موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآيات (63-68)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ

غَريبُ الكَلِماتِ:


سَعِيرًا: أي: نارًا تَتسعَّرُ، أي: تشتعِلُ وتتَّقِدُ وترتفِعُ، والسَّعيرُ اسمٌ مِن أسماءِ جهنَّمَ [1349] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/259)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/75)، ((المفردات)) للراغب (1/411)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/136)، ((الكليات)) للكفوي (1/521). .

المعنى الإجماليُّ:


 يقولُ تعالى مبَيِّنًا أنَّ وقتَ قيامِ السَّاعةِ لا يَعلَمُه إلَّا هو: يَسألُك النَّاسُ -يا محمَّدُ- عن وُقوعِ القيامةِ، قُلْ: عِلمُ ذلك عندَ اللهِ. وما يُدريك -يا محمَّدُ- لعلَّ وَقتَ مَجيءِ القيامةِ قد دنا واقترَبَ.
ثمَّ يُبيِّنُ ما أعدَّه للكافرينَ مِن عِقابٍ، فيقولُ: إنَّ اللهَ طردَ الكافرينَ مِن رَحمتِه، وأعدَّ لهم نارًا مُتسَعِّرةً، ماكِثينَ فيها أبدًا، لا يجِدونَ وليًّا ولا نَصيرًا يومَ تُقلَّبُ وُجوهُهم في النَّارِ يقولونَ: يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا رسولَه.
وقالوا: ربَّنا إنَّا أطَعْنا في الدُّنيا أئمَّتَنا وكُبراءَنا في الكُفرِ والعِصيانِ، فصَرَفونا عن طريقِ الحَقِّ، رَبَّنا ضاعِفْ عليهم العذابَ، وأبْعِدْهم مِن رحمتِك إبعادًا عظيمًا.

تَفسيرُ الآياتِ:


يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى حالَ المنافِقينَ في الدُّنيا أنَّهم يُلعَنون ويُهانونَ ويُقتَلون؛ أراد أن يُبيِّنَ حالَهم في الآخرةِ، فذكَّرهم بالقيامةِ، وذكَر ما يكونُ لهم فيها [1350] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/185). .
وأيضًا لَمَّا كان تهديدُ المنافِقينَ بعذابِ الدُّنيا يُذَكِّرُ بالخَوضِ في عذابِ الآخرةِ: خوْضِ المُكَذِّبينَ السَّاخِرينَ، وخَوضِ المؤمِنينَ الخائِفينَ، وأهلِ الكتابِ؛ أتْبَعَ ذلك بهذا [1351] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/112). .
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.
أي: يَسألُك النَّاسُ -يا مُحمَّدُ- عن يومِ القيامةِ متى يكونُ [1352] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). قيل: المرادُ بالنَّاسِ هنا: المُشرِكون. ومِمَّن قال بذلك: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (15/415). قال القرطبي: (قوله تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ هؤلاء المُؤْذُون لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لَمَّا تُوُعِّدوا بالعذابِ سألوا عن السَّاعةِ؛ استِبعادًا وتكذيبًا، موهِمينَ أنَّها لا تكونُ). ((تفسير القرطبي)) (14/248). وقيل: المرادُ: المُشرِكون واليهودُ؛ فكان المشركون يَسألون استعجالًا على سبيلِ الهُزْءِ، واليهودُ يَسألونه امتِحانًا. وممَّن اختاره: الزمخشري، والنسفي، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/562)، ((تفسير النسفي)) (3/46)، ((تفسير أبي السعود)) (7/116). وزاد الألوسي على المشركينَ واليهودِ: المنافقينَ، وأنَّهم كانوا يَسألون تعَنُّتًا. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (11/267). وقيل: المرادُ: عمومُ النَّاسِ؛ فيدخُلُ في ذلك المؤمنونَ والكافِرون. ومِمَّن قال بذلك: ابنُ عاشور، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/112)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 506). ؟
قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ.
أي: قُلْ لهم: لا يَعلَمُ متى تكونُ القيامةُ إلَّا اللهُ وَحْدَه [1353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((تفسير القرطبي)) (14/248)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/257). .
كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف: 187].
وقال سُبحانَه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا [النازعات: 42 - 44].
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا.
أي: وما يُدريك [1354] قال ابن عثيمين: (مَا يَحتمِلُ أن تكونَ نافيةً، يعني: لا يُدريك عنها شَيءٌ، ويَحتمِلُ أن تكونَ استفهاميَّةً، يعني: أيَّ شَيءٍ يُعلِمُك بها حتَّى تسألَ عنها؟! وأيًّا كان فاللهُ تعالى يَنفي عِلمَ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلم بها). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 508). -يا مُحمَّدُ- لعلَّ وَقتَ مَجيءِ القيامةِ قد دنا واقتَرَب [1355] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((الهداية)) لمكي (9/5874)، ((تفسير القرطبي)) (14/248). .
كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1].
وقال الله سُبحانَه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 1].
وقال عزَّ وجلَّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1].
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى حالَ المنافِقينَ في الدُّنيا أنَّهم مَلعونونَ مُهانونَ مَقتولونَ؛ بيَّنَ حالَهم في الآخِرةِ [1356] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/506). .
وأيضًا فهذا حظُّ الكافِرينَ مِن وعيدِ السَّاعةِ، وهذه لَعْنةُ الآخرةِ، قُفِّيَت بها لعنةُ الدُّنيا في قَولِه: مَلْعُونِينَ [الأحزاب: 61]؛ ولذلك عَطَف عليها وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، فكانت لعنةُ الدُّنيا مُقتَرِنةً بالأخذِ والتَّقتيلِ، ولعنةُ الآخرةِ مُقترنةً بالسَّعيرِ [1357] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/114). .
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ .
أي: إنَّ اللهَ طَرَد الكافِرينَ وأبعَدَهم عن رَحمتِه [1358] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير القرطبي)) (14/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 511). قال السعدي: (فأبعَدهم في الدُّنيا والآخرةِ مِن رحمتِه، وكفَى بذلك عقابًا). ((تفسير السعدي)) (ص: 672). .
وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا.
أي: وأعدَّ لهم نارًا شَديدةَ الإيقادِ؛ لِتَعذيبِهم بها [1359] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/115). .
كما قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: 6].
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65).
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
أي: ماكِثينَ في النَّارِ إلى غيرِ نهايةٍ، فلا يَخرُجونَ منها [1360] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). .
لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
أي: لا يَجِدونَ وَليًّا يَتولَّاهم ويَنفَعُهم ويحفَظُهم، ولا نصيرًا يَنصُرُهم مِن عذابِ اللهِ [1361] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 513، 514). .
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66).
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ.
أي: يومَ [1362] قيل: الظَّرفُ هنا مُتعَلِّقٌ بما سبق، فيكونُ المعنى: لا يجِدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا في يومِ تُقلَّبُ وُجوهُهم في النَّارِ. ومِمَّن قال بهذا: ابنُ جرير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير أبي السعود)) (7/116)، ((تفسير الشوكاني)) (4/351)، ((تفسير الألوسي)) (11/267). وقيل: الظَّرفُ هنا مُنتَصِبٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: اذكُرْ. وممَّن اختاره: القِنَّوْجي. يُنظر: ((تفسير القنوجي)) (11/149). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (22/116). قال ابن عثيمين: (يحتملُ أنَّ العامِلَ قَولُه تعالى: وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، ويحتمِلُ أنَّها خَالِدِينَ، ويحتملُ أنَّها يَجِدُونَ، فتكونُ تنازعت فيها العوامِلُ الثَّلاثةُ، ويحتمِلُ أنَّ العامِلَ محذوفٌ، أي: اذكُرْ يومَ تقلَّبُ وجوهُهم. وكُلُّ هذا مُحتملٌ، وكُلُّ هذا هو الواقِعُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 515). تُقلَّبُ وُجوهُ الكافِرينَ في النَّارِ مِن جِهةٍ إلى أُخرى [1363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/417)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/116)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 515). .
يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا.
أي: يَقولُ الكافِرونَ وهم نادِمونَ: يا لَيْتَنا [1364] (يَا) حرفُ تنبيهٍ، أو حرفُ نداءٍ، والمنادَى محذوفٌ يُناسِبُ المقامَ، تقديرُه: يا ربَّنا لَيْتَنا. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 560)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/116)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 516). أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا رَسولَه في الدُّنيا، فسَلِمْنا مِن عذابِ الآخرةِ [1365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 673). قال ابن عثيمين: (قَولُه تعالى: يَقُولُونَ يحتملُ أنَّها حالٌ -وهو الأقرَبُ- مِنَ الهاءِ في وُجُوهُهُمْ يعني: تُقلَّبُ وهم يتحَسَّرون هذا التحَسُّرَ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا. ويحتملُ أن تكونَ استِئنافيَّةً، أي: حكايةُ الله سُبحانَه وتعالى عنهم ما يقولونَ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 515). .
كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان: 27-29].
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67).
أي: وقال الكافِرونَ: رَبَّنا إنَّا أطَعْنا في الدُّنيا أئِمَّتَنا في الضَّلالِ؛ مِن الكُفرِ بك، ومَعصيتِك، ومُخالَفةِ رَسولِك؛ فصَرَفونا عن طريقِ الحَقِّ [1366] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((تفسير القرطبي)) (14/249)، ((تفسير ابن كثير)) (6/484)، ((تفسير الشوكاني)) (4/352). قال الماوَرْدي: (في «السَّادةِ» هنا ثلاثةُ أقاويلَ؛ أحدُها: أنَّهم الرُّؤساءُ. الثَّاني: أنَّهم الأُمَراء، قاله أبو أسامةَ. الثَّالثُ: الأشرافُ، قاله طاووسٌ. وفي «الكُبَراءِ» هنا قولانِ؛ أحدُهما: أنَّهم العُلَماء، قاله طاوسٌ. الثَّاني: ذَوو الأسنانِ، وهو مأثورٌ). ((تفسير الماوردي)) (4/425). وقيل: السَّيِّدُ هو ذو الشَّرفِ والقَدْرِ في قومِه، والكُبَراءُ هم الَّذين فوقَ الأسيادِ؛ كالأمراءِ ونحوِهم. قاله ابنُ عثيمينَ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 519). وقال القرطبي: (والسَّادةُ والكبراءُ بمعنًى). ((تفسير القرطبي)) (14/249). وقال الشوكاني: (المرادُ بالسَّادةِ والكبراءِ: هم الرُّؤساءُ والقادَةُ الَّذينَ كانوا يَمْتَثِلونَ أمْرَهم في الدُّنيا، وَيَقْتَدونَ بهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/352). .
رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا لم يُجْدِ تَمَنِّي الكافِرينَ الإيمانَ بطاعةِ اللهِ ورَسولِه، ولا قام لهم عذرٌ في تَشَكِّيهم ممَّن أضلُّوهم: دَعَوا على ساداتِهم، فقالوا [1367] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/508). :
رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ.
أي: رَبَّنا عذِّبْهم مِثْلَيْ عَذابِنا [1368] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((الوسيط)) للواحدي (3/483)، ((تفسير ابن كثير)) (6/484). .
كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 38].
وقال سُبحانَه: قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ [ص: 61].
وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
قِراءةُ كَبِيرًا قيل: المعنى: لَعْنًا عظيمًا شديدًا غَليظًا [1369] قرأ بها عاصم. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 580)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/420). .
قِراءةُ كَثِيرًا قيل: على معنى أنَّهم يُلعَنونَ مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ. وقيل: المعنى: اطرُدْهم عن محالِّ الرَّحمةِ طَرًدا مُتناهِيًا في العدَدِ. وقيل: القِراءتانِ بمعنًى واحدٍ [1370] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 580)، ((تفسير القرطبي)) (14/250)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/420). قال الأزهري: (معنى الكبيرِ والكثيرِ متقارِبٌ، والثَّاءُ أكثرُ. واللهُ أعلَمُ). ((معاني القراءات)) (2/286). وقال القرطبي: (قراءةُ الباءِ ترجِعُ في المعنى إلى الثَّاءِ؛ لأنَّ ما كَبُرَ كان كثيرًا عظيمَ المِقْدارِ). ((تفسير القرطبي)) (14/250). وقال ابن عثيمين: (وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا وهذا باعتبارِ الكَمِّيَّةِ، ولَعْنًا كَبِيرًا باعتبارِ الكيفيَّةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 520، 521). .
وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا.
أي: واطرُدْهم وأبعِدْهم مِن رَحمتِك طَردًا وإبعادًا عَظيمًا [1371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/188)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/420)، ((تفسير أبي السعود)) (7/117)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 520، 521). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


في قَولِه تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا تحذيرُ مَن حَوْلَ وُلاةِ الأُمورِ والوُلاةِ -سواءٌ كانوا وزراءَ أو مُديرينَ أو أكبرَ مِن ذلك- أنْ يَتَّبِعَهم في مَعصيةِ اللهِ تعالى، وأنَّه سيأتي اليَومُ الَّذي يَندَمُ فيه ويَتبرَّأُ، ويدعو عليهم بمِثلِ هذا الدُّعاءِ [1372] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 523). .
في قولِه تعالى عن الأتْباعِ: فَأَضَلُّونَا التَّحذيرُ مِن جُلساءِ السُّوءِ، فكلُّ إنسانٍ ترى أنَّه سيُضِلُّك عن سبيلِ اللهِ تعالى فالواجبُ عليك البُعدُ عنه [1373] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 523). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


قال تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ السُّؤالُ عن السَّاعةِ يحتَمِلُ أن يكونَ الحامِلُ عليه التَّكذيبَ بها واستِبعادَها، وهذا يُورَدُ مِن الكُفَّارِ، وتارةً يُسأَلُ عنها سؤالَ استِفهامٍ: متى تكونُ؟ مع الإيقانِ بها، وهذا قد يَرِدُ مِن المؤمنينِ، وتارةً يُسأَلُ عنها؛ لِيُبَيَّنَ للنَّاسِ أنَّه لا يمكِنُ العِلمُ بها، كما سأل جِبريلُ عليه السَّلامُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن السَّاعةِ؛ قال: ((متى السَّاعةُ؟ )) [1374] رواه البخاري (50)، ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو لم يَسألِ استِبعادًا وإنكارًا، ولا استِرشادًا: متى يكونُ وَقتُها؟ ولكِنْ إعلامًا بأنَّ وقتَها لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ تعالى [1375] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 506). .
في قَولِه تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ دليلٌ واضحٌ على أنَّه لا أحدَ غيرُ اللهِ يَعْلَمُ متى تكونُ السَّاعةُ، فمَنِ ادَّعَى أنَّه يَعلَمُ السَّاعةَ متى تكونُ؛ فقد كَذَّبَ القرآنَ، وهو كافرٌ مرتدٌّ عن دينِ الإسلامِ [1376] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (365/2). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ إثباتُ العِلَلِ والأسبابِ؛ يُؤخَذُ مِن قَولِه تعالى: الْكَافِرِينَ؛ فـ الْكَافِرِينَ وصفٌ عُلِّقَ به اللَّعنُ، فهو رَبطٌ لِلَّعنِ بالكُفرِ، فيكونُ في هذا إثباتُ العِلَلِ والأسبابِ، وفيه رَدٌّ على الجَهميَّةِ الَّذين يقولونَ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَفعَلُ الأشياءَ لا لحِكمةٍ، بل لمجرَّدِ المَشيئةِ» [1377] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 513). !
قولُه تعالى وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا فيه إثباتُ وجودِ النَّارِ [1378] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 513). .
في قَولِه تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا تأبيدُ خُلودِ الكافرينَ في النَّارِ، وفيه رَدٌّ على مَن قال بفَناءِ النَّارِ [1379] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 514). .
أنَّ السَّادةَ والكُبَراءَ المُضلِّينَ لا يَنفعونَ أتْباعَهم يومَ القيامةِ؛ ووجْهُه: قولُه تعالى: لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، ولأنَّهم دَعَوا على هؤلاء: رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ، ولو كانوا ينفعونَهم ما دَعَوا عليهم [1380] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 523). !
في قَولِه تعالى: يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا أنَّ طاعةَ اللهِ تعالى ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سببٌ للنَّجاةِ مِن النارِ؛ لأنهم لم يَتمَنَّوا شيئًا سِوى طاعةِ اللهِ تعالى ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّتي يَنْجُونَ بها مِن هذا العذابِ [1381] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 518). .
قال الله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا هذا النَّصُّ وأمثالُه فيه نصيبٌ لكلِّ مَنِ اتَّبع أحدًا مِنَ الرُّؤوسِ فيما يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ؛ سواءٌ كانوا مِن رؤوسِ أهلِ النَّظَرِ والكَلامِ والمعقولِ والفَلسَفةِ، أو رُؤوسِ أهلِ الفِقهِ والكلامِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، أو مِن رُؤوسِ أهلِ العبادةِ والزَّهادةِ والتَّألُّهِ والتَّصَوُّفِ، أو مِن رُؤوسِ أهلِ المُلكِ والإمارةِ والحُكمِ والوِلايةِ والقَضاءِ [1382] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (5/318). .
في قَولِه تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا تحريمُ تقليدِ العالِمِ إذا تَبَيَّنَ النَّصُّ، وهذا يُؤخَذُ مِن أنَّ اللهَ تعالى عَذَّبَ هؤلاء على تقليدِ كُبَرائِهم وزُعمائِهم في مخالفةِ الحقِّ. فإذا تَبَيَّنَ لك الحقُّ فلا تَقُلْ: قال العالِمُ الفلانيُّ، وقال الإمامُ الفلانيُّ؛ فتكونَ مُشابهًا لأهلِ النَّارِ الَّذين قالوا: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا [1383] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 522). .
قال الله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا هذا نصٌّ في بُطلانِ التَّقليدِ، وقد احتجَّ العلماءُ بهذه الآيةِ وغيرِها مِن الآياتِ في إبطالِ التَّقليدِ، ولم يمنَعْهم كفرُ أولئك مِن الاحتجاجِ بها؛ لأنَّ التَّشبيهَ لم يَقَعْ مِن جهةِ كُفْرِ أحدِهما وإيمانِ الآخَرِ، وإنَّما وَقَعَ التَّشبيهُ بينَ المقلِّدِينَ بغيرِ حُجَّةٍ للمقلَّدِ، كما لو قَلَّدَ رجُلًا فكَفَرَ، وقَلَّدَ آخَرَ فأذنبَ، وقَلَّدَ آخَرَ في مسألةٍ فأخطأَ وجْهَها؛ كان كلُّ واحدٍ مَلُومًا على التَّقليدِ بغيرِ حُجَّةٍ؛ لأنَّ كلَّ ذلك تقليدٌ يُشْبِهُ بعضُه بعضًا وإنِ اختلفَتِ الآثامُ فيه [1384] يُنظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر (2/978)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/130، 132). .
في قَولِه تعالى عن الأتْباعِ: فَأَضَلُّونَا جوازُ نِسبةِ الشَّيءِ إلى سَبَبِه، مع أنَّ الَّذي يُضِلُّ ويَهدي حقيقةً هو اللهُ سُبحانَه وتعالى، لكنَّ هؤلاء الكُبَراءَ صاروا سببًا للإضلالِ؛ فنُسِبَ الإضلالُ إليهم [1385] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 522). .
قَولُ الله تعالى: رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا فيه معنًى لطيفٌ، وهو: أنَّ الدُّعاءَ لا يكونُ إلَّا عندَ عَدَمِ حُصولِ الأمرِ المدعوِّ به، والعذابُ كان حاصِلًا لهم، واللَّعنُ كذلك؛ فطَلَبوا ما ليس بحاصِلٍ، وهو زيادةُ العذابِ، بقَولِهم: ضِعْفَيْنِ، وزيادةُ اللَّعنِ، بقَولِهم: لَعْنًا كَبِيرًا [1386] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/185). .

بلاغةُ الآياتِ:


قوله تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
جُملةُ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ... مُعترِضةٌ بيْنَ جُملةِ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: 60]، وبيْن جُملةِ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب: 64]؛ لِتَكونَ تَمهيدًا لِجُملةِ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ ... [1387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/112). .
وقولُه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا خِطابٌ مُستقِلٌّ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غيرُ داخلٍ تحتَ الأمرِ، مَسوقٌ لِبَيانِ أنَّها -مع كَونِها غيرَ مَعلومةٍ للخَلْقِ- مَرْجوَّةُ المَجيءِ عن قَريبٍ، أيْ: أيُّ شَيءٍ يُعلِمُك بوَقتِ قيامِها؟! أي: لا يُعلِمُك به شَيءٌ أصلًا [1388] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/116). .
وفي قولِه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا تَهديدٌ للمُستعجِلينَ، وإسكاتٌ للمُتعنِّتينَ، وتَسليةٌ للمُمتَحَنينَ، وبيانُ أنَّ السَّاعةَ قريبةُ الوُقوعِ. والإظهارُ في حيِّزِ الإضمارِ -حيثُ لم يقُلْ: (لعلَّها)-؛ للتَّهويلِ وزِيادةِ التَّقريرِ، وتأْكيدِ استِقلالِ الجُملةِ [1389] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/562)، ((تفسير البيضاوي)) (4/239)، ((تفسير أبي حيان)) (8/507)، ((تفسير أبي السعود)) (7/116). .
وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال هنا: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا، وقال في سورةِ (الشورى): لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17]، فزِيدَ هنا معه تَكُونُ؛ مُراعاةً للفواصلِ [1390] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 224)، ((بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز)) للفيروزابادي (1/420). .
قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا جُملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ جُملةَ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا إلى قولِه: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 60- 62]، تُثِيرُ في نُفوسِ السَّامعينَ التَّساؤُلَ عن الاقتصارِ على لَعنِهم وتَقتيلِهم في الدُّنيا، وهلْ ذلك مُنْتهى ما عُوقِبوا به أو لهمْ مِن وَرائِه عذابٌ؟ فكان قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ ... إلخ جوابًا عن ذلك [1391] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/114). .
وحَرفُ التَّوكيدِ إِنَّ للاهتِمامِ بالخبَرِ، أو مَنظورٌ به إلى السَّامعينَ مِن الكافرينَ. والتَّعريفُ في الْكَافِرِينَ يَحتمِلُ أنْ يكونَ للعهْدِ، أي: الكافرينَ الَّذين كانوا شاقُّوا الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وآذَوْه وأرْجَفوا في المدينةِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ التَّعريفُ للاستِغراقِ، أي: كلِّ كافرٍ؛ وعلى الوَجهينِ فصِيغةُ الماضي في فِعلِ لَعَنَ مُستعمَلةٌ في تَحقيقِ الوُقوعِ، شُبِّهَ المُحَقَّقُ حُصولُه بالفِعلِ الَّذي حصَلَ [1392] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/114، 115). .
قوله تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
قولُه: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ فيه تَخصيصُ الوُجوهِ بالذِّكرِ مِن بيْنِ سائرِ الأعضاءِ؛ لإنافةِ الوَجهِ -أي: لشَرفِه وعُلوِّه- على جَميعِ الأعضاءِ؛ فهو أكرَمُها؛ فإذا قُلِّبَ في النَّارِ كان تَقليبُ ما سِواه أَوْلى، وفيهِ مَزيدُ تَفظيعٍ للأمْرِ، وتَهويلٌ للخطْبِ. ولأنَّ حرَّ النَّارِ يُؤذِي الوُجوهَ أشَدَّ ممَّا يُؤذِي بقيَّةَ الجِلدِ؛ لأنَّ الوُجوهَ مَقَرُّ الحواسِّ الرَّقيقةِ [1393] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/562)، ((تفسير أبي حيان)) (8/507)، ((تفسير أبي السعود)) (7/116)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/116)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/53). .
وقولُه: يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا استِئنافٌ مَبنيٌّ على سُؤالٍ نشَأَ مِن حِكايةِ حالِهم الفَظيعةِ؛ كأنَّه قِيل: فماذا يَصنَعون عندَ ذلك؟ فقِيل: يَقولون مُتحسِّرينَ على ما فاتَهم... [1394] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/116). .
وحَرْفُ (يا) في قولِه: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا للتَّنبيهِ -على قولٍ-؛ لِقَصدِ إسماعِ مَن يَرْثِي لِحالِهم، والتَّمَنِّي هنا كِنايةٌ عن التَّندُّمِ على ما فاتَ [1395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/116). .
والألِفُ في آخِرِ قولِه: الرَّسُولَا؛ لرِعايةِ الفواصلِ الَّتي بُنِيَت عليها السُّورةُ؛ فإنَّها بُنِيَت على فاصلةِ الألِفِ، وفائدةُ زِيادةِ الألِفِ الوقفُ، والدَّلالةُ على أنَّ الكلامَ قد انقطَعَ، وأنَّ ما بعْدَه مُستأنَفٌ [1396] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/562)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/116). .
قوله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
الابتِداءُ بالنِّداءِ ووَصْفِ الرُّبوبيَّةِ في قولِه: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا إظهارٌ للتَّضرُّعِ والابتِهالِ. وجِيءَ بالأفعالِ في صِيغةِ الماضي؛ لأنَّ هذا القولَ كان مُتقدِّمًا على قولِهم: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ [الأحزاب: 66]؛ فذلك التَّمَنِّي نشَأَ لهم وقتَ أنْ مَسَّهم العذابُ مع رُؤسائِهم، وهو خبَرٌ مُستعمَلٌ في الشِّكايةِ والتَّذَمُّرِ، وهو تَمهيدٌ لِطلَبِ الانتِصافِ مِن سادتِهم وكُبرائِهم، ومَقصودٌ مِن هذا الخبرِ أيضًا الاعتِذارُ والتَّنصُّلُ مِن تَبِعةِ ضَلالِهم بأنَّهم مَغرورونَ مَخدوعونَ [1397] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/117)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/117). .
وحَرفُ التَّوكيدِ إِنَّ؛ لِمُجرَّدِ الاهتِمامِ. وتَقديمُ قَولِهم: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا اهتمامٌ بما فيه مِن تَعليلٍ لِمَضمونِ قولِهم: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا؛ لأنَّ كُبَراءَهم ما تأتَّى لهم إضلالُهم إلَّا بتَسبُّبِ طاعتِهم العَمْياءِ إيَّاهم، واشتِغالِهم بِطاعتِهم عن النَّظرِ والاستِدلالِ فيما يَدْعونهم إليه مِن فَسادٍ ووَخامةِ مَغَبَّةٍ، وبتَسبُّبِ وَضْعِهم أقوالَ سادتِهم وكُبرائِهم مَوضعَ التَّرجيحِ على ما يَدْعوهم إليه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [1398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/118). .
قوله تعالى: رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا في إعادةِ النِّداءِ في قولِهم: رَبَّنَا: تأكيدٌ للضَّراعةِ والابتهالِ، وللمُبالَغةِ في الجُؤارِ، واستِدعاءِ الإجابةِ، وتَمهيدٌ لِقَبولِ سُؤلِهم، حتَّى إذا قُبِلَ سُؤلُهم طَمِعوا في التَّخلُّصِ مِن العذابِ الَّذي أَلْقَوه على كاهلِ كُبَرائِهم، بما في هذا النِّداءِ مِن تَعريضٍ بإلقاءِ تَبِعةِ الضَّلالِ على الَّذين أضَلُّوهم، وأنَّ العذابَ الَّذي أُعِدَّ لهم يُسلَّطُ عليهم. وتَثنيةُ ضِعْفَيْنِ مُستعمَلةٌ في مُطلَقِ التَّكريرِ؛ كِنايةً عن شِدَّةِ العذابِ [1399] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/117)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/118). .
وفي قولِه: وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا -على قِراءةِ كَثيرًا- وُصِفَ اللَّعنُ بالكَثرةِ كما وُصِفَ العذابُ بالضِّعفينِ؛ إشارةً إلى أنَّ الكُبَراءَ استَحقُّوا عَذابًا لِكُفرِهم، وعَذابًا لِتَسبُّبِهم في كُفرِ أتْباعِهم، فالمُرادُ بالكثيرِ: الشَّديدُ القوِيُّ -على قولٍ-؛ فعُبِّرَ عنه بالكثيرِ لِمُشاكَلةِ معنى التَّثنيةِ في قولِه: ضِعْفَيْنِ المُرادِ به الكثرةُ [1400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/119). .