موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (47-50)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ

غَريبُ الكَلِماتِ:


تَظَاهَرَا: أي: تَعاوَنا، وأصلُ (ظهر): يدُلُّ على قُوَّةٍ [598] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 333)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/471)، ((المفردات)) للراغب (ص: 540)، ((تفسير القرطبي)) (13/294)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 596). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله سبحانه مُبطِلًا ما يَتعلَّلُ به المُشرِكون مِن معاذيرَ: ولولا أن يُعذِّبَ اللهُ مُشرِكي قُرَيشٍ بسَبَبِ كُفرِهم، فيقولوا: ربَّنا هلَّا أرسلْتَ إلينا رَسولًا قبْلَ أن تعَذِّبَنا؛ فنتَّبِعَ آياتِك ونكونَ مِنَ الموحِّدينَ المؤمِنينَ- لَعاجَلْناهم بالعذابِ، فلمَّا جاءهم القرآنُ مِن عندِنا قالوا: هلَّا أُوتيَ محمَّدٌ القرآنَ جُملةً واحِدةً كما أُوتيَ موسى التَّوراةَ دَفعةً واحِدةً، وهلَّا أُوتيَ مُعجزاتٍ كالَّتي أُوتيَها موسى؟! أوَلَمْ يَكفُروا بالتَّوراةِ والمُعجِزاتِ الَّتي آتاها اللهُ موسى مِن قَبْلُ؟! قالوا: التَّوراةُ والقرآنُ سِحْرانِ تَعاوَنَا وتَناصَرَا على إضلالِ النَّاسِ بسِحْرِهما، وصدَّق كلٌّ منهما الآخَرَ، وقالوا: إنَّا بكُلٍّ مِنَ التَّوراةِ والقُرآنِ كافِرونَ!
قُلْ -يا محمَّدُ- لكفَّارِ قُرَيشٍ: فهاتوا إذَنْ كتابًا مُنزَّلًا مِن عندِ اللهِ هو أهدى للحَقِّ منهما؛ فأعمَلَ به، إنْ كنتُم صادقينَ في دَعْواكم.
فإنْ لم يَستَجيبوا لك ويتَّبِعوا الحَقَّ، فاعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّهم يتَّبِعونَ أهواءَهم، ولا أحَدَ أضَلُّ عن الحَقِّ ممَّن اتَّبَع هَوى نفْسِه وترَك هُدى اللهِ، إنَّ اللهَ لا يهدي القومَ الظَّالمينَ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان انتفاءُ إنذارِهم قَبْلَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نافيًا للحُجَّةِ في عذابِهم بما أوجبَه اللهُ -وله الحُجَّةُ البالِغةُ، لا يُسألُ عمَّا يَفعَلُ- على نَفْسِه الشَّريفةِ؛ فَضلًا منه ورحمةً؛ ذَكَر أنَّ إرسالَه ممَّا لا بُدَّ منه لذلك، فقال [599] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/307). :
وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47).
أي: ولولا أن يُعذِّبَ اللهُ مُشرِكي قُرَيشٍ بسَبَبِ كُفرِهم ومعاصيهم قبْلَ إرسالِك -يا محمَّدُ-، فيقولوا محتَجِّينَ: يا رَبَّنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رَسولًا قبْلَ أن تعَذِّبَنا؛ فنتَّبِعَ آياتِ القُرآنِ، ونَكونَ مِنَ الموحِّدينَ المُؤمِنينَ بك وبرَسولِك- لَعاجَلْناهم بالعذابِ، ولَكِنَّا أقَمْنا الحُجَّةَ عليهم بإرسالِك إليهم [600] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/264)، ((البسيط)) للواحدي (17/410)، ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/454)، ((تفسير ابن كثير)) (6/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 617)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/135، 136)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 224). .
كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: 134].
وقال سُبحانَه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15].
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا حكى سُبحانَه عنهم أنَّهم عندَ الخَوفِ قالوا: «هلا أرسلْتَ إلينا رَسولًا فنتَّبِعَ آياتِك»؛ بَيَّنَ أيضًا أنَّه بعْدَ الإرسالِ إلى أهلِ مكَّةَ قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى، فهؤلاء قبْلَ البَعثةِ يَتعَلَّقون بشُبهةٍ، وبعدَ البَعثةِ يَتعلَّقونَ بأُخرى؛ فظهرَ أنَّه لا مَقصودَ لهم سِوى الزَّيغِ والعِنادِ [601] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/605). .
وأيضًا لَمَّا بَهَرتْهم آياتُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لم يَجِدوا مِن المعاذيرِ إلَّا ما لَقَّنَهم اليَهودُ؛ وهو أن يقولوا: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [602] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/137). .
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى .
أي: فلمَّا جاء كُفَّارَ قُرَيشٍ القُرآنُ الَّذي أُنزِلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالوا: هلَّا أُوتيَ مُحمَّدٌ القُرآنَ جُملةً واحِدةً، كما أُوتيَ موسى التَّوراةَ دَفعةً واحِدةً، وهلَّا أُوتيَ مُعجِزاتٍ كالَّتي أُوتِيَها موسى؛ مِثلُ العصا الَّتي تَنقَلِبُ حَيَّةً، واليَدِ الَّتي تَخرُجُ بَيضاءَ [603] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/265)، ((الوسيط)) للواحدي (3/401)، ((تفسير السمعاني)) (4/144، 145)، ((تفسير الزمخشري)) (3/419)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/386)، ((تفسير القرطبي)) (13/293)، ((تفسير أبي حيان)) (8/311)، ((تفسير الشوكاني)) (4/204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 227-229). قال ابن عثيمين: (والحقُّ بمعنى: الشَّيءِ الثَّابتِ، وهو بالنِّسبةِ للأخبارِ: الصِّدقُ، وبالنِّسبة للأحكامِ: العدلُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 230). !
أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.
أي: أوَلَمْ يَكفُرْ كُفَّارُ قُرَيشٍ بالتَّوراةِ والمُعجِزاتِ الَّتي آتاها اللهُ موسى مِن قَبْلِ بَعثةِ مُحمَّدٍ؟! فكيف يَطلُبونَ مِن مُحمَّدٍ مِثلَ ما أُوتيَ موسى [604] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (17/411)، ((تفسير السمعاني)) (4/145)، ((تفسير الرازي)) (24/606)، ((تفسير ابن جزي)) (2/115). ممَّن قال بأنَّ الضميرَ هنا عائِدٌ إلى كُفَّارِ قُرَيشٍ: الواحديُّ، والسمعانيُّ، والرازيُّ، وابنُ جُزَي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: الضَّميرُ يعودُ على اليهودِ في زمَنِ النَّبيِّ، أي: أوَلَمْ يكفُرِ اليَهودُ بما أُوتيَ موسى مِن قَبْلِك، فلَمْ يُؤمِنوا بها؟ وممَّن قال بهذا القَولِ: ابنُ جرير، وابنُ عطيَّة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/265)، ((تفسير ابن عطية)) (4/290). وقيل: الضَّميرُ يعودُ على اليهودِ في زمَنِ موسى. وممَّن قال بهذا القولِ: الزمخشريُّ، والنَّسَفيُّ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/419، 420)، ((تفسير النسفي)) (2/647). وقال البقاعي: (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا أي: العَرَبُ ومَن بلغَتْهم الدَّعوةُ مِن بني إسرائيلَ، أو مَن شاء اللهُ منهم، أو أبناءُ جِنسِهم ومَن كان مِثلَهم في البشَريَّةِ والعَقلِ في زمنِ موسى عليه السَّلامُ بِمَا أُوتِيَ مُوسَى). ((نظم الدرر)) (14/309). ؟!
قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ سِحْرَانِ على معنى: أنَّهم يَقصِدون التَّوراةَ والقُرآنَ [605] قرأ بها عاصم، وحمزة، والكِسائي، وخلَف. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/341، 342). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (18/269)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/148)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 278)، ((تفسير ابن كثير)) (6/242). .
2- قِراءةُ سَاحِرَانِ على معنى: أنَّهم يَقصِدونَ موسى ومحمَّدًا، وقيل: موسى وهارونَ. عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ [606] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/342). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القرآن)) للفراء (2/306)، ((تفسير ابن جرير)) (18/265)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 278). .
قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا.
أي: قال كُفَّارُ قُرَيشٍ: التَّوراةُ والقُرآنُ سِحرانِ تَعاوَنَا وتَناصَرَا على إضلالِ النَّاسِ بسِحْرِهما، وصدَّق كُلٌّ منهما الآخَرَ [607] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/348)، ((معاني القرآن)) للفراء (2/306)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/44)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/114)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/454)، ((تفسير السعدي)) (ص: 618)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/138). .
وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَضَمَّنَ قولُهم ذلك الكُفرَ؛ صَرَّحوا به [608] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/310). .
وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ.
أي: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: إنَّا بكُلٍّ مِنَ التَّوراةِ والقُرآنِ كافِرونَ لا نُؤمِنُ بهما [609] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/348)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/597)، ((الوسيط)) للواحدي (3/402)، ((تفسير السمعاني)) (4/145)، ((تفسير الشوكاني)) (4/205). وذهب ابنُ جرير إلى أنَّ المعنى: وقالت اليهودُ: إنَّا بكُلِّ كِتابٍ في الأرضِ -مِن توراةٍ، وإنجيلٍ، وزَبورٍ، وفُرقانٍ- كافِرونَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/270). ويُنظر أيضًا: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5545). .
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أجاب اللهُ تعالى عن شُبَهِهم؛ ذَكَر الحُجَّةَ الدَّالَّةَ على صِدقِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال [610] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/606). :
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لكُفَّارِ قُرَيشٍ: فهاتُوا إذَن كِتابًا مُنزَّلًا مِن عندِ اللهِ أكثَرَ هِدايةً للحَقِّ منهما؛ فأعمَلَ به [611] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/348)، ((تفسير السمرقندي)) (2/612)، ((البسيط)) للواحدي (17/413)، ((تفسير السمعاني)) (4/145)، ((تفسير الزمخشري)) (3/420)، ((تفسير ابن عطية)) (4/291)، ((تفسير ابن كثير)) (6/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 618). .
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
أي: إنْ كُنتُم صادقينَ في دَعْواكم أنَّ التَّوراةَ والقُرآنَ سِحرانِ، وأنَّ الحقَّ في غَيرِهما [612] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/145)، ((تفسير القرطبي)) (13/295)، ((مراح لبيد)) للجاوي (2/200). !
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50).
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ.
أي: فإنْ لم يأتِ الزَّاعِمونَ أنَّ التَّوراةَ والقُرآنَ سِحرانِ بكتابٍ أهدَى منهما، ويتَّبِعوا الحَقَّ؛ فاعلَمْ -يا مُحمَّدُ- أنَّهم يُؤْثِرونَ أهواءَهم وما تستَحسِنُه نفوسُهم ويُحَبِّبُه لهم الشَّيطانُ، ولا يتَّبِعونَ الحَقَّ، ولا حُجَّةَ لهم على ما يَزعُمونَ مِن الكَذِبِ والباطِلِ [613] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 821)، ((تفسير القرطبي)) (13/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/139). .
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ .
أي: ولا أحَدَ أضَلُّ عن الحَقِّ ممَّن اتَّبَع هوى نفْسِه، وتَرَك الهُدى بغيرِ بَيانٍ وحُجَّةٍ مِن عندِ اللهِ [614] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/273)، ((البسيط)) للواحدي (17/414)، ((تفسير القرطبي)) (13/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/243). .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
أي: إنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ والهُدى القَومَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم وغَيرَهم، وصار ذلك وَصفًا لازِمًا لهم، ومِن جُملةِ ذلك الانهِماكُ في مُتابعةِ الهوى [615] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/273)، ((الوسيط)) للواحدي (3/402)، ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 618)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/141). قال ابن عاشور: (المرادُ بالظَّالمينَ: الكامِلونَ في الظُّلْمِ، وهو ظُلْمُ الأنفُسِ وظُلمُ النَّاسِ، وأعظَمُه الإشراكُ وإتيانُ الفَواحشِ والعُدوانُ... وهم مع ذلك مُتفاوِتونَ في انتفاءِ هُدى الله عنهم على تَفاوُتِهم في التَّصلُّبِ في ظُلمِهم، فقد يَستمِرُّ أحدُهم زمانًا على ضَلالِه ثمَّ يُقَدِّرُ اللهُ له الهدى... ولأجْلِ هذا التَّفاوُتِ في قابليَّةِ الإقلاعِ عن الضَّلالِ استمَرَّتْ دَعوةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إيَّاهم للإيمانِ في عُمومِ المَدْعوِّينَ؛ إذْ لا يَعلَمُ إلَّا اللهُ مَدى تَفاوُتِ النَّاسِ في الاستِعدادِ لقَبولِ الهُدى، فالهُدى المَنْفيُّ عن أن يَتعلَّقَ بهم هنا هو الهدى التَّكوينيُّ، وأمَّا الهُدى بمعنى الإرشادِ فهو مِن عُمومِ الدَّعوةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/141). .
كما قال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 145].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ أنَّه ينبغي في مَقامِ المُناظَرةِ والمُجادَلةِ أنْ يُفحَمَ الخَصمُ بإبطالِ قَولِه بقَولِه أو بفِعلِه، فيُبطَلُ قَولُه بما جرى منه هو؛ لأنَّ ما جرى منه لا يُمكِنُ أنْ يُنكِرَه، ولو أنكَرَه ما قُبِلَ؛ فكَونُنا نقيمُ الحُجَّةَ على الخَصمِ مِن فِعلِه وقَولِه- هذا أبلغُ في إفحامِه [616] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 231). .
2- في قَولِه تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ أنَّه ينبغي عندَ المناظرةِ إبطالُ قَولِ الخَصمِ بالأمرِ الواقعِ؛ فإنَّ الآياتِ الَّتي جاء بها موسى وأبطلَها هؤلاء: كُذِّبَتْ وما آمنَ بها البشرُ، إذَنْ فالمدارُ ليس على جِنسِ الآياتِ، ولكنَّ المدارَ على حالِ المخاطَبِ، وإلَّا فالآياتُ قائِمةٌ بَيِّنَةٌ، لكنْ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [617] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 231). [يونس: 101].
3- في قَولِه تعالى: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا طَمْأنةُ أتْباعِ الرُّسُلِ، وتَثبيتُهم على أنَّهم سيَنالُهم مِن ألقابِ السُّوءِ ومِن المُعاداةِ مِثلُ ما نال الرُّسلَ؛ فعليهم أن يُقابِلوا ذلك بالصَّبرِ والثَّباتِ والقوَّةِ، لا أنْ يُخذَلوا، بل عليهم أنْ يكونوا كما كان مَتبوعُهم الَّذي أمَرَه اللهُ قائلًا: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [618] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 232). [الأحقاف: 35].
4- في قَولِه تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أنَّه مِن العَدلِ التَّنزُّلُ مع الخَصمِ إلى حالٍ يُقِرُّ بها؛ فإنَّه مِن المعلومِ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَعلَمُ أنَّه لا يُمكِنُ أنْ يأتوا بما طُلِبَ منهم، وذلك حينَ طُلِبَ منهم أنْ يأتوا بكتابٍ أهدَى مِن التَّوراةِ والقرآنِ، أي: أنتم ائْتُوا بكتابٍ أهدَى مِن التَّوراةِ والقرآنِ وأنا ألتَزِمُ باتِّباعِه، فإذا لم يأتوا فمعناه: ألزِمْهم أن يَتَّبِعوا التَّوراةَ والقرآنَ [619] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 235، 236). .
5- عدمُ مجادَلةِ المتَّبِعِ هواه المُكابرِ؛ فليس هناك سبيلٌ لإقناعِه، فهو يريدُ أنْ يَنتصِرَ لنفْسِه فقط، ويَتَّبِعَ هواه! فما دام الرَّجُلُ صاحِبَ هوًى، فالجِدالُ معه لا فائدةَ منه؛ قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [620] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 240). .
6- ليس لأحدٍ أن يعمَلَ في الدِّينِ إلَّا ما شرَعَه اللهُ ورسولُه، دونَ ما يشتهيه ويَهْواه؛ قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [621] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (2/101). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قَولُه تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فيه دَلالةٌ على بُطلانِ قَولِ الَّذين يقولونَ: إنَّ أعمالَ المُشرِكينَ قبْلَ البَعثةِ ليست قَبيحةً لِذَاتِها، بل إنَّما قَبُحَت بالنَّهيِ فقط؛ وبُطلانِ قَولِ الَّذين يقولونَ: إنَّها قَبيحةٌ ويَستحِقُّونَ عليها العُقوبةَ عَقلًا بدُونِ البَعثةِ- فنَظَمَتِ الآيةُ بُطلانَ قَولِ الطَّائِفَتينِ، ودلَّت على القَولِ الوَسَطِ: أنَّ هذه الأعمالَ قَبيحةٌ في نفْسِها، ولا يَستحِقُّونَ العِقابَ إلَّا بعد إقامةِ الحُجَّةِ بالرِّسالةِ؛ فلا تَلازُمَ بيْنَ ثُبوتِ الحُسْنِ والقُبْحِ العقليَّينِ، وبينَ استِحقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ؛ فالأدلَّةُ إنَّما اقتَضَتِ ارتباطَ الثَّوابِ والعِقابِ بالرِّسالةِ، وتَوَقُّفَهما عليها، ولم تَقتَضِ تَوَقُّفَ الحُسنِ والقُبحِ بكلِّ اعتِبارٍ عليها، وفَرْقٌ بيْنَ الأمْرَينِ [622] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/113). .
2- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا أنَّ ما خالفَ ما جاء به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فهو باطلٌ؛ لقوله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32]، فكلُّ خبرٍ يَتضمَّنُ تكذيبَ خبرِ اللهِ ورسولِه فهو الكذبُ، وإذا شَرَّعَ الإنسانُ قوانينَ مخالِفةً للشَّرعِ؛ قُلْنا: هذا باطلٌ وضلالٌ؛ لأنَّ الحقَّ فيما جاء به الشَّرعُ فقط [623] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 230). .
3- في قَولِه تعالى: قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أنَّ قُرَيشًا كان عندَهم بعضُ المعلوماتِ عن الرُّسلِ السَّابِقينَ، حيثُ قالوا: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى وقد حصَلوا على هذا العلمِ عن طريقِ اليهودِ [624] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 230). .
4- أنَّ أهلَ الباطلِ يُلَقِّبون أهلَ الحقِّ بألقابِ السُّوءِ؛ تنفيرًا للناسِ عن قَبولِ ما جاؤوا به، يُؤخَذُ هذا مِن قولِه تعالى: قَالُوا سِحْرَانِ أو سَاحِرَانِ على القراءةِ الأُخرَى، فسَواءٌ وَصَفوا ما جاءَتْ به الرُّسلُ بالسِّحرِ، أو وَصَفوا الرُّسلَ أنفُسَهم بالسِّحرِ؛ فإنَّ المقصودَ بذلك تنفيرُ الناسِ عن قَبولِ ما جاءتْ به الرُّسلُ [625] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 232). .
5- التَّحدِّي يَكونُ بالوَصفِ كما يكونُ بالفِعلِ؛ فقولُه تعالى: فَأْتُوا تَحَدٍّ بفِعلٍ ما هم بآتينَ به، وقولُه: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ تَحَدٍّ بالوَصفِ؛ أي: إنْ كان ما أنتم عليه حقًّا فأْتُوا بهذا، وإلَّا فأنتم مِن الكاذِبينَ؛ ولهذا قال: أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [626] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 237). .
6- في قَولِه تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بيانُ أنَّه سُبحانَه لم يُنزِلْ كتابًا أهدى مِن التَّوراةِ والقُرآنِ [627] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/351). .
7- في قَولِه تعالى: هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ أنَّه لا يَلزَمُ الإنسانَ الانتِقالُ عمَّا كان عليه إلى غَيرِه إلَّا إذا كان أهدَى منه [628] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 236). .
8- جوازُ التَّعليقِ بالشَّرطِ فيما هو مُحقَّقُ الوُقوعِ، وهذا في قَولِه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ هذا مُحقَّقُ الوُقوعِ؛ فليس فيه احتمالُ أنْ يَستَجيبوا، فيجوزُ تعليقُ الشَّيءِ المحقَّقِ بالشَّرطِ، ولو كان مُحقَّقًا أنَّه لن يكونَ، وكذلك لو كان محقَّقًا أنَّه كائِنٌ؛ فإنَّ الانتِفاءَ هنا كائِنٌ لا محالةَ، ومع ذلك عُلِّقَ بالشَّرطِ، وفي الحديثِ عن النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: ((وإنَّا إنْ شاء اللهُ بكم لاحِقون )) [629] أخرجه مسلم (249) مطولًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. في قَولِه لأهلِ المقابرِ، ومعلومٌ أنَّ هذا الأمرَ مُحقَّقٌ [630] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 239). .
9- قال الله عزَّ وجلَّ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ جعَل سُبحانَه وتعالى المتَّبَعَ قِسْمَينِ لا ثالثَ لهما؛ إمَّا ما جاءَ به الرسولُ، وإمَّا الهوَى، فمَنِ اتَّبَع أحدَهما لم يُمكِنْه اتِّباعُ الآخَرِ، فاللهُ سُبحانَه وتعالى جعَل الهوَى مُضادًّا لِما أنزَلَه على رَسولِه، وجعَلَ اتِّباعَه مُقابِلًا لِمُتابَعةِ رُسُلِه، وقَسَّم النَّاسَ إلى قِسمَينِ: أتْباعِ الوَحيِ، وأتْباعِ الهوى، وهذا كثيرٌ في القُرآنِ [631] يُنظر: ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 404، 474). .
10- جميعُ المعاصي إنَّما تنشأُ مِن تَقديمِ هوى النُّفوسِ على مَحبَّةِ اللهِ ورَسولِه، وقد وصَف اللهُ المُشرِكينَ باتِّباعِ الهوى في مواضِعَ مِن كِتابِه؛ قال تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ. وكذلك البِدَعُ إنَّما تنشأُ مِن تقديمِ الهوَى على الشَّرعِ؛ ولهذا يُسمَّى أهلُها أهلَ الأهواءِ [632] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/397). .
11- اتِّباعُ الأهواءِ في الدِّياناتِ أعظَمُ مِنِ اتِّباعِ الأهواءِ في الشَّهواتِ؛ فإنَّ الأوَّلَ حالُ الَّذين كفَروا مِن أهلِ الكِتابِ والمُشرِكينَ، كما قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وقالَ تعالَى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: 120]؛ ولهذا كان مَن خرَج عن موجَبِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن العُلَماءِ والعبَّادِ يُجعلُ مِن أهلِ الأهواءِ، كما كان السَّلَفُ يُسَمُّونَهم أهلَ الأهواءِ؛ وذلك أنَّ كُلَّ من لم يتَّبِعِ العِلمَ فقد اتَّبَع هواه، والعِلمُ بالدِّينِ لا يكونُ إلَّا بهُدَى الله الَّذي بعَثَ به رَسولَه؛ ولهذا قال تعالى في مَوضِعٍ: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 119]، وقال في موضِعٍ آخَرَ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [633] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/132). ويُنظر أيضًا: ((ذم الهوى)) لابن الجوزي (ص: 12، 16). [القصص: 50].
12- في قَولِه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ دَليلٌ على أنَّ كلَّ مَن لم يَستجِبْ للرَّسولِ، وذَهَب إلى قَولٍ مُخالِفٍ لِقَولِ الرَّسولِ؛ فإنَّه لم يَذهَبْ إلى هدًى، وإنَّما ذَهَبَ إلى هوًى [634] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 618). .
13- اختِلافُ النَّاسِ في الضَّلالِ والهدى وتفاوتُهم فيهما؛ فليسوا على حَدٍّ سَواءٍ في الضَّلالِ، كما أنَّهم ليسُوا على حَدٍّ سَواءٍ في الهُدى؛ ولهذا قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ [635] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 240). .
14- في قَولِه تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ دَليلٌ على أنَّ الهوى قد يكونُ في الحَقِّ أيضًا إذا كان فيه هُدًى مِن اللهِ [636] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/570). .
15- أصْلُ الهوى محبَّةُ النَّفْسِ، ويَتبَعُ ذلك بُغضُها؛ ونَفْسُ الهوى -وهو الحُبُّ والبُغضُ الَّذي في النَّفْسِ- لا يُلامُ عليه المرءُ؛ فإنَّ ذلك قد لا يُملَكُ، وإنَّما يُلامُ على اتِّباعِه، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وقال تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [637] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/132). [ص: 26].
16- في قولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أنَّ الظُّلمَ سببٌ لحرمانِ الظَّالمِ مِن الهُدى [638] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 241). .
17- في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ردٌّ على القَدَريَّةِ الذين يُنكِرونَ قَدَرَ اللهِ بالنِّسبةِ للأفعالِ، فيَرَون أنَّ الإنسانَ يُمكِنُ أن يهتديَ بنَفْسِه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سُلطةٍ [639] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 239، 241). !
18- في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ردٌّ على الجَبْريةِ الجَهْميَّةِ -الذين يقولون بعَكسِ القَدَريَّةِ- يقولون بأنَّ اللهَ تعالى نَسَبَ هؤلاء بفِعلِهم إلى الظُّلْمِ، ولو كانوا مُجبَرينَ عليه لكانت نِسبةُ الظُّلمِ إليهم ظُلمًا، واللهُ تبارك وتعالى لا يَظْلِمُ أحدًا [640] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 239، 241). !

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
- قولُه: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ لَمَّا كانتْ أَكثَرُ الأعمالِ تُزاوَلُ بالأيدي- جُعِل كلُّ عمَلٍ مُعبَّرًا عنه باجتِراحِ الأيدي، وتَقديمِ الأيدي، وإنْ كان مِن أعمالِ القُلوبِ، وهذا مِنَ الاتِّساعِ في الكَلامِ، وتَصييرِ الأقَلِّ تابِعًا للأكثَرِ، وتغليبِ الأكثَرِ على الأقَلِّ [641] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/419)، ((تفسير أبي حيان)) (8/310). .
- قولُه: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا إنْ قيلَ: كيف استَقامَ هذا المعنَى وقد جُعِلَتِ العُقوبةُ هيَ السَّببَ في الإرسالِ لا القَولُ؛ لدُخولِ حَرفِ الامتِناعِ عليها دُونَه؟
فالجوابُ: القولُ هو المقصودُ بأنْ يَكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسلِ، ولكنَّ العُقوبةَ لَمَّا كانت هيَ السَّببَ للقَولِ، وكان وُجودُه بوُجودِها- جُعِلَتِ العقوبةُ كأنَّها سَببُ الإرسالِ بواسطةِ القَولِ؛ فأُدخِلَتْ عليها (لولا)، وجِيءَ بالقولِ معطوفًا عليها بالفاءِ المُعطِيةِ معنَى السَّببيَّةِ، ويَؤُولُ مَعناهُ إلى قَولِك: ولولا قَولُهم هذا إذا أصابَتْهم مُصيبةٌ لَمَا أَرسَلْنا، ولكنِ اختِيرَتْ هذه الطَّريقةُ لنُكتةٍ؛ وهي: أنَّهم لو لم يُعاقَبوا مثَلًا على كُفرِهم وقد عايَنوا ما أُلجِئُوا به إلى العِلمِ اليقينِ- لم يَقولوا: لولا أَرسَلْتَ إلينا رسولًا، وإنَّما السَّببُ في قَولِهم هذا هو العِقابُ لا غيرُ، لا التَّأسُّفُ على ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ بخالِقِهم. وفي هذا مِنَ الشَّهادةِ القَويَّةِ على استِحكامِ كُفرِهِم ورُسوخِه فيهم ما لا يَخفَى، كقَولِه تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [642] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/418)، ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((تفسير أبي حيان)) (8/311)، ((تفسير أبي السعود)) (7/17)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/135)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/349). [الأنعام: 28].
- وأيضًا في عطْفِ سَببِ السَّببِ على السَّببِ الأصليِّ في قولِه: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا: مَزيدُ العِنايةِ بسَببِ السَّببِ؛ لكَوْنِه مَقصودَ السِّياقِ. وأيضًا في هذا النَّظمِ تنبيهٌ على سَببيَّةِ كلِّ واحدٍ منهما: أمَّا الأوَّلُ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ؛ فلاقتِرانِه بحَرفِ التَّعليلِ وهو أَنْ. والثَّاني فَيَقُولُوا بالفاءِ، ولا يُعطى هذا المعنَى إلَّا مِنَ المَتْلُوِّ [643] يُنظر: ((تفسير الزمخشري – حاشية ابن المنير)) (3/418)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/71، 72). .
- قولُه: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص: 44]، وقولُه: وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [القصص: 45]، وقولُه: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص: 46]: تَخلُّصاتٌ مِن ذِكرِ مُوسى إلى إثباتِ نُبوَّةِ سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإلزامِ الحُجَّةِ على المُعانِدينَ مِن أهلِ الكِتابِ والمُشركينَ. يعني: إنَّك تُخبِرُ عن هذِه الغُيوبِ، وهُم عالِمون أنَّك أُمِّيٌّ لم تَقرأْ، ولم تَأخُذْ مِن أحَدٍ، ولا أنتَ حَضَرْتَ هناك فتُخبِرُ عنها؛ بحيثُ لم تَخرِمْ حَرفًا، ولم يكُنْ ذلك إلَّا مِن طَريقِ الوَحيِ، كما قال: وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ [القصص: 46]، والقومُ الَّذين ما أَتاهُم مِن نَذيرٍ هُم مُشركو العرَبِ، ولا بدَّ مِن إرسالِك إليهم؛ وإلَّا فلَهُم أن يَقولوا -إذا عُوقِبوا بما قَدَّموا مِنَ الشِّركِ والمعاصي-: هَلَّا أَرسَلْتَ إلينا رسولًا فنَتَّبِعَ آياتِك؟ ويَعضُدُ هذا التَّرتيبَ الفاءُ في قولِه: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا [القصص: 48]، ووضْعُ المُظهَرِ -وهو الْحَقُّ- موضعَ المُضمَرِ؛ فإنَّ فيه الإشعارَ بقطْعِ الحُجَّةِ، وأنَّه المؤيَّدُ بالمُعجِزاتِ القاهرةِ، والآياتِ الباهرةِ، والهادي إلى ما يُزلِفُهم إلى المَقامِ الأَسْنى، والدَّرَجاتِ الحُسنى، ويُبعِدُهم عمَّا يوقِعُهم في وَرَطاتِ الرَّدى، ونحوها ممَّا يَدخُلُ تحتَ معنَى الحقِّ، أي: فلمَّا جاءَهُم مِثلُ هذا الحقِّ السَّاطعِ، والنُّورِ اللَّامعِ، عِندَما كانوا أفقَرَ شيءٍ إلَيهِ- تَعامَوْا وتَصامُّوا، واقتَرَحُوا عليه مِنَ الآياتِ ما ظَهَر به عِنادُهُم وتَمرُّدُهم؛ فقالوا: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [644] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/418، 419)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/72). [القصص: 48].
2- قولُه تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
- قولُه: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ الفاءُ فَصيحةٌ، وتَقديرُ الكَلامِ: فإنْ كان مِن مَعذِرتِهم أنْ يَقولُوا ذلك، فقد أَرسَلْنا إليهم رَسولًا بالحَقِّ، فلمَّا جاءَهمُ الحقُّ لَفَّقوا المَعاذيرَ، وقالوا: لا نؤْمِنُ به حتَّى نُؤتَى مِثلَ ما أُوتيَ موسَى [645] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/137). .
- والهَمزةُ في قولِه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ للاستِفهامِ الإنكاريِّ التَّقريريِّ [646] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/348). .
- قولُه: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا استِئنافٌ مَسُوقٌ لتقريرِ كُفرِهمُ المُستفادِ مِنَ الإنكارِ السَّابقِ، وبيانِ كيفيَّتِه [647] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/17). .
- قولُه: سِحْرَانِ بتقديرِ مُضافٍ، بمعنَى: ذَوَا سِحْرٍ، أو جَعَلوهُمَا سِحْرَينِ مُبالَغةً في وصْفِهما بالسِّحرِ [648] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/420)، ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/138). .
- قولُه: وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ فيه تَصريحٌ بكُفرِهم بهما، وتأكيدٌ لكُفرِهم المفهومِ مِن تَسميتِهِما سِحرًا؛ وذلك لغايةِ عُتوِّهِم وتَمادِيهم في الكفرِ والطُّغيانِ [649] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/17). .
- وتقديمُ المعمولِ في قَولِه: بِكُلٍّ كَافِرُونَ يُفيدُ الحصرَ؛ مع أنَّهم كفَروا بهما وبغيرِهما، لكنِ المقصودُ بهذا الحصرِ إغاظةُ الخَصمِ، كأنَّهم يقولون: (لو آمَنَّا بكلِّ شَيءٍ ما كَفَرْنا إلَّا بهما!) [650] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 234). .
3- قولُه تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مِثلُ هذا الشَّرطِ ممَّا يأتي به مَن يُدِلُّ بوُضوحِ حُجَّتِه، وسُنوحِ مَحَجَّتِه؛ لأنَّ الإتيانَ بما هو أَهدَى مِنَ الكِتابَينِ أمْرٌ بيِّنُ الاستِحالةِ، فيُوسِّعُ دائرةَ الكلامِ للتَّبكيتِ والإفحامِ. وفي إيرادِ كلمةِ إِنْ مع امتِناعِ صِدْقِهم: نَوعُ تَهكُّمٍ بهم [651] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/420)، ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((تفسير أبي حيان)) (8/312)، ((تفسير أبي السعود)) (7/18)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/140). .
- ووصْفُ الكِتابِ بأنَّه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إدماجٌ [652] الإدماجُ: هو أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لِمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ، وقيل: أُدمِجَتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). لمَدحِ القُرآنِ والتَّوراةِ بأنَّهما كِتابانِ مِن عِندِ اللهِ [653] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/139). .
4- قولُه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
- جِيءَ بحَرفِ (إِنْ) الغالِبِ في الشَّرطِ المَشْكوكِ على طريقةِ التَّهكُّمِ، أو لأنَّها الحَرفُ الأصليُّ [654] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/140). .
- قولُه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا أي: فإنْ لم يَفعلُوا ما كَلَّفْتَهم مِنَ الإتيانِ بكِتابٍ أَهدَى مِنهُما، وإنَّما عُبِّر عنه بالاستِجابةِ؛ إيذانًا بأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِه، كأنَّ أمْرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهُم بالإتيانِ بما ذُكِر دُعاءٌ لهم إلى أمْرٍ يُريدُ وُقوعَه [655] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/18). .
وفِعلُ الاستِجابةِ يَقتَضي دُعاءً، ولا دُعاءَ في قَولِه: فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا [القصص: 49]، بل هو تَعجيزٌ؛ فالتَّقديرُ: فإنْ عَجَزوا ولم يَستَجيبوا لدَعْوَتِك بعْدَ العَجزِ، فاعلَمْ أنَّما يَتَّبِعونَ أهواءَهم. وقَولُه: أَتَّبِعْهُ جوابُ فَأْتُوا، أي: إنْ تَأْتُوا به أتَّبِعْه، وهو مُبالَغةٌ في التَّعجيزِ؛ لأنَّه إذا وَعَدهم بأن يتَّبِعَ ما يأْتُون به فهو يَتَّبِعُهم أنفُسَهم، وذلك ممَّا يوفِّرُ دَواعيَهُم على مُحاوَلةِ الإتيانِ بكِتابٍ أهْدَى مِن كِتابِه لوِ استَطاعوه، فإنْ لم يَفعَلوا فقد حَقَّ علَيهِمُ الحقُّ، ووجَبَتْ عليهِمُ المَغلوبيَّةُ؛ فكان ذلك أدَلَّ على عَجزِهِم، وأَثبَتَ في إعجازِ القرآنِ. وهذا مِنَ التَّعليقِ على ما تَحقَّقَ عدَمُ وُقوعِه؛ فالمُعلَّقُ حِينَئذٍ مُمتنِعُ الوُقوعِ؛ كقوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: 81]. ولكَونِه مُمتنِعَ الوُقوعِ أمَر اللهُ رسولَه أنْ يَقولَه. وقد فُهِم مِن قَولِه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ومِن إقحامِ فَاعْلَمْ أنَّهم لا يَأْتون بذلك البتَّةَ، وهذا مِنَ الإعجازِ بالإخبارِ عن الغَيبِ [656] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/139، 140). .
- قوله: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (أنَّما) المفتوحةُ الهمزةِ تُفيدُ الحَصرَ، مِثلَ (إنَّما) المكسورةِ الهمزةِ، فالتَّقديرُ: فاعلَمْ أنَّهم ما يَتَّبِعون إلَّا أهواءَهُم. وإقحامُ فِعلِ فَاعْلَمْ؛ للاهتِمامِ بالخبرِ الَّذي بَعدَه [657] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/140). .
- وجاءَ في آخِرِ الكَلامِ قولُه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وهو تَذييلٌ عجيبٌ؛ أنَّه لا أحَدَ أشَدُّ ضَلالًا مِن أحَدٍ اتَّبَعَ هَواهُ المُنافي لهُدى اللهِ. و(مَنْ) اسمُ استِفهامٍ عن ذاتٍ مُبهَمةٍ، وهو استِفهامُ الإنكارِ؛ فأفادَ الانتِفاءَ؛ فصار معنَى الاسميَّةِ الَّذي فيه في معنَى نَكِرةٍ في سِياقِ النَّفيِ أفادَتِ العُمومَ؛ فشَمِلَ هؤلاءِ الَّذينَ اتَّبَعوا أهواءَهم وغَيْرَهم، وبهذا العُمومِ صار تَذييلًا، وهو كقَولِه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [658] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/140). [البقرة: 140].
- قولُه: بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ تقييدُ اتِّباعِ الهوَى بعدَمِ الهُدى مِنَ اللهِ تعالى؛ لزِيادةِ التَّقريعِ، والإشباعِ في التَّشنيعِ والتَّضليلِ، وإلَّا فمُقارَنتُه لهِدايتِه تعالى بَيِّنةُ الاستِحالةِ. وقيل: هذا الحالُ قَيْدٌ في اتِّباعِ الهوَى؛ لأنَّه قد يَتَّبِعُ الإنسانُ ما يَهْواهُ ويَكونُ ذلك الَّذي يَهْواهُ فيه هُدًى مِنَ اللهِ؛ لأنَّ الأهواءَ كلَّها تَنقسِمُ إلى ما يَكونُ فيه هُدًى، وما لا يَكونُ فيه هُدًى؛ فلذلك قُيِّد بهذه الحالِ [659] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/180)، ((تفسير أبي حيان)) (8/313)، ((تفسير أبي السعود)) (7/18)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/141). .
- وجَعَل الهُدَى مِنَ اللهِ؛ لأنَّه حقُّ الهُدَى؛ لأنَّه واردٌ مِنَ العالِمِ بكلِّ شيءٍ، فيَكونُ معصومًا مِنَ الخلَلِ والخَطأِ [660] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/141). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ذَيَّل هذا التَّذييلَ -وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ- بما هو تَمامُه؛ إذْ فيه تَعيينُ هذا الفريقِ المُبهَمِ الَّذي هو أشَدُّ الضَّالِّينَ ضلالًا؛ فإنَّه الفريقُ الَّذين كانوا قَومًا ظالِمينَ، أي: كان الظُّلْمُ شأْنَهم، وقِوامَ قَوْميَّتِهم؛ ولذلك عَبَّر عنهُم بالقَومِ [661] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/141). .
- وفي قَولِه تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ احتباكٌ [662] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِنَ الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِنَ الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ حيثُ أثبتَ أوَّلًا اتِّباعَ الهوى دليلًا على حذْفِه ثانيًا، وثانيًا الظُّلْمَ دليلًا على حذْفِه أوَّلًا [663] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/312). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ أي: لا أحدَ أضَلُّ، وهو استِفهامٌ مَنفيٌّ، وقال في آيةٍ أُخرى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأحقاف: 5]؛ والجَمْعُ بيْنَهُما: أنَّ آيةَ (الأحقافِ) في مَقامِ الدُّعاءِ؛ وهذه الآيةَ في مَقامِ الاتِّباعِ؛ فقد تَكونُ كلُّ آيةٍ لها مَعنًى لا يَتعلَّقُ بالثَّاني، فضلالُ الغايةِ باعتِبارِ ما هو مِن جِنسِها [664] أي: أنَّ كلَّ موضعٍ يختصُّ بالمذكورِ معه؛ ففي المفترينَ: لا أحدَ أظلمُ ممَّن افترَى على الله كذبًا. وفي المانعينَ: لا أحدَ أظلمُ ممَّن منَع مساجدَ الله... وفي المُعرِضينَ: لا أحدَ أظلَمُ ممن ذُكِّر بآياتِ ربِّه ثمَّ أعرَض عنها... وهكذا. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 529). ، هذا وجْهٌ. وهناك وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُما في مرتبةٍ واحدةٍ في الضَّلالِ؛ فقَولُه تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ لا يَمنعُ أنْ يوجَدَ شَيءٌ يُساويهِ في ذلك؛ فيَكونُ كلٌّ مِنَ الأمْرَينِ قد بَلَغ الغايةَ في الضَّلالِ [665] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 238). والقاعدةُ: «أنَّ نفْيَ التَّفضيلِ لا يَستلزِمُ نفْيَ المُساواةِ»، فغايةُ ما يدُلُّ عليه نفي التَّفضيلُ هو أنَّه لا مَزيدَ على وصْفِ المذكورِ، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّه لا يُعادِلُه ويُساويه أحدٌ في تلك المرتبةِ أو الصِّفةِ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 528، 529). .