موسوعة التفسير

سورةُ العَنكَبوتِ
الآيتان (12-13)

ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ

غَريبُ الكَلِماتِ:


أَثْقَالَهُمْ: أي: أوزارَهم وآثامَهم، وأصلُ (ثقل): يدُلُّ على ضِدِّ الخِفَّةِ [132] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 337)، ((تفسير ابن جرير)) (18/369)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/382)، ((المفردات)) للراغب (ص: 174)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 286)، ((تفسير ابن كثير)) (6/266). .
يَفْتَرُونَ: يَختلِقون، ويَكذِبون؛ فـ (الافتراء) الاختِلاقُ، وهو ما عَظُم مِن الكَذبِ، ومنه قيل: افترَى فُلانٌ على فلانٍ، إذا قذَفَه بما ليسَ فيه، وأصلُ (فري): قَطْعُ الشَّيءِ، ومِن ذلك: فَرَيتُ الشَّيءَ أفْريه فَرْيًا، وهو قطْعُه لإصلاحِه، وأفرَيْتَه: إذا أنت قطَعْتَه للإفسادِ، والافتِراءُ فيهما، وفي الإفسادِ أكثرُ [133] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 31، 128، 280)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 102، 460)، ((المفردات)) للراغب (ص: 634، 635)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 154). .

المعنى الإجماليُّ:


يحكي الله تعالى بعضَ دعاوى الكفَّارِ الباطِلةِ مُفَنِّدًا لها، فيقولُ: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ للمُؤمِنينَ: اتَّبِعوا طريقَتَنا ودينَنا، وسنتحَمَّلُ عنكم خطاياكم! وما هؤلاء الكُفَّارُ بحامِلينَ شيئًا مِن آثامِ مَنِ اتَّبَعوهم؛ فهم كاذِبونَ في زَعمِهم هذا.
ولَيَحْمِلَنَّ هؤلاء الدَّاعُونَ إلى الكُفرِ والضَّلالِ ذُنوبَ أنفُسِهم، وذُنوبَ مَن أضَلُّوهم، ولَيُسْألُنَّ يومَ القيامةِ عمَّا كانوا يختَلِقونَه مِنَ الكَذِبِ والضَّلالِ.

تَفسيرُ الآيتَينِ:


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى حالَ المؤمنينَ والمنافقينَ؛ ذكَر مقالةَ الكافرينَ قولًا واعتقادًا [134] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/344). .
وأيضًا فالآيةُ بَيانٌ لِحَمْلِهم للمؤمنينَ على الكفْرِ بالاستِمالةِ، بعدَ بَيانِ حَمْلِهم لهم عليه بالأذيَّةِ والوعيدِ [135] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/32). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ.
أي: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ مُخاطِبينَ المُؤمِنينَ: اتَّبِعوا طريقَتَنا في الدِّينِ، وسنتحَمَّلُ عنكم آثامَكم -إن كان في اتِّباعِها إثمٌ- فيكونُ العذابُ علينا، دونَ أن يكونَ عليكم شَيءٌ [136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/367)، ((تفسير ابن كثير)) (6/266)، ((تفسير الشوكاني)) (4/224)، ((تفسير السعدي)) (ص: 627)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 50، 51). قال ابن عاشور: (محاولةُ المشركينَ ارتدادَ المسلمينَ بمحاولاتِ فتنةٍ بالشَّكِّ والمغالَطةِ لِلَّذِينَ لم يَقدِروا على فِتنتِهم بالأذى والعذابِ؛ إمَّا لعِزَّتِهم وخشيةِ بأسِهم... وإمَّا لكثرتِهم حينَ كثُرَ المسلمون وأَعْيَتِ المشركينَ حِيَلُ الصَّدِّ عن الإسلامِ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/219). !
وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
أي: ولن يَتحمَّلَ الكُفَّارُ شَيئًا مِن آثامِ مَنِ اتَّبَعوا طريقَتَهم الباطِلةَ [137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/368)، ((تفسير ابن كثير)) (6/266)، ((تفسير السعدي)) (ص: 627)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/220). .
كما قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: 18].
وقال سُبحانَه: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ [المعارج: 10 - 14].
إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ .
أي: إنَّهم لَكاذِبونَ في زَعمِهم أنَّهم يَحمِلونَ ذُنوبَ المؤمِنينَ إن اتَّبَعوهم [138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/368)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 830)، ((تفسير ابن كثير)) (6/266). قال ابن عثيمين: (فصارت الآيةُ مُتضَمِّنةً لِلنَّفْيِ حُكمًا شرعيًّا، وللنَّفيِ حُكمًا واقعيًّا؛ فهُم في الشَّرعِ لا يَحمِلونَ أوزارَهم، وهم في الواقِعِ لا يحمِلونَ أوزارَهم أيضًا، ولو قالوا ما صدَقوا، ولكنْ يريدون أن يخدَعوهم ويَغُرُّوهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 51). .
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان قولُه عزَّ وجلَّ: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ قد يُوهِمُ أنَّ الدُّعاةَ لن يَحمِلوا شيئًا مِن أوزارِ المَدْعُوِّينَ [139] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 52). ؛ عطَف عليه ما أفاد أنَّهم غيرُ ناجِينَ مِن حملِ تَبِعاتٍ لأقوامٍ آخَرينَ، وهم الأقوامُ الَّذين أضَلُّوهم، وسَوَّلوا لهم الشِّركَ والبُهتانَ على وجهِ التَّأكيدِ بحملِهم ذلك [140] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/221). ، فقال:
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ.
أي: ولَيَحمِلَنَّ أولئك الدَّاعونَ إلى طَريقِ الضَّلالِ ذُنوبَ أنفُسِهم، وذُنوبَ أتْباعِهم الضَّالِّينَ، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن ذُنوبِ الأتْباعِ شَيءٌ [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/369)، ((تفسير القرطبي)) (13/331)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/725)، ((تفسير ابن كثير)) (6/266)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/402)، ((تفسير السعدي)) (ص: 627). .
كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: 25].
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
أي: ولَيُسْألَنَّ أولئك الكافِرونَ يومَ القيامةِ سُؤالَ تَوبيخٍ وتَقريعٍ عَمَّا كانوا يختَلِقونَه مِن الضَّلالِ، وتزيينِه للنَّاسِ [142] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/369)، ((تفسير ابن عطية)) (4/309)، ((تفسير البيضاوي)) (4/190)، ((تفسير ابن كثير)) (6/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 627)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/221). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قَولُ الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ يُخبِرُ تعالى عن افتِراءِ الكُفَّارِ ودَعوتِهم للمُؤمِنينَ إلى دينِهم، وفي ضِمنِ ذلك تحذيرُ المؤمِنينَ مِن الاغترارِ بهم، والوُقوعِ في مَكرِهم [143] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 627). .
2- قَولُ الله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ فيه أنَّ كُلَّ مَن أسْلَك أحدًا طريقًا، كان شَريكَه في عَمَلِه فيها؛ فكان عليه مِثلُ وِزرِه إن كانت طريقَ رَدًى، وله مِثلُ أجرِه إن كانت سَبيلَ هُدًى؛ فمَن سنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ، مِن غيرِ أن يَنقُصَ أحَدُهم مِن حِمْلِ الآخَرِ شَيئًا [144] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/402). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ حِرْصُ الكافرين على إغواءِ المؤمنينَ [145] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 55). .
2- قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ نرى في المُتَّسِمينَ بالإسلامِ مَن يَستَنُّ بأولئك فيَقولُ لصاحِبِه -إذا أراد أن يُشَجِّعَه على ارتكابِ بعضِ العظائِمِ-: افعَلْ هذا، وإثمُه في عُنُقي! وكم مِن مَغرورٍ بمثلِ هذا الضَّمانِ مِن ضَعَفةِ العامَّةِ وجَهَلتِهم [146] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1914). !
3- قَولُ الله تعالى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ قال بعْدَه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، فهناك نفى الحَملَ، وهاهنا أثبتَ الحَملَ، فكيف الجَمعُ بيْنَهما؟
الجوابُ: أنَّ الحَملَ المنفيَّ هو ما كان المقصودُ منه دفْعَ التَّبِعةِ عن الغيرِ، وتبرئَتَه مِن جناياتِه؛ فلا ينافيه إثباتُ حَملٍ آخَرَ عليهم هو حَملُ المؤاخَذةِ على التَّضليلِ في قَولِه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/220). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (25/35، 36)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 179). .
4- في قَولِه تعالى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إثباتُ عَدْلِ اللهِ؛ حيثُ لا يَحْمِلُ أحدٌ خطيئةَ أحدٍ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 55). .
5- قَولُ الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فيه سؤالٌ: الصِّيغةُ في قَولِهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ أمرٌ، والأمرُ لا يَدخُلُه التَّصديقُ والتَّكذيبُ، فكيف يُفهَمُ قَولُه: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ؟
الجوابُ: أنَّ معناه شَرطٌ وجَزاءٌ، فكأنَّهم قالوا: إن تتَّبِعونا نَحمِلْ خطاياكم، وهم كَذَبوا في هذا؛ فإنَّهم لا يَحمِلونَ شَيئًا [149] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/36). .
6- قَولُ الله تعالى: وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ التَّعبيرُ بصيغةِ الافتِعالِ في يَفْتَرُونَ يدُلُّ على أنَّهم كانوا يَعلَمونَ صِدقَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويَتعمَّدونَ الكَذِبَ في وَعدِهم لِمَن غَرُّوه [150] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/403). .

بلاغةُ الآيتينِ:


1- قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
- قولُه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَصْفُهم بالكُفْرِ هاهنا دونَ ما سبَقَ؛ لِمَا أنَّ مَساقَ الكلامِ لبَيانِ جِناياتِهم، وفيما سبَقَ لبَيانِ جِنايةِ مَن أضَلُّوه [151] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/32). .
- وإنَّما أمَرُوا أنفُسَهم بالحمْلِ عاطفينَ على أمْرِهم بالاتِّباعِ؛ مُبالَغةً في تعليقِ الحمْلِ بالاتِّباعِ، والوعْدِ بتَخفيفِ الأوزارِ عنهم -إنْ كانت- تَشجيعًا لهم عليه [152] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/190)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/146)، ((تفسير أبي السعود)) (7/32). .
- وأخبَرَ أنَّهم يَحمِلون خَطاياهم على جِهَةِ التَّشبيهِ بالنَّقلِ، لكنَّهم أخْرَجوه في صِيغةِ الأمْرِ؛ لأنَّها أوجَبُ وأشَدُّ تأكيدًا في نفْسِ السَّامعِ مِنَ المُجازاةِ [153] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/309)، ((تفسير أبي حيان)) (8/344). ، ولفائدةِ تنزيلِ الشَّيءِ المُخْبَرِ عنه مَنزِلةَ المفروضِ المُلْزَمِ به [154] يُنظر: ((الأصول من علم الأصول)) لابن عثيمين (ص: 19). .
- وأيضًا في قَولِه: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ مَجِيءُ الأمْرِ بمعنى الخبَرِ؛ فأصْلُ الكلامِ: إنْ تَتَّبِعونا نَحمِلْ خَطاياكم؛ فعُدِلَ عنه إلى ما ذُكِرَ ممَّا هو خلافُ الظَّاهرِ مِن أمْرِهم بالحَملِ [155] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/35)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/410). ، وقد حَكى اللهُ تعالى عنهم قولَهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ بصِيغةِ الأمْرِ بلامِ الأمْرِ: إمَّا لأنَّهم نَطَقوا بمِثْلِ ذلك؛ لبَلاغتِهم، وإمَّا لإفادةِ ما تَضمَّنَتْه مقالتُهم مِن تأْكيدِ تحمُّلِهم ذلك؛ فصِيغَةُ أمْرِهم أنفُسَهم بالحمْلِ آكَدُ مِن الخبرِ عن أنفُسِهم بذلك، ومِن الشَّرطِ وما في معناهُ؛ لأنَّ الأمْرَ يَسْتدعي الامتثالَ، فكانت صِيغةُ الأمرِ دالَّةً على تَحقيقِ الوفاءِ بالحَمالةِ. وواوُ العطْفِ لجُملةِ وَلْنَحْمِلْ على جُملةِ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا مُرادٌ منها المَعِيَّةُ بيْنَ مَضمونِ الجُملتينِ في الأمرِ، وليس المُرادُ منه الجمْعَ في الحُصولِ؛ فالجُملتانِ في قوَّةِ جُملتَيْ شرطٍ وجزاءٍ، والتَّعويلُ على القرينةِ؛ فكان هذا القولُ أدَلَّ على تأكيدِ الالتزامِ بالحالةِ -إنِ اتَّبعَ المسلِمون سبيلَ المشركينَ- مِن أنْ يُقالَ: إنْ تَتَّبِعوا سبيلَنا نَحمِلْ خَطاياكم، بصِيغةِ الشَّرطِ، أو أنْ يُقالَ: اتَّبِعوا سبيلَنا فنَحمِلَ خَطاياكم، بفاءِ السَّببيَّةِ [156] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/219، 220). .
- وكذلك دلَّ قولُه: خَطَايَاكُمْ على العُمومِ؛ لأنَّه جمْعٌ مُضافٌ، وهو مِن صِيَغِ العمومِ [157] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/220). .
- قولُه: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إبطالٌ لقولِهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ؛ نقَضَ العمومَ في الإثباتِ بعُمومٍ في النَّفْيِ؛ لأنَّ (شيء) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمومَ؛ لأنَّه نَكِرةٌ، وزِيادةُ حرْفِ (مِن) تنصيصٌ على العُمومِ [158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/220). .
- وجُملةُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ بدَلُ اشتِمالٍ مِن جُملةِ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأنَّ جُملةَ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ تَضمَّنَت خُلُوَّ قولِهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ عن مُطابَقتِه للواقعِ في شَيءٍ، وذلك يَشتمِلُ على أنَّ مَضمونَها كذِبٌ صريحٌ؛ فكان مضمونُ جُملةِ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ممَّا اشتمَلَ عليه مَضمونُ جُملةِ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ، وليس مَضمونُ الثَّانيةِ عينَ مَضمونِ الأُولى، بلِ الثَّانيةُ أَوْفى بالدَّلالةِ على أنَّ كذِبَهم مُحقَّقٌ، وأنَّه صِفةٌ لهم في خبَرِهم هذا وفي غَيرِه؛ ولهذا لم تُعطَفْ جُملةُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ؛ لكَمالِ الاتِّصالِ بيْنَها وبيْن وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/220، 221). .
2- قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
- قولُه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ بَيانٌ لِمَا يَستتبِعُه قولُهم ذلك في الآخرةِ مِنَ المَضَرَّةِ لأنفُسِهم، بعدَ بَيانِ عدَمِ مَنفعتِه لِمُخاطبِيهم أصلًا. والتَّعبيرُ عن الخَطايا بالأثقالِ؛ للإيذانِ بغايةِ ثِقَلِها وكَونِها فادحةً. واللَّامُ جوابُ قَسَمٍ مُضمَرٍ، أيْ: وباللهِ لَيَحمِلُنَّ أثقالَ أنفُسِهم كاملةً [160] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/33). .
- وفائدةُ ذِكْرِ أَثْقَالَهُمْ -مع أنَّه لو قِيل: (ولَيحمِلُنَّ أثقالًا مع أثقالِهم) لَأفادَ-: أنَّه أُرِيدَ بَيانُ استقلالِ أثقالِ أنفُسِهم، وأنَّها بَهَظَتْهم واستفرَغَتْ جُهْدَهم، ومع ذلك جُعِلَت أثقالُ الَّذين يُضِلُّونهم كالعِلاوةِ عليها [161] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/149). .
- قولُه: وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ تَذييلٌ جامعٌ لمُؤاخَذتِهم بجميعِ ما اختَلَقوه مِن الإفكِ والتَّضليلِ؛ سواءٌ ما أضَلُّوا به أتْباعَهم، وما حاوَلُوا به تَضليلَ المسلمينَ فلم يَقَعوا في أشْراكِهم، وقد شمِلَ ذلك كلَّه لَفْظُ الافتراءِ، كما عبَّرَ عن مُحاولتِهم تَغريرَ المسلمينَ بأنَّهم فيه كاذِبونَ [162] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/221). .