مِثلَهم، أشدُّ مِن أنْ يُقْتَلَ المؤمنون وهم مُتمسِّكون بدِينهم.
ونَهى الله المؤمنين عن ابتداءِ الكفَّار بقَتْلٍ وقِتالٍ في المسجد الحرام، لكن إذا ابتدأ الكفَّار فيه بذلك فليقتلهم المؤمنون؛ عُقوبةً لهم مثلما هي عُقوبة كلِّ كافرٍ مُعْتَدٍ، فإنْ تابوا وأسلموا وترَكوا القتالَ، فإنَّ الله يتجاوز عن سيئاتهم، ويرحمهم بتوفيقهم للخير.
ثمَّ كرَّر اللهُ الأمرَ بقتال المشركين؛ لئلَّا يكونَ ثمَّ إشراكٌ باللهِ، وتكون الطَّاعةُ والعبادة لله وحده. فإنْ ترَك هؤلاء المشركون القتالَ، وتابوا إلى الله فقد وجَب الكفُّ عن قتالهم؛ لأنَّه لا يستحقُّ المعاقَبةَ إلا مَن وقع في الظُّلم بشِرك، أو كُفر، أو قَتْل، أو مقاتَلة، وهؤلاء بتوبتِهم قد تخلَّصوا من الظُّلم.
ثم بيَّنَ اللهُ لعباده المؤمنين أنهم إن قاتَلهم المشركون في أحَدِ الأشهر الحُرُم، فليقاتلوهم فيه، فكما انتهكوا للمؤمنين حرمةَ شهرِهم الحرام، فإنَّ للمؤمنين أن يَنتهكوا حُرمةَ شَهرِهم جزاءً عادلًا، ومَن تعدَّى على المؤمنين، فليردُّوا عليه عدوانَه بمِثله، وأمَرَهم بتقواه عزَّ وجلَّ؛ حتَّى لا يتجاوزوا الحدَّ الَّذي رخَّص لهم في المعاقَبة به، وهو العقوبة بالمِثل، وليتيقَّنوا أنَّ اللهَ مع مَن اتَّقاه؛ فامْتَثل المأمورَ وترَكَ المحظورَ.
ثمَّ أمرَ اللهُ المؤمنين بإنفاق المال في أوجهِ القُرَب، ومنها: الإنفاقُ في جهاد أعداء الدِّين؛ إعلاءً لكلمةِ الله تعالى، ونَهاهم عن الوقوعِ فيما يكون سببًا لهلاكهم وعذابهم؛ وذلك بتَرْك ما أمَر الله تعالى به، أو بفِعْل ما نهاهم عنه، ومِنه: بُخْلهم عن الإنفاقِ في سبيل الله، وأمَرهم سبحانه أنْ يتحلَّوا بالإحسانِ في جميع أحوالهم، في معاملتِهم لخالقِهم، وفي تعاملِهم مع المخلوقين مثلهم؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يحبُّ مَن كان متَّصفًا بالإحسانِ.

تفسير الآيات:


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا أتمَّ الله سبحانه وتعالى البيانَ لِمَا أراده ممَّا شرَعه في شهر الصَّوم ليلًا ونهارًا، وبعض ما تبِع ذلك، وكان كثيرٌ من الأحكام يدور على الهلال، لا سيَّما الحجُّ، وكانت الأهلَّة كالحُكَّام تُوجب أشياءَ وتَنفي غيرها؛ كالصِّيام والدُّيون والزَّكوات، قال سبحانه [1724] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/97). :
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.
أي: يسألُك أصحابُك يا محمَّد عن القمرِ حين يبدو هلالًا في بدايات الشَّهر ونهاياته: ما حِكمةُ هذا التغيُّر، خلافًا للشمس الباقية على هَيئةٍ ثابتة؟ فلقَّنه الله تعالى الإجابةَ بأنَّها خُلِقت؛ ليعرفَ النَّاسُ بها أوقاتَ حَجِّهم، وشهر صومهم، ويوم فِطرهم، وعِدَد نِسائهم، وغير ذلك من أحكامهم [1725] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/282)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/195-196)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/369). .
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا.
سبب النُّزول:
عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البَراء رضي الله عنه يقول: ((نزلت هذه الآيةُ فينا، كانت الأنصارُ إذا حجُّوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبَل أبواب بيوتهم، ولكن مِن ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخَل من قِبَل بابه، فكأنَّه عُيِّرَ بذلك فنزلت : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) [1726] رواه البخاري (1803)، ومسلم (3026). .
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا.
أي: إنَّ هذا العملَ مع اعتقاده قُربةً، ليس مِن الخير في شيء، فنفَى الله تعالى مشروعيَّتَه؛ وذلك أنَّ أهلَ الجاهلية من سوى القُرشيِّين، كانوا إذا أحرَموا بحجٍّ أو عُمرة لم يدخلوا البيوتَ من أبوابها؛ تعبُّدًا لله عزَّ وجلَّ، فإذا احتاجوا منها شيئًا دخلوا من خلفِها، يظنُّون ذلك خيرًا يتقرَّبون به إلى الله عزَّ وجلَّ [1727] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/288-289)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (11/632-633)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/197)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/369-370). .
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.
أي: إنَّ البِرَّ الحقيقيَّ هو أنَّ يتَّقيَ العبدُ ربَّه عزَّ وجلَّ؛ بامتثال أوامره، واجتنابِ نواهيه، لا التعبُّد بما لم يشرَعْه الله جل وعلا؛ ولذا أمَر بإتيان البيوتِ مِن أبوابها كما هو الأصلُ الَّذي جرَتْ به العادة؛ إذ لا دليلَ يمنَعُ مِن ذلك حال الإحرام [1728] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/288-289)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (11/632-633). (20/494)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/74)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/370). .
وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أي: افعَلوا ما أمَركم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك: تَرْكُ الابتداع، والالتزام بالاتباع، من أجل أنْ تظفَروا بما تطلُبون، وتنجُوا ممَّا تحذَرون [1729] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/289)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/199)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/370-371). .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190).
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
أي: قاتِلوا- أيُّها المؤمنون-؛ لأجلِ الله تعالى وحْده، وإعلاءً لدِينه، وبالطريقة الَّتي شرَعها سبحانه، من يُقاتِلونكم من الكفَّار دون مَن سواهم [1730] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/291-292)، ((تفسير ابن كثير)) (1/523-524)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/75)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/373). .
وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
أي: لا تتجاوَزوا ما حدَّه اللهُ تعالى لكم ممَّا شرَعه مِن أحكام القتال، ومن ذلك عدمُ قتلِ النِّساء والأطفال والشيوخ، وغيرهم ممَّن لم يُعاونوا بأيِّ وسيلةٍ على قتالِ المؤمنين؛ وذلك لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يحبُّ مَن تجاوَز حدودَ ما شرعه، فوقَع في المحرَّمات، سواءٌ في القتال أو غيره [1731] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/292)، ((تفسير ابن كثير)) (1/524)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/374). .
عن بُرَيدةَ بن الحُصَيب رضي الله عنه: ((أنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَريَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بتقوَى اللهِ، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغْزُوا باسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَن كفَر باللهِ، اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وليدًا، وإذا لقِيتَ عدوَّك مِن المشركين فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ- أو خِلالٍ-، فأيَّتهنَّ ما أجابوك، فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم )) [1732] رواه مسلم (1731). .
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191).
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.
أي: اقتُلوا الكفَّارَ الَّذين يُقاتِلون المؤمنين، في أيِّ مكانٍ ظفِرْتم فيه بهم، وإن لم يكونوا في ساحةِ القتال [1733] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/292-293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/201-202)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/376). .
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ.
أي: أخرِجوا هؤلاء الَّذين يقاتلونكم مِن دياركم الَّتي أخرَجوكم منها من قبلُ [1734] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/293)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/202)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/376). .
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
أي: إنَّ ما هم عليه من الشِّرك بالله تعالى والكفر به، أمرٌ أعظمُ من إزهاق نفوسهم، كما أنَّ محاولاتهم لصدِّ المؤمنين عن دِينهم؛ ليصيروا مِثلهم من المشركين، أشدُّ مِن أنْ يُقتلوا وهم مستمسِكون بدِينهم؛ فالفتنة تتكرَّر أضرارُها، بينما يحدُث ألَمُ القتلِ مرَّةً واحدة، والقتل يقطَع عن الدُّنيا، لكن الفِتنة قد تقطَع عن نعيم الآخرة [1735] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/293-294)، ((تفسير ابن كثير)) (1/524-525)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/202)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/377). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ الفِتنة هاهنا تَعني الشِّرك: أبو العالية ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وعِكْرمة، والحسن، وأبو مالك، وقَتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/294)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/326). .
وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، يُقَاتِلُوكُمْ، قَاتَلُوكُمْ قراءتان لكلٍّ منها:
1- وَلَا تَقْتُلُوهُمْ، يَقْتُلُوكُمْ، قَتَلُوكُمْ أي وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يقتلُوا بَعْضكُم، فإنْ قتلوا بَعْضكُم فاقتلوهم [1736] قرأ بها حمزة والكسائي. يُنظر: ((النَّشر)) لابن الجزري (ص: 154). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 94)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/195)، ((حجة القراءات)) لابن زَنْجلَة (ص: 127، 128)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/274). .
2- وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، يُقَاتِلُوكُمْ، قَاتَلُوكُمْ أي لا تحاربوهم حَتَّى يحاربوكم فَإِن حاربوكم فاقتلوهم، والمراد النهي عن قصدِهم بالقتال حتى يكون الابتداء منهم، والقِتَال من اثنين، والقَتْل من الواحد [1737] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النَّشر)) لابن الجزري (ص: 154). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 94)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/195)، ((حجة القراءات)) لابن زَنْجلَة (ص: 127، 128)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/274). .
وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
أي: نهى اللهُ تعالى عِبادَه المؤمنين عن ابتداءِ الكفَّار بقتلٍ أو قتالٍ في المسجد الحرام حتى يكونوا هم الَّذين يبدَؤون بذلك، فإن قاتَلوكم أو قتَلوكم، فاقتُلوهم دَفْعًا لعُدوانهم عليكم [1738] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/295-298)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/292)، ((تفسير ابن كثير)) (1/525)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/377). .
كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.
أي: كما قرَّرنا القتل جزاءً على من قاتلكم أو قتلكم، فجزاء الكافرين (المعتدين) أيضًا القتلُ، وفي هذا تهديدٌ لهم [1739] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/295)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/206)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/377). .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: فإنْ ترَكوا القتال وأسلَموا، فإنَّ الله تعالى يتجاوَزُ عن كلِّ ما سلَف منهم من سيِّئات، وبرحمته يوفِّقُهم للخير الَّذي يُثِيبهم عليه حسنات [1740] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/298-299)، ((تفسير ابن كثير)) (1/525)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/381). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا يعني: فإن تابوا: مجاهد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/299). .
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193).
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ.
أي: قاتِلوا المشركين الَّذين يقاتِلونكم حتى لا يكونَ ثَمَّ شِركٌ بالله تعالى، فتكون العبادة والطَّاعة لله عزَّ وجلَّ وحده دون غيره، فهذا هو المقصودُ مِن القتال [1741] ذهَب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير في ((تفسيره)) (3/299-301)، وابنُ كثير في ((تفسيره)) (1/525). والسعديُّ، ((تفسير السعدي)) (ص: 89). وممَّن فسَّر الفِتنة بالشِّرك من السَّلَف: ابن عبَّاس، وقَتادة، ومجاهد، والسُّدِّي، والرَّبيع. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/299). .
عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، قال: ((جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: الرجلُ يُقاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقاتِلُ شَجاعَةً، ويُقاتِلُ رِياءً، فأيُّ ذلك في سبيلِ اللهِ؟ قال: مَن قاتَل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيلِ اللهِ )) [1742] رواه البخاري (7458) واللفظ له، ومسلم (1904). .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
أي: فإنْ توقَّفوا عن قتالكم وأسلَموا، وأخلَصوا العبادةَ لله تعالى وحده، فقد تخلَّصوا من الظُّلم، فكُفُّوا عنهم؛ فإنَّه لا تحلُّ معاقَبة أحدٍ بقتاله أو قتله، إلَّا لِمَا وقَع منه من ظلمٍ بشِرك أو كُفر أو قَتْل أو مقاتَلة [1743] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/302)، ((تفسير ابن كثير)) (1/525)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/382-383). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية قوله فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ يعني: على مَن أبَى أن يقول: لا إله إلا الله. ورُوي عن عِكرمة، وقَتادة، والرَّبيع بن أنس، نحوُ ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/327). وممَّن قال من السَّلف إنَّ المراد بالظالم: الظالم بالمقاتلة: مجاهد، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/303). .
عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقدْ عصَم منِّي نفسَه ومالَه إلَّا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ )) [1744] رواه البخاري (2946)، ومسلم (21). .
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194).
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ.
أي: إنْ قاتَلوكم في أَحدِ الأشهر الحُرُم، فقاتِلوهم فيه، وقيل: المراد أنَّ الشهرَ الحرام الذي قضى فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمسلمين معه العُمرةَ (وهو شهر ذي القَعدة) أيضًا، جاء في مُقابِل الشَّهر الحرام (شهر ذي القَعدة) الذي صدَّهم فيه المشرِكون عن العُمرة في العام الَّذي سبَق عمرةَ القضاء [1745] يُنظر للمعنى الأول: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 155)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/384). ويُنظر للمعنى الثاني: ((تفسير ابن جرير)) (3/304، 305، 309))، ((شرح عمدة الفقه-كتاب الطهارة والحج)) لابن تيميَّة (3/380). وجعَل السعديُّ كِلا المعنييْن ممَّا تحتمله الآية. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 89). .
وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ.
أي: كما انتهكوا لكم حُرمةَ شهرِكم، فقد انتهكتم منهم حرمةَ شهرهم أيضًا، سواءً بسواءٍ، جزاءً عادلًا، وكذا كلُّ شيء يُحترم كالبلدِ الحرام، وغيره من جميع ما أمَر الشرعُ باحترامه، فمن تجرَّأ عليه وانتهك حُرمته، فإنَّه يُقتصُّ منه بمِثله [1746] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/309)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 89-90)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/384). .
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.
أي: هذا أمرٌ من الله تعالى بالعدلِ حتى في شأنِ المعاقَبة، فيُقتصُّ مِن المعتدي بمِثل عُدوانه، دون زيادة [1747] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/310-312)، ((تفسير ابن كثير)) (1/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 90)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/385-386). .
وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا كانت النفوسُ لا تقف في الغالب على حدِّها الذي رُخِّص لها في المعاقَبة؛ وذلك لرغبتِها في التَّشفِّي قال تعالى [1748] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 90). :
 وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
أي: أمَر تعالى بلزوم تقواه، بعدمِ تجاوزِ ما وجب لهم من القِصاص، ولْيعلَموا معتقدين جازمين بأن اللهَ عزَّ وجلَّ مع عباده المتَّقين الَّذين يمتثلون أوامرَه، ويجتنبون نواهيَه، فيؤيِّدهم وينصُرُهم ويوفِّقهم [1749] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/312)، ((تفسير ابن كثير)) (1/528)، ((تفسير السعدي)) (ص: 90)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/386). .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195).
سبب النُّزول:
عن حُذَيْفَة رضي الله عنه: ((وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ قال: نَزلَتْ في النَّفَقةِ )) [1750] رواه البخاري (4516). .
وعن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه، قال: ((كنَّا بمدينةِ الرُّومِ، فأَخْرَجوا إلينا صَفًّا عظيمًا من الرُّومِ، فخرج إليهم من المسلمينَ مِثْلُهم أو أكثرُ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وعلى الجماعةِ فَضَالةُ بنُ عُبَيدٍ، فحمل رجلٌ من المسلمينَ على صَفِّ الرُّومِ، حتى دخل عليهم، فصاح النَّاسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ! يُلْقِي بيَدَيْهِ إلى التهلُكةِ، فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ فقال: يا أَيُّها النَّاسُ، إنَّكم لَتُؤَوِّلُونَ هذه الآيةَ هذا التأويلَ، وإنما نَزَلَت هذه الآيةُ فينا مَعْشَرَ الأنصارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه، فقال بعضُنا لبعضٍ سِرًّا دون رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ أموالَنا قد ضاعَت، وإنَّ اللهَ قد أَعَزَّ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه، فلو أَقَمْنا في أموالِنا فأَصْلَحْنا ما ضاع منها، فأنزل اللهُ تبارك وتعالى على نَبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَرُدُّ علينا ما قُلْنا؛ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] ، فكانت التَّهْلُكَةُ الإقامةَ على الأموالِ وإصلاحِها، وتَرْكَنا الغَزْوَ، فما زال أبو أيوبَ شاخصًا في سبيلِ اللهِ حتى دُفِنَ بأرضِ الرُّومِ )) [1751] أخْرَجه الترمذي (2972) واللفظ له، والنَّسائي في ((السنن الكبرى)) (6/299) (11029)، وابن حِبَّان (11/9) (4711). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريب، وصحَّح إسناده الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (5/319)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2972). .
ولا تعارضَ بين الرِّوايتينِ، بل إنَّ رِواية أبي أيُّوبَ رضي الله عنه هي مُبيِّنة ومفسِّرة للإجمالِ الوارد في رِواية حُذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه السَّابقة [1752] ينظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/185). .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
أي: أَنفِقوا قُربةً لله عزَّ وجلَّ في وجوه الطاعات- ومن ذلك: الإنفاق في جهاد أعداء الدِّين؛ لإعلاءِ كلمة الله تعالى- واجتَنِبوا إلْقاءَ أنفُسِكم فيما فيه هلاكُها وعذابُها، وذلك بتَرْك ما أمَر الله تعالى به، أو فِعْل ما نهى عنه، ومن ذلك: تَرْك الإنفاق في الجهاد؛ فليستِ التَّهلكةُ أن يُقتَل الرَّجُلُ في سبيل الله تعالى، ولكنَّ التَّهلكةَ في ترْك الإنفاق في سبيله سبحانه [1753] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/324-325)، ((تفسير ابن كثير)) (1/530)، ((تفسير السعدي)) (ص: 90). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ معنى قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: إنَّه ترْك النَّفقة في سبيل الله: ابن عبَّاس، وعِكْرمة، والحسن، ومجاهد، وعَطاء، وسعيد بن جُبَير، وأبو صالح، والضَّحَّاك، والسُّدِّي، ومقاتل بن حَيَّان، وقَتادة. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/330). .
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
أي: أمَر اللهُ تعالى عبادَه بأن يُحسنوا في كل شيء؛ في معاملتِهم للخالق عزَّ وجلَّ بعبادته كأنَّهم يرَوْنه، وفي معاملتِهم للمخلوقين؛ بذلًا للمعروف، وكفًّا للأذى؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يحبُّ المحسنين [1754] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 90)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/216)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/389). .
عن شدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: ((إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كلِّ شيٍء، فإذا قتلتم فأحسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسِنُوا الذَّبحَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، فليُرِحْ ذبيحتَه )) [1755] رواه مسلم (1955). .

الفوائد التربويَّة:


1- أنَّ العاداتِ لا تجعَل غيرَ المشروع مشروعًا؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، مع أنَّهم اعتادوه واعتقَدوه من البِرِّ، فمن اعتاد شيئًا يعتقده بِرًّا، فإنَّ عليه أنْ يعرِضَه على شريعة الله [1756] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/372). .
2- أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يأتيَ الأمور من أبوابها؛ ليحصلَ على مقصوده؛ لقوله تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا؛ فإن هذه الآيةَ كما تناوَلتِ البيوت الحسِّيَّة تناولت أيضًا الأمورَ المعنويَّة [1757] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/372). .
3- أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا نَهَى عن شيءٍ فتَح لعباده مِن المأذون ما يقومُ مقامَه؛ فإنَّه لَمَّا نفى أنْ يكونَ إتيانُ البيوت من ظهورها من البِرِّ، بيَّن ما يقومُ مقامَه؛ فقال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [1758] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/372). .
4- أنَّه ينبغي للمتكلِّم أنْ يذكُرَ للمخاطَب ما يهيِّجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [1759] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/375). .
5- حُسن تعليمِ الله عزَّ وجلَّ؛ حيث يقرنُ الحُكمَ بالحِكْمَة؛ لقوله تعالى: وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [1760] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/375). .
6- فضيلة التَّقوى؛ حيث ينال العبدُ بها مَعيَّةَ الله؛ وإذا كان الله معك فإنَّه ينصُرك، ويُؤيِّدك، ويثبِّتُك، فهذا يدلُّ على فضيلة السَّبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، وقد أكَّد الله تعالى هذه المعيَّةَ للمتَّقين بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا؛ فلم يقتصر على مجرَّدِ الإخبار بها، بل أمَرنا أنْ نعلَمَ بذلك [1761] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/388). .
7- الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ، ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ؛ بأنْ يكون القصدُ لله، وأن يكون التنفيذُ على حسَب شريعةِ الله؛ كما قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] [1762] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/390). .
8- أن المعتديَ لا يُجازَى بأكثرَ مِن عدوانه؛ لقوله تعالى: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أنْ أعتديَ بأكثرَ للتشفِّي، ومن ثَمَّ قال العلماء: إنه لا يُقتَصُّ مِن الجاني إلَّا بحضرة السلطان أو نائبِه؛ خوفًا من الاعتداء؛ لأنَّ الإنسانَ يريدُ أنْ يتشفَّى لنفسِه، فربما يعتدي بأكثرَ [1763] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/387). .
9- في قوله: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الأمر بالإنفاق في سائر وجوه القُربات والطاعات، ومن أهمها: صرف الأموال في قِتال الأعداء، وبذْلها فيما يقوى به المسلمون على عدوِّهم، وأنَّ الإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكةٌ للنفس بالشُّحِّ، وتهلكةٌ للجماعة بالعجز والضَّعف، وبخاصَّة في نظامٍ يقوم على التطوُّع، كما كان يقوم الإسلام [1764] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (3/479)
10- في الأمرِ بالإحسان بعد ذِكْر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهيِ عن الإلقاء باليدِ إلى التَّهلُكة: إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ هذه الأحوال يلابِسُها الإحسان ويحفُّ بها؛ ففي الاعتداء مثلًا يكون الإحسانُ بالوقوف عند الحدود، والاقتصاد في الاعتداء، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرِّفق بالأسير والمغلوبِ، وبحِفْظ أموال المغلوبين وديارِهم من التَّخريبِ والتحريق، وغير ذلك [1765] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/216). . وقوله: وَأَحْسِنُوا يشمَلُ جميعَ أنواع الإحسان؛ لأنَّه لَم يقيِّدْه بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسانُ بالمال، وبالجاه، وبالشَّفاعات، وغير ذلك [1766] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 90). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- حِرص الصَّحابة رضي الله عنهم على العلم؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [1767] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/371). .
2- بيان عِلم الله، وسَمْعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ؛ علِم اللهُ بسؤالهم، وسمِعه، ورحِمهم بالإجابة [1768] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/371). .
3- أنَّ الميقات المعتبرَ هو الذي وضَعه الله للناس- وهو الأهلَّة- فالأصل أنْ يكونَ هو الميقاتَ العالَمي؛ لقوله تعالى: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، وأمَّا التوقيتُ بالأشهر الإفرنجيَّة فلا أصلَ له [1769] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/371). قال ابن تيميَّة: (وقد بلغني أنَّ الشرائع قبلنا أيضًا إنما علَّقت الأحكام بالأهِلَّة، وإنما بدَّل مَن بدَّل من أتباعهم كما يفعله اليهود في اجتماع القُرصين، وفي جعْل بعض أعيادها بحساب السَّنة الشمسيَّة، وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي الاجتماعَ القريب من أول السَّنة الشمسيَّة، وتجعل سائر أعيادها دائرة على السَّنة الشَّمسيَّة بحسب الحوادث التي كانت للمسيح، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم، فإنَّ منهم من يَعتبر بالسَّنة الشمسية فقط، ولهم اصطلاحات في عدد شهورها؛ لأنَّها وإن كانت طبيعية فشهرُها عدَدي وضْعي، ومنهم مَن يَعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القُرصين، وما جاءت به الشريعة هو أكملُ الأمور وأحسنُها، وأبينها وأصحُّها، وأبعدها من الاضطراب) ((مجموع الفتاوى)) (25/135). وقال ابن القيِّم: (... فالحِكمة البالغة التي في تقدير السِّنين والشهور بسَير القمر أظهرُ وأنفع وأصلح، وأقلُّ اختلافًا من تقديرها بسير الشمس) ((التبيان في أقسام القرآن)) (ص: 165). .
4- إثبات العَدْل لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، والجزاء من جِنس العمل [1771] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/381). .
5- أنَّ ما كان سببًا للضَّرر فإنَّه منهيٌّ عنه؛ لقوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [1772] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/390). .
بلاغة الآيات:
1- قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
- فيه اختصار بليغ؛ إذ نبَّه تعالى بقوله: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ على جميع المنافِع التي تكون في اختلاف أحوال القمر؛ لأنَّ تعديد جميع هذه الأمور يَقضي إلى الإطناب، والاقتصار على البعض دون البعض ترجيحٌ من غير مرجِّح؛ فلم يبقَ إلَّا الاقتصار على كونه ميقاتًا، فكان هذا الاقتصار دليلًا على الفصاحة العظيمة لهذا الكلام البليغ [1773] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (5/284-285)، ((تفسير أبي حيان)) (2/236). .
- وإفرادُ الحجِّ بالذِّكر لبيان أنَّ الحجَّ مقصورٌ على الأشهُر التي عيَّنها الله تعالى لفرضه، وأنَّه لا يجوز نقْل الحجِّ من تلك الأشهُر إلى أشهرٍ أخرى، كما كانتِ العربُ تَفعَل ذلك في النَّسيء [1774] يُنظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (1/218)، ((تفسير المنار)) (2/163). .
2- قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه إيجازٌ بديع؛ فقوله: فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جواب الشرط، وكلُّ سامعٍ يعلم أنَّ وصْف الله تعالى بالمغفرة والرحمة لا يترتَّب على الانتهاءِ، فيَعلم أنَّه تنبيهٌ لحصول المغفرة والرحمة لهم إنِ انتهوا، وهذا من إيجاز الحذْف [1775] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/206). .
3- قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
- وضع قوله: إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ موضعَ (على المنتهين)، أي: فلا تظلموا إلَّا الظالمين غيرَ المنتهين، فوضَع العِلَّة موضعَ الحُكم، وسمَّى جزاء الظالمين عدوانًا؛ للمشاكلة، والفاء الأُولى للتعقيب، والثانية للجزاء [1776] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/236)، ((تفسير البيضاوي)) (1/128)، ((تفسير أبي حيان)) (2/247)، ((تفسير أبي السعود)) (1/204)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/209). .
- وفي قوله سبحانه فَلَا عُدْوَانَ نفيٌ عامٌّ يُراد به النَّهي، أي: فلا تعتدوا، وذلك على سبيل المبالغة؛ فالعدول عن النهي إلى النفي المحض العام، ألزمَ في المنع؛ إذ صار من الأشياء التي لا تقع أصلًا [1777] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/248). .
4- قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فيه الإخبار عن الحُرمات بلفظ قِصاص، وهو من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة [1778] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/211). .
5- قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ تفريعٌ [1779] التفريع: هو إثبات حُكم لمتعلِّق أمرٍ، بعد إثباته لمتعلِّق له آخَر؛ فلا بدَّ إذًا من متعلقين، أي: شيئين منسوبين لأمرٍ واحد، كغلام محمد وأبيه بالنسبة إلى محمدٍ، ولا بدَّ من حُكمٍ واحدٍ يَثبُت لأحد المتعلقين، وهما الغلام والأب، بعد إثباته للآخر، كأن يُقال: غلام محمد فرِح ففرِح أبوه، فالفرح حكمٌ أثبت لمتعلقَيْ محمَّد، وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثاني على وجهٍ يُشعر بتفريعه عن الأول. يُنظر: ((علوم البلاغة البيان، المعاني، البديع)) للمراغي (ص: 341-342)، ((جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع)) للهاشمي (ص: 317)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 322). عن قوله: وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ، ونتيجةٌ له؛ ففيه من البلاغة: فَذْلَكة التقرير، وسُمِّي جزاءُ الاعتداء اعتداءً؛ مشاكلةً [1780] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/128)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/211). .
6- قوله: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييلٌ للترغيب في الإحسان؛ لأنَّ محبة الله عبدَه غايةُ ما يطلبه الناس؛ إذ محبَّة اللهِ العبدَ سببُ الصلاحِ والخيرِ دُنيا وآخِرة، واللام للاستغراق العُرفي، والمراد المحسنون من المؤمنين [1781] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/216). .