موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (90-104)

ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ

غَريبُ الكَلِماتِ:


وَأُزْلِفَتِ: أي: قُرِّبَت وأُدنِيَت، وأصلُ (زلف): يدُلُّ على اندِفاعٍ وتقَدُّمٍ في قُربٍ إلى شَيءٍ [557] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 318)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/21)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 319)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 269).   .
وَبُرِّزَتِ: أي: أُظهِرَت وكُشِفَت، والبَرازُ: الفَضاءُ، وأصلُ (برز): يدُلُّ على ظُهورِ الشَّيءِ [558] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597)، ((المفردات)) للراغب (ص: 118)، ((تفسير القرطبي)) (13/115)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/218).   .
الْجَحِيمُ: أي: النارُ، والجُحْمةُ: شِدَّةُ تأجُّجِ النَّارِ، والجاحِمُ: المكانُ الشديدُ الحرِّ، وبذلك سُمِّيت الجحيمُ، وأصلُ (جحم): الحرارةُ وشِدَّتُها [559] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 372)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/429)، ((مجمل اللغة)) لابن فارس (ص: 177)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 187).   .
لِلْغَاوِينَ: أي: للضَّالِّينَ والكافِرين، والغَيُّ: جَهلٌ مِن اعتقادٍ فاسِدٍ، والانهماكُ في الباطلِ، وأصلُ (غوي): يدُلُّ على خِلافِ الرُّشدِ، وإظلامِ الأمرِ [560] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/399)، ((المفردات)) للراغب (ص: 620)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 121)، ((تفسير القرطبي)) (13/116).   .
فَكُبْكِبُوا: أي: جُمِعوا وطُرِحوا، والكَبْكَبةُ: تَدَهْورُ الشَّيءِ في هُوَّةٍ، وأصلُ الكبِّ: إسقاطُ الشَّيءِ على وجْهِه [561] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 318)، ((تفسير ابن جرير)) (17/597، 598)، ((المفردات)) للراغب (ص: 695)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150).   .
يَخْتَصِمُونَ: أي: يختَلِفون ويَتنازَعون، وأصلُ (خصم): يدُلُّ على مُنازَعةٍ [562] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/86)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/187).   .
شَافِعِينَ: الشَّفاعَةُ: الانْضِمامُ إلى آخَرَ نُصْرةً له، وسؤالًا عنه، وشَفَعَ لِفُلانٍ: إذا جاء مُلتَمِسًا مَطْلَبَه، ومُعِينًا له؛ فأصلُ الشَّفْعِ: ضَمُّ الشَّيءِ إلى مِثلِه [563] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/201)، ((المفردات)) للراغب (ص: 457).   .
حَمِيمٍ: أي: قَريبٍ مُشفِقٍ، وهو أخصُّ مِن الصَّديقِ، وحميمُ الرَّجُلِ: خاصَّتُه، مِنْ (حَمَّ): إذا دنا وقَرُبَ، وأصلُ (حمم) هنا: الدنوُّ والحضورُ [564] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/197)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/23)، ((الغريبين)) للهروي (2/497)، ((المفردات)) للراغب (ص: 255)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/155).   .
كَرَّةً: أي: رَجعةً إلى الدُّنيا، مِنَ الكَرِّ: وهو الرُّجوعُ [565] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 68)، ((المفردات)) للراغب (ص: 705)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/156).   .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مُبيِّنًا مَشهدًا مِن مَشاهدِ يومِ القيامةِ: وقُرِّبتِ الجنَّةُ يومَ القيامةِ للمُتَّقينَ، وأُظهِرَت النَّارُ للضالِّين عن الحَقِّ، وقيل لهم: أين ما كنتُم تَعبُدون في الدُّنيا مِن دونِ الله تعالى، هل يَدفَعون عنكم أو عن أنفُسِهم عذابَ اللهِ؟!
فطُرِحوا في جهنَّمَ جَميعًا: المعبودون، والعابِدون، وأتباعُ إبليسَ. وقال العابِدون لمَعبوديهم في النَّارِ وهم يختَصِمون: واللهِ قد كنَّا في الدُّنيا في ضَلالٍ واضِحٍ عن الحَقِّ حينَ سوَّيْناكم برَبِّ العالَمينَ فعَبَدْناكم، وما أغْوانا عن الهُدى إلَّا الضَّالُّون، فما لنا مِن شُفَعاءَ يَشفَعون لنا، ولا صديقٍ خالصِ الوُدِّ، فلو أنَّ لنا رُجوعًا إلى الدُّنيا فنُؤمِنَ بالله! إنَّ في ذلك لَعِظةً وعِبرةً، وما كان أكثَرُهم مؤمِنين، وإنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ لأعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90).
أي: وقُرِّبتِ الجنَّةُ يومَ القيامةِ للذين اتَّقَوا عذابَ اللهِ في الدُّنيا؛ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه [566] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597)، ((تفسير القرطبي)) (13/115)، ((تفسير ابن كثير)) (6/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/151). قال القرطبي: (قوله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أي: قُرِّبت وأُدنِيتْ ليَدخُلوها). ((تفسير القرطبي)) (13/115). وقال ابن عاشور: (والمعنى: أنَّ المتَّقينَ يجِدون الجنَّةَ حاضِرةً، فلا يَتجشَّمون مشقَّةَ السَّوقِ إليها). ((تفسير ابن عاشور)) (19/151). وقال الزجاج: (وقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ معناه قُرِّبَتْ، وتأويلُه أنَّه قرُبَ دُخولُهم إيَّاها، ونظَرُهم إليها). ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/94). .
كما قال تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: 31].
وقال تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير: 13].
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91).
أي: وأُظهِرَت النَّارُ يومَ القيامةِ للذين ضَلُّوا في الدُّنيا عن الحَقِّ [567] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597)، ((تفسير القرطبي)) (13/115، 116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال القرطبي: (أي: تظهَرُ جهنَّمُ لأهلِها قبْلَ أن يَدخُلوها حتى يَستشعِروا الرَّوعَ والحَزنَ، كما يستشعِرُ أهلُ الجنَّةِ الفَرَحَ لعِلمِهم أنَّهم يَدخلونَ الجنَّةَ). ((تفسير القرطبي)) (13/116).   .
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ  ....
أي: وقيل للغاوينَ توبيخًا لهم: أين مَعبوداتُكم التي كنتُم تعبُدونَها في الدُّنيا مِن دونِ اللهِ، وتزعُمونَ أنَّها تنفَعُكم وتشفَعُ لكم [568] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597)، ((تفسير السمرقندي)) (2/559)، ((الوسيط)) للواحدي (3/357)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير أبي السعود)) (6/251)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/151).   ؟!
... هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93).
أي: هل تُنقِذُكم مَعبوداتُكم مِن عذابِ اللهِ، أو تُنقِذُ أنفُسَها منه [569] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/152).   ؟!
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94).
أي: فطُرِح في جهنَّمَ المعبودونَ وعابِدوهم بعضُهم على بعضٍ [570] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/597، 598)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/94)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/152). قال ابن عاشور: (قال: فَكُبْكِبُوا فِيهَا، أي: كُبْكِبت الأصنامُ في جهنَّمَ. ومعنى فَكُبْكِبُوا: كُبُّوا فيها كَبًّا بعدَ كَبٍّ، فإنَّ «كُبكِبوا» مُضاعَفُ «كُبُّوا» بالتكريرِ، وتكريرُ اللَّفظِ مفيدٌ تكريرَ المعنى). ((تفسير ابن عاشور)) (19/152). وقال ابنُ عثيمينَ: (قولُه: فَكُبْكِبُوا بمعنى: أُلقُوا، ولكِنَّ هذا التَّكرارَ يدُلُّ على معنًى أدَقَّ مِن الإلقاءِ فقط، يعني: كأنهم يُكَبُّون فيها على وجوهِهم، وأيضًا بدون ترتيبٍ، وبدونِ نظامٍ، كأنَّما يُحْثَون حَثْيًا -والعياذُ بالله- ويُلقَوْن!). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 162). .
قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: 98، 99].
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95).
أي: وطُرِحَ في جهنَّمَ جَميعُ مَن كانوا أعوانًا وأتباعًا لإبليسَ في الدُّنيا مِن الإنسِ والجِنِّ [571] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/598)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 792)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/152). قال ابن عثيمين: (ولكِنْ قَولُه: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ هذا، هل هو مِن بابِ عطفِ المتغايرينِ، وأنَّ الغاويَ ليس مِن جنودِ إبليسَ، أم أنَّه مِن بابِ عَطفِ المترادِفَينِ؟ نقولُ: الأصلُ في العطفِ التغايرُ، والظاهِرُ أنَّ الغاويَ هو الفاسِدُ في نفْسِه، وأنَّ جنودَ إبليسَ على اسمِهم جنودٌ يَنصُرونَه ويَدْعون لِما يَدْعو إليه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 163). .
كما قال تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 38].
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96).
أي: قال أهلُ النَّارِ لِمَعبوداتِهم وهم في النَّارِ يتخاصَمونَ، ويجادِلُ بعضُهم بعضًا [572] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/599)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 792)، ((تفسير السمعاني)) (4/56)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 164). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذِكرُه: قال هؤلاء الغاوونَ والأندادُ التي كانوا يعبدونَها مِن دُونِ الله، وجنودُ إبليسَ، وهم في الجحيمِ يختَصِمون). ((تفسير ابن جرير)) (17/599). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593).   .
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97).
أي: واللهِ إنَّنا كُنَّا في الدُّنيا في ذَهابٍ واضحٍ عن الحَقِّ [573] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/599)، ((البسيط)) للواحدي (17/79)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/153).   .
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98).
أي: حينَ سوَّيْناكم برَبِّ العالَمينَ، فعَبدْناكم وأطَعْناكم كما يُعبَدُ اللهُ ويُطاعُ [574] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/599)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/153، 154). قال ابنُ القيم: (مِن المعلومِ أنَّهم إنَّما سَوَّوْهم به سبحانَه في الحُبِّ والتألُّه والعبادةِ، وإلَّا فلمْ يقُلْ أحَدٌ قَطُّ: إنَّ الصَّنمَ أو غيرَه مِن الأندادِ مساوٍ لربِّ العالَمينَ في صفاتِه وفي أفعالِه، وفي خلقِ السَّمواتِ والأرض، وفي خَلقِ عبادِه أيضًا! وإنَّما كانت التسويةُ في المحبَّةِ والعبادةِ). ((جلاء الأفهام)) (ص: 449). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/75).   .
وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99).
أي: وما صرَفَنا وأغْوانَا عن الحَقِّ إلَّا الضالُّونَ [575] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/599)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 792)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/154). قال ابنُ عثيمين بعدَ أن ذكَر المعنيَينِ المحتملينِ للآيةِ: أنَّ المرادَ بالمجرمينَ: الشياطينُ، أو الأوَّلونَ الذين اقتَدَوا بهم، قال: (لا يَبعُدُ أن يُرادَ بالآياتِ المعنيانِ جميعًا؛ فإنَّهم ضَلُّوا بأمْرين: الأوَّل: بمَن يَدْعونهم -وهم أحياءٌ- إلى الضَّلالِ. والثاني: بمَن يقلِّدونهم، وهؤلاء مِن الأمواتِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 171). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67].
وقال سُبحانَه: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [سبأ: 33].
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100).
أي: فما لنا مِن شُفَعاءَ يَشفَعونَ لنا عندَ اللهِ؛ لِيَعفوَ عنَّا، ويُخرِجَنا مِنَ النَّارِ [576] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/600)، ((الهداية)) لمكي (8/5326)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593).   !
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101).
أي: ولا صديقٍ، مُشفِقٍ، صادِقٍ في وُدِّه [577] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/600)، ((تفسير القرطبي)) (13/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال البقاعي: (ولَمَّا كان الصَّديقُ قد لا يكونُ أهلًا لأنْ يَشفَعَ، قالوا تأسُّفًا على أقَلِّ ما يمكِنُ: وَلَا صَدِيقٍ أي: يَصدُقُ في وُدِّنا؛ ليفعَلَ ما ينفَعُنا، ولَمَّا كان أصدَقَ الصَّداقةِ ما كان مِن القريبِ، قال: حَمِيمٍ أي: قريبٍ، وأصلُه المُصافي الذي يُحرِقُه ما يُحرِقُك). ((نظم الدرر)) (14/59). وقال السعدي: (وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ   أي: قريبٍ مُصافٍ ينفَعُنا بأدنى نفعٍ، كما جرَتِ العادةُ بذلك في الدُّنيا). ((تفسير السعدي)) (ص: 593). .
   فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102).
أي: فلو أنَّ لنا رَجعةً إلى الدُّنيا فنُؤمِنَ بالله ونعمَلَ بطاعتِه، فنَسلَمَ مِن عقابِ الآخرةِ، ونَستحِقَّ ثوابَها [578] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/600)، ((تفسير القرطبي)) (13/117)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 594).   !
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103).
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً.
أي: إنَّ في ذلك المذكورِ مِن قِصَّةِ إبراهيمَ وقَومِه لَعِظةً وعِبرةً ودَلالةً واضِحةً على توحيدِ اللهِ وبُطلانِ الشِّركِ، وأنَّ اللهَ يعَذِّبُ يومَ القيامةِ مَن أشرَكَ به [579] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/601)، ((تفسير القرطبي)) (13/107)، ((تفسير ابن كثير)) (6/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 594)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/156).   .
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي: ولم يكُنْ أكثَرُهم [580] قيل: المرادُ بهم: قومُ إبراهيمَ. وهو ظاهرُ اختيارِ البيضاوي، والبقاعي، والقاسمي، وابنِ عاشور. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/60)، ((تفسير القاسمي)) (7/465)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/156). قال الرازي: (والأكثرونَ مِن المفسِّرينَ حمَلوه على قومِ إبراهيمَ). ((تفسير الرازي)) (24/519). وقيل: المرادُ بهم: مَن كانوا في عهدِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهم: قريشٌ ومَن دانَ بدينِهم. وممَّن قال بذلك: الشوكانيُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/125)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 180). مؤمنينَ بتوحيدِ اللهِ، مع وضوحِ المُعجِزاتِ، ونُزولِ الآياتِ [581] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/271)، ((تفسير القرطبي)) (13/108)، ((تفسير السعدي)) (ص: 594)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/156).   .
كما قال تعالى: فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: 26].
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104).
أي: وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه فلا يُعاجِلُهم بعذابِه، ومِن رحمتِه أنَّه يُرسِلُ رُسُلًا، ويُنزِلُ معهم ما يُبيِّنُ به ما يُرضيه وما يُسخِطُه، فلا يُهلِكُ قومًا إلَّا بعْدَ إعذارِهم، ومِن رحمتِه أنَّه يُنجي أتْباعَ رُسُلِه [582] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/601)، ((الوسيط)) للواحدي (3/355)، ((تفسير ابن كثير)) (6/136)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/60، 61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ فَرَّقَ اللهُ سُبحانَه وتعالى بيْنَ التَّعبيرَينِ في إزلافِ الجنةِ وإظهارِ النارِ، وهو دليلٌ على أنَّ الرحمةَ سبقتِ الغضبَ؛ لأنَّ الجنةَ تُدنَى للمؤمنينَ، أمَّا أولئك فتَظْهَرُ لهم، فيَرَوْنها مِن بعيدٍ، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: 12]؛ لأجْلِ أنْ يكونوا في خَوفٍ وذُعْرٍ مِن قَبْلِ أنْ يَصِلوا إليها [583] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 161).   . ففي اختلافِ الفِعلينِ ترجيحٌ لجانبِ الوعدِ على الوعيدِ؛ حيثُ قال في حقِّ المتَّقين: وَأُزْلِفَتِ أي: قُرِّبَت، وفي حقِّ الغاوين: وَبُرِّزَتِ أي: أُظهِرَت، ولا يلزَمُ مِن الظهورِ القُربُ [584] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/21).   .
2- في قَولِه تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ دليلٌ على التَّعذيبِ البدنيِّ والقلبيِّ لأصحابِ النارِ؛ البَدَني: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، والقَلبي: وَقِيلَ لَهُمْ [585] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 161).   .
3- في قَولِه تعالى: أَوْ يَنْتَصِرُونَ أنَّ هذه الأصنامَ تُلْقَى في جهنَّمَ، كما في قَولِه تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: 98]، لكنْ إذا كان الذي يُعبَدُ مِن دونِ اللهِ ممَّا كُلِّفَ، فإنْ رَضِيَ بعبادتِهم فهو معهم، وإنْ لم يَرضَ فقد قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101] أي: لا يَدخُلون النارَ [586] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 160).   .
4- قولُه تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ إذا قيل: ما فائدةُ إدخالِ الأصنامِ النَّارَ معَ أنَّها لا تفهمُ؟
فالجواب: أنَّ في ذلك إهانةً لعابديها؛ ففيه مِن الإهانةِ، وبيانِ أنهَّا لا تنفَعُ ما هو ظاهِرٌ [587] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 161).   .
5- في قَولِه تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ جنودُ إبليسَ هم الذين يَتَّبِعونه، ويُغوونَ الناسَ، فكلُّ مَن سعَى في إغواءِ الناسِ، والإفسادِ بيْنَهم، فهو مِن جنودُ إبليسَ، ومعلومٌ أنَّ جنودَ إبليسَ على عكسِ جنودِ الرحمنِ؛ فجنودُ الرحمنِ يَدْعُون إلى الخَيرِ، ويأمُرون بالمعروفِ، ويَنهَون عن المنكَرِ، وأولئك يَدْعُون إلى الشَّرِّ، ويأمُرون بالمنكَرِ، ويَنهَون عن المعروفِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ كلَّ مَن نَصَرَ أحدًا فهو مِن جُنودِه، ولو بالاتِّباعِ؛ فإنَّه يكونُ مِن جُندِه؛ ولهذا قال النَّبِيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((المرءُ معَ مَن أَحَبَّ)) [588] رواه البخاري (6168)، ومسلم (2640) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.   ، ومَن أحبَّ شخصًا أطاعَه واتَّبَعه، فمَنِ اتَّبَعَ الشيطانَ لم يكُنْ مِن أتْباعِه فحَسْبُ، بل مِن جنودِه المُناصرِين له؛ لِقَولِه: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ؛ وذلك لأنَّ المُتَّبِعَ للشَّخصِ مُقَوٍّ له، وناصرٌ له، وناشرٌ لِمَا يريدُ، فيكون كالجُنديِّ المُسَخَّرِ له [589] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص:162، 163).   .
6- في قَولِه تعالى: قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ دليلٌ على نَدَمِ أهلِ النارِ ندمًا عظيمًا، حينَ قالوا وهم يختَصِمون -يُخاصِمُ بعضُهم بعضًا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وهنا أَقسموا وأكَّدوا: تَاللَّهِ قَسَمٌ، إِنْ كُنَّا إنْ مخففةٌ مِن الثقيلةِ، وتفيدُ التوكيدَ، واللامُ في لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ كذلك [590] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 168).   .
7- في قَولِهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فيه نفيُ تشبيهِ المخلوقِ بالخالقِ، وأنَّ اللهَ تبارك وتعالى لا شَبيهَ له [591] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 168، 169).   ، فقد اعتَرَفوا أنَّهم كانوا فى أعظمِ الضلالِ وأبْيَنِه، إذْ جعَلوا للهِ شبهًا وعِدْلًا مِن خلْقِه، سوَّوْهم به فى العبادةِ والتعظيمِ [592] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/230).   .
8- في قَولِهم: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ إشارةٌ إلى بيانِ الضَّلالِ؛ إذ لا يمكنُ التسويةُ بيْنَ مَن هذا وصْفُه «ربُّ العالَمينَ» وبيْنَ مَن لم يَستحِقَّ مِن هذا الوَصفِ شيئًا، وهذه الأصنامُ لا تستحِقُّ وصفًا مِن الرُّبوبيَّةِ إطلاقًا، فضلًا عنِ الرُّبوبيَّةِ العامَّةِ لجَميعِ العالَمينَ [593] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 168).   .
9- قال بعضُ العُلَماءُ: (في سورةِ الشُّعراءِ ثلاثُ آياتٍ مُتوالياتٍ رَدٌّ على ثلاثِ فِرَقٍ: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ردٌّ على المشَبِّهةِ [594] المشبهةُ: هُمُ الذين يُشَبِّهونَ الخالِقَ سبحانَه بالمخلوقِ، وهم صنفانِ: صنفٌ شبَّهوا ذاتَ الباري بذاتِ غيرِه، وصنفٌ آخرونَ شبَّهوا صِفاتِه بصِفاتِ غيرِه! يُنظر: ((الفَرْق بين الفِرَق)) لعبد القاهر البغدادي (ص: 214)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (1/84).   ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ردٌّ على المُجبرةِ [595] المجبرةُ أو الجبريَّةُ أو القدريَّةُ المجبرةُ، وهم غلاةُ الجهميَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ مجبورٌ على أفعالِه، فلا فعلَ له، ولا اختيارَ! وهم أصنافٌ متعدِّدةٌ. يُنظر: ((المِلَل والنِّحَل)) للشَّهْرَسْتاني (1/85، 86)، ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (ص: 67)، ((الدرر السنية في الأجوبة النجدية)) (1/490)، ((الدرة البهية)) للسعدي (ص: 24).   ، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ردٌّ على المُرجِئة) [596] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 199). والمرجئة: فرقةٌ كانت ترى تأخيرَ العمَلِ عن النيةِ والعَقدِ، ويقولون: لا تضرُّ مع الإيمانِ معصيةٌ، كما لا تنفَعُ مع الكفرِ طاعةٌ! يُنظر: ((الملل والنحل)) للشهرستاني (1/139).   .
10- قولُهم: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ يُستفادُ مِنه سَبُّ هؤلاء بعضِهم بعضًا؛ لقَولِه تعالى: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فهذا قَدْحٌ فيهم مِن جهةِ أنَّهم أضَلُّوهم، ومِن جهةِ أنَّهم مُجرِمون [597] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 171).   .
11- قولُهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ يُؤخَذُ منه انتفاءُ الشَّفاعةِ عن المكذِّبين للرُّسُلِ؛ وأنَّه لا يُشفَعُ لهم [598] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 173).   .
12- في قَولِه تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ دليلٌ على أنَّ اللهَ جلَّ جلالُه يُشَفِّعُ غيرَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قَومًا مِن المؤمنين بعضَهم في بعضٍ، وأنَّ الصَّديقَ يَشفَعُ لصديقِه [599] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/530).   ، فالآيةُ فيها إثباتُ الشَّفاعةِ للمؤمنينَ، ويُؤخَذُ مِن قَولِهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، فنَفَوا أنْ يكونَ لهم شافِعون، ومفهومُ هذا أنَّ المؤمنينَ لهم شفاعةٌ، كأنَّهم لَمَّا رأَوْا أنَّ المؤمِنينَ يَشفعونَ بعضُهم لبعضٍ، قالوا: نحنُ ما لنا مِن شافِعين، ولا صديقٍ حَميمٍ [600] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 173).   .
13- قولُهم: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فيه دَليلٌ على النَّدَمِ البالغِ الذي يُصيبُ هؤلاء في ذلك اليومِ، وتمنِّيهم لو أنَّهم رجَعوا إلى الدنيا؛ لِقَولِه تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وهذا التمنِّي ليس بصحيحٍ؛ فإنَّهم لو رجعوا لَمَا كانوا مُؤمِنينَ، والدَّليلُ قولُه تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [601] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 178).   [الأنعام: 28].
14- في قَولِه تعالى إخبارًا عن أهلِ النَّارِ: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دليلٌ على أنَّ مَن يَخلُدُ في النارِ فبِكُفرِه لا بذَنْبِه؛ إذ لو خُلِّد بذَنبِه لقالوا -واللهُ أعلمُ: «فنكونَ مِن الصالحِينَ»، وهو ردٌّ على المعتزلةِ في بابِ الوَعيدِ [602] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/531).   .
15- قالوا: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ولم يقولوا: (لَيْتَ)؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ تذَلُّلٍ وخُضوعٍ، و (لو) للتمنِّي أقَلُّ مِن (ليت)؛ لأنَّ (ليت) صريحةُ الطَّلَبِ، و (لو) فيها نوعٌ مِن اللِّينِ والعَرْضِ، والمقامُ هنا يقتَضيه؛ لأنَّهم في مَقامِ ذُلٍّ -والعياذُ باللهِ- وخُضوعٍ، على أنَّه في سورةِ (الأنعامِ) يقولونَ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: 27].
 فيُقال: الجَمعُ بيْنَهما أنَّ لهم حالاتٍ؛ فأحيانًا يقولونَ بهذا، وأحيانًا يقولونَ بهذا، والظَّاهِرُ أنَّ (ليت) هي الأُولى، يعني: كأنَّه يكونُ بالأوَّلِ بعَزمٍ على التمَنِّي، ثمَّ إذا لم يحصُلْ لهم رجَعوا إلى الخُضوعِ والخُنوعِ والعَرْضِ [603] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 175، 176).   .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ عطْفٌ على لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، وصيغةُ الماضي فيه وفيما بعْدَه مِنَ الجُمَلِ المُنتظمةِ معه في سِلكِ العَطفِ: بُرِّزَتِ وفَكُبْكِبُوا؛ للدَّلالةِ على تَحقُّقِ الوُقوعِ وتَقرُّرِه، وإنْ كان لم يَقَعْ، كما أنَّ صيغةَ المُضارعِ في المَعطوفِ عليه؛ للدَّلالة على استِمرارِ انتِفاءِ النَّفعِ ودَوامِه حسَبَما يَقتَضيهِ مَقامُ التَّهويلِ والتَّفظيعِ [604] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/169)، ((تفسير أبي السعود)) (6/251).   .
- وقيل: الظَّاهرُ أنَّ الواوَ في قَولِه: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ واوُ الحالِ، والعاملُ فيها: لَا يَنْفَعُ مَالٌ [الشعراء: 88]، أي: يومَ عدَمِ نَفْعِ مَن عَدَا مَن أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، وقد أُزلِفَتِ الجنَّةُ للمُتَّقينَ. والخروجُ إلى تَصويرِ هذه الأحوالِ شيءٌ اقتَضاهُ مَقامُ الدَّعوةِ إلى الإيمانِ بالرَّغبةِ والرَّهبةِ؛ لأنَّه ابتَدأَ الدَّعوةَ بإلقاءِ السُّؤالِ على قَومِه فيما يَعبُدونَ؛ إيقاظًا لبَصائرِهم، ثمَّ أعقَبَ ذلك بإبطالِ إلهيَّةِ أصنامِهم، والاستِدلالِ على عدَمِ استِئْهالِها الإلهيَّةَ بدليلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقدةٌ السَّمعَ والبَصرَ، وعاجزةٌ عنِ النَّفعِ والضُّرِّ، ثمَّ طالَ دليلَ التَّقليدِ الَّذي نَحا إليه قَومُه لَمَّا عَجَزوا عن تأييدِ دِينِهم بالنَّظرِ؛ فلمَّا نهَضَتِ الحُجَّةُ على بُطلانِ إلهيَّةِ أصنامِهم، انتَصَبَ لبيانِ الإلهِ الحقِّ رَبِّ العالَمينَ، الَّذي له صِفاتُ التَّصرُّفِ في الأجسامِ والأرواحِ، تَصرُّفَ المُنعِمِ المُتوحِّدِ بشَتَّى التَّصرُّفِ، إلى أنْ يأتيَ تَصرُّفُه بالإحياءِ المؤَبَّدِ، وأنَّه الَّذي نَطمَعُ في تَجاوُزِه عنه يَومَ البَعثِ، فلْيَعْلَموا أنَّهم إنِ استَغفَروا اللهَ عمَّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفرٍ فإنَّ اللهَ يَغفِرُ لهم، وأنَّهم إنْ لم يُقْلِعوا عنِ الشِّركِ لا يَنفَعُهم شيءٌ يَومَ البعثِ، ثمَّ صَوَّرَ لهم عاقبةَ حالَيِ التَّقوى والغَوايةِ، بذِكرِ دارِ جزاءِ الخَيرِ، ودارِ جزاءِ الشَّرِّ [605] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/150).   .
2- قولُه تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
- لمَّا كان قومُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ مُستمرِّينَ على الشِّركِ، ولم يكنْ يَومَئذٍ أحدٌ مؤْمِنًا غَيرُه وغَيرُ زَوجِه وغَيرُ لوطٍ ابنِ أخيهِ- كان المَقامُ بذِكرِ التَّرهيبِ أجْدَرَ؛ فلذلك أطنَبَ في وَصْفِ حالِ الضَّالِّينَ يَومَ البَعثِ، وسُوءِ مَصيرِهم، حيثُ يَندَمونَ على ما فَرَّطوا في الدُّنيا مِنَ الإيمانِ والطَّاعةِ، ويَتَمنَّوْنَ أن يَعودوا إلى الدُّنيا ليَتَدارَكوا الإيمانَ، ولاتَ ساعةَ مَندَمٍ [606] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/150، 151).   .
3- قولُه تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ  ... فيه ذِكرُ ما يُقالُ للغاوِينَ؛ للإنحاءِ عليهم، وإظهارِ حَقارةِ أصنامِهم. وفي الاقتِصارِ على ذِكرِ هذا دُونَ غَيرِه ممَّا يُخاطَبونَ به يَومَئذٍ مُناسَبةٌ لمَقامِ طلَبِ الإقلاعِ عن عِبادةِ تلك الأصنامِ. وأُسنِد فِعلُ القَولِ إلى غَيرِ مَعلومٍ؛ لأنَّ الغرضَ تَعلَّقَ بمعرفةِ القَولِ لا بمعرفةِ القائلِ [607] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/151).   .
- والاستِفهامُ في قَولِه: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ على سَبيلِ التَّوبيخِ [608] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/322)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/384)، ((تفسير أبي حيان)) (8/169).   . وقيل: الاستِفهامُ في قَولِه: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ استِفهامٌ عن تَعيينِ مكانِ الأصنامِ إنْ لم تَكنْ حاضِرةً، أو عن عمَلِها إنْ كانت حاضرةً في ذلك المَوقفِ؛ تَنزيلًا لعدَمِ جَدْواها فيما كانوا يَأمُلونَه منها مَنزلةَ العدَمِ؛ تَهكُّمًا وتَوبيخًا وتَوقيفًا على الخَطأِ [609] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/151).   .
4- قولُه تعالى: مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ
- قولُه: هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ سؤالُ تَقريعٍ وتَبكيتٍ، لا يُتوقَّعُ له جَوابٌ [610] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/251).   ؛ فالاستِفهامُ في قَولِه: هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ فيه إنكارُ أنْ تَكونَ الأصنامُ نُصَراءَ [611] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/151).   .
- وفي معنَى قَولِه: هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ التَّرقِّي والمُبالَغةُ، أي: كيفَ يُخلِّصونَكم مِن عذابِ النَّارِ؟! بل كيف يَقدِرونَ على خَلاصِ أنفُسِهم منها؟! فوُضِع يَنْتَصِرُونَ -وهو مِن انتَصَرَ منه، أي: انتَقَمَ- مَوضِعَ الاستِخلاصِ؛ مُبالغةً وتَهكُّمًا [612] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/384).   .
5- قولُه تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
- قولُه: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ الكَبْكَبةُ: تَكريرُ الكَبِّ، جُعِل التَّكريرُ في اللَّفظِ دليلًا على التَّكريرِ في المعنى، كأنَّ مَن أُلقِيَ في النَّارِ يَنكَبُّ مرَّةً بعْدَ أُخرى حتَّى يَستقِرَّ في قَعرِها [613] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/322)، ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/152)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/97).   .
- قولُه: هُمْ وَالْغَاوُونَ في تأخيرِ ذِكرِ الغاوينَ عن ذِكرِ آلهَتِهِم: رَمزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرون عنها في الكَبْكَبةِ؛ ليُشاهِدوا سُوءَ حالِها؛ فيَزْدادوا غَمًّا إلى غَمِّهم [614] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/251، 252).   .
- وضمائِرُ يَنْصُرُونَكُمْ... و: يَنْتَصِرُونَ... و: فَكُبْكِبُوا عائدةٌ إلى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، بتَنزيلِها مَنزِلةَ العُقلاءِ [615] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/169)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/152).   .
6- قولُه تعالى: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
- قولُه: أَجْمَعُونَ تأكيدٌ للضَّميرِ وما عُطِفَ عليه [616] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252).   . وقيل: تأكيدٌ لـ وَجُنُودُ إنْ جُعِل مُبتدَأً خبرُه ما بعْدَه، أو للضَّميرِ وما عُطِف عليه، وكذا الضَّميرُ المُنفصِلُ وما يَعودُ إليه [617] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي)) (7/19).   .
7- قولُه تعالى: قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ استِئنافٌ وقَعَ جوابًا عن سؤالٍ نشأَ مِن حِكايةِ حالِهم، كأنَّه قيل: ماذا قالوا حينَ فُعِل بهم ما فُعِل؟ فقيل:... [618] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252).   . ويَجوزُ أن يَكونَ هذا مِن حِكايةِ كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ أَطنَبَ به المَوعظةَ؛ لتَصويرِ هَوْلِ ذلك اليَومِ؛ فتكونَ الجُملةُ حالًا، أو تَكونَ مُستأنَفةً استِئنافًا بيانيًّا. ويجوزُ أن يكونَ حِكايةُ كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ انتهَتْ عِندَ قَولِه تعالى: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 95] أو عِندَ قَولِه تعالى: يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الشعراء: 87]، ويكونَ هذا الكلامُ مَوعظةً مِنَ الله للسَّامِعينَ مِنَ المُشركينَ، وتَعليمًا منه للمؤْمنينَ؛ فتكونَ الجملةُ استِئنافًا مُعترِضًا بيْنَ ذِكرِ القصَّةِ والَّتي بعْدَها، وهو استِئنافٌ بَيانيٌّ ناشِئٌ عن قَولِه: فَكُبْكِبُوا فِيهَا [الشعراء: 94]؛ لأنَّ السَّامعَ بحيثُ يَسألُ عن فائدةِ إيقاعِ الأصنامِ في النَّارِ، مع أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحِسُّ، فبُيِّنَ له ذلك [619] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/152، 153).   .
8- قولُه تعالى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
- قولُه: تَاللَّهِ جِيءَ في القَسمِ بالتَّاءِ دُونَ الواوِ والباءِ؛ لأنَّ التَّاءَ تَختَصُّ بالقسَمِ في شيءٍ مُتعجَّبٍ منه؛ فهم يَعجَبونَ مِن ضلالِهم؛ إذ ناطوا آمالَهم المعونةَ والنَّصرَ بحجارةٍ لا تُغني عنهم شيئًا [620] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/153).   !
- وفي قولِهم: إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أفادُوا تَمكُّنَ الضَّلالِ منهم باجتِلابِ حرفِ الظَّرفيَّةِ (في) المُفيدِ لمعنَى المُلابَسةِ؛ لأنَّ المَظروفَ شديدُ المُلابَسةِ لظَرفِه، وأكَّدوا ذلك بوَصفِهمُ الضَّلالَ بـ (المُبينِ)، وفي هذا تَسفيهٌ منهم لأنفُسِهم؛ إذْ تَمشَّى عليها هذا الضَّلالُ الَّذي ما كان له أن يَروجَ على ذي مُسْكةٍ مِن عقلٍ [621] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/153).   .
- وأيضًا وصْفُهم للضَّلالِ بالوُضوحِ في قولِهم: لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛ للإشباعِ في إظهارِ ندَمِهم وتَحسُّرِهم، وبيانِ عِظَمِ خَطَئِهم في رأيِهم، مع وُضوحِ الحقِّ، كما يُنْبئُ عنه تَصديرُ قَسَمِهم بحرفِ التَّاءِ المُشعِرةِ بالتَّعجُّبِ [622] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252).   .
9- قولُه تعالى: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
- عُبِّرَ بصِيغةِ المُضارعِ نُسَوِّيكُمْ؛ لاستِحضارِ الصُّورةِ الماضيةِ العجيبةِ حينَ يَتوجَّهون إلى الأصنامِ بالدُّعاءِ والنُّعوتِ الإلهيَّةِ [623] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/154).   .
- والخِطابُ في نُسَوِّيكُمْ للأصنامِ على جِهةِ الإقرارِ، والاعتِرافِ بالحَقِّ، وللمُبالَغةِ في التَّحسُّرِ والنَّدامةِ؛ مِن تَوجيهِ المُتندِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيءِ الَّذي لا يَعقِلُ، وكان سببًا في الأمرِ الَّذي جَرَّ إليه النَّدامةَ؛ بتَنزيلِه مَنزلةَ مَن يَعقِلُ ويَسمَعُ. والمقصودُ مِن ذلك: المُبالَغةُ في تَوبيخِ نفْسِه [624] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((تفسير أبي حيان)) (8/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/154).   .
10- قولُه تعالى: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ بَيانٌ لسببِ ضَلالِهم بعْدَ اعتِرافِهم بصُدورِه عنهم [625] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252).   .
- وفيه أَوْفَرُ نَصيبٍ مِنَ التَّعريضِ بالَّذينَ قالوا: قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [626] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/252).   [الشعراء: 74].
11- قولُه تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ هذا الخبرُ مُستعمَلٌ في التَّحسُّرِ والتَّأسُّفِ والتَّوجُّعِ [627] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/170)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/154).   .
- وقيل: جُمِع الشَّافِعُ وأُفرِدَ الصَّديقُ؛ لكَثرةِ الشُّفعاءِ في العادةِ وقلَّةِ الصَّدِيقِ، أو لأنَّ الصَّديقَ الواحدَ يَسعى أَكثَرَ ممَّا يَسعى الشُّفعاءُ. ويَجوزُ أن يُريدَ بالصَّديقِ: الجَمعَ؛ إذْ يُقالُ: هُمْ صديقٌ، أي: أصدقاءُ؛ فأُطلِقَ (الصَّديق) على الجَمعِ كـ (العَدُوِّ)؛ لأنَّه في الأصلِ مَصدرٌ [628] يُنظر: ((تفسير الزمخشري-مع الحاشية)) (3/322، 323)، ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((تفسير أبي حيان)) (8/170)، ((تفسير أبي السعود)) (6/253)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 414).   . وقيل: المُرادُ نَفْيُ جِنسِ الشَّفيعِ وجِنسِ الصَّديقِ؛ لوُقوعِ الاسمَينِ في سِياقِ النَّفيِ المؤكَّدِ بـ مِنْ الزَّائدةِ، وفي ذلك السِّياقِ يَستَوي المُفرَدُ والجَمعُ في الدَّلالةِ على الجِنسِ؛ وإنَّما خولِفَ بيْن اسمَيْ هذَينِ الجِنسَينِ في حِكايةِ كلامِهم -إذْ جِيءَ بـ شَافِعِينَ جَمْعًا، وبـ صَدِيقٍ مُفرَدًا-؛ لأنَّهم أَرادوا بالشَّافِعينَ: الآلِهةَ الباطلةَ، وكانوا يَعْهَدونَهم عَدِيدينَ؛ فجرَى على كلامِهم ما هو مُرتَسِمٌ في تَصوُّرِهم. وأمَّا الصَّدِيقُ فإنَّه مَفروضٌ جِنسُه دُونَ عددِ أفرادِه؛ إذْ لم يَعنُوا عددًا مُعَيَّنًا، فبَقيَ على أصلِ نَفيِ الجِنسِ، وعلى الأصلِ في الألفاظِ؛ إذْ لم يَكُنْ داعٍ لغَيرِ الإفرادِ. والَّذي يَبْدو أنَّه أُوثِرَ جَمعُ شَافِعِينَ؛ لأنَّه أَنسَبُ بصورةِ ما في أذهانِهم، وأمَّا إفرادُ صَدِيقٍ؛ فلأنَّه أُريدَ أنْ يُجرَى عليه وصْفُ حَميمٍ، فلو جِيءَ بالمَوصوفِ جَمْعًا لاقتَضى جمْعَ وصْفِه، وجَمْعُ حَميمٍ فيه ثِقَلٌ لا يُناسِبُ منتهَى الفَصاحةِ، ولا يَليقُ بصورةِ الفاصِلةِ، مع ما حَصَل في ذلك مِنَ التَّفنُّنِ الَّذي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ [629] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/155).   .
- وقولُهم: وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ تَتميمٌ [630] تقدَّم تعريفُه (ص: 33).   ، أثارَه ما يَلْقَونه مِن سوءِ المُعامَلةِ مِن كلِّ مَن يَمُرُّون به أو يَتَّصِلون، ومِنَ الحِرمانِ الَّذي يُعامِلُهم كلُّ مَن يَسألُونه الرِّفقَ بهم، حتَّى عَلِموا أنَّ جميعَ الخَلْقِ تَتبرَّأُ منهم [631] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/155).   .
12- قولُه تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فرَّعوا على هذا التَّحسُّرِ والنَّدامةِ تَمنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنيا؛ ليَتَدارَكوا أمْرَهم في الإيمانِ باللهِ وحْدَه [632] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/155).   . وهو تَمَنٍّ للرَّجعةِ، أُقيمَ فيه (لو) مقامَ (لَيْتَ)؛ لتَلاقيهِما في معنَى التَّقديرِ. وقيل: يَجوزُ أن تَكونَ على أصْلِها، ويُحذَفَ الجوابُ، وهو: لَفَعَلْنا كَيْتَ وكَيْتَ [633] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/323)، ((تفسير البيضاوي)) (4/143)، ((تفسير أبي حيان)) (8/171)، ((تفسير أبي السعود)) (6/253).   .
- وفي الآياتِ مِن قَولِه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ إلى قَولِه: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 70- 102] تخلُّصٌ حَسَنٌ [634] حُسنُ التخلُّصِ: هو الانتقالُ ممَّا ابتُدِئ به الكلامُ إلى المقصودِ، أو مِن موضوعٍ إلى موضوعٍ آخَرَ بأُسلوبٍ حسَنٍ مستطابٍ، على وجهٍ سهلٍ دقيقِ المعنى، بحيثُ لا يشعُرُ السامعُ بالانتقالِ مِن المعنى الأوَّلِ إلَّا وقد وقَع عليه الثاني؛ لشدَّةِ الالتئامِ بيْنَهما. وحسنُ التخلُّصِ متشابهٌ جدًّا معَ الاستطرادِ، إلَّا أنَّ بينَهما فرقًا دقيقًا؛ بيانُه: أنَّ التخلُّصَ تركُ ما كان الكلامُ فيه بالكليةِ، والإقبالُ على ما تُخُلِّص إليه. والاستطرادُ مرورٌ بذكرِ الأمرِ الذي استُطرِد إليه مرورًا كالبرقِ الخاطِفِ، ثم ترْكُه والعودةُ إلى ما كان فيه، كأنَّ المتكلِّمَ لم يقصِدْه، وإنَّما عرَض عُروضًا. يُنظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/373)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/561).   ؛ فما أَحسَنَ ما رتَّبَ إبراهيمُ كلامَه مع المُشرِكينَ، حينَ سألَهم أوَّلًا عمَّا يَعبُدونَ سؤالَ مُقرِّرٍ لا مُستفهِمٍ، ثمَّ أَنحَى على آلهتِهم، فأَبطَلَ أمْرَها بأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولا تُبصِرُ ولا تَسمَعُ، وعلى تَقليدِهم آباءَهم الأَقدَمينَ، فكَسَره وأَخرَجه مِن أن يَكونَ شُبهةً، فضْلًا أن يَكونَ حُجَّةً، ثمَّ صَوَّرَ المسألةَ في نفْسِه دُونَهم، حتَّى تَخلَّص منها إلى ذِكرِ اللهِ عزَّ وعلا؛ فعَظَّمَ شأنَه، وعَدَّدَ نِعمتَه، مِن لَدُنْ خَلْقِه وإنشائِه، إلى حينِ وفاتِه، معَ ما يُرجَى في الآخِرةِ مِن رَحمتِه، ثمَّ أتبَعَ ذلك أنْ دعاهُ بدعَواتِ المُخلِصينَ، وابتَهَلَ اليه ابتِهالَ الأَوَّابينَ، ثمَّ وصَلَه بذِكرِ يَومِ القِيامةِ، وثَوابِ اللهِ وعِقابِه، وما يُدفَعُ إليه المُشرِكون يَومَئذٍ مِنَ النَّدمِ والحسَرةِ على ما كانوا فيه مِنَ الضَّلالِ، وتَمنِّى الكَرَّةِ إلى الدُّنيا؛ ليؤْمِنوا ويُطيعوا [635] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/321)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/92، 93).   .
13- قولُه تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
- في ذلك مَسلاةٌ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في تَكذيبِ قَومِه إيَّاهُ عليه السَّلامُ [636] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/171).   .
- وهو تكريرٌ ثالثٌ لهاتِه الجُملةِ؛ تَعدادًا على المُشرِكينَ، وتَسجيلًا لتَصميمِهم [637] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/156).   .