موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (120-123)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ

غريب الكلمات:


مِلَّتَهُمْ: أي: دينهم، وطريقتهم، ثم نُقِلت على أصول الشرائع، مشتقَّة من أمللت (أي أمليت)؛ لأنَّها تُبنَى على مسموع ومتلوٍّ، فإذا أريد الدين باعتبار الدُّعاء إليه قيل: ملة، وإذا أريد باعتبار الطاعة والانقياد له قيل (دين) [1050] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 773 - 774)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 91)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 443). .

مشكل الإعراب  :


قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ:
(الَّذِينَ): مبتدأ أوَّل. و(أُولَئِكَ). مبتدأ ثانٍ، و(يُؤْمِنُونَ بِهِ): خبَرُ المبتدأ الثاني، وجُملة (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) خبَر للمبتدأ الأوَّل (الَّذِينَ). و(يَتْلُونَه): جملة في محل نصب حال من (الكِتَاب)، أو مِن الضَّمير المنصوب في (آتَيْنَاهُمُ). ولا يجوز أن تكون جملة (يَتْلُونَه) خبَر (الَّذِينَ)؛ لأنَّ هذا يُوجِب أن يكونَ كلُّ مَن أوتي الكتاب يتلوه حقَّ تلاوته، وليس هم كذلك، إلَّا إذا كان المقصود بـ(الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) هم الأنبياء، فيجوز ذلك، وقيل غير ذلك [1051] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/110)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/111)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/94-95). .

المعنى الإجمالي:


يُخبر اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّ أهلَ الكتاب من اليهود والنَّصارى لن يرضَوْا عنه حتى يَعتنِقَ دِينَهم؛ لأنَّهم يرَوْن أنَّهم على هُدًى، فأعْلَمه الله تعالى بما يردُّ به على هذا الزَّعم، وهو أنَّ الهُدى الحقيقيَّ هو هدى الله، الذي جاء به مِن عند الله عزَّ وجلَّ.
ثمَّ خاطَب اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّتُه تبعٌ له- محذِّرًا من اتِّباع أهواء أهل الكِتاب، من بعد أنْ آتاه اللهُ من العِلم ما يدلُّه على الحقِّ، فإنَّه إنْ فعَل ذلك واتَّبع أهواءَهم، فلن يجدَ حِينها أيَّ أحدٍ يتولَّاه، فيَجلِب له خيرًا، أو أيَّ أَحدٍ ينصُره، فيَدفع عنه شرًّا.
ثم أخْبَر تعالى أنَّ مَن اتَّبع كتابه حقَّ الاتِّباع مِن أهل الكِتاب- ومِن اتِّباعه أنَّه لا يُحرِّفه ولا يبدِّل شيئًا ممَّا فيه- فإنَّه يعدُّ مؤمنًا به حقَّ الإيمان، وسيؤدِّي به ذلك الاتِّباعُ إلى الإيمان بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فإنَّ في كتبهم تَصديقًا به، وذِكرًا لصفاته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأمَّا مَن يكفُر بكتابه منهم- ومِن كُفره به تحريفُه وتبديلُه، وجحْدُ ما ثبَت فيه من نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- فأولئك هم الخاسِرون.
ثمَّ خاطَب الله تعالى بني إسرائيل وذكَّرهم بنِعمه التي أسْبَغها عليهم، ويعني بها النِّعمَ التي أنعم بها على آبائهم، وأنَّه فضَّلهم على سائرِ الأمم من أهل زَمانهم، ثم بعد أنْ ذكَّرهم بنِعمه وفَضْله عليهم، حذَّرهم وخوَّفهم بأن يتقوا عذاب يوم القيامة، الذي لا تَقضي فيه نفْسٌ عن نفس حقًّا وجَب عليها، ولا يُقبل منها فِداء، ولا تُفيدها شفاعةٌ إذا كانت كافِرة، ولا أحَد يُنقذهم من عذابِ الله تعالى.

تفسير الآيات:


وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120).
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبعَ مِلَّتَهُمْ.
أي: ولن تَرضى عنك اليهودُ، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينَهم، ولن ترضَى عنك النَّصارى، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينهم [1052] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/484)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (19/107)، ((تفسير السعدي)) (ص: 65). .
قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدَى.
أي: قل يا محمَّد- إجابةً لهم في عدَم اتِّباع ملَّتهم-: ليس الهُدى ما أنتم عليه كما تدَّعون، بل الذي أُرسلتُ به هو هُدَى الله الحقيقيُّ؛ فإنَّه الدِّينُ المستقيم، والصَّحيح، والكامِل [1053] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 129)، ((تفسير ابن عطية)) (1/204)، ((تفسير ابن كثير)) (1/402)، ((تفسير السعدي)) (ص: 65)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/30). .
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
أي: يُخاطِب اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ- والأمَّة تبَعٌ له في ذلِك- محذِّرًا من اتِّباع أهواء اليهود والنَّصارى، خاصَّةً من بعد إكرام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأمَّته بالوحي المُنزَّل عليه، وفيه العِلمُ بطريق الحقِّ، والعلمُ بطُرق الضَّلالة والكُفر [1054] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/485)، ((تفسير ابن عطية)) (1/204)، ((تفسير السعدي)) (ص: 65)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/694-695)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/30-31). .
مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
أي: إنِ اتبعتَ أهواءَهم يا محمَّد، فاعلمْ بأنَّه ليس لك حينذاك أيُّ أحدٍ يتولَّى أمرَك؛ فيجلِب لك خيرًا، أو أيُّ نصيرٍ ينصرُك من الله تعالى؛ فيَدفَع عنك شرًّا [1055] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/485)، ((تفسير ابن عطية)) (1/204)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/695)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/31). .
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121).
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.
هذا مدحٌ لمن أقام كتابَه من أهل الكتاب، فآمن به واتَّبَعه حقَّ الاتباع، ولم يجترئ على تحريفه، وإنكار ما يحمله من البشارة بمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، المذكور فيه بصفته ونعته، فآمن به واتبعه.
وهو مدحٌ لمؤمني أهل الكتاب، في مقابل ذمِّ أولئك الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه منهم [1056] حَكى الإجماعَ على أن يَتْلُونَهُ معناه: يتبعونه: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/492-493). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (2/487، 495)، ((تفسير ابن كثير)) (1/404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 65)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/697). وممَّن قال من السَّلف بأنَّ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ معناه: يتَّبعونه حقَّ اتباعه: ابن عبَّاس، وعبدُ الله ابن مسعود، وقيس بن سعد، وعِكرمة، وعَطاء، ومجاهد، وأبو رَزِين، وإبراهيم النَّخَعي، والحسن). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/489)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/218). .
قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة: 68] .
وقال سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157] .
وقال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا [القصص: 52-53] .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
أي: إنَّ مَن يكفُر من أهل الكتاب بكتابه الذي أُوتيه من عند الله عزَّ وجلَّ- ومِن ذلك تحريفُه وتبديلُه، وجَحْد نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ الثابتة فيه- فإنَّه قد بخَس نفْسَه حظوظَها من رحمة الله عزَّ وجلَّ [1057] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/496)، ((تفسير ابن كثير)) (1/404)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/697)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/36). .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122).
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.
أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكُروا نِعمه تعالى على آبائكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها بالخضوع لله تعالى، وذلك بالدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها النِّعم المذكورة في هذه السُّورة الكريمة [1058] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/628) (2/496)، ((تفسير ابن كثير)) (1/255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/54-55). .
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.
أي: واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، بإرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة [1059] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/629) (2/496-497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/55-56). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية: وأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ، قال: بما أُعطوا من المُلك والرُّسل والكتُب، على عالَم مَن كان في ذلك الزَّمان؛ فإنَّ لكلِّ زمان عالَمًا. قال أبو محمد: ورُوي عن مجاهد، والرَّبيع بن أنس، وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/104). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/629). .
كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32] .
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20] .
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَّرهم الله تعالى بنِعمه، عطَف على ذلك التحذيرَ من حلول نِقَمه بهم يومَ القِيامة [1060] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/256). ، فقال:
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.
أي: أمَرهم الله تعالى أن يعتقدوا ويَفعلوا ما يكونُ حاجزًا يَقِيهم من عذابِه سبحانه، في يوم القِيامةِ الذي لا تَقضِي فيه نفْسٌ عن نفْسٍ حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ شيئًا، ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين، أو كان الشيءُ قليلًا ويسيرًا جدًّا [1061] نقل ابن عطية الإجماع على أنَّ هذه الآية في الكافرين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/139). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/631) (2/497)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/144)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/60). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان: 33] .
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ.
أي: لا يُقبَل منها فِداءٌ [1062] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/637، 639) (2/497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي(1/67). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران: 91] .
وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] .
وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام: 70] .
وقال عزَّ وجلَّ: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... الآية [الحديد: 15] .
وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ.
أي: لا تنفعُ من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق.
كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] .
وقال سبحانه عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101] .
أمَّا المؤمنة فتُقبل منها، إنْ كانت الشفاعةُ بإذن الله تعالى، مع رِضاه سبحانه عن المشفوعِ له [1063] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/636،637) (2/497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/64). .
كما قال تعالى:وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] .
وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
أي: ليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى [1064] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/639، 640) (2/497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/69). قال ابن كثير: (قد تقدَّم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكُرِّرت هاهنا للتأكيد، والحثِّ على اتباع الرسول النبيِّ الأُميِّ الذي يجدون صفتَه في كتبهم، ونعْتَه واسمه وأمره وأمته) ((تفسير ابن كثير)) (1/404). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/697-698). .
كما قال تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: 10].
وقال سبحانه: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 25-26] .
وقال عزَّ وجلَّ: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: 28] .

الفوائد التربويَّة:


1- أنَّ المرء إذا اتَّبع غير شريعة الله، فلا أحدَ يحفظه من الله؛ ولا أحدَ يَنصُره من دونه، حتى لو كثُر أعوانه وجُندُه، واشتدَّت قوته؛ لأنَّ النصر والولاية تكون باتِّباع هُدى الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [1065] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/33). .
2- في قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، دلالةٌ على أنَّه يجب تعلُّق القلب بالله تعالى وحْده؛ خوفًا، ورجاءً؛ لأنَّ المرء متى ما علِم أنَّه ليس له وليٌّ ولا نصيرٌ من دون الله تعالى؛ فلا يتعلَّق إلَّا بالله تعالى وحده [1066] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/34). .
3- أنَّ للإيمان علامةً، وعلامتُه العمل؛ لقوله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بعدَ قوله عزَّ وجلَّ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ [1067] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/36). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ الكُفر مِلَّة واحدة؛ لقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ، وهو باعتبار مضادَّة الإسلام مِلَّةٌ واحدة، أمَّا باعتبار أنواعه، فإنَّه مِلل [1068] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/32). .
2- أنَّ ما عَدا هُدى الله ضلال؛ قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 32] ؛ فكلُّ ما لا يُوافق هُدى الله -كالبِدع- فإنَّه ضلال، وليس ثَمَّة واسطةٌ بين هدى الله، والضَّلال [1070] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/32). .
3- أنَّ ما عليه اليهود والنصارى ليس دِينًا، بل هو هوى؛ لقوله تعالى: أَهْوَاءَهُمْ، ولم يقُل: مِلَّتهم كما في الأوَّل، ففي الأوَّل قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ لأنَّهم يعتقدون أنهم على مِلَّة ودِين، ولكن بيَّن الله تعالى أنَّ هذا ليس بدِين، ولا مِلَّة، بل هو هوى، وهم ليسوا على هدًى [1071] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/33). .
4- أنَّ مَن اتَّبع الهوى بعد العِلم، فهو أشدُّ ضلالةً؛ لقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ... الآية [1072] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/33). .
5- أنَّ الكافر بالقرآن مهما أصاب من الدُّنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ، فيكون خاسرًا، ولو نال من الدُّنيا ما نال من زِينتها وزخرفها [1073]  يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/37). .
6- علوُّ مرتبة مَن يتَّبعون الكتاب حقَّ الاتِّباع؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [1074] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/37). .

بلاغة الآيات:


1- في قوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
جاء النفي بلن؛ مبالغةً في التأييس [1075] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/693). .
ووُحِّدت لفظة المِلَّة (مِلَّتهم)، وإنْ كان لهم ملَّتان؛ لأنَّهما يجمعهما الكُفر، فهي واحدة بهذا الاعتبار، أو للإيجاز! فيكون من باب الجمْع في الضمير؛ لأنَّ النصارى لن ترضى حتى تتبع ملتهم، واليهود لن ترضى حتى تتبع ملتهم [1076] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/590). .
وإيراد (لا) النافية بين المعطوفَيْن؛ لتأكيد النفي [1077] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/152-153). .
2- في قوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى
الضمير (هو) ضمير فصل، والتعريف في (الهدى) تعريف الجِنس الدالُّ على الاستغراق؛ ففيه حصرٌ من طريقين: هما ضمير الفصل وتعريف الجنس، والجمع بينهما يفيد تحقيق معنى القصر وتأكيده؛ للعناية به، فأيُّهما اعتُبر طريق قصرٍ، كان الآخَر تأكيدًا للقَصر وللخبر أيضًا [1078] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/694). .
وفيه: توكيد آخر بـ(إنَّ)؛ جاء اهتمامًا بتأكيد هذا الحكم، ولتحقيق الخبر، وإبطال تردُّد المتردِّد [1079] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/694). .
3- قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ... مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ اشتمل على كثيرٍ من المؤكِّدات؛ تحذيرًا من الطمع في استرضاء اليهود أو النصارى بشيء، فأكَّد ذلك التحذير بعدة مؤكِّدات، وهي [1080] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/590)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/695). :
القَسَم المدلول عليه باللام الموطِّئة للقَسم في (وَلَئِن).
الإجمال ثم التفصيل بذِكر اسم الموصول، وتبيينه بقوله مِنَ الْعِلْمِ.
جعْل (الذي جاء)، أي: (الذي أنزل إليه) هو العِلم كلُّه؛ لعدم الاعتداد بغيره لنُقصانه.
اسمية جملة الجزاء ما لَكَ مِن اللهِ....
تأكيد النفي بـ(مِن) في قوله مِن وَليٍّ.
تأكيد النفي بـ(لا) النافية بين المعطوفَيْن.
تأكيد مِن وَلِيٍّ بعطْف وَلَا نَصِيرٍ، الذي هو آيِلٌ إلى معناه العام.
4- في قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ فَذْلَكةٌ لِمَا تقدَّم، وجوابٌ قاطعٌ لمعذرتهم المتقدِّمة، وهو من باب ردِّ العَجُز على الصدر؛ ولأحد هذين الوجهين جاء الفصل بيْن الجمل، ولم تُعطَف بالواو [1081] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/696). .
5- في قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ... وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
إعادةٌ للتحذير؛ مبالغةً في النصح، وللإيذان بأنَّ ذلك فذلكةُ القضية، والمقصودُ من القصة؛ وهو أنَّ نِعم الله عزَّ وجلَّ عليهم أعظمُ، وكفرَهم بها أشدُّ وأقبحُ [1082] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/104)، ((تفسير أبي السعود)) (1/154)، ((تفسير القاسمي)) (1/389). .
6- قوله تعالى: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ اختلف الترتيب بين العدل والشَّفاعة في آيتَي سورة البقرة، فهنالك قال: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: 48] ، فقدَّم لفظ الشفاعة، وأخَّر لفظ العدل، وهنا قال: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123] ، فقدَّم العدل، وأخَّر الشفاعة، مسندًا إليه (تنفعها)، وفائدته نفي سآمة الإعادة بالتفنن في الخطاب، مع حصول التأكيد من التكرير، وأيضًا كل تعبير جاء أنسب لسياقه الوارد فيه لنكتةٍ لطيفة؛ أو أكثر [1083] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/698). .