موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (35 - 37)

ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ

غريب الكلمات:


وَابْتَغُوا: واطْلُبوا، مِن بغَى الشَّيءَ، أي: طَلبَه [719] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 247). .
الْوَسِيلَةَ: القُربَة، والزُّلفَى؛ يقال: تَوسَّل إليَّ بكذا، أي: تَقرَّب، وحقيقةُ الوَسيلَةِ إلى اللهِ تعالى: مُراعاةُ سَبيلِه بالعِلمِ والعِبادَةِ، وتحرِّي مكارمِ الشَّريعةِ، وأصلُ الوسيلةِ: التوصُّلُ إلى الشيءِ برغبةٍ [720] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 143)، ((المفردات)) للراغب (ص: 871)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 82)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 150)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 946). .
لِيَفْتَدُوا بِهِ: لِيَتحامَوْا ببذلِه، والفِدَى والفِداء: حِفظُ الإنسانِ عنِ النائبةِ بما يَبذُلُه، والبَدَلُ من الشَّيءِ؛ صيانةً له، وأَصْلُ (فدي): جَعْلُ شَيءٍ مكانَ شَيءٍ حِمًى له [721] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/483)، ((المفردات)) للراغب (2/181)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 97). .

المعنى الإجمالي:


يَأمُرُ اللهُ المؤمنينَ بتَقواه، وطلَبِ القُربِ منه، والجهادِ في سَبيلِه؛ حتَّى يُفلِحوا بأنْ يَنجُوا ممَّا يخافون، ويَحصُلوا على ما يَطْمَعونَ، ويَسعَدوا سَعادةً أبديَّةً.
ثم أخبَرَ تعالى أنَّ الكُفَّارَ لو أنَّهم يَملِكونَ كلَّ ما في الأرضِ ومِثلَه معه، وأرادوا أنْ يُقدِّموه فِديةً مقابلَ تخلُّصِهم من عذابِ الآخِرِة؛ فلنْ يَتقبَّلَ اللهُ منهم ذلِك الفِداءَ، ولهم عذابٌ مؤلِم موجِع، يُريد هؤلاء الكفَّار أنْ يَخرُجوا من النَّارِ بعد أن ذاقوا عذابَها، ولن يَخرُجوا منها أبدًا، ولهم عذابٌ دائمٌ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى جزاءَ مَن حارَبَ اللهَ ورسولَه، وسعَى في الأرضِ فسادًا من العقوباتِ الأربَعِ، والعذابِ العظيمِ المُعَدِّ لهم في الآخِرِة- أمَرَ المؤمنين بتقوى اللهِ، وابتغاءِ القُرباتِ إليه؛ فإنَّ ذلك هو المُنجِي من المحاربةِ، والعِقابِ المعَدِّ للمحارِبينَ [722] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/242). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.
أي: يا مَعشرَ المؤمنين، امتثِلوا ما أمَرَكم اللهُ تعالى به، واجتَنِبوا ما نَهاكم عنه، واطْلُبوا القُربَ مِنه، والحظوةَ لديه بالعملِ بما يُرضيهِ عزَّ وجلَّ [723] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/402- 403)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/322). قال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: (عن ابنِ عبَّاس: أي القربةَ. وكذا قال مجاهدٌ وعطاء وأبو وائلٍ، والحسنُ، وقتادةُ، وعبدُ الله بنُ كثيرٍ، والسُّدي، وابنِ زيدٍ. وقال قتادةُ: أي تقرَّبوا إليه بطاعتِه، والعملِ بما يُرضيه. وقرأ ابنُ زيد: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمَّةُ لا خلافَ بينَ المفسِّرين فيه) ((تفسير ابن كثير)) (3/103). .
ثمَّ خصَّ- تبارَك وتعالى- مِن العباداتِ المقرِّبةِ إليه: الجهادَ في سَبيله؛ فهو مِن أَجلِّ الطَّاعاتِ، وأفضلِ القُرُبات، ومَن قامَ به، فهو على القيامِ بغيره أَحْرَى وأَوْلى [724] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 230). ، فقال:
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أي: وجاهِدوا- أيُّها المؤمنون- أعداءَ اللهِ تعالى؛ لإعلاءِ كلمتِه سُبحانَه بأموالِكم، وأنفسِكم، وألْسِنتِكم؛ كي تَنجُوا ممَّا تَرْهَبون، وتَظفَروا بما تَرْغَبون، وتُدركوا السَّعادةَ الأبديَّة في جَنَّاتِه [725] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/404)، ((تفسير ابن كثير)) (3/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/332). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تبارَك وتَعالَى عِبادَه المؤمنين أنْ يَتَّقوا اللهَ، ويَبْتغوا إليه الوسيلةَ، ويُجاهدوا في سَبيلِه، وبَيَّن عاقبةَ هذا بأنَّه الفلاحُ- بَيَّن عاقبةَ مَن لم يَقُمْ بذلك من الكفَّار، فقالَ تعالى [726] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/337). يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/350)، ((تفسير أبي حيان)) (4/242). :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ.
أي: لو كانَ للكُفَّارِ مُلكُ ما في الأرض كلِّها، ومَلَكوا ضِعْفَه معه [727] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/405)، ((تفسير ابن كثير)) (3/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/338). .
لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أي: وأَرادوا أنْ يُقدِّموا ذلك كلَّه يومَ القِيامةِ فِديةً؛ ليتخلَّصوا بها مِن عذابِ الآخِرِة [728] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/405)، ((تفسير ابن كثير)) (3/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/338). .
مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: لَمَـا تَقبَّل اللهُ تعالى منهم ذلِكَ الفِداءَ مهما بذَلُوا، وقدْ حقَّ عليهم عذابٌ مؤلمٌ، مُوجِع [729] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/405- 406)، ((تفسير ابن كثير)) (3/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/338). .
كما قال تَعالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 91].
وعن أنسِ بنِ مَالكٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((يُجاءُ بالكافرِ يومَ القِيامةِ فيُقالُ له: أَرأيتَ لو كان لك مِلءُ الأرضِ ذهبًا، أكُنتَ تَفتدي به؟ فيقولُ: نعمْ، فيُقالُ له: قدْ كُنتَ سُئِلتَ ما هو أيسرُ من ذلِك! )) [730] رواه البخاري (6538) واللفظ له، ومسلم (2805). .
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37).
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا.
أي: يُريدُ هؤلاءِ الذين كفَروا بربِّهم أنْ يَخرُجوا مِنَ النَّارِ بعدَ دُخولِها، ولكنْ أنَّى لهم ذلِك؟! فلن يَخرجُوا منها أبدًا [731] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/406)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/340- 341). .
كما قال عزَّ وجلَّ: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: 22].
وقال تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 167].
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ.
أي: ولهم عَذابٌ دائمٌ ثابتٌ، لا يزولُ عنهم، ولا يَنتقِلُ مطلقًا؛ فهم ماكثونَ فيه أبدًا [732] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/406)، ((تفسير ابن كثير)) (3/106)، ((تفسير السعدي)) (ص: 230). .

الفوائد التربوية:


1- توجيهُ النِّداءِ إلى المؤمنين في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يدلُّ على أنَّ امتثالَ الأمرِ الذي يَعقُبه من مقتضياتِ الإيمانِ، وأنَّ مُخالفتَه نقصٌ في الإيمانِ [733] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/329). .
2- يُستفادُ مِن قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ... أنَّه يَنبغي إغراءُ الشخصِ المخاطَبِ بما يَحملُه على الامتثالِ؛ لأنَّ وصْفَ الإنسانِ بالشيءِ الذي يَحملُه على الفِعلِ والامتثالِ لا شكَّ أنَّه يُغريه، ويَزيده نشاطًا، فنقول مثلًا: يا أيُّها الكريمُ، أكْرِمِ الضَّيفَ؛ فإن ذلك يكونُ دافعًا له على إكرامِ الضَّيف [734] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/329). .
3- يُستفادُ مِن قولِه: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أنَّه كلَّما كانتِ العبادةُ تُقرِّبُ إلى اللهِ أكثرَ، كان الاهتمامُ بها أكثرَ؛ لأنَّ الحُكمَ يَدورُ مع عِلَّته، فإذا قيل: اسلكِ الطريقَ المقرِّبَ إلى اللهِ، فإنَّ مِنَ المعلومِ أنَّ ما يكون أقربَ أو أشدَّ تقريبًا فهو أَوْلى [735] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/333). .
4- الإشارةُ إلى الإخلاصِ؛ لقوله: فِي سَبِيلِهِ حيث أضافَه إلى نفْسِه عزَّ وجلَّ؛ إشارةً إلى أنَّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يكونَ جهادُه في سبيلِ اللهِ [736] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/336). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ جملة اعتراضيَّة بين آياتِ وعيدِ المحاربينَ وأحكامِ جَزائهِم، وبين ما بَعدَه مِن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وهذه عادةُ القُرآنِ في تخلُّل الأغراضِ بالموعظةِ، والترغيبِ والترهيبِ [737] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/187). .
2- لَمَّا أمَرَ الله بتَرْك ما لا يَنبغي بقولِه: اتَّقُوا اللَّهَ، وهو شاقٌّ ثقيلٌ على النَّفسِ، وأمر بفِعل ما يَنبغي، بقوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، وكان الانقيادُ لذلك من أشقِّ الأشياءِ على النَّفسِ، وأشدِّها ثقلًا على الطَّبع؛ فلهذا السببِ أردفَ ذلك التكليفَ بقوله: وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [738] ينظر: ((تفسير الرازي)) (11/350)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/131)، ((تفسير ابن عادل)) (7/313). .
3- قوله: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ فيه التَّنبيهُ إلى مَجامِع التَّكليفِ؛ فإنَّها محصورةٌ في نَوعينِ لا ثالثَ لهما؛ أحدُهما: ترْكُ المنهيَّات، وإليه الإشارةُ بقوله: اتَّقُوا اللَّهَ، وثانيهما: فِعْل المأموراتِ، وإليه الإشارةُ بقولِه تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، ولَمَّا كان ترْكُ المنهيَّات مُقدَّمًا على فِعلِ المأموراتِ بالذَّاتِ؛ لا جرمَ قدَّمه تعالى عليه في الذِّكر؛ لأنَّ التَّرْكَ عبارةٌ عن بقاءِ الشَّيءِ على عَدمِه الأصليِّ، والفِعل هو الإيقاعُ والتَّحصيلُ، ولا شكَّ أنَّ عدَم جميعِ المحدَثاتِ سابقٌ على وجودِها، فكان التركُ قبلَ الفِعل لا محالةَ [739] ينظر: ((تفسير الرازي)) (11/349). .
4- قولُه تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ معناه ابتغوا التقرُّبَ إلى الله، وليس المرادُ بالوسيلةِ ما هو معروفٌ عند المتأخِّرينَ، بأنْ يتَّخِذَ الإنسانُ وسائلَ في دُعائِه أو نحو ذلِك؛ فبعض المُحرِّفينَ قال: المرادُ بالوسيلةِ: الوليُّ أو النبيُّ، أو جاهُ النبيِّ أو جاهُ الوليِّ، وهذا تحريفٌ باطِلٌ [740] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/331). .
5- يُستفادُ مِن قولِه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أنَّ مدارَ النَّجاةِ والفلاحِ على ما في نفْسِ الإنسانِ، لا على ما هو خارجٌ عنها، كما يَتوهَّم الكفَّارُ في أمْرِ الفِديةِ [741] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/312). .
6- استدلَّ أهلُ السُّنة بقولِه تعالى: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ على أنَّ اللهَ تعالى يُخرِجُ مِن النَّارِ مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ مخلصًا؛ لأنَّه تعالى جعَل هذا المعنى مِن تهديداتِ الكفَّار، وأنواعِ ما خوَّفَهم به، ولولا أنَّ هذا المعنى يختصُّ بالكفَّارِ لَمَا كان لتخصيصِ الكفَّارِ به معنًى، ويُؤكِّده قولُه: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ، وهذا يُفيدُ الحصرَ، فكأنَّ المعنى: ولهم عذابٌ مقيمٌ لا لغيرِهم [742] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/317). .
7- أنَّ الكفَّارَ الذين هم أهلُ النَّار لن يَخرُجوا منها البتةَ؛ لقولِه: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وهذا خبرٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، وخبرُ اللهِ حقٌّ [743] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/134)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/312)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/343). .
8- قولُه تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ فيه إشارةٌ إلى ما هو لازِمٌ لهم في الدُّنيا والآخِرةِ مِن الآلامِ النَّفسيَّة: غمًّا وحَزَنًا، وقسوةً وظُلمةَ قَلْبٍ، وجَهلًا، فإنَّ للكُفرِ والمعاصي من الآلامِ العاجِلةِ الدَّائمةِ ما اللهُ به عليمٌ، ولهذا تجِدُ غالِبَ هؤلاء لا يُطيِّبونَ عَيشَهم إلَّا بما يُزيلُ العَقلَ، ويُلهي القَلبَ: مِن تناوُلِ مُسكِرٍ، أو رُؤيةِ مُلْهٍ، أو سَماعِ مُطرِبٍ، ونحوِ ذلك، وبإزاءِ ذلك قولُه في المؤمنين: أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة: 71] فإنَّ اللهَ يُعَجِّلُ للمُؤمنينَ مِنَ الرَّحمةِ في قلوبِهم، وغيرِها بما يَجِدُونَه من حلاوةِ الإيمانِ، ويَذوقونَه مِن طَعمِه، وانشراحِ صُدورِهم للإسلامِ، إلى غير ذلك مِنَ السُّرورِ بالإيمانِ، والعِلمِ والعَمَلِ الصَّالحِ، بما لا يُمكِنُ وَصفُه [744] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/110). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... فيه مِن البلاغة: استعمالُ ما يكونُ به التَّنبيهُ في الأمورِ الهامَّة؛ وجهُه: أنَّ اللهَ صدَّرَ هذِه الأوامرَ الثلاثةَ المهمَّة بالنِّداءِ [745] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/332). .
2- قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ فيه: تقديمُ المجرورِ إِلَيْهِ على متعلَّقه الْوَسِيلَةَ للحصر، أي: لا تتوسَّلوا إلَّا إليه لا إلى غَيرِه؛ فيكون تعريضًا بالمشركين؛ لأنَّ المسلمينَ لا يُظنُّ بهم ما يَقتضي هذا الحصرَ [746] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/187). .
3- قوله: جَمِيعًا فيه: توكيدٌ لـ (ما) الموصولة، في مَا فِي الْأَرْضِ [747] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/33). .
4- قوله: لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ فيه: إيجازٌ بالحذفِ؛ حيثُ إنَّ في الكلامِ جملةً محذوفةً، والتقدير: وبَذَلوه وافتَدَوْا به ما تُقبِّلَ منهم؛ إذ لا يَترتَّبُ انتفاءُ التقبُّلِ على كَينونةِ ما في الأرض ومِثلِه معه، إنَّما يترتَّبُ على بذْلِ ذلك، أو الافتداءِ به [748] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/244). .
5- قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ حالِهم في أثناءِ مُكابدةِ العذابِ، مَبنيٌّ على سُؤالٍ نشأ ممَّا قَبلَه؛ كأنَّه قِيلَ: فكيف يكونُ حالُهم؟ أو ماذا يَصنعونَ؟ فقيل يُرِيدُونَ... [749] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/34). .
6- قوله: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا فيه: إيثارُ الجُملةِ الاسميَّةِ على الفِعليَّةِ، مع تصديرِها بـ(ما) الحِجازيَّةِ الدالَّةِ- بما في خبرِها مِن الباءِ- على تأكيدِ النَّفي، والمبالغةِ؛ لبيانِ كَمالِ سوءِ حالِهم باستمرارِ عَدمِ خُروجِهم منها؛ فإنَّ الجملةَ الاسميةَ الإيجابيَّةَ كما تُفيدُ- بمعونةِ المقامِ- دوامَ الثُّبوتِ، تُفيدُ السلبيةُ أيضًا بمعونتِه دوامَ النَّفيِ لا نفْيَ الدَّوامِ [750] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/34)، ((تفسير البيضاوي)) (2/126).   .